متظاهرون في مسيرة تندد بترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، وسط سحابة من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات مكافحة الشغب، 1 مارس/آذار 2019. 

© 2019 AP Photo/Fateh Gudoum

بعد عدة أسابيع من تعبئة الجزائريين، الذين احتلوا بكثافة شوارع البلاد للتعبير عن رفضهم لولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يفتح إعلان هذا الأخير سحب ترشيحه الوضع على عدة احتمالات ويطرح أسئلة متعددة. ويتعلق أهمها بمستقبل الحقوق والحريات في الجزائر، التي ما زالت تعاني من نير النظام القمعي، وتقع في صلب مطالب الكرامة والحرية التي ينادي بها المتظاهرون.

في الوقت الراهن، لا شيء يشير إلى تغييرات عميقة. على العكس من ذلك، ركز الإعلان على مجموعة من التدابير ذات طبيعة سياسية، والتي وصفها البعض بأنها مضللة. في البداية، لم يرافق قرار تأجيل الانتخابات الرئاسية، التي كان من المقرر إجراؤها في 18 أبريل/نيسان 2019، أي تاريخ جديد ولا يستند إلى أي نص دستوري يسمح بوضع إطار مؤسسي لهذا التأجيل. ثم إن إعلان بوتفليقة عن إنشاء "ندوة وطنية" ستكون "جامعة ومستقلة" ومسؤولة عن "إعداد واعتماد كل أنواع الإصلاحات التي ستشكل أسيسة النظام الجديد الذي سيتمخض عنه إطلاق مسار تحويل دولتنا الوطنية" لم تصاحبه أجندة ملموسة أو ترتيبات جديدة للحكامة. على العكس من ذلك، ستكون هذه الندوة رسميا تحت رعاية "هيئة رئاسية"، وهو ما يرقى مرة أخرى إلى سيطرة السلطة التنفيذية على مجرى العملية الانتقالية المهددة.

شجبت العديد من الشخصيات من المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية المعارضة على الفور هذه الإعلانات باعتبارها مناورات من المؤسسة العسكرية-السياسية، القوية تهدف من خلالها إلى ربح الوقت وتقسيم الرأي العام وإضعاف التعبئة. في نفس المساء وفي اليوم التالي، نظمت مسيرات في عدة مدن في الجزائر احتجاجا على هذه الإعلانات والمطالبة بتغيير حقيقي للنظام.

من الصعب معرفة ما ستؤول إليه هذه المواجهة الحامية بين الشارع والقادة. لكن من الواضح بالفعل، في ضوء الشعارات التي يرفعها العديد من المتظاهرين، أنهم يتوقون إلى نهاية النظام الذي خنقهم لعقود وإلى احترام القادة في السلطة لحقوقهم كمواطنين. احتمال ولاية خامسة لرئيس يقول عنه العديد من المحللين إنه غير قادر على قيادة البلاد منذ إصابته بجلطة دماغية عام 2013، ولم يتحدث علنا منذ 7 سنوات، والذي تحظى صورته الرسمية بكل التكريم في احتفالات سياسية غريبة، عزز شعورا عميقا بالإذلال الذي يقول آلاف الجزائريين إنهم شعروا به. من الضروري أن يُنصت قادة البلاد لهذه التطلعات ويترجموها إلى أجندة سياسية واضحة. وتحقيقا لهذه الغاية، ينبغي إجراء إصلاحات مهمة لإرساء أساس نظام حكم ديمقراطي.

تتعلق المسألة، أولا وقبل كل شيء، بتحرير الفضاء العام ووضع أسس نظام حكم جديد يحترم حقوق الإنسان. مرت الجزائر بالفعل من مرحلة تحرير المجال السياسي، في أعقاب الحركات الشعبية مثل ثورة 1988، لكن توقف العملية الانتخابية في عام 1991 والحرب الأهلية التي أعقبت ذلك وضعت حداً لجهود الإصلاح هذه. في 2011، في أعقاب الربيع العربي، شهدت الجزائر أيضا وعودا بالإصلاحات لم تتحقق أبدا. في الواقع، ولخنق التمرد الشعبي في مهده، لجأت السلطات إلى العديد من المخططات، بما في ذلك شراء الوئام المدني عن طريق إعادة توزيع أموال الريع النفطي، وتقديم وعود بإصلاحات مهمة لفتح الفضاء العام أمام التعددية. وبدلا من إعداد برنامج ديمقراطي حقيقي، ساهمت قوانين 2012، خاصة قانون الجمعيات، في إغلاق الفضاء العام. وبالمثل، لم تلقَ مطالب العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي استمرت في التصاعد في السنوات الأخيرة مع أزمة الاقتصاد الجزائري، أي تجاوب حقيقي لدى الطبقة الحاكمة.

مواصلة فرض حظر على المظاهرات في الجزائر العاصمة منذ 2001، والذي تنفذه بصرامة السلطات لما يقارب 20 عاما، منع أيضا أي حركة احتجاج حقيقية من اكتساب الزخم، وساعد على خنق الحريات والأصوات المعارضة. في العاصمة وغيرها، يخضع أي اجتماع، حتى داخل قاعات المؤتمرات في الفنادق، لترخيص مسبق من المحافظ، وغالبا ما يُرفض عندما يبدو الموضوع حساسا ولا يرضي السلطات.

كذلك، يواجه المتظاهرون المحتجون في الشارع أحكاما بالسجن بتهمة "المشاركة في احتجاج غير مرخص به"، التي استخدمت في السنوات الأخيرة لمقاضاة الناشطين، خاصة نشطاء الحركات الاجتماعية. يعد قانون العقوبات أيضا مصيدة للذين يحملون خطابا انتقاديا أو يرغبون في التعبير عن معارضتهم. تمت مقاضاة صحفيين ومدونين وناشطين في السنوات الأخيرة على أساس قوانين معادية للحرية، مثل تلك المتعلقة بالتشهير أو الإضرار بالنظام العام.

خلقت هذه القوانين وتطبيقها أجواء من القمع ونقص في الحرية، ساهمت في الشعور بالاختناق لدى السكان الذين يتظاهرون اليوم في واضحة النهار. يسعى المد الشعبي إلى التخلص من هذه الممارسات التي غالبا ما حالت دون أي تعبير عن الغضب الشعبي. لكن من أجل تغيير حقيقي على المدى الطويل، وللقطع بشكل نهائي مع الممارسات القمعية التي أدت إلى تنفير جزء من السكان، من الضروري أن يحرر أي برنامج إصلاح الجزائر من هذه القوانين التي تعود إلى زمن مضى، وأن يتناغم مع المطالب الديمقراطية التي تم التعبير عنها عفويا منذ بداية المظاهرات.