ماذا وجدتم؟

استطعنا توثيق أن السلطات الفلسطينية المتنافسة في الضفة الغربية وقطاع غزة تعتقل منهجيا عشرات المنتقدين لتعبيرهم السلمي ومن ثم تسيء معاملتهم وتعذبهم أثناء الاحتجاز. وجدنا أن "السلطة الوطنية الفلسطينية"، التي تمارس حكما ذاتيا محدودا في قطاع غزة، وسلطات "حماس"، التي تسيطر بحكم الواقع داخل القطاع، تقمع الصحفيين المنتقدين، والمعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي، والمتظاهرين، والناشطين الجامعيين.

لكتابة التقرير، وثّقنا أكثر من 20 حالة اعتقال لأسباب غير واضحة لم تتجاوز كتابة منشورات أو تعليقات على "فيسبوك"، أو الانتماء إلى منظمة طلابية أو حركة سياسية غير مرغوب فيها. كان البعض قد نادى أو شارك بالتظاهر السلمي فقط.

تُوجَّه إلى المعتقلين اتهامات ترتكز على مواد قانونية فضفاضة مثل، "النيل من الوحدة الثورية" وإثارة "فتنة مذهبية" والإساءة إلى "مقامات عليا".

ماذا يحدث للموقوفين عند اعتقالهم؟

تعذب القوات الأمنية الموقوفين بشكل روتيني، فترغمهم على وجه الخصوص على البقاء في وضعيات مؤلمة لفترات مطوّلة، مستخدمة الكابلات والحبال لرفع أذرعهم خلف ظهورهم. كما يهدد العناصر بشكل متكرر المحتجزين ويهينوهم ويضربونهم. وأسوأ المخالفين هم قوات "الأمن الداخلي" التابعة لحماس في غزة، وفي الضفة الغربية، جهاز "المخابرات"، "الأمن الوقائي"، و"اللجنة الأمنية المشتركة"، لا سيما في مراكز الاعتقال في أريحا.    

هل تحدثتم مع السلطة الفلسطينية أو حماس عن نتائج تحقيقاتكم؟

راسلنا كل من السلطة الفلسطينية وحماس، وأعلمناهما بالنتائج وطرحنا سلسلة من الأسئلة المفصلة. استلمنا 60 صفحة من الردود من كافة الأجهزة الأمنية الضالعة. جميعها نفت اعتقال الأشخاص تعسفا وتعذيبهم. وقالت إن هذه الانتهاكات مجرّد حالات معزولة هي بصدد التحقيق فيها بعد أن لُفت انتباه السلطات إليها، وإن المسؤولين عنها سيحاسَبون. لكن نتائج بحثنا تتعارض مع هذه المزاعم.

إلى من تحدثتم لإتمام بحثكم؟

حققنا في هذه المسائل طوال سنتين، وتحدثنا إلى 147 شخصا في الضفة الغربية وغزة، معظمهم من المعتقلين. حققنا في 86 حالة انتهاك مزعوم. كما تحدثنا مع أقارب ومحامين وأطباء، وراجعنا أدلة فوتوغرافية وفيديوهات وتقارير طبية ووثائق محاكم. بالإضافة إلى اتصالنا بالسلطات، تحدثنا أيضا إلى شركائنا غير الحكوميين ومجموعات تزور مراكز الاعتقال.

هل تركت قضية من قضايا من تحدثتم إليهم أثرا أكثر من غيرها؟

قابلنا في غزة عبد الله أبو شرخ، أستاذ رياضيات وكاتب عمره 55 عاما، وهو موظف في "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا).  

اعتقلت سلطات حماس أبو شرخ 4 مرات بين يناير/كانون الثاني 2017 ويناير/كانون الثاني 2018 لانتقاده السلمي. في مايو/أيار 2017، كتب على فيسبوك تعليقا ينتقد فيه بيانا لأحد قادة حماس. في اليوم التالي، أتى عدة رجال بلباس مدني إلى منزله وأخبروه بأنهم يريدون التحدث إليه "لنصف ساعة". اصطحبوه إلى مركز الأمن الداخلي حيث، وفق ما أخبرنا به، عصبوا عينيه ووضعوه في غرفة تعرف بـ "الباص"، حيث يرغم العناصر المعتقلين على البقاء واقفين أو جالسين على كرسي صغير.

قد يستمر ذلك لأيام كل مرة. في الباص، يتعين على المعتقلين طلب الإذن للتحدث أو الذهاب إلى المرحاض أو الجلوس أو النوم. كان برفقة 15 شخصا آخرين. قال: "لا يمكن تخيل قدر الألم". بقي يحس بالوجع في ركبته وظهره لأيام بعد إطلاق سراحه. إنها إساءة معاملة لا تترك أثرا على الجسم، لذا تنكر السلطات ممارستها. أطلقت قوات الأمن الداخلي التابعة لحماس سراح أبو شرخ بعد 5 أيام إثر توقيعه تعهد بعدم "التشهير" بأشخاص في مناصب عليا في غزة.

بعد هذه الاعتقالات، قرر التوقف عن انتقاد السلطات. فاق الأمر قدرته على التحمل. قال لنا: "قررت أن أتركهم وحدهم، حتى يتركوني وحدي".

كما قابلنا علاء زعاقيق، طالب دراسات عليا في الضفة الغربية، كان موقوفا بسبب عمله مع "الكتلة الإسلامية"، وهي مجموعة طلابية تابعة لحماس، خلال ارتفاع التوتر بين السلطة الفلسطينية وحماس.

كان يتناول العشاء برفقة زوجته الحامل وعائلتها حين وصلت 8 سيارات تابعة لأجهزة استخبارات السلطة الفلسطينية وأوقفته. قال له عنصر: "راح ندفّعك ثمن الانقلاب إلي بصير في غزة"، مشيرا إلى الفترة التي سيطرت بها حماس على غزة في يونيو/حزيران 2017 إثر أشهر من المواجهات بين السلطة الفلسطينية، التي تسيطر عليها حركة فتح، وحماس. أخذوه إلى غرفة وكبلوا يديه خلف ظهره، ثم ربطوا معصميه بكابل وحبل ورفعوه إلى الأعلى حتى ارتفع جسمه بأكمله عن الأرض. ثم ضربه عنصر بعصا على ظهره. وقال إنهم أبقوه هناك لمدة 45 دقيقة. عرّضه العناصر لتعذيب مماثل مرارا وتكرارا. أحد المحققين معه، المعروف بـ "العصار"، قال له "راح تطلع من هون على كرسي مشلول".

اعتُقل زعاقيق لمدة 24 يوما. قال إنه اعترف، تحت التعذيب، بتمويل الكتلة الإسلامية في حرم الجامعة، على الرغم من أن ذلك كان غير صحيح.  أُطلق سراحه بموجب كفالة، وأخبرته السلطات أنها أوقفته لحمايته من الإسرائيليين الذين أرادوا اعتقاله أيضا.

بعد شهرين، اعتقله الجيش الإسرائيلي إداريا بدون أي تهمة أو محاكمة لمدة 9 أشهر. أطلق سراحه في مارس/آذار 2018، ليعاد اعتقاله في سبتمبر/أيلول، وبقي في الاعتقال الإداري 4 أشهر. 

هل تنسق القوى الأمنية الفلسطينية مع الجيش الإسرائيلي؟

تنسق السلطة الفلسطينية تنسيقا وثيقا مع إسرائيل. وجدنا عددا من الحالات حيث اعتقل فلسطينيون من قبل كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وفي معظم الأوقات على أساس تهم مشابهة.

لمَ تنشرون التقرير الآن؟ 

بدأنا البحث لهذا التقرير في خريف 2016. النشر مرتبط بالذكرى الـ 25 لـ "اتفاقيات أوسلو"، عندما حصل الفلسطينيون على درجة من الحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة. وقد أدى تركيز المجتمع الدولي على تنمية قدرات السلطات الفلسطينية إلى التقليل من شأن القمع الذي تمارسه. ومع الوقت، أصبحت الأجهزة الأمنية التابعة لكل من السلطة الفلسطينية وحماس أكثر منهجية في القضاء على المعارضة، بطرق تشمل الاعتقالات التعسفية والتعذيب.

قيّمنا كيف تتعامل كل سلطة مع مساندي الطرف الآخر، بعد مرور عقد على تقسيم الإدارة بين الضفة الغربية قطاع غزة. 

وقّعت السلطات الفلسطينية عدة اتفاقيات دولية لحقوق الانسان على امتداد السنوات الخمس الماضية. وقد قيّمنا كيف تلتزم بها.

ماذا تقول إلى الأشخاص الذين يعتقدون أن عليك العمل فقط على الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين؟

لطالما كان شعارنا الوقوف إلى جانب الضحايا، أي كان المسؤول عن الانتهاكات، وتوثيق انتهاكات كافة الأطراف مستخدمين المنهجية والمعايير عينها في جميع الحالات. مثلما كنا نوثق على مدى عشرات السنين التمييز المؤسسي والقمع وانتهاك الحقوق الممنهج، التي تميز جميعها الاحتلال الاسرائيلي منذ نصف قرن للضفة الغربية وقطاع غزة، كنا نوثق الاعتقال التعسفي والتعذيب اللذين تمارسهما السلطة الفلسطينية منذ إعلانها قبل 25 سنة.  

كذلك، أدنّا انتهاكات حماس بانتظام، مثل فرض عقوبة الإعدام بعد محاكمات غير عادلة، واحتجاز مدنيين إسرائيليين في أماكن سرية. الانتهاكات الحقوقية التي تمارسها السلطات الإسرائيلية لا تبرر سكوت المجموعات الحقوقية عن القمع الذي تمارسه القوات الأمنية الفلسطينية.

ما الذي تريده أن يتحقق؟

نريد أن تتوقف السلطة الفلسطينية عن اعتقال المنتقدين وتعذيبهم. كما نحث الولايات المتحدة والدول الأوروبية، في ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية – بالإضافة إلى قطر وإيران وتركيا في ما يتعلق بحماس –  على تعليق دعمها للقوات الضالعة في الاعتقال التعسفي والتعذيب على نطاق واسع حتى تتوقف هذه الانتهاكات ويحاسَب المسؤولون عنها.

هل تود إضافة أي أمر آخر؟

حتى لو تم تفكيك المستوطنات والأنظمة التمييزية الإسرائيلية ووضع حد للانتهاك الإسرائيلي الممنهج للحقوق، ستظل حرية الفلسطينيين ناقصة طالما بقيت آلية القمع هذه كما هي.