"بركان"، في الضفة الغربية المحتلة، مستوطنة سكنية ومنطقة صناعية إسرائيلية تضم نحو 120 مصنعا تصدر حوالي 80 بالمئة من منتجاتها إلى الخارج. في الخلفية، تبدو قرية قراوة بني حسن.  

© 2004 ديفيد سيلفرمان
 

هناك مفارقة مريرة في خطة التنمية الاقتصادية بعنوان "من السلام إلى الازدهار"، التي أعلن عنها البيت الأبيض مؤخرا للأراضي الفلسطينية المحتلة.  والتي وضعها جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب وكبير مستشاريه، إلى جانب ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي إلى إسرائيل، وجيسون د. غرينبلات، المبعوث الخاص للمفاوضات الدولية. تسعى الخطة إلى جمع 50 مليار دولار، معظمها من الدول العربية، على أن يُستخدم نصفها تقريبا لتنمية الاقتصاد الفلسطيني، بينما يُخصّص الباقي للفلسطينيين الذين يعيشون في مصر والأردن ولبنان.

لكن الخطة تتفادى تناول العقبات الرئيسية التي تعترض التنمية الاقتصادية: إغلاق قطاع غزة، ووجود المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية بموجب القانون الإنساني الدولي في الضفة الغربية، والنظام الازدواجي والتمييزي الذي يُعامِل الفلسطينيين والمستوطنين بشكل منفصل وغير عادل. غياب النمو الاقتصادي ليس مجرد نتيجة ثانوية لهذه الانتهاكات، بل نتيجة للسياسات الإسرائيلية المتعمدة.

عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في 1967، عزلت تلك الأراضي عن شركائها التجاريين السابقين. في 1968، قال وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان: "بإمكاننا بناء تكامل اقتصادي... علينا أن نربط الكيانين [الفلسطيني والإسرائيلي]، إذا كنا نرغب في عدم قطع الاتصالات مع هذه المناطق من جانبنا ومن أجلنا". لكن هذا التكامل لم يتضمن المساواة. بل على العكس، استمرت إسرائيل في توسيع المستوطنات وترسيخ نظامها التمييزي ضد الفلسطينيين، حتى عندما عكست إسرائيل جزئيا عملية التكامل بعد 1994، عقب اتفاقات أوسلو.

استخدمت إسرائيل خلال العقود الخمسة الماضية سيطرتها على حدود فلسطين وأراضيها ومياهها لبناء مجتمعات سكنية مزدهرة لأكثر من 600 ألف مستوطن إسرائيلي و19 منطقة صناعية، في انتهاك لقوانين الاحتلال، وفي الوقت نفسه، فرضت قيودا صارمة على وصول الفلسطينيين إلى مواردهم الطبيعية وعلى حصولهم على التصاريح اللازمة لتنميتها. في 1987، أخبر أرييل شارون وزير الصناعة والتجارة آنذاك "الكنيست" بأن سياسته تتمثل في دراسة إجراء "دراسة دقيقة" لطلبات الفلسطينيين لبناء المصانع، و"مراعاة الصناعات الإسرائيلية واحتياجات السوق وإمكانيات التصدير بشكل شامل". أضاف أن "تهديد المنافسة الفلسطينية يفرض إنشاء المصانع [في المستوطنات الإسرائيلية]".

عمليا يعني ذلك على سبيل المثال أن الحكومة الإسرائيلية تمنح مواطنيها والأجانب تصاريح لبناء مصانع في الضفة الغربية على أراض صادرتها بشكل غير قانوني، وغالبا ما كانت تقدم إعانات سخية لتشجيع الاستثمار، بينما رفضت بشكل منهجي منح تصاريح مماثلة للفلسطينيين، حتى للأرض التي يملكونها. يتعارض ذلك مع التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي، ويؤدي إلى التمييز ضد الأشخاص الذين يتعيّن على دولة الاحتلال إدارة أراضيهم، ومنح امتيازات لمن تَحظر عليهم قوانين الاحتلال العيش هناك أصلا.

تكشف حالة مقالع الحجر (المحاجر) في الضفة الغربية كيف أن القيود التمييزية التي تفرضها إسرائيل تُكلف الاقتصاد الفلسطيني 241 مليون دولار سنويا، بحسب "البنك الدولي". تُرخّص إسرائيل 11 محجرا تديرها المستوطنات في الضفة الغربية، والتي تسد حوالي ربع احتياجات سوق الحصى لديها، رغم أن استغلال الموارد يحدث في أراض محتلة، في انتهاك للقانون الإنساني الدولي. تعود ملكية أحد هذه المقالع إلى شركة "هانسون" التابعة لشركة "هايدلبرغ للأسمنت" ومقرها في ألمانيا. الإدارة المدنية الإسرائيلية منحت فرع شركة هايدلبرغ تصريحا لمقالعها على أرض صادرتها من قرية الزاوية الفلسطينية.

تتناقض السهولة التي تعمل بها هذه المحاجر الاستيطانية مع الحظر الإسرائيلي الفعلي على إصدار تصاريح المحاجر للفلسطينيين على مدار العقود الثلاثة الماضية. على سبيل المثال، توقفت السلطات الإسرائيلية عن تجديد تصاريح المحاجر حول بيت فجار، وهي بلدة يقارب عدد سكانها نحو13,500 وتقع على بعد حوالي 10 كيلومترات جنوب بيت لحم. في 2010، كان 80 بالمئة من وظائف البلدة في صناعة الأحجار وموزعة بين 150 ورشة حجر و40 محجر. لكن في السنوات الأخيرة، توقفت السلطات عن تجديد تصاريح المحاجر القليلة التي سمحت لها بمواصلة عملها. يواجه أصحاب المقالع الذين يستمرون في العمل غرامات ضخمة ومصادرة معداتهم الباهظة الثمن، بالإضافة إلى صعوبات في نقل منتجاتهم بسبب التأخير عند مئات نقاط التفتيش و الحواجز المنتشرة على جميع طرق الضفة الغربية.

تعيش العديد من الصناعات الفلسطينية قصصا مماثلة. السياسات الإسرائيلية تعرقل تنميتها، بينما تساعد الصناعات الاستيطانية غير القانونية على الازدهار. بحسب البنك الدولي، كلفت القيود الإسرائيلية المفروضة على المنطقة (ج) في الضفة الغربية، وهي المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الحصرية، الاقتصاد الفلسطيني 3.4 مليار دولار سنويا.

إذا أراد البيت الأبيض إحلال السلام من خلال الازدهار، عليه الضغط على إسرائيل لإنهاء سياساتها التمييزية وغير القانونية التي تساهم في خنق الاقتصاد الفلسطيني.