مخلفات مجموعة الجناح الخاصة بقنبلة أمريكية الصنع طراز "جي بي يو-12 بيفواي II" موجهة بالليزر، بوزن 500 رطل، عُثر عليها في موقع حفر البئر في أرحب، بمحافظة صنعاء، حيث قُتل 31 مدنيا على الأقل في غارة جوية في 10 سبتمبر/أيلول 2016. طبقا لتاريخ التصنيع ورقم الوحدة، فمجموعة الجناح هذه أنتجتها شركة "رايثيون" في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وهي شركة متعاقدة مع وزارة الدفاع الأمريكية.

© 2016 بريانكا موتابارثي/هيومن رايتس ووتش

في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدر 30 مسؤولا بارزا في إدارة أوباما بيانا يدعو إدارة ترامب لإنهاء كل الدعم للسعودية في حربها على اليمن. كان هذا المسعى إيجابيا ويدلّ على عمق تفكير، نظرا للنتائج الكارثية لمشاركة أمريكا في الحرب على اليمنيين. لكن، في نهاية المطاف، لم يتجاوز الأمر كونه إقرارا منقوصا بدور إدارة أوباما في المخاطرة بتواطؤ أمريكي في انتهاكات التحالف بقيادة السعودية.

يحاول بيان كبار المسؤولين السابقين الاعتراف بأن مشاركة أمريكا في الحرب – من توفير المعلومات الاستخبارية وتموين التحالف بالوقود والمساعدات اللوجستية – كانت خطأ واضحا، بسبب عدم تمكّن التحالف من الحد من انتهاكاته العديدة وإنهاء الحرب. لكنهم يبررون قرار إدارة أوباما بدعم هذه الحرب من الأساس بحجة "التهديد الحقيقي الذي تشكله الصواريخ على الحدود السعودية وإطاحة الحوثي بالحكومة اليمنية، بدعم من إيران".

لكن، للإقرار بكيفية وصول الولايات المتحدة إلى وضعها الراهن في حرب اليمن بصدق أكبر، على إدارة أوباما أن تبدأ بالاعتراف بحقيقة دوافعها للمشاركة في الحرب وبالأخطاء التي اقترفتها. في رسالتهم، يحاول مسؤولو إدارة أوباما التمييز بين دعم إدارتهم "المشروط" للحرب، مقابل دعم ترامب "غير المشروط" لها. بالطبع، قلّما يغيّر ذلك بالنسبة إلى الشعب اليمني لأن النتيجة بقيت كما هي: الموت والدمار، غالبا بالقنابل الأمريكية.

تحجب مبررات إدارة أوباما المعلنة للانضمام إلى الحرب الحقيقة وراء ذلك. أعلن مسؤولون آخرون في إدارة أوباما أن دعمهم للحرب وصفقة الأسلحة بقيمة مليار دولار كانتا، في المقام الأول، بمثابة ردّ جميل على التسامح السعودي، ولو جاء على مضض، بشأن الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران. أضافوا أنّ الولايات المتحدة أرادت بذلك طمأنة المملكة إلى أنها ما زالت حليفا موثوقا لها. شكّل  حجم الدعم الإيراني للحوثيين موضوع جدل، بالطبع، لكن بغياب الأدلة، وغموضها في حال وُجدت، بقيت الحقيقة المحتّمة أنّ الحوثيين مجموعة مستقلّة تماما، لديها تاريخ طويل في شن الحروب في اليمن.

مع تطوّر الحرب، ازداد تورّط إيران مع الحوثيين بطبيعة الحال، فملأت الفراغ، بعد عدم إفلاح مساعي الحوثيين اليائسة في إيجاد حلفاء. بالتالي، حققت النبوءة ذاتها. دعم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح - الذي لطالما ساندته الولايات المتحدة - ومختلف قوات الدفاع اليمنية التي يسيطر عليها ابنه وابن أخيه، الحوثيين لدرجة أنّ المراقبين الدوليين أطلقوا عليهم لقب "قوات الحوثي - صالح". كان الحوثيون في حالة حرب مع حكومة صالح لعقود من الزمن بسبب المظالم التي دامت طويلا كونهم أقلية في البلاد. دعموا الانتفاضة ضد صالح وكانوا مشاركين نشطين في "الحوار الوطني" لإعادة تشكيل الحكم في البلاد. عندما تقدمت مجموعات الحوثي المسلحة نحو العاصمة، كانت تريد أن تتمرد ضد الدستور الذي صيغ حديثا وهيكلية فدرالية مقترحة اعتقدت أنها ستضعفها. تفاوض الحوثيون على اتفاق مع الرئيس هادي لحل خلافاتهم، لكن سرعان ما وجدوا أنفسهم يسيطرون على العاصمة عندما تنحّت قوات الدفاع المدعومة من صالح عن الدفاع عن المباني الحكومية الرئيسية، بما في ذلك البرلمان والقصر الرئاسي.

قبلت إدارة أوباما، التي لم تتعظ بما يكفي من التجارب العسكرية الأجنبية السابقة في اليمن، بضمانات لا أساس لها من السعوديين - بمَن فيهم ولي ولي العهد آنذاك الأمير محمد بن سلمان والجيش السعودي الذي لا يمتلك الخبرة. ادّعى هؤلاء أنهم سيطيحون بالحوثيين في غضون أشهر، فقررت الولايات المتحدة غض الطرف عن دعم صالح القوي للحوثيين، بما في ذلك مخازن الأسلحة الكبيرة من وزارة الدفاع، التي حافظت على ولائها للرئيس صالح. استمرت الحرب بمكاسب عسكرية لا تُذكر للتحالف بقيادة السعودية، بينما ارتفعت حصيلة الموت والدمار غير الضروريين وغير القانونيين.

قبل وصول الرئيس ترامب إلى الرئاسة بكثير، وثّقت "هيومن رايتس ووتش" وغيرها ما يزيد عن 100 هجوم جوي عشوائي أو غير متناسب للتحالف على المدنيين والبنية التحتية المدنية في اليمن، ما تسبب في دمار لليمنيين في منازلهم وأسواقهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وحتى خلال حفلات زفافهم وجنازاتهم. مرة تلو الأخرى، أظهرنا أن الأسلحة الأمريكية استُخدمت في العديد من هذه الهجمات، بما في ذلك الذخائر العنقودية، المحظورة على نطاق واسع، في المناطق المأهولة بالسكان. كانت السلطات العسكرية السعودية تنفي أفعالها وتخلق تغطية لها، ما دلّ بوضوح إلى أنها ليست شريكة جديرة بالثقة. قدمنا ​​هذه الأدلة مرارا إلى مسؤولي إدارة أوباما، لكنهم كانوا يصرون، رغم الأدلة التي تثبت عكس ذلك، على أن الدعم الذي يقدمونه كان يكبح جماح السعوديين ويساعد في تحسين قدرتهم على الامتثال لقوانين الحرب. هذه ليست حالة من الإدراك المتأخر. كان على إدارة أوباما أن تعرف حقيقة الوضع حينها.

قبل صداقة مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر الجلية بمحمد بن سلمان، كان التأخير التعسفي المفرط للتحالف في إيصال الواردات إلى اليمن، يزيد أزمات الصحة والتغذية سوءا، مع انتشار أمراض مثل الكوليرا بشكل واسع. بسبب إغلاق التحالف لمطار حيوي، عجز العديد من اليمنيين عن السفر لتلقي الرعاية الصحية التي يحتاجونها. أطلقت وكالات الأمم المتحدة الإنسانية ومنظمات الإغاثة العالمية الصرخة عبثا بشأن الأضرار الناجمة عن القيود التي يفرضها التحالف.

في غضون ذلك، كانت إدارة أوباما تزود السعودية ليس فقط بالدعم العسكري المستمر (الذي يذكره المسؤولون السابقون)، ولكن أيضا بالغطاء الدبلوماسي (الذي لم يأتِ المسؤولون السابقون على ذكره)، خصوصا أمام الأمم المتحدة. عندما أدرجت الأمم المتحدة السعودية أخيرا على "قائمة العار العالمية"، التي تضم أسوأ المنتهكين لحقوق الأطفال، بسبب هجماتها على الأطفال في اليمن، صمتت الولايات المتحدة بينما هاجمت السعودية بقوة الأمم المتحدة. قاوم الأمين العام الأممي آنذاك بان كي مون لفترة من الوقت، لكنه استسلم في النهاية وأزال السعودية عن القائمة، واعترف بأن الرياض قد هددت بقطع تمويلها لمختلف وكالات الأمم المتحدة. كان لدى الولايات المتحدة، خلال إدارة أوباما، فرصتان للدفع باتجاه تحقيق أممي في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف في صراع اليمن، وعزفت عن ذلك في المرتين، وسط رفض التحالف للتحقيق. على الرغم من التساؤلات المتكررة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة دعمت المقترح الأول لتحقيق أممي، التزم مسؤولو أوباما الصمت أو اكتفوا بعبارات مضللة، فلم ترَ هذه المبادرة الضوء لأسباب سياسية.

تجاوزت تكلفة دعم إدارة أوباما لحرب السعودية حدود اليمن. كان موقف إدارة أوباما متناقضا، إذ أدانت الإدارة الهجمات السورية/الروسية على المدنيين وحصار الأسد المستمر للمواد الإنسانية في سوريا، في حين دافعت الولايات المتحدة عن هجمات التحالف بقيادة السعودية على المدنيين، أضف إلى ذلك تأثير الحصار في اليمن. قوّضت هذه العوامل مصداقية جهود فريق أوباما لضبط الحكومة السورية. سخر الروس علنا من سفيرة الأمم المتحدة في ذلك الوقت سامانثا باور على هذا النفاق. كان على الولايات المتحدة أن تدين التحالفين في البلدين بشكل متساوٍ وتعمل على كبحهما.

أيا كانت الشروط التي اعتقدت إدارة أوباما أنها قد خلقتها – عبر وقف نقل الذخائر الدقيقة التوجيه عندما أشرفت ولاية أوباما على الانتهاء، وتعليق عمليات نقل الذخائر العنقودية في وقت سابق – لم يكن لها في نهاية المطاف تأثير حقيقي على كبح هجمات التحالف بقيادة السعودية على المدنيين، كما لم تكن الخطوات ثابتة بما يكفي لحماية أمريكا والمسؤولين الأمريكيين من المخاطرة بالتواطؤ في جرائم الحرب.

على الرغم من الدعم "غير المشروط" الذي زعمت إدارة ترامب أنها تقدّمه، إلا أن مسؤوليها أيضا ردوا بقوة على بعض التجاوزات، فأدانوا الحصار الكامل، ودفعوا السعودية إلى السماح بدخول الرافعات إلى اليمن، وأنهت تزويد طائرات التحالف بالوقود. لكن، كالإدارة السابقة، لا ترقى خطوات الإدارة الراهنة إلى المستوى المطلوب. عندما يستعيد اليمنيون الآلام والمعاناة التي ساعدت الولايات المتحدة على إلحاقها ببلادهم، ناهيك عن مقتل عشرات المدنيين في مطاردة مقاتلي "القاعدة"، لن يكونوا بالتأكيد أكثر تسامحا مع دعم إدارة أوباما "المشروط".

لا تقع المسؤولية عن هذه السياسات الفاشلة بالتساوي على جميع كبار المسؤولين في إدارة أوباما، فقد بذل بعض الأفراد كل الجهد لتوجيه دفة الأمور إلى وضع أفضل. لكن، ليس هذا ما يهمّ هنا.  كان على كبار المسؤولين السابقين في إدارة أوباما أن يفصحوا في بيانهم بشكل كامل وصادق عن أسباب هذه السياسات وعواقبها، لكنّهم لم يفلحوا في ذلك.

الحقيقة المؤلمة هي أن الولايات المتحدة قادرة على لعب دور أقل تدميرا في اليمن - بناء على ما رأيناه في الأسابيع القليلة الماضية. يمكن للولايات المتحدة إنهاء مبيعات الأسلحة للسعودية، والضغط من أجل محاسبة الأمم المتحدة للمملكة على دورها في كابوس اليمن، والتحقيق في دور الولايات المتحدة في سلسلة جرائم الحرب، حتى تضمن هذه الأخيرة ألا تستمر في تكرار نفس الأخطاء القاتلة.

يُعتبر قرار مجلس الشيوخ من الحزبين الذي صدر في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، ويدعو إلى فرض عقوبات وقيود على السعودية بسبب الضرر الذي تسببت به في هذه الحرب، أكثر الجهود جدية حتى الآن في سياق الإجراءات الفعلية.

يبقى السؤال: هل ستكمل الإدارة هذه الخطوة؟ هل سيتمكن المسؤولون الأمريكيون من النظر إلى الوراء بعد بضع سنوات وكتابة رسالة تفيد بأنهم بذلوا كل ما في وسعهم لوقف المجاعة، لمنع المزيد من الفظائع، ولضمان العدالة أو التعويضات لعدد لا يُحصى من اليمنيين؟ أم أنهم سيدركون كم كان بوسعهم أن يغيّروا، فقط بعد فوات الأوان ووفاة أعداد هائلة إضافية من الناس؟

أخيرا، على مسؤولي إدارة أوباما أن يعترفوا، على نطاق أوسع، بعدم اغتنامهم الفرصة التي وفرتها الثورات العربية ليأخذوا المصالح الأمريكية في اتجاه جديد يتماشى مع مصالح شعوب المنطقة وحقوقهم، بدلا من مساندة حكماء هذه المنطقة الدكتاتوريين واستبدادهم. لا تتعلّق المسألة بسوريا أكثر من غيرها، ولا بالجدل الدائر حول ما إذا كان تدخل إدارة أوباما - عبر توفير الأسلحة وتقديم المساعدة للعديد من الجماعات المسلحة غير المعروفة - أو عدم تدخلها، قد ساعد الشعب السوري أو أضرّ به.

تتعلق المسألة بالدور الأساسي الذي تلعبه الولايات المتحدة في دعم وتسليح وحماية الحكومات التي ترتكب انتهاكات في الشرق الأوسط – تحديدا إسرائيل والإمارات والسعودية ومصر – لتحميل أمريكا مسؤولية مباشرة عن سلوك هؤلاء الشركاء الأجانب. أتيحت لإدارة أوباما فرصة إعادة النظر في دور الولايات المتحدة الإشكالي التاريخي في المنطقة، ولكنها فوّتت الفرصة. بالتالي، يُعتبر إدراك أوسع لأفعالها الطريقة الوحيدة لتجنب استمرار تضليل نقاشات السياسات الحالية والمستقبلية.