داود موسى، والد بهاء موسى الذي توفي في 2003 في عمر 26 عاما رهن الاحتجاز من قبل جنود بريطانيين في العراق، رافعا صور ابنه وصورة عائلية أمام وسائل الإعلام، بعدما وصوله إلى جلسة بمحكمة بريطانية في 28 يوليو/تموز 2004 حول انتهاكات حقوق الإنسان في العراق. © 2004 غرايم روبرتسن/غيتي إيمدجز

 

(لاهاي) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن مكتب ادعاء "المحكمة الجنائية الدولية" (المحكمة) لديه نفوذ كبير يمكنه استخدامه لتشجيع الدول على التحقيق في الجرائم الدولية الخطيرة وفتح ملاحقات قضائية عليها. 

يستعرض تقرير "نقطة ضغط: تأثير ´المحكمة الجنائية الدولية´ على القضاء الوطني"، الصادر في 181 صفحة، مختلف جوانب ممارسات مكتب ادعاء المحكمة في مرحلة الدراسة الأولية للقضايا، والتي يتحدد خلالها ما إذا كان تم استيفاء معايير المحكمة لفتح تحقيق كامل في القضية. توصلت هيومن رايتس ووتش إلى وجود عراقيل كبيرة تعترض طريق العدالة في المحاكم الوطنية، ودرجات نجاح وإخفاق متفاوتة في تحفيز التقدم في الملاحقات القضائية المحلية عبر تدخلات مكتب الادعاء لدى السلطات في كل من غينيا، كولومبيا، جورجيا، والمملكة المتحدة. لكن توصلت هيومن رايتس ووتش إلى أن تواصل المكتب في شأن تلك القضايا قد يساهم بشكل مهم.

قالت إليزابيث إيفنسن، نائبة مدير برنامج العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "بعد 20 عاما على إبرام معاهدة روما، يتضافر حِمل المحكمة الجنائية الدولية المتزايد من القضايا مع شح مواردها، ليبرز الحاجة إلى ملاحقات قضائية محلية عادلة وفعالة. على المزيد من الدول الأعضاء بالمحكمة دعم جهود مكتب الادعاء في تشجيع الملاحقات القضائية المحلية الناجحة".

يعتمد التقرير بشكل كبير على مقابلات هيومن رايتس ووتش مع أكثر من 140 شخصا من المسؤولين الحكوميين وممثلي منظمات غير حكومية وحكومية دولية، ومسؤولين بالمحكمة.

المحكمة هي محكمة الملاذ الأخير، إذ لا تتدخل إلا إذا تبين أن السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء ملاحقات قضائية جادة في الجرائم الدولية الخطيرة. يعني شح موارد المحكمة أنه حتى في الحالات التي تفتح فيها تحقيقات، عليها التعاون مع السلطات الوطنية لدعم الملاحقات المحلية من أجل تعزيز نهج شامل للعدالة.

يمكن أن يكون لمكتب الادعاء نفوذ خاص أثناء مرحلة الدراسة الأولية، وهي الخطوة قبل فتح المحكمة تحقيق رسمي. هذه الدراسات يمكن أن تدفع الدول للمضي قدما في تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية الداخلية، ما يعني انتفاء الحاجة إلى تدخل المحكمة، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

يتواصل مكتب ادعاء المحكمة مع السلطات الوطنية لتشجيع المحاكمات المحلية فقط في حال تحقق بعض الظروف التي تستوفي معايير معينة، وتشمل وجود جهود وطنية حقيقية على مسار التحقيق والمقاضاة، أو تعهد الحكومة ببذل الجهود محليا. من بين الدول الأربع الخاضعة للاستعراض، كان لمكتب الادعاء الأثر الأكبر في غينيا، ثم كولومبيا، بينما كان دوره محدودا أكثر بكثير في جورجيا. وفي المملكة المتحدة – حيث كانت الدراسة الأولية معنية بمزاعم بجرائم حرب ارتكبتها القوات المسلحة البريطانية في العراق ضد محتجزين في عهدتها – لم يكن المكتب قد سعى بعد، بشكل متسق مع سياساته، إلى تشجيع المداولات القضائية الوطنية على مدار الفترة التي غطتها بحوث هيومن رايتس ووتش.

في ديسمبر/كانون الأول 2017، اختتمت لجنة قضاة في غينيا تحقيقاتها المحلية في هجوم قوات الأمن في سبتمبر/أيلول 2009 على معارضين، وأحالت القضية إلى المحاكمة. توقف التقدم في هذا التحقيق الممتد لسبع سنوات، ولم يُحدَّد موعد بدء المحاكمة بعد. لكن تواصل مدعية المحكمة الحثيث مع السلطات الغينية – بما يشمل أكثر من 12 زيارة إلى غينيا وتحديد خطوات مطلوبة في التحقيقات، مثل مقابلة شهود العيان الأساسيين – ساعد على تحفيز التقدم. هناك فاعلون آخرون، مثل جمعيات الضحايا وخبراء بالأمم المتحدة، لعبوا دورا أساسيا أيضا.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب تكرار مثل هذه الجهود أكثر في الدراسات الأولية الأخرى للمكتب. في كولومبيا، ضغط ادعاء المحكمة على الحكومة بشأن ضرورة المحاسبة على أعمال القتل "الإيجابي الخاطئ"، حيث وقعت آلاف عمليات القتل غير القانوني بين 2002 و2008، التي بلّغ العسكريون عنها رسميا بأنها قتل مشروع أثناء القتال. أحيلت مئات القضايا إلى القضاء الوطني ضد جنود من رتب منخفضة ومتوسطة.

لكن تصريحات مكتب ادعاء المحكمة الفضفاضة المُعلنة، كما تلك التي يتم الإدلاء بها في اجتماعات مع المسؤولين الحكوميين، لم تحدد معايير محددة، وبحسب هيومن رايتس ووتش فهي لم تؤد إلى ضغوط كافية على السلطات كي تتصرف بشكل أكثر حزما وتصميما في القضايا ضد كبار المسؤولين. هناك علامات على تغير هذا النهج، ظهرت بعضها عندما كانت المدعية الحالية فاتو بنسودة في زيارة إلى كولومبيا في 2017. فأثناء الزيارة، ذكرت علنا الثغرات القائمة في المعلومات التي قدمتها السلطات حول الملاحقات القضائية الوطنية.

قالت إيفنسن: "على مكتب ادعاء المحكمة أن يغيّر تعامله بحسب كل دراسة أولية. لكن لتجنب اتهامات الكيل بمكيالين، على المكتب أن يكون واضحا فيما يخص أنشطته. ويحتاج ادعاء المحكمة أيضا إلى موارد مالية لتكييف أعماله وتطويرها بالتواصل في هذه الدول مع المسؤولين والمجتمع المدني".

قالت هيومن رايتس ووتش إن التوقعات مما يمكن لمكتب الادعاء أن ينجزه يجب أن تكون واقعية. في الدول الأربع، كان غياب الإرادة السياسية الكافية لإحقاق العدالة محليا عقبة كبيرة. فبينما كانت هناك تحقيقات وطنية في الدول الأربع، فإن كولومبيا فقط هي التي نفذت ملاحقات قضائية على صلة بالتحقيقات. ترك مساحة كبيرة للسلطات الوطنية للعمل، مع التأهب للتدخل إذا لم تمض إجراءات السلطات الوطنية قدما، هو أمر صعب يتطلب من ادعاء المحكمة الكثير من التدبر.

فتح ادعاء المحكمة الجنائية الدولية دراسة أولية بُعيد النزاع المسلح في أغسطس/آب 2008 بين جورجيا وروسيا على منطقة جنوب أوسيتيا، لكن لم يفتح تحقيقا كاملا إلا في يناير/كانون الثاني 2016 بعد أن تخلت السلطات الجورجية عن تحقيقاتها. التواصل الأقوى مع المنظمات غير الحكومية، والمزيد من الضغط على السلطات الجورجية لتتحلى بالشفافية بشأن حالة تحقيقاتها، ربما كان ليساعد ادعاء المحكمة على أن يستنتج في وقت أبكر ضرورة أن يفتح التحقيقات، ما يعني الحدّ من التأخير في إحقاق العدالة للضحايا، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

كما أن زيادة الشفافية حول المداولات القضائية الوطنية ضرورية لتعزيز الشراكات مع المجموعات المحلية، التي قد تشكل حلفاء أساسيين. يمكن لمكتب الادعاء أيضا الضغط على السلطات الحكومية كي تقدم إلى هذه المنظمات معلومات أكثر عن حالة التحقيقات. فهذا يعزز أعمال المناصرة الخاصة بالمجموعات ويساعد المحكمة على التحقق من ادعاءات الحكومات بشأن التقدم الذي أحرزته. وفي بعض الحالات، يمكن أيضا لإشراك الضحايا في المداولات وفي التغطية الإعلامية أن يساعد في الضغط على السلطات.

قالت إيفنسن: "لا يمكن لادعاء الجنائية الدولية أن يفعل كل شيء وحده، على مسار التحفيز على تقدم جهود التقاضي الوطنية. المطلوب هو علاقات فعالة بين المحكمة، مجموعات الناشطين، هيئات الأمم المتحدة، السلطات الوطنية، والحكومات المانحة، لتحريك العدالة على المستوى الوطني".