الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية، يحضر اجتماعا ثنائيا مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في الجناح التنفيذي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك.

©2018 ألبن لوهر-جونز/باسيفك بريس/لايت روكت عبر "غيتي إيمجز"

 

بعدما حظيت السعودية بثناء وسائل الإعلام في بدايات الصيف لرفعها الحظر المفروض على قيادة النساء، تُوجّه إليها أصابع اللوم من جديد. في أغسطس/آب، سعت محكمة الإرهاب السيئة السمعة إلى فرض عقوبة الإعدام على الناشطة إسراء الغمغام. ركّزت التقارير عن مصير الغمغام على كونها امرأة، وتساءلت عما إذا كانت الناشطات الأخريات المحتجزات — بمن فيهن عشرات من اللواتي ناضلن على مدى سنوات لإنهاء الحظر على القيادة — سيواجهن عقوبة الإعدام أيضا.

لكن، لم تعطِ التقارير القضية الجوهرية لنشاط الغمغام، الذي أدّى إلى اعتقالها بادئ الأمر وإلى سجنها وزوجها في ديسمبر/كانون الأول 2015، حقّها في التغطية. لم يكُن نضالهما، إلى جانب الرجال الأربعة الذين يُحاكمون معهما، من أجل حقوق النساء، بل من أجل معاملة أفضل للشيعة في المملكة. يشكّل الشيعة ما بين 10 و15 بالمئة من المواطنين السعوديين، لكنهم يواجهون تمييزا واستبعادا متفشيَين.

غالبا ما يُعتبرون طابورا خامسا يعمل لصالح إيران ذات الأغلبية الشيعية.

تكاد تنعدم الحرية الدينية للشيعة السعوديين، إذ يُمنع عليهم بناء مساجدهم الخاصة أو أي أماكن عبادة عامة خارج المناطق ذات الأغلبية الشيعية. أغلقت الشرطة حتى القاعات الخاصة للعبادة الجماعية. يُستبعد الطلاب الشيعة كذلك عن الأكاديميات العسكرية والأمنية، ونادرا ما يجدون وظائف داخل قوات الأمن. كما استبعدتهم الحكومة بشكل شبه كامل عن المناصب المتقدمة، وبالتالي لا يوجد في البلاد حاليا دبلوماسيون شيعة كبار، أو ضباط شيعة رفيعو المستوى في الشرطة أو الجيش. (لم تعيّن البلاد سوى سفيرا شيعيا واحدا، هو جميل الجشي، الذي كان سفير السعودية إلى إيران بين عامي 1999 و2003). كذلك، لم تشغل امرأة شيعية أبدا منصبا سياسيا رفيع المستوى في السعودية.

عمليا، يخلو نظام العدالة الجنائية ومحكمة الإرهاب بطبيعة الحال من القضاة والمدعين العامين الشيعة، ويُحرمون مرارا من الوصول إلى العدالة، ويُقبض عليهم بشكل تعسفي، ويواجهون أحكاما تمييزية. وصف العشرات منهم سلسلة من الاتهامات ذات دوافع دينية يواجهونها في المحاكم، بما في ذلك الاتهامات المعتادة بـ"لعن الله أو النبي أو صحابته". علّمت المدارس الحكومية أجيالا من الأطفال السعوديين الخوف من المواطنين الشيعة وكراهيتهم، وتحثّ الكتب المدرسية على تشويه الممارسات الدينية الشيعية، معتبرة إياها سببا للطرد من الإسلام يُعاقب بالآخرة في جهنّم. (في تطور مرحَّب به، يبدو أن الحكومة قد أزالت بعض المصطلحات والصور التهجمية من كتبها المدرسية للصف السادس لهذا العام الدراسي، لكن لم تنشر وزارة التعليم كل الكتب المدرسية عبر الإنترنت بعد ليتسنى التأكد ما إذا كانت التغييرات تنطبق على جميع المراحل الدراسية).

خلال أيام الربيع العربي الأولى المفعمة بالأمل في 2011، اعتقد المجتمع الشيعي أنه قد يكتسب شيئا من الحرية والمساواة. خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين الشيعة في المنطقة الشرقية في السعودية، حيث يعيش العديد منهم، للمطالبة بالحقوق المدنية. لكن، هبّت الحكومة لقمع المتظاهرين، وسجنت المئات منهم، وفي النهاية أعدمت رجل الدين الشيعي البارز نمر النمر الذي أيّد الاحتجاجات في 2016. كانت رسالة الرياض واضحة.

غالبا ما كان الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، الذي حكم حتى عام 2015، يبذل قصارى جهده لإبداء التسامح تجاه الأقليات الدينية، فأسّس "مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للحوار بين الأديان والثقافات" — ولكن للأسف، في فيينا. ظلّ التسامح ضمن أراضي المملكة كلمة محظورة. في عام 2013، أدانت الحكومة مخلف الشمري، ناشط سني منذ فترة طويلة روّج للتسامح مع الشيعة السعوديين، وحكمت عليه بالسجن لمدة 5 سنوات بتهمة "زرع الفتنة" وغيرها، ومُنع من السفر لمدة 10 سنوات. في 2014، حُكم عليه بالسجن سنتين أخريين و 200 جلدة، ومن التهم التي وُجهت إليه "مجالسة المواطنين الشيعة"، أي لقائهم في منازلهم.

عاد الأمل إلى المجتمع الشيعي بعد أن اعتلى الملك سلمان العرش. جال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان العالم مرتديا  سترة عصرية وسروال جينز، حتى أنه تحدث إلى أوبرا، ومؤسس شركة "تيسلا" إيلون مسك، والمؤسس المشارك لشركة "غوغل" سيرغي برين، لترويج خطته التقدمية للتحرّر الاجتماعي والاقتصادي. وعد بن سلمان بعهد جديد من التسامح، "منفتح على العالم، وعلى جميع أديان شعبه وتقاليده". أكسبته تحركاته ضد الشرطة الدينية المتشددة في عام 2016، بما في ذلك سلبها سلطتها لاعتقال الناس، المصداقية في المنطقة الشرقية وخارجها. لكن، كشفت المقاضاة المستمرة للناشطين الشيعة واستمرار التمييز ضد مجتمعهم، بما في ذلك ضد الغمغام، أن وعوده واهية.

تبيّن أنّ خطط ولي العهد "الليبرالية"، مثل رفع الحظر عن قيادة النساء أو السماح بإقامة الحفلات الموسيقية ودور السينما، كانت جهودا تنازلية – أي استعراضا لسلطته المطلقة لتقديم هدايا لشعبه.

في النهاية، لا تُحدث معظم هذه المخططات تغييرا فعليا في البنية الأساسية للمجتمع السعودي، لكنها تحظى بشعبية واسعة. بطبيعة الحال، بات الأمير أقل تصميما على إنهاء التمييز ضد الشيعة عن حقّ، ما يتطلب تشريع المساواة الدينية، وقد تفسّره مجموعة صغيرة من السعوديين الذين يريدون الإصلاح كتنازل. لكن، بالنسبة للنظام، هذا الأمر غير مقبول.