وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد يخرج من مبنى الوزارة في 30 أبريل/نيسان، لندن، إنكلترا.

© 2018 غيتي/كريس جاي راتكليف

مثل سائل حامضي يتقاطر شيئا فشيئا، يتآكل تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش") والرد الذي يثيره لدى الحكومات مبادئ حقوق الإنسان الرئيسية ببطء. في سعيها لتبدو صارمة في مواجهة هذه المنظمة المتطرفة، تساوم الديمقراطيات الغربية على المبادئ التي دافعت عنها لسنوات. قد تبدو كل مساومة في حد ذاتها صغيرة أو مقتصرة على حالات استثنائية، لكنها، مجتمعة، تؤدي إلى تآكل أُسس الحقوق الرئيسية التي وُضعت على مدار نصف القرن الماضي.

أما ضحايا داعش الأخيرة، فهي معارضة المملكة المتحدة الطويلة الأمد لعقوبة الإعدام ورفضها الطبيعي تقديم أو تبادل الأدلة في الحالات التي قد تطبق فيها عقوبة الإعدام. نشرت صحيفة "الديلي تلغراف" مقتطفات من رسالة وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد إلى المدعي العام الأمريكي جيف سيشنز، يوافق فيها على تقديم معلومات استخبارية للمساعدة في محاكمة عضوي داعش المعتقلَين أليكساندا كوتي والشافعي الشيخ، وكلاهما من خلية الجهاديين البريطانيين في داعش التي تُعرف باسم "البيتلز". لا تثير هذه الخطوة في حد ذاتها العجب، ولكنّ الغريب أن جاويد يقول في الرسالة إن المملكة المتحدة لن تسعى للحصول على أي "ضمانات" بعدم مواجهة الرجلين عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة.

رفضت الحكومة البريطانية، كالحكومات الأوروبية الأخرى، على مدى عقود، تسليم أشخاص زُعم أنهم ارتكبوا جرائم خطيرة، بما في ذلك أعمال إرهابية، إلى الولايات المتحدة وبلدان أخرى من دون الحصول على ضمانات بعدم إعدامهم. ترتكز هذه السياسة على القيم الثابتة لحقوق الإنسان التي تحظر نقل أي فرد إلى مكان قد يواجه فيه معاملة لا إنسانية (كحال أحكام الإعدام في الولايات المتحدة)، وعلى رفض عقوبة الإعدام، التي ألغيت منذ أمد طويل في المملكة المتحدة وفي معظم القارة الأوروبية.

تمتد السياسة البريطانية أيضا لتشمل رفض تقديم أدلة أو التعاون في المحاكمات التي تُلتمس فيها عقوبة الإعدام، أو عندما يكون خطر التعذيب أو سوء المعاملة قائما. حافظت المملكة المتحدة على هذا الموقف حتى في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 مباشرة. في الواقع، رفضت الحكومة البريطانية تقديم التعاون القانوني لمحاكمة المعتقلين في معتقل غوانتنامو، وبدلا من ذلك، أيدت الدعوات إلى إغلاقه.

تعترف رسالة جاويد بهذه السياسة، حيث يذكر أن "المملكة المتحدة لطالما طلبت ضمانات بعدم تطبيق عقوبة الإعدام، وقرارنا في هذه الحالة لا يعكس تغييرا في سياستنا بشأن المساعدة في قضايا الإعدام الأمريكية عموما، ولا موقف الحكومة البريطانية من الإلغاء الشامل لعقوبة الإعدام".

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يعتقد جاويد أن "هذه الحالة تشكل استثناء لطلب ضمانات بشأن عقوبة الإعدام؟"

امتنع جاويد عن الإدلاء بأي تفاصيل. هل لأنه يعتقد أن الولايات المتحدة لن تطبّق عقوبة الإعدام؟ لم تصرّح الولايات المتحدة بما يشير إلى ذلك، بل يبدو امتناعها عن تطبيق عقوبة الإعدام مستبعدا لأن الرجلين اتُّهما علانية بخطف مواطنين أمريكيين وبريطانيين وتعذيبهم وقتلهم. أم لأن المملكة المتحدة سحبت منهما الجنسية، كما ورد على نطاق واسع من دون تأكيد رسمي من الحكومة البريطانية؟ لم يقدم جاويد هذه الحجة في أي من المقتطفات المنشورة، كما أن سياسة بريطانيا المتمثلة في عدم التعاون في قضايا الإعدام لم تقتصر في الماضي على المواطنين البريطانيين. كذلك، لا يعفيها إلغاؤها الجنسية، بسحر ساحر، من واجبها في تجنب تعريض الرجلين لخطر الإعدام أو غير ذلك من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

قد تكمن الإجابة في الواقع في وثيقة حكومية بريطانية أخرى أوردت منها التلغراف مقتطفات في تقريرها. ورد أن تقريرا حكوميا صدر في اليوم نفسه الذي نُشرت فيه الرسالة ووُزّع على كبار الموظفين، ويفيد بأن جاويد وبوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، قرّرا تبادل الأدلة مع الولايات المتحدة بشأن اثنين من أعضاء داعش "من دون التماس ضمانات بشأن عقوبة الإعدام". أضاف التقرير أنهما "خلُصا إلى أن خطر عدم مقاضاة كوتي والشيخ، في حال عدم إطلاع بريطانيا الولايات المتحدة على أدلتها، يفوق خطر مساعدة بريطانية مباشرة في إدانة قد تؤدي إلى إعدام الرجلين والتداعيات على سياستها الأوسع حول عقوبة الإعدام".

بعد التمعّن في التصريحات أعلاه، لا يخفى أنّ هذه اللهجة لا تعكس مبدأ طويل الثبات في السياسة البريطانية والتزاما بقيم حقوق الإنسان الأساسية، بل هي لهجة مصالح سياسية وتسويات.

تفيد الوثيقة الثانية المشار إليها في تقرير التلغراف أيضا بأن الحكومة البريطانية "لن تضغط على الولايات المتحدة لعدم إرسال الرجلين إلى غوانتنامو، ولو أنها تفضل المحاكمات الفيدرالية وترغب في أن يُغلق هذا المعتقل. بالتالي، يبدو أن المعايير المتعلقة بالمحاكمة العادلة والأصول القانونية والتقيد بسيادة القانون، والتي قُوّضت جميعُها في معتقل غوانتنامو، هي أيضا محل تسوية. لكن هذا ليس أمرا محتما.

إن مقاضاة هذين الرجلين، مثل غيرهما من أعضاء داعش المشتبه في ارتكابهم جرائم شنيعة، ضرورية ولطالما طالبت بها "هيومن رايتس ووتش". لكن لماذا لا تصر بريطانيا على نفس الضمانات التي طلبتها من الولايات المتحدة في حالات إرهابيين مشتبهين آخرين؟ لمَ تتنازل بريطانيا عن مبدأ أساسي على الرغم من قدرتها على التعبير عن دعمها للمحاكمات الأمريكية في المحاكم الفيدرالية وإصرارها على نفس الضمانات التي عادة ما تطلبها من الولايات المتحدة بعدم تطبيق عقوبة الإعدام؟

يثير موقف المملكة المتحدة القلق، خصوصا لأن أهالي الرهائن الأمريكيين، الذين يُتهم الرجلان بتعذيبهم وقتلهم، عارضوا إعدامهما. كتب أهالي 4 من ضحايا داعش الأمريكيين في مقالة مشتركة ومؤثرة في فبراير/شباط أنهم "يدعمون موقف الحكومة البريطانية الثابت بعدم إرسال قتلة مثل هؤلاء إلى السجن العسكري في غوانتنامو، أو إنزال عقوبة الإعدام في حقهما. في الحالتين، سيبدوان شهيدين في أعين رفاقهما المتشددين الضّالين، وهي أسوأ نتيجة ممكنة".

قد يحاول المسؤولون البريطانيون تقديم موقفهم في مثل هذه الحالات كحل وسط ضروري لتمكين الولايات المتحدة من مقاضاة هذين الرجلين. لكن السلطات الأمريكية قادرة تماما على محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم إرهابية من دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام.

الرسالة المسربة وصمة عار على السلطة الأخلاقية للحكومة البريطانية في سعيها لتعزيز حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. كما تشكل تراجعا هائلا في بناء وتعزيز نظام العدالة الجنائية الذي لا مكان فيه لعقوبة الإعدام. يمكن اعتبار ما سبق انتصارا لدول مثل الصين والمملكة العربية السعودية وإيران، التي كانت من أشدّ الدول تأييدا لعقوبة الإعدام.