كيف انطلق هذا المشروع؟

أظهرت أبحاثنا لسنوات أن الشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تستفيد من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي وحقوق الإنسان وتساهم فيها. نشرنا تقريرا عام 2016 بعنوان "تجارة الاحتلال"، واستنتجنا أن العمل في المستوطنات يتعارض مع مسؤوليات الشركات تجاه حقوق الإنسان. تنتهك المستوطنات قوانين الاحتلال، وتُبنى على الأراضي التي هي من حق الفلسطينيين. يمنع الجيش الإسرائيلي فعليا حاملي بطاقات الهوية الفلسطينية من البقاء في المستوطنات، ويقيّد حركتهم في معظم مناطق الضفة الغربية التي يستطيع المستوطنون التنقل بحرية فيها، ويمنح المستوطنين تصاريح للبناء في مناطق الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، بينما نادرا ما يحصل السكان الفلسطينيون هناك على هذه التصاريح. تميز إسرائيل لصالح المستوطنات وضد الفلسطينيين في توفير البنية التحتية والمياه وغيرها من الموارد. يرسّخ النشاط التجاري في المستوطنات هذا النظام غير القانوني والتمييزي.

 

ما الذي دفع Airbnb إلى إعلان إزالة العقارات في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية عن موقعها الإلكتروني؟

تتعارض سمسرة Airbnb لصفقات تأجير في مستوطنات على أراضي جرى الاستيلاء عليها بشكل غير قانوني من الفلسطينيين، مع سياستها التقدمية المناهضة للتمييز في الولايات المتحدة وأوروبا، علما أنّ الفلسطينيين المحليين لا يمكنهم حتى الاستئجار في هذه المنازل إن أرادوا ذلك. كان قرار الشركة الطريقة الوحيدة التي تمكّنها من الالتزام بمسؤولياتها في مجال حقوق الإنسان.

دقّت عدة مجموعات ناقوس الخطر حول إعلانات المستوطنات على موقع Airbnb التي تعود إلى سنوات. نعمل مع فريق السياسة العالمية في Airbnb منذ عامين، ولكن عندما أدركنا أنّ الشركة لن تغير سياستها على الأرجح، بدأنا بإجراء أبحاث ميدانية حول هذه القضايا في بداية هذا العام. تحدثنا مع الشركة عدة مرات في عام 2018، بما فيه مباشرة بعد إعلانها إزالة هذه الإعلانات .

إسرائيل: Airbnb تتوقف عن عرض عقارات للإيجار في المستوطنات

قالت كلّ من "هيومن رايتس ووتش" و"كِرِم ناڤوت" لدى إصدراهما تقرير اليوم حول أنشطة شركتي إير بي ان بي و بوكينج دوت كوم في المستوطنات، إن قرار إير بي ان بي بوقف عرض عقارات للإيجار في مستوطنات إسرائيليّة غير قانونية في الضفة الغربية المحتلة خطوة إيجابية ينبغي على شركات سياحية عالمية أخرى الاقتداء به.
 

مَن الذي أجرى هذا البحث؟

بدأت الأبحاث مع فريقنا البحثي الصغير على الأرض. يضمّ الفريق زميلة تحمل هوية فلسطينية، وبالتالي تُمنع من دخول المستوطنات، لكن يمكنها زيارة القرى الفلسطينية المجاورة والتحدث إلى المسؤولين المحليين وملاك الأراضي، وزميلة تحمل هوية إسرائيلية وتتحدث العبرية، ويمكنها الذهاب إلى المستوطنات والحديث مع المؤجرين.

 

كيف أجريتم البحث حول هذا المشروع؟

بدأنا بمراجعة عرض العقارات على موقعيّ Airbnb وBooking.com على الإنترنت. تحقّقنا من لوائح العقارات وقارنّاها مع مواقع مختلفة، لأن بعض المواقع تقدم عناوين أكثر دقة من غيرها. أجرينا زيارات ميدانية إلى مستوطنات معينة، وفي عدّة حالات، استفسرنا من المؤجرين مباشرة عبر موقع Airbnb. كانت الخطوة الأولى تحديد موقع هذه العقارات. وجد بحثنا أنّ 139 عقارا على Airbnb و26 عقارا على Booking.com يقع في مستوطنات غير قانونية في الضفة الغربية.

بعد ذلك، عملنا مع المنظمة الإسرائيلية "كِرِم نافوث" لمراجعة بيانات وضع الأراضي التي حصلت عليها من الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهي فرع الجيش الإسرائيلي المسؤول عن الشؤون المدنية في الضفة الغربية. راجعنا البيانات لتحديد وضع الأرض التي تقع عليها العديد من العقارات، سواء يعتبرها الجيش الإسرائيلي ملكا خاصا للفلسطينيين، أو "أراضٍ للدولة".

زرنا عدّة عقارات Airbnb، وطلبنا أيضا التعليق من المؤجرين. قصدنا القرى الفلسطينية المجاورة للمستوطنات لمراجعة السجلات الفلسطينية المتعلقة بملكية الأراضي. تحدثنا إلى مسؤولين من البلديات الفلسطينية المحلية، وراجعنا سجلات الأراضي، وكلّما وجدنا أنّ قطعة الأرض التي يقع عليها عقار Airbnb فلسطينية خاصة الملكية، كنا نطلب معلومات الاتصال بمالك الأرض. في عديد من الحالات، كانت تلك المعلومات لدى البلديات. أجرينا مقابلات مع عديد من السكان الذين استولت المستوطنات على أراضيهم.

 

هل صحيح أنّ بعض ملاك الأراضي الفلسطينيين لم يعرفوا أن عقاراتهم تُؤجّر؟

بالضبط. في عديد من الحالات، استولى الجيش الإسرائيلي أو مجموعات من المستوطنين على أراضيهم منذ سنوات، وبنى المستوطنون عقارات يؤجرونها عبر Airbnb وBooking.com. من المؤكد أن ملاك الأراضي الفلسطينيين لم يوافقوا على استخدام ممتلكاتهم بهذه الطريقة، وليس لديهم حصة في أرباح الإيجار، ولا يستطيعون الوصول إلى تلك الأرض أصلا، حتى لو دفعوا مقابل الإقامة في المنزل المعروض للإيجار على أرضهم. تقرّ الحكومة الإسرائيلية أن بعض تلك الأراضي ملكية فلسطينية خاصة.

© 2018 Human Rights Watch

ماذا كانت ردود فعل الفلسطينيين عندما اكتشفوا أن ممتلكاتهم تُؤجّر؟

أخبرنا أحد ملاك الأراضي: "ليس قانونيا أن يحتلّ أحد أرضك، ومن غير القانوني أن يؤجّرها، ولكنّ كسب ربح منها، فهو الظلم بعينه". لم تُنتزع عقاراتهم منهم فحسب، ولكنها تُعرض للإيجار أيضا، ويستضيف المؤجرون النزلاء من جميع أنحاء العالم — إلا إذا كان الشخص يحمل هوية فلسطينية— ما يزيد الطين بلّة!

 

كيف يُمنع ملاك الأراضي الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم؟

في البداية، استولى الجيش الإسرائيلي على الأراضي - بما فيها الخاصة - ظاهريا لأغراض عسكرية، ثم حلّل استخدام المدنيين الإسرائيليين لها. بعد قرار محكمة إسرائيلية عام 1979 بحظر هذه الممارسة، بدأ الجيش بتحويل ما يعتبره أراضي للدولة إلى مستوطنات، لكن استند في قراره إلى قوانين تعود إلى الحقبة العثمانية التي تعترف فقط بمجموعة فرعية من مطالبات الأراضي. في بعض الحالات، يستولي المستوطنون الإسرائيليون على أراضٍ يملكها الفلسطينيون، وفي نهاية المطاف، توفر الحكومة الإسرائيلية لها الخدمات والبنية التحتية. كما يمتلك العديد من الفلسطينيين أراضٍ حول المستوطنات لا يمكنهم الوصول إليها إلا بضع مرات في السنة.

تتنوّع الأساليب الإسرائيلية، ولكن النتيجة نفسها: أراضٍ مسموحة فقط للاستخدام من اليهود الإسرائيليين، وممنوعة على الفلسطينيين.

 

هل يمكنك إخبارنا عن إحدى التجارب التي أفصح عنها ملاك الأراضي الفلسطينيون؟

 

التقينا بعوني شعيب (70 عاما)، أحد ملاك الأراضي الفلسطينيين. شعيب من سكّان عين يبرود، قرية فلسطينية تقع في وسط الضفة الغربية بالقرب من رام الله. هو مواطن أمريكي خدم في الجيش الأمريكي منذ سنوات. عاش في نيويورك 15 عاما وبورتوريكو 17 عاما. عاد إلى الضفة الغربية بعد وفاة والده. يمتلك قطعة أرض مدرجة على موقع Airbnb. في عام 1975، استولى مستوطنون إسرائيليون على مزارع عين يبرود لتأسيس مستوطنة عوفرا الموجودة هناك الآن. راجعنا سند ملكية أصدرته الإدارة المدنية الإسرائيلية عام 1986، يبيّن أن عائلة شعيب تملك الأرض المعنية. قال إنه لا يستطيع الوصول إلى الأرض منذ تسعينيات القرن الماضي. شقّت السلطات طريقا سريعا عبر أرضه عام 1994، وأنشأت فيما بعد سياجا بين منازل القرويين والأراضي الزراعية. بدأ الجنود يطالبون بتصاريح للفلسطينيين للدخول إلى الأرض، وأحيانا كانوا يصنّفونها منطقة عسكرية مغلقة.رفض الجيش السماح له بالدخول عدة مرات عند محاولته الوصول إلى أرضه، حيث أن الأمر العسكري يمنع حاملي الهوية الفلسطينية من الدخول إلى عوفرا وغيرها من مستوطنات الضفة الغربية.

اتصلنا بمالكة العقار على أرض شعيب عبر منصة Airbnb، لكنّها لم تردّ. نظرنا إلى الصور الجوية التي التُقطت على مدار 18 عاما والتي تظهر أن العقار المعني بُني في عام 2006 أو 2007 كجزء من توسيع المستوطنة. وفق إعلان عرض العقار على Airbnb منذ سبتمبر/أيلول 2018، "يقع العقار في القدس، منطقة القدس، إسرائيل"، ولكنّ هذا غير صحيح.

هل تحدثت مع المضيفين كذلك؟

تواصلنا مع عدد من المضيفين على منصة Airbnb، ونزل أحد موظفي هيومن رايتس ووتش في إحدى العقارات المعروضة، وتمكن من مقابلة أحد المضيفين. ادعى المضيف أن منزله لم يُبنَ على أرض ملكية فلسطينية خاصة، لكن أظهر بحثنا أنه لا سبيل له ليتأكّد، لأن الجيش الإسرائيلي لا يعترف دائما بسندات ملكية الأراضي التقليدية عندما يصنّف الأرض على أنها للدولة ويسمح للمستوطنين بالبناء عليها. لكن، بغض النظر عما إذا كانت الأرض ملكية خاصة، لا يُسمح للمضيف بالعيش عليها، ناهيك عن تأجير منزله من أجل الربح، بموجب قوانين الاحتلال الدولية.

 

وجد بحثكم أيضا عروض عقارات على مستوطنات غير قانونية في الضفة الغربية على موقع Booking.com. ماذا كان ردّهم؟

رفض الموقع أن يُعتبر نشاطه كناية عن أعمال تجارية في المستوطنات، موضحا أنه لا يشتري ولا يبيع أي شيء، بل إنه بمثابة منصة للمعاملات. لكن، يشكّل تسهيل استئجار العقارات في المستوطنات عملا تجاريا. يساهم الموقع في الاستدامة المالية للمستوطنات، ودعم صيانتها ووجودها، وشرعنتها على الرغم من عدم قانونيتها.

 

ماذا على موقع Booking.com وغيره من الشركات العاملة في المستوطنات الفعل؟

للامتثال لمسؤولياتهم بموجب "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان"، على Booking.com التوقف عن عرض العقارات في المستوطنات على موقعها.

 

يقول مسؤولون إسرائيليون وبعض المؤيدين إن قرار Airbnb يُطبق فقط على إسرائيل بصورة غير عادلة، إذ تُعرض عقارات في مناطق محتلة أخرى، مثل الصحراء الغربية. كيف تردّ على ذلك؟

في تقريرنا، أوصينا بأن تنشئ Airbnb سياسة عالمية لممارسة الأعمال التجارية في حالات الاحتلال. صرحت الشركة أنها ستزيل عرض العقارات على المستوطنات كخطوة أولى في تنفيذ سياسة جديدة تجاه الأراضي المحتلة تتضمن تقييم ما إذا كان عرض هذه العقارات يساهم في "المعاناة البشرية الحالية". 

لكل حالة احتلال خصائصه ومشاكل حقوق الإنسان الخاصة به. في الضفة الغربية، أنشأت إسرائيل مستوطنات غير شرعية على أرض مأخوذة من فلسطينيين لا يستطيعون البقاء فيها، ما يجعل منصات الحجوزات مثل Airbnb متواطئة في التمييز ضد شعب في وطنه. لدى الصحراء الغربية، على سبيل المثال، مجموعة كبيرة من مشاكل حقوق الإنسان، لكن لا يوجد قانون يمنع الصحراويين الأصليين من استئجار عقار مغربي مُدرج على Airbnb.

تشكّل المستوطنات مثالا واضحا ومناسبا لتنطلق منه Airbnb لتنفيذ سياستها العالمية.