مدخل مدرسة البادية التي قصفها طيران التحالف يوم 20 مارس/آذار 2017. 

© 2017 أولي سولفانغ/هيومن رايتس ووتش

أخيرا اعترفوا بذلك. بعد أشهر من إنكار مقتل أي مدني، اعترف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا أخيرا بأن غارته على مدرسة داخلية في المنصورة بالقرب من الرقة بسوريا يوم 20 مارس/آذار 2017 قد أودى بحياة العشرات من المدنيين.

في تقريره الشهري الأخير "عن الضحايا المدنيين" الذي صدر في 28 يونيو/حزيران، أشار التحالف إلى أن تقاريره عن الهجوم "أُعيد فتحها بعد تلقي أدلة جديدة من "هيومن رايتس ووتش". أُفيد أن غارة على مركز متعدد الأغراض لمقاتلي "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) تسببت في سقوط ضحايا مدنيين. قُتل 40 مدنيا من دون قصد". كما أشار التحالف إلى أنه سيعيد فتح التحقيق في هجمات أخرى في أعقاب تقارير منظمتي "العفو الدولية" و"إير وورز".

كمدير لقسم الإرهاب ومكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش، كنت أعمل من أجل أن تعترف الولايات المتحدة بالأذى الذي تسببت به للمدنيين في غارة المنصورة لمدة عام تقريبا، بعد زيارتنا للمدرسة في يوليو/تموز 2017، حيث جمعنا أدلة دامغة على أن التحالف قتل عشرات المدنيين عندما قصف الموقع. لأكثر من عام، أصر التحالف على أن أي مدني لم يُصب.

مع ذلك، فإن هذه اللحظة لا تبدو وكأنها انتصار أو حتى اعتراف كاف بما فعله التحالف ذلك اليوم.

على الرغم من أنني أقدر أن التحالف راجع أدلتنا، إلا أننا لا نعرف نوع التحقيق الذي أجراه والذي قاده إلى تغيير النتائج في النهاية. يشير التحالف ببساطة إلى أن "التحقيق وجد أنه على الرغم من اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة ومن أن قرار شن الغارة توافق مع قانون النزاع المسلح، إلا أن الإصابات المدنية غير المقصودة حدثت للأسف".

من الصعب الاقتناع بنتائجهم من دون مزيد من الشفافية حول عملية التحقيق والمعلومات المتاحة لهم. إذا تم اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة - كما يدعي التحالف وكما هو مطلوب بموجب القانون الدولي - ألم يكُن من المفترض أن يعلموا أن المئات من المدنيين النازحين كانوا يعيشون في تلك المدرسة؟

في بيان إعلامي في مايو/أيار 2017، أوضح الجنرال جيفري هاريغان، قائد القوات الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط، كيف يختار التحالف أهدافه: "يتضمن الاستهداف المتعمد عملية تطوير واسعة النطاق لضمان أن تكون كل غارة شرعية وتفي بالمعايير المطلوبة. يمكن أن تستغرق هذه العملية من أيام إلى أسابيع لتتبلور بحسب الهدف والوقت اللازمين لمراقبة أنماط الحياة اليومية والسلوك". يجري الجيش أيضا تقييما للأضرار الجانبية لكل هدف، وهي عملية لتقدير وتخفيف الضرر على المدنيين أو الممتلكات المدنية.

إذا اتُبعت هذه الإجراءات، ففي أفضل الأحوال، يمكن القول إن خطأ كبيرا وقاتلا قد ارتُكب. جميع السكان المحليين يعرفون أن المدنيين النازحين يعيشون في المدرسة منذ الأيام الأولى للثورة ضد الرئيس السوري بشار الأسد. تشير أقوال الشهود التي جمعناها إلى أن المراقبة الجوية للمدرسة مع مرور الوقت كانت ستظهر النشاط المدني. على سبيل المثال، أخبرنا أحد الناجين (11 عاما) أن الأطفال كانوا يلعبون في فناء المدرسة، الأمر الذي ربما جعلهم مرئيين لأي مراقبة جوية. من شأن إجراء تحقيق أكثر شفافية أن يلقي الضوء على الخطأ الفادح الذي حدث في ذلك اليوم وأن يساعد على ضمان عدم حدوث مثل هذه الأخطاء في المستقبل.

كما تثير أجزاء أخرى من تقرير التحالف أسئلة حول مدى جدية التحقيق، حيث يصف المدرسة بأنها "مركز متعدد الأغراض لمقاتلي داعش" من دون شرح "الأغراض" الأخرى. قال سكان محليون إن المدنيين النازحين كانوا يعيشون في المدرسة منذ عام 2012. لكن في الفترة التي سبقت الغارة، بدأت عائلات مقاتلي داعش الفارّة من العراق بالسكن في المدرسة. أخبرنا الشهود أن مقاتلي داعش كانوا يأتون لزيارة عائلاتهم هناك. أفاد أحد الشهود أن داعش أقام مسجدا داخل مجمع المدرسة. هل هذا ما كان يعنيه التحالف عندما قال إنه "مركز متعدد الأغراض" لمقاتلي داعش؟

أصدرت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية" التابعة للأمم المتحدة، التي أُنشئت للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي في سوريا منذ عام 2011، تقريرا في 6 مارس/آذار، توصلت فيه إلى استنتاج مشابه لقرارنا بشأن إصابة المدنيين في غارة المنصورة. بعد إجراء مقابلة مع 20 شاهدا، وجدت أن "المعلومات التي جمعتها اللجنة لا تدعم الادعاء القائل إن 30 من مقاتلي التنظيم كانوا في المدرسة وقت الغارة، ولا أن المدرسة كان يستخدمها التنظيم".

هناك تساؤلات أيضا حول كيفية توصل التحالف إلى عدد المدنيين، 40 شخصا، الذين قُتلوا. أدرجت هيومن رايتس ووتش أسماء 40 مدنيا، لكنها أشارت إلى أن هؤلاء هم الأشخاص الذين استطاعت التعرف عليهم بالاسم – علما أنها مهمة شاقة عند التعامل مع الضحايا الذين نزحوا من مناطق أخرى. قلنا إننا نعتقد، بناء على عدد المدفونين، أن العدد الفعلي للقتلى كان أعلى. قالت لجنة الأمم المتحدة إن 150 من بين 200 شخص يعيشون في المدرسة قُتلوا وحددت هوية 12 ناجيا، من بينهم 4 نساء و6 أطفال.

لكن على مستوى أكثر أهمية، فإن بيان التحالف يفتقد عنصرا أساسيا، فهو لا يتطرق إلى الضحايا. على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أن يتحمل المسؤولية عندما تقتل هجماته المدنيين. في حال حدوث انتهاكات، يتطلب القانون الدولي تعويضات للضحايا المدنيين. لكن حتى في حال عدم وجود دليل على عدم شرعية الهجمات، فإن المدنيين سيحتاجون إلى المساعدة أو التعويض، وهناك حجج قوية تدعم معالجة الضرر الناجم. يمكن أن يكون التعويض ماديا عن الخسائر في أرواح المدنيين وممتلكاتهم، التي تُعرف في كثير من الأحيان بالمبالغ المدفوعة على سبيل الهبة التي تتم من دون التزام قانوني، وكذلك التعويض غير المادي والاعتراف بالضرر الذي حدث، مثل الاعتذار الرسمي.

لم ينشئ التحالف أي إجراء للضحايا المدنيين في هجماته في سوريا أو لأقاربهم الناجين للحصول على أي شكل من أشكال االتعويض. اثنين من الأطفال الذين نجوا من غارة المنصورة أخذتهما عمتهما، التي هي نفسها لاجئة تعيش في مساحة ضيقة في بيروت. هي امرأة مثيرة للإعجاب، قاتلت البيروقراطية لإدخالهما إلى المدرسة. مع ذلك، تتخلف دائما عن دفع إيجار منزلها وتواجه خطر الطرد.

 يستحق هؤلاء الأطفال تفسيرا للغارة التي قتلت عائلتهم، وعلى التحالف أن يوفر لهم شكلا من أشكال التعويض. بيان بسيط من سطرين يفيد بأن "40 مدنيا قُتلوا" ببساطة غير كاف.