عائلات أشخاص قتلوا في الثورة التونسية في 2011 يحتجون على الأحكام الخفيفة التي أصدرتها المحاكم العسكرية على مسؤولين سابقين، تونس العاصمة، 16 أبريل/نيسان 2014. 

© 2014 Nicolas Fauqu/Corbis via Getty Image

احتفل التونسيون مرة أخرى يوم الاثنين الماضي بذكرى ثورة 2011 التي ألهمت باقي انتفاضات الربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في هذا العام أيضا، يعيد التونسيون وغيرهم النظر في هذه الأحداث، محاولين استخلاص معانيها الكبرى. لا يزال الكثيرون ينظرون إلى تونس كنموذج ممكن للانتقال الديمقراطي الناجح، رغم إقرارهم بأنها تبقى تجربة هشة. ولكن في خضمّ احتفال التونسيين هذا العام، صار واضحا أن الانتهاكات التي أدّت إلى الثورة باتت طيّ النسيان.

هذا لا يعني أن التونسيين لم يحاولوا التحقيق في الماضي، فقد تبنى المشرّعون منذ 2013 قانونا أنشأ مسار العدالة الانتقالية بهدف كشف انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الحكومة، تحديد المسؤولين عنها، والسعي إلى جبر الضرر ومن ثم المصالحة. وفي 2014، أنشأت الحكومة "هيئة الحقيقة والكرامة" (الهيئة) تطبيقا لمسار العدالة الانتقالية، ولكن كما هو حال العديد من لجان الحقيقة الأخرى، كما في جنوب أفريقيا والتشيلي، لم يرقَ عمل الهيئة إلى تطلعات الضحايا.

رغم ذلك، تمكنت الهيئة في فترة لم تتجاوز 4 سنوات من فتح 62,720 ملفا للضحايا، وأجرت 49,654 مقابلة سريّة. كما كشفت عن جرائم ظلّت مخفية لعقود. في مايو/أيار الماضي، بدأت الهيئة في إحالة الملفات على 13 محكمة متخصصة أنشئت بموجب قانون العدالة الانتقالية في كافة أنحاء البلاد. هذه الدوائر المتخصصة لها صلاحية النظر في قضايا ضدّ أشخاص طالتهم أحكام في نفس الجرائم من قبل المحاكم العادية باعتبار أن تلك المحاكم لم تكن ربمامستقلة تماما، أو لم تكن جاهزة للنظر في مسؤولية القيادة.

الجرائم التي كشفتها الهيئة لم تكن خافية عن الضحايا طبعا. ففي الدولة البوليسية التي قادها زين العابدين بن علي من 1987 حتى خلعه من السلطة في 2011، كان بإمكان المواطنين العاديين العيش بجوار ضحايا التعذيب والاختفاء القسري والاغتصابعلى يد أعوان الأمن دون أن يعلموا بمعاناتهم. كانت الحكومة تقيّدجميع سُبل تبادل المعلومات "الحساسة" بين المواطنين: حريات التعبير، الصحافة،التجمع، وتكوين الجمعيات.

الآن، لقد شارفت ولاية الهيئة على النهاية. لكن الحكومة انطلقت في انتقاد عملها حتى قبل قراءة تقريرها الختامي. توجد خلفية سياسية واضحة تفسّر ذلك، فالانتخابات الوطنية في 2014 أعادتالعديد من وجوه النظام السابق إلى السلطة. وبعضهم لهم مصلحة كبيرة في عرقلة جهود الكشف عن المتورطين في القمع والجرائم الاقتصادية. يوجد في الحكومة الحالية وزيران كانا يشغلان نفس الحقائب أيام حُكم بن علي في 2011 ووزيران آخران على الأقل كانا على رأس وزارات أخرى، ما ساهم في خلق مناخ سياسي معاد جدا لنبش الماضي.

آخر علامة دالة على معارضة الحكومة لكشف تاريخ الدولة المسيء حصلت في ديسمبر/كانون الأول، أثناء المؤتمر الختامي الذي استعرضت فيه الهيئة نتائجها والذي لم يحضره أي مسؤول من الحكومة.قالتسهام بن سدرين، رئيسة الهيئة، في كلمتها الافتتاحية: "نأسف لغياب مسؤولين على حكومتنا، مسؤولين على برلماننا، ومسؤولين على رئاسة جمهوريتنا".

هذا الغياب لم يكن مفاجئا كثيرا، فقد حاول سياسيون منتسبون إلى الائتلاف الحاكم إيقافعمل الهيئة في مناسبات عدّة. كما وجهت النقابات الأمنية انتقادات لاذعةإلى مسار العدالة الانتقالية، ودعتذات مرة أعضاءها إلى الإضراب حتى يتم الافراج عن زملائهم المتهمين بالتعذيب. كما رفض جميع المتهمين بالمشاركة في انتهاكات الماضي تقريبا تلبية استدعاءات المثول أمام الدوائر المتخصصة.

هذه علامة مقلقة بشأن سيادة القانون في تونس. لقد فقد الكثير من التونسيين الثقة في الدولة نتيجة ما يعتبرونه فشلا لمسار العدالة الانتقالية. بالنسبة إلى هؤلاء التونسيين، فإن السؤال الذي يبقى مطروحا هو ما إذا كانت الدولة فعلا تمثل الشعب، أم أنها فقط تنتهكهم وتسحقهم تحت الأقدام.

للأسف، ما زالت انتهاكات الماضي مستمرة حتى اليوم، فقد أكدتمنظمات غير حكومية تونسية أن التعذيب "بقطع النّظر عن نوعيّات القضايا وطبيعتها، ما يزال شائعا". كما تستمر الدولة في تقييد الحريات، وإن كان ذلك بدرجة أقل من ذي قبل. على سبيل المثال، تستمر محاكمات المدونين ومغنيي الراب، ويستمر سجنهم بسبب التعبير السلمي بموجب قوانين لم يتم إصلاحها.

استمرار انتهاكات الماضي نتيجة متوقعة لعدم القطع مع ذلك الماضي. لكن لحسن الحظ، كان قانون العدالة الانتقالية لسنة 2013 لم يقف عند حدود الهيئة. فقد فرض على السلطات الاستمرار في تشغيل الدوائر المتخصصة وتقديم تعويضات إلى الضحايا. لكن رئيس الحكومة يوسف الشاهد قال في مقابلةتلفزيونية أواخر ديسمبر/كانون الأول إن حكومته بصدد إعداد مشروع قانون حول العدالة الانتقالية، وهي إشارة إلى إمكانية تنصل الحكومة من التزاماتها المحددة في القانون الحالي.

قد يبدو التساؤل عن أجزاء التاريخ التي لا تُنسى والأجزاء التي تُنسى فكرة مجرّدة، لكن التأريخ الرسمي والصحيح للأشخاص الذين عانوا التهميش والانتهاك والاستغلال وأوشكوا على الفناء شرط ضروري لبناء نظام سياسي تعددي وديمقراطي. رغم مضيّ 8 سنوات على الثورة، مازالت تونس تعاني مما سبقها.