مشهد من تلة تطل على مخيم عين عيسى للنازحين في سوريا، مايو/أيار 2018. 

© 2018 هيومن رايتس ووتش

يُحتجز الفتى التونسي براء الزياني (4 أعوام) منذ عامين في سجن تديره الميليشيات في ليبيا. اخترقت رصاصة معدته في عام 2016، إثر مواجهات بين جماعات مسلحة قتلت والده، الذي كان عضوا في تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف بـ"داعش"). خضع لـ5 عمليات، ويحتاج إلى عملية إضافية.

أخبرني منصف العبيدي، خال براء، الأسبوع الماضي في تونس العاصمة: "ناشدنا جميع السلطات التونسية الممكنة لإعادته إلى الوطن. لا أنفكّ أتوسّل إليهم، قائلا، (أنقذوا براء. يحتاج إلى عملية جراحية إضافية للبقاء حيا)، لكن بلا جدوى". يقول العبيدي إنّ السلطات الليبية تزعم أنّه في إمكان براء ووالدته العودة إلى وطنهما، لكن وصلت ليبيا وتونس إلى طريق مسدود حيال شروط العودة.

على الأطفال ذي الحالات المماثلة لبراء أن يكونوا في مقدمة أولويات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عندما يجتمع الخميس لمراجعة المبادئ التوجيهية للبلدان التي انضم مواطنوها إلى الجماعات المسلحة المتطرفة العابرة للحدود الوطنية مثل داعش.

يُقدّر أن أكثر من ألفي طفل وألف امرأة من أكثر من 20 دولة قد احتُجزوا في سوريا والعراق وليبيا لانتماء آبائهم المزعوم أو الفعلي إلى داعش. ينحدر أفراد هذه الأسر من دول مختلفة مثل فرنسا وروسيا وتونس. بينما يخضع العديد من الزوجات والأبناء الأجانب للملاحقة القضائية للجرائم المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية – وذلك غالباً مع إجراءات فشلت فشلاً ذريعاً في الامتثال لمعايير المحاكمة العادلة – لم تُتهم أغلبيتهم بأي جريمة.

يوضع معظم هؤلاء الأطفال، ومنهم رُضّع وقاصرون، مع أمهاتهم في سجون ومعسكرات مكتظة. بعضهم أيتام، ويفتقر كثيرون إلى الرعاية الصحية أو الغذاء الكافيين.

قال عبيدي عن وحيدة والدة براء، المسجونة مع ابنها في سجن معيتيقة في طرابلس المعروف بسوء المعاملة والظروف اللاإنسانية: "قالت لي أختي بأنها تمص بذور الزيتون لتفادي الجوع".

قال رجل تونسي آخر إن ابنته أخبرته أن اثنين من أطفالها مرِضا من أكل القمامة في مخيم روج الذي تسيطر عليه السلطات الكردية شمال شرق سوريا. أخبرني باقي أفراد أسر أخرها في تونس أن الخيام في المخيمات في شمال شرق سوريا تسرّب مياه الأمطار وتتطاير مع الريح. أضافوا بأن التعليم يكاد يكون معدوما.

ماطلت الحكومات مرارا بشأن إعادة هؤلاء الأطفال، حتى لمَن لديهم إثبات جنسية واضح، بزعم أنهم قد يكونون إرهابيين مستقبليين أو أن عودتهم ستثير ردة فعل شعبية.

في الوقت نفسه، لم تحصل محنة هؤلاء الأطفال سوى على إشارة واحدة عابرة في "مبادئ مدريد التوجيهية" لعام 2015، التي وُضعت لمساعدة البلدان في تنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع الأمم المتحدة الملزمة لمكافحة ظاهرة المقاتلين الأجانب. من المتوقع أن تحدّث "لجنة مكافحة الإرهاب" التابعة للمجلس هذه المبادئ التوجيهية يوم الخميس.

حتى الآن، يعترف المبدأ التوجيهي رقم 30 فقط بمصير هؤلاء الأطفال، لكنه يقتصر على دعوة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى "وضع وتنفيذ استراتيجيات للتعامل مع فئات معينة من العائدين، لا سيما القاصرين والنساء وأفراد الأسرة وباقي الأفراد الضعفاء".

بادر عدد محدود من الحكومات الوطنية إلى وضع هكذا استراتيجيات، وقلة لم تتخذ بعد أي إجراءات لمساعدة هؤلاء الأطفال .

كما أنّ قرار ملزم من جانب مجلس الأمن بشأن المقاتلين الأجانب، والذي اعتُمد في كانون الأول/ديسمبر 2017، قد ذهب أبعد من مبدأ مدريد رقم 30، إذ يشير بشكل صائب إلى أن النساء والأطفال ذوي الصلة بالمتطرفين المسلحين قد يكونون ضحية لأقاربهم المتطرفين. يشدّد القرار على الحاجة إلى إعادة دمجهم وتأهيلهم "بشكل مناسب". لكن، لا يمكن أن تتمّ إعادة التأهيل الحقيقية في المخيمات البائسة في الخارج، والتي وصفها أحد الدبلوماسيين الغربيين في تونس لي بأنها "حاضنات محتملة"، بدل كونها رادعة للتطرف العنيف. كما أنه من غير المرجح نجاح العملية، إن أُعيد الأطفال إلى أوطانهم من دون أمهاتهم، وهو خيار أخبرتني عائلات في تونس أن حكومتهم فكرت به.

على مجلس الأمن توظيف اجتماع لجنة مكافحة الإرهاب يوم الخميس للبدء بسرعة بتعديل مبادئ مدريد التوجيهية لتحديد الاتزامات الحقوقية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة تجاه الأطفال ضحايا النزاعات المسلحة. توضح الالتزامات، التي فصّلتها المعاهدات الدولية مثل "اتفاقية حقوق الطفل" وكذلك الأدلة الأخيرة الصادرة عن الأمم المتحدة و"منظمة الأمن والتعاون في أوروبا"، أن على السلطات احتجاز الأطفال كملاذ أخير فقط ولأقصر فترة ممكنة. كما أنها توضح أن على الدول تفادي أن يصبح الأطفال عديمي الجنسية، وهو خطر يواجه العديد من الأطفال العالقين في سوريا والعراق وليبيا. تشير الالتزامات أيضا إلى عدم فصل الأطفال عن أهلهم، إلا إذا كان ذلك في مصلحة الطفل الفضلى، مع توفير التعليم والرعاية الصحية لهم.

على مبادئ مدريد التوجيهية المنقحة أن تحرص على عدم معاقبة البلدان للأطفال لجرائم آبائهم. ينطبق الأمر نفسه على الزوجات اللواتي لم ترتكبن أي جريمة؛ ويؤكد العديد من هؤلاء النساء أن أزواجهن هددوهن أو خدعوهن للانضمام إليهم أو اللحاق بهم في الخارج.

تُعتبر إعادة هؤلاء الأطفال إلى أوطانهم مهمة معقدة. وُلد بعضهم في إقليم تحت سيطرة داعش، ولا أوراق ثبوتية لديهم معترف بها في بلدانهم الأصلية. في العديد من الحالات، لا علاقات دبلوماسية بين حكوماتهم والحكومات التي تحتجزهم. من المرجح أن يكون هؤلاء الأطفال مصابين بالصدمة وبحاجة إلى إرشاد نفسي. كما من الضروري عدم تجاهل احتمال تشكيل بعض الأطفال أو أمهاتهم تهديدا أمنيا.

تتمثل العقبة الأكبر في الإرادة السياسية للحكومات. يملك العديد من الأطفال شهادات ميلاد من أوطانهم، ويمكن بسهولة تحديد هويات أطفال آخرين عبر اختبارات الحمض النووي. يمكن تقييم الأطفال وأمهاتهم عند عودتهم إلى أوطانهم، وإذا لزم الأمر، مراقبتهم ومقاضاتهم بما يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة والمعايير القضائية الخاصة بالأحداث. في هكذا حالات، على الحكومات عدم محاكمة الأطفال لعضويتهم في مجموعات مثل داعش في غياب أدلة على ارتكابهم أعمال عنف.

على مجلس الأمن إضافة مبادئ توجيهية حقوقية تفصيلية إلى مبادئ مدريد، للتصدي للانتهاكات الأخرى أيضا، بما فيها حماية النشطاء والصحفيين الذين يُحاكمون ظلما كإرهابيين باسم الأمن. على مجلس الأمن أيضا المطالبة بمعايير ومراجعات حقوقية، مع ضمان الحماية للأطفال وأمهاتهم خلال ذلك.

قال العبيدي عن ابن أخته براء: "إنه مجرد ولد صغير. لماذا يعاقب على جرائم والده؟"