مقاتل من "قوات سوريا الديمقراطية" يقف على أنقاض مبان مدمّرة في الرقة، سوريا، 25 سبتمبر/أيلول 2017.

© 2017 رويترز/رودي سعيد

متابعة سياسة الولايات المتحدة تُجاه سوريا خلال الشهر الماضي كانت تمرينا صعبا. في أوائل أبريل/نيسان، قال البيت الأبيض إن مُهمة الجيش الأمريكي في سوريا "لاستئصال داعش ... تقترب من نهاية سريعة"، وأشارت تقارير إعلامية إلى أن ترامب يُريد أن تخرج القوات في غضون 6 أشهر. ثم وقع هجوم كيمائي مزعوم على دوما، فنفذت الولايات المتحدة، بمشاركة فرنسا والمملكة المتحدة، سلسلة من الضربات العسكرية في سوريا في 14 أبريل/نيسان. بدت الضربات ردا واحدا غير قابل للتكرار، وأعاد المُتحدث باسم البيت الأبيض التأكيد على أن مُهمة الولايات المتحدة في سوريا "لم تتغير... كان الرئيس واضحا في أنه يرغب في عودة القوات الأمريكية للوطن في أسرع وقت مُمكن".

ركزت العديد من التعليقات على تأثير هذا الانسحاب على قُدرة تنظيم "داعش" على إعادة رصّ صفوفه، وكونه فُرصة لإيران وروسيا لتوسعا نفُوذهما في سوريا.

الجانب الذي تم إغفاله بشكل كبير في النقاش هو كيف سيُؤثر قرار الولايات المتحدة بالانسحاب بسرعة من شمال شرق سوريا، قبل أي استقرار أو خُطة مُستقبلية ذات مغزى، على حياة الناس الذين يعيشون في تلك المناطق. دراسات الحالة من ليبيا إلى العراق لا تُبشر بخير.

بصرف النظر عن الموقف من تدخل الولايات المتحدة في سوريا، كانت الولايات المتحدة الفاعل الدولي الرئيسي في شمال شرق سوريا منذ عام 2014. قادت التحالف الدولي لمُحاربة داعش، وحارب جنودها على الأرض، ودربت قوات محلية وسلحتها. خلال عملية مُحاربة داعش، قُتل مدنيون وهُجروا، ودُمرت مُدن، وصارت جماعات محلية أقوى. من غير المسؤول أن تمضي الولايات المتحدة ببساطة دون أن تسعى إلى مُعالجة بعض المشاكل الأساسية المُتبقية، بعضها ناتج مُباشرة عن الحرب ضد داعش. حقيقة أن تكتيكات الحرب على داعش تسببت في الكثير من الكوارث لا تعني أن القرارات التي اتخذها التحالف بقيادة الولايات المتحدة لم تُساهم بشكل مباشر في الوضع.

بدون تخطيط سليم أو مفاوضات سياسية مع الفاعلين الرئيسيين على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، هناك خطر حقيقي بتجدد القتال أو عدم الاستقرار. في 15 أبريل/نيسان، صرح المُتحدث باسم البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة تتوقع من "حُلفائها وشركائها الإقليميين أن يتحملوا مسؤولية أكبر عسكريا وماليا من أجل تأمين المنطقة". لكن البلدان الأخرى لم تسعى لملء الفراغ، ولا تزال جهود الإغاثة التي تبذلها الأمم المتحدة في سوريا تُعاني من نقص حاد في التمويل، بينما لا تملك الجهات الفاعلة المحلية حاليا الوسائل الكفيلة لتحمل المسؤولية بمفردها. هل هذا يعني أن على الولايات المتحدة تحمل العبء لوحدها أم أن البديل هو وجود عسكري أمريكي مُستمر؟ لا، ولكنه يعني أن على الولايات المتحدة ضمان أنها تنسحب بمسؤولية، معتمدة خطة انسحاب تُعالج القضايا الرئيسية.

بعض المسائل لها طبيعة سياسية وعسكرية. ومن أهمها تلك التي تتعلق بالخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة لضمان ألا يتقاتل حليفاها، تركيا والقوات الكردية في شمال سوريا، على حساب السكان المحليين.

تتعلق مسائل أخرى بالانشغالات القانونية والإنسانية. ومنها الحاجة إلى إعادة بناء الرقة والمناطق الأخرى المُسترجعة من داعش. لقد خلف انتصار التحالف بقيادة الولايات المتحدة على داعش في أماكن مثل الرقة دمارا واسع النطاق ونزوحا جماعيا. قال لي أحد السكان المحليين في يناير/كانون الثاني عندما زُرت المدينة: "لقد انتهت الرقة، فقد أصبحت حقل ألغام". بعد مرور أكثر من 5 أشهر على طرد داعش، ما زالت الجُثث مُتعفنة تحت الأنقاض، وما زالت الألغام التي زرعها داعش تقتل وتُشوه الناس. لا تملك السلطات المحلية القدرة على التعامل مع هذا الدمار.

وعدت الولايات المتحدة مُؤخرا بمنح 200 مليون دولار لتحقيق الاستقرار في المنطقة، لكن الرئيس ترامب أمر وزارة الخارجية بتجميد هذه الاعتمادات. يُمكن أن يكون تعليق المُساعدات هزيمة ذاتية وأكثر كُلفة بكل تأكيد. إن أرادت الولايات المتحدة استقرارا طويلا، عليها أن تعمل على ضمان أن يكون مستقبل منطقة الرقة والمدنيين الذين يعيشون هناك على الأجندة الدولية، وأن تكون هناك خطة لإعادة بناء المدينة وضمان عودة السكان.

توجد مسألة أخرى تتعلق بالمُحتجزين الأجانب وأسرهم الذين بقوا هناك. خلال حربها على داعش، اعتقلت "القوات الديمقراطية السورية" المدعومة من الولايات المتحدة الآلاف من مُقاتلي داعش، بمن فيهم مئات الرجال الأجانب. كما تحتجز القوات التي تدعمها الولايات المتحدة في مخيمات النازحين حوالي 2,000 من النساء والأطفال الأجانب الذين هم من أُسر عناصر داعش. حتى الآن، لم تتم مُحاكمة أي من هؤلاء الأجانب بسبب جرائم جنائية، وأخبرتني عدة سلطات محلية كردية أنها تُفضل أن تقوم البلدان الأصلية لهؤلاء الأجانب بإعادتهم إلى أوطانهم. حاول مسؤولون أمريكيون إقناع بلدان بإعادة مواطنيها المقاتلين وعائلاتهم إلى وطنهم، لكنهم لم يجدوا أي مُستجيب حتى الآن من بين حلفائهم.

ماذا سيحدث لهؤلاء الأجانب – رجالا ونساء وأطفالا – إذا انسحبت الولايات المتحدة دون خطة لمعالجة مصيرهم؟ قد تستمر قوات الدفاع السورية في احتجازهم، لكن إلى متى؟ تُفيد تقارير أن الولايات المتحدة تُمول بالفعل تحسين مرافق الاحتجاز لأن السلطات المحلية لا تملك القدرة على ذلك. في نفس الوقت، لا تستطيع محاكم مُكافحة الإرهاب، التي أنشأتها السلطات المحلية، ضمان أكثر المُتطلبات الأساسية للمحاكمات العادلة، حيث لا يُوجد دور لمحامي الدفاع ولا استئناف.

على الولايات المُتحدة، كجزء من أي انسحاب من شمال سوريا، التنسيق مع الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين لوضع خُطة تستجيب لثلاث مسائل رئيسية:

  1. ضمان محاكمات عادلة لمقاتلي داعش الأجانب المزعومين المحتجزين حاليا في شمال سوريا، إما عن طريق بناء القدرات المحلية أو نقلهم إلى بلدانهم الأصلية كلما أمكن؛
  2. ضمان استجابة المرافق السجنية حيث يقضي المُقاتلون المُدانون عقوبتهم للمعايير الدولية؛ و
  3. حيثما أمكن، إعادة المواطنين الأجانب الذين لم يرتكبوا أي جرائم إلى بلدانهم. تشمل هذه الفئة عددا كبيرا من الأطفال والنساء الموجودين حاليا في مخيمات النازحين.

نظرا للعلاقة الوثيقة بين الجيش الأمريكي والقوات التي تحتجز هؤلاء الأفراد، فإن للولايات المتحدة مصلحة قوية في معالجة هذه المسائل.

لا توجد أجوبة سهلة لأي من هذه المسائل. لكن الجواب ليس في أن تبحث الولايات المتحدة عن حلول بمفردها. إذا أرادت الولايات المتحدة تعزيز النجاحات التي حققها التحالف الدولي وشركاؤه المحليون في القتال ضد داعش، فعليها أن تتأكد من أن خطة انسحابها تُعالج التحديات الرئيسية لمرحلة ما بعد داعش - وإلا فسيكون هناك احتمال حقيقي لتفكك المُكتسبات التي تحققت بشق الأنفس، مع تحمل المدنيين للعبء.