© 2015 هيومن رايتس ووتش

خلال الأسابيع القليلة الماضية، علمت مئات الأسر السورية أن أقاربها الذين اختفوا في مراكز الاعتقال الحكومية قد ماتوا. قال كثيرون إنهم تلقوا النبأ لدى طلبهم سجلات روتينية من الإدارة السورية، وصعقوا عندما اكتشفوا أن السلطات سجلت أقاربهم مؤخرا كأموات. في معظم الحالات، لم تحدد السلطات أي سبب للوفاة، بل أعطت مجرد تاريخ، يعود في كثير من الحالات إلى عدة سنوات مضت. وعندما قدمت السلطات سببا للوفاة، ذكرت عبارة "نوبة قلبية" دون مزيد من التوضيح.

انتشر كل تأكيد جديد للوفاة كالنار في الهشيم في وسائل الإعلام الاجتماعي، فانتشر معها الألم لدى العائلات السورية التي هجّرها القمع والصراع. يبدو شريط الأخبار في حسابي على "فيسبوك"، الذي يملؤه أصدقاء وناشطون سوريون التقيتهم خلال عملي على قضايا البلاد على مدى العقد الماضي، مثل كصفحة نعي على الإنترنت تتوالى أجزاؤها تباعا لكثير من النشطاء السوريين البارزين الذين تم احتجازهم وإخفاؤهم على أيدي القوات الحكومية.

سعت العديد من عائلاتهم على مدى سنوات عدة للحصول على معلومات حول مصيرهم، وغالبا ما خسرت مدخراتها لرشوة مسؤولي الأمن على أمل الحصول على خبر جديد. لكن دون جدوى. منذ 2011، نفت السلطات السورية باستمرار وجود أي معلومات عن المعتقلين أو عن آخر مرة شوهدوا فيها، رغم أن أجهزة الأمن السورية لديها سجلات دقيقة لكل شيء، بما في ذلك عن أولئك الذين يُقتلون في الاعتقال.

كُشف عن بيروقراطية الموت هذه في أوائل عام 2014، عندما قام أحد المنشقين الذي أطلق عليه اسم "قيصر"، والذي كان من مهامه في الشرطة العسكرية تصوير جثث المعتقلين المتوفين، بتهريب آلاف الصور والوثائق الداخلية، وفضح كيف تم تسجيل كل وفاة للمعتقلين وفهرستها وتصويرها. بل كانت هناك تعليمات مكتوبة للدفن. السلطات تعرف من مات، لكنها قررت حجب هذه المعلومات عن العائلات، إلى الآن.

الاختفاء قانونا هو عندما يشاهَد شخص آخر مرة محتجزا لدى قوات الدولة، وترفض الاعتراف بأنها احتجزته أو ذكر مكان احتجازه. سألتُ أحد المنشقين في 2014 لمَ يتم الاعتماد بشكل منهجي على الإخفاء القسري، فقال: "اعتقال شخص يحد من قدرته على التصرف، لكن إخفاءه يشل العائلة بأكملها. فالأسرة تخصص كل طاقاتها للعثور عليه. إنها أداة تحكّم لا يُعلى عليها".

شن أقارب المعتقلين والمعارضة السورية ومنظمات حقوق الإنسان لسنوات حملة لوضع قضية المعتقلين في الواجهة، منادين بحق العائلات في معرفة مصير أقاربهم، ووصول المراقبين الدوليين والمساءلة عن التعذيب وسوء المعاملة على نطاق واسع في مراكز الاعتقال السورية. لكن الحكومة السورية عرقلت تلك الجهود مرارا وتكرارا.

إذن لماذا قررت الحكومة الإفراج عن هذه المعلومات بعد سنوات من الإنكار؟

رغم عرقلات الحكومة، فإن القضية لم تُنس. ومع وجود العديد من المعتقلين الذين لا يُعرف مصيرهم، فإنها ببساطة كانت قضية كبيرة للغاية. تقدّر بعض المنظمات، من بينها "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، أن الحكومة السورية مسؤولة عن اختفاء أكثر من 80 ألف شخص.

أُنشئت مجموعة عمل للتدقيق في مصير المعتقلين في ديسمبر/كانون الأول 2017، كجزء من الجولة الثامنة من محادثات خفض التصعيد في أستانة بكازاخستان. عقدت مجموعة العمل المكونة من الدول الثلاث الضامنة لمفاوضات أستانة – روسيا وتركيا وإيران – بالإضافة إلى الأمم المتحدة، اجتماعا ثانيا على هامش الجولة التالية من المحادثات في مايو/أيار. وستستضيف تركيا الاجتماع التالي. لا توجد شفافية حول مناقشات مجموعة العمل، لكن الحكومة السورية بدأت بتحديث السجلات الشخصية بشكل ملحوظ بعد وقت قصير من تأسيس المجموعة. صدفة؟ ربما.

من الصعب دائما معرفة ما يحفّز قرارات السلطات السورية. لكن قراراتها ليست عشوائية أبدا. وأظن أن الحكومة تأمل في الرد استباقيا على الأسئلة المتعلقة بمصير الآلاف الذين يُعتقد أنهم محتجزون لديها، بالقول إنهم ماتوا وإن أسرهم قد أُبلغت.

هكذا بالضبط تعاملت السلطات السورية مع قضية الأشخاص الذين احتجزتهم واختفوا فيما بعد من لبنان في الثمانينات والتسعينات أثناء وجودها العسكري في البلاد. فبعد سنوات من رفض طلبات الأسر اللبنانية الحصول على معلومات عن أقاربها المفقودين، وافقت سوريا في مايو/أيار 2005 على تشكيل لجنة سورية-لبنانية مشتركة للنظر في تلك الملفات. خابت بسرعة آمال الأسر التي كان يحدوها الأمل. ولم يُفتح أي تحقيق.

معظم الملفات بقيت بدون إجابة، لكن في بضع حالات، أقرت الحكومة السورية بأن بعض المعتقلين ماتوا أو أُعدموا بعد محاكمات موجزة. لم تتم إعادة أي جثة، ولم تقدم أية تفاصيل، ولم يحاسب أي شخص، ولم يُشفَ غليل أي عائلة. لكن بالنسبة إلى الحكومة السورية، أُغلق الملف.

يجب ألا يُسمح للحكومة السورية بالإفلات دون محاسبة على حالات الإخفاء والقتل الجماعيين مرة أخرى. يحق لعائلات المختفين معرفة ما حدث لأقاربهم. فإذا هم ماتوا، يجب أن يُسمح لها باسترداد رفاتهم ومعرفة ظروف الوفاة من خلال تحقيق مستقل. هناك أيضا حاجة إلى المساءلة عن حالات الإخفاء القسري والوفيات في الاحتجاز. وبالنسبة لمن لا يزالون محتجزين، يبقى وصول المراقبين الدوليين إلى مراكز احتجازهم أمرا حتميا.

ولا يفي بهذا الغرض مجردُ تحديث للسجلات، قد يكون دقيقا أو غير دقيق، كما لا يعفي الحكومة السورية من مسؤوليتها عن حالات الاختفاء الجماعي والتعذيب ووفاة آلاف السوريين.