الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي مشترك في قصر الإليزيه في باريس، فرنسا، 10 ديسمبر/كانون الأول 2017. 

© 2017 رويترز

في 5 يونيو/حزيران، أي بعد 51 عاما على بدء إسرائيل احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، سيلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في باريس. تدير اليوم إسرائيل هذه المناطق بالقمع، التمييز المنهجي، والانتهاكات الخطيرة المستمرة لحقوق السكان الفلسطينيين. على مدى 51 سنة، لم يكبح المجتمع الدولي الانتهاكات المرتبطة بالاحتلال.

غير أن هذا الاتجاه بدأ يتغير، مع مجموعة من المبادرات الجارية التي تمهد الأرضية للمجتمع الدولي لاتخاذ تدابير أكثر فعالية لدفع السلطات الإسرائيلية لاحترام التزاماتها بموجب القانون الدولي. يمكن لفرنسا أن تأخذ زمام المبادرة هنا، وعلى ماكرون أن يستخدم اجتماعه مع نتنياهو ليوضح أنه ستكون هناك عواقب لاستمرار إسرائيل في تجاهل حقوق الإنسان.

الشهر الماضي، وافق وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان على بناء 2,500 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، حيث يقيم حاليا أكثر من 600 ألف مستوطن إسرائيلي. يشكل نقل المدنيين إلى الأراضي المحتلة جريمة حرب. تساهم المستوطنات أيضا في نظام تمييزي ثنائي، يعامل الفلسطينيين بشكل منفصل وغير عادل.

في مارس/آذار 2016، وافق "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" (مجلس حقوق الإنسان) على إنشاء ونشر قاعدة بيانات للشركات العاملة في المستوطنات. يتوقع "مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان" نشر نسخة أولية من قاعدة البيانات بحلول أغسطس/آب. كما وضع الاتحاد الأوروبي مؤخرا تعليمات تتطلب ذكر مصدر المنتوجات الواردة من المستوطنات، بحيث لا يمكن لإسرائيل أن تمرر بضائع المستوطنات وكأنها صنعت في إسرائيل. أدرجت فرنسا هذه التعليمات في قوانينها. على ماكرون أن يذكّر نتنياهو بمعارضة فرنسا للمستوطنات، موضحا أن فرنسا ستواصل دعم قاعدة البيانات، وسط جهود البعض لمنع نشرها. كما عليه نصح الشركات الفرنسية بوقف الأعمال التجارية في المستوطنات أو معها.

لتسهيل توسيع المستوطنات والبنية التحتية الداعمة لها، صادرت السلطات الإسرائيلية آلاف الهكتارات من الأراضي الفلسطينية، وهدمت منازل وبنى مدنية مثل المدارس على أساس أنها تفتقر إلى تصاريح. يحصل ذلك رغم أن الأعباء التمييزية تجعل من المستحيل تقريبا على الفلسطينيين الحصول على مثل هذه التصاريح في القدس الشرقية، وفي 60 بالمئة من الضفة الغربية التي تسيطر عليها إسرائيل والمعروفة باسم "المنطقة ج"، حسب اتفاقات أوسلو.

في 24 مايو/أيار، وافقت المحكمة العليا في إسرائيل على خطط الحكومة لهدم قرية خان الأحمر أبو الحلو، موطن 180 شخصا، شرق القدس، بما فيه مدرستها، التي تُعلم 160 طفلا من 5 قرى مجاورة. المدرسة هي واحدة من عشرات المدارس الفلسطينية التي أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بهدمها، وخان الأحمر هو واحد فقط من 46 تجمعا فلسطينيا تعتبره الأمم المتحدة "معرضا لخطر النقل القسري". النقل القسري لسكان منطقة محتلة هو جريمة حرب.

حذر "الاتحاد الأوروبي" ومسؤولو الأمم المتحدة ووزير الدولة البريطاني للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إسرائيل من هدم خان الأحمر، الذي يمكن أن يحدث في أي يوم. تحركت الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة إلى أبعد من مجرد الإدانة. في أكتوبر/تشرين الأول 2017، طالبت 8 دول، بينها فرنسا، بتعويضات عن البنى الإنسانية التي ساعدت في بنائها في المنطقة "ج" والتي هدمتها إسرائيل. على ماكرون أن يدعو نتنياهو علنا إلى إلغاء خطط هدم خان الأحمر، وأن يوضح أن فرنسا ستواصل دعم الجهود الدولية لتحديد المسؤولين عن جرائم الحرب المحتملة ومحاسبتهم.

منذ 30 مارس/آذار، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 100 فلسطيني في مظاهرات داخل غزة وشوهت وأصابت آلاف آخرين، وكانت الضحية الأخيرة المسعفة رزان النجار )21 عاما)، التي قُتلت بالرصاص في الأول من يونيو/حزيران، بينما كان من الواضح أنها متطوعة طبية، تريد مساعدة متظاهرين مصابين. وقعت عمليات القتل بينما كان الجنود ينفذون أوامر إطلاق نار من مسؤولين إسرائيليين كبار، تسمح لهم باستخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين خارج المواقف التي يشكلون فيها تهديدا وشيكا للحياة، بما يناقض "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين". تأتي عمليات القتل هذه في ظل إغلاق إسرائيل لغزة منذ 10 سنوات، والذي يقيد بشدة حركة الأشخاص والبضائع، وتفاقمه مصر من خلال الإبقاء على إغلاق حدودها مع غزة.

في 17 مايو/أيار، أنشأ مجلس حقوق الإنسان لجنة للتحقيق في عمليات القتل عند جدار غزة. قالت المدعية العامة في "المحكمة الجنائية الدولية"، التي بدأت دراسة تمهيدية عن الوضع في فلسطين، إن مكتبها يتابع التطورات على الأرض في غزة. تهدف هذه الجهود إلى كسر الإفلات الفعلي من العقاب في النظام القضائي الإسرائيلي الذي يُمكّن مثل هذه الانتهاكات.

مع تكثيف السلطات الإسرائيلية الانتهاكات، تستمر في تضييق المساحة المتاحة للحقوقيين. الشهر الماضي، ألغت إسرائيل تصريح عمل "هيومن رايتس ووتش" وأمرتني بمغادرة البلاد. بررت إسرائيل القرار بمواقف زعمت أنّي اتخذتُها تجاه مقاطعة إسرائيل، قبل الانضمام إلى هيومن رايتس ووتش (مع الإقرار بأن لا المنظمة ولا أنا كممثلها نروّج للمقاطعة). يأتي ذلك في الوقت الذي تُصعّب فيه الحكومة الإسرائيلية عمل الجماعات الحقوقية، وتتهم جماعات المناصرة الإسرائيلية بالافتراء على الدولة وتشويه سمعة الدولة والجيش، وتخضع الحقوقيين الفلسطينيين لقيود السفر وحتى الاعتقالات والتهم الجنائية.

أصدرت مجموعة واسعة من الجهات، بما فيها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بيانات دعم قوية لـ هيومن رايتس ووتش، التي تستأنف في محكمة إسرائيلية قرار إلغاء تصريح العمل. بالإضافة إلى ذلك، يواصل المسؤولون الأجانب لقاء جماعات حقوق الإنسان في إسرائيل وفلسطين، رغم التحذيرات من السلطات الإسرائيلية. على ماكرون أن يعبر عن قلقه إزاء القيود المتزايدة على الحقوقيين الفلسطينيين والإسرائيليين والدوليين.

غير أن زيادة الزخم الدولي لمكافحة الانتهاكات الإسرائيلية مهددة بظهور قادة شعبويين في جميع أنحاء العالم، يهاجمون القيم العالمية. لفرنسا دور حاسم تلعبه في الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي في هذا الوقت الحرج، ويجب أن تغتنم هذه الفرصة التاريخية قبل مرور ذكرى أحداث قاتمة أخرى.