أنشأت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" "الآلية الدولية المحايدة والمستقلة" بموجب قرار غير مسبوق في 2016 ردا على إخفاق "مجلس الأمن الدولي"، حيث استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) 12 مرة منذ 2011 لعرقلة عمل المجلس بشأن الصراع السوري. جاء أحدث فيتو روسي الأسبوع الماضي عقب هجوم مروع في دوما، أودى بحياة عشرات الأشخاص مرة أخرى، لمنع إنشاء آلية لتحديد استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

 

خذل مجلس الأمن الدولي السوريين. خلال 7 سنوات من الصراع، قُتل نحو نصف مليون شخص وأجبر 11 مليون على مغادرة منازلهم. شنت الحكومة السورية هجمات عديدة بالأسلحة الكيميائية على المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المناهضة للحكومة. كما ارتكبت الحكومة هجمات متعمدة وعشوائية ضد المدنيين، احتجزت المساعدات الإنسانية، استخدمت التجويع كأسلوب حرب، واعتقلت بشكل تعسفي السوريين في مخالفة للقانون الدولي. تستمر ممارسات الحكومة السورية في ممارسة التعذيب وسوء المعاملة في الاعتقال، والاخفاء القسري. كما ارتكبت الجماعات المسلحة غير الحكومية مجموعة من الانتهاكات، بما فيها شن هجمات متعمدة وعشوائية ضد المدنيين، اختطاف النشطاء واحتجازهم تعسفا، والتدخل في تقديم المساعدات الإنسانية. استخدم تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف بـ "داعش" الأسلحة الكيميائية بشكل متكرر واستخدم المدنيين كدروع بشرية، واستخدم الألغام الأرضية وغيرها من العبوات الناسفة التي تسبب ضررا كبيرا للمدنيين. مع ذلك، فشل مجلس الأمن في اتخاذ إجراء حاسم لمعالجة الحالة بشكل شامل.

 

عمدت روسيا مرارا إلى عرقلة الجهود الرامية إلى وقف هذه الفظائع ومحاسبة المسؤولين عنها، وتُواصل إساءة استخدام الفيتو في مجلس الأمن. من خلال إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، برهنت الجمعية العامة على قدرتها على تولي زمام الأمور في مواجهة مأزق مجلس الأمن في معالجة حالة الإفلات من العقاب التي طال أمدها لهذه الانتهاكات من قبل جميع أطراف النزاع. من الضروري أن تواصل الجمعية اتخاذ إجراءات مجدية لمعالجة عدد لا يحصى من انتهاكات حقوق الإنسان والكوارث الإنسانية في سوريا. اتخذت الدول التي صوتت لصالح قرار إنشاء الآلية في ديسمبر/كانون الأول 2016 موقفا بالغ الأهمية للضحايا السوريين.

كاترين مارشي - أويل ، رئيسة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، تحضر مؤتمرا صحفيا حول جرائم سوريا في الأمم المتحدة في جنيف، 5 سبتمبر/أيلول 2017. 

© 2017 رويترز

لكن تمرير القرار مجرد خطوة أولى. تواجه هذه الآلية مهمة صعبة في انتظار معالجة المعلومات الهامة الموجودة حول الانتهاكات المستمرة في سوريا، تطوير قضايا قوية، بناء جسور مع الضحايا، بالإضافة إلى التعاون مع مجموعات التوثيق الأخرى والسلطات القضائية الوطنية التي تحقق في الجرائم المرتكبة في سوريا، والتي ستشاركها الآلية ملفاتها.

أولا، سيحتاج الأمر إلى جمع الأموال اللازمة للاضطلاع بولايتها الهامة المتمثلة في جمع وحفظ وتحليل الأدلة المحتملة للملاحقات القضائية في المستقبل. نحث الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على تقديم مساهمة مالية لضمان امتلاك الآلية الموارد الضرورية التي تحتاجها للقيام بعملها. في الوقت نفسه، فإن اعتمادها الحالي على المساهمات الطوعية يجعل من الصعب على الآلية تخطيط وتنظيم أعمالها لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة على المدى الطويل. لذلك ينبغي على الدول الأعضاء أن تكرر دعمها لنقل تمويل الآلية إلى ميزانية الأمم المتحدة العادية في أقرب وقت ممكن.

 

ثانيا، سيكون تعاون الدول، ونظام الأمم المتحدة، والمجتمع المدني، بما فيه من خلال الوصول إلى الوثائق والمواد، أمرا حاسما لمساعدة الآلية في عملها. في خطوة مرحب بها، توصلت 28 من مجموعات المجتمع المدني السورية مؤخرا إلى بروتوكول تعاون مع الآلية في 3 أبريل/نيسان. يعد البروتوكول علامة إيجابية على المشاركة المستقبلية بين الجماعات السورية والآلية، بما فيه من أجل دعم وحماية الضحايا والشهود.

على الدول الأعضاء كذلك أن تتعهد بالتزامها بالتعاون مع الآلية عند الضرورة، بما فيه من خلال تبادل المعلومات ذات الصلة حول الجرائم المرتكبة في سوريا، وضمان أن قوانينها تسمح لنظم العدالة الخاصة بها باستخدام الأدلة التي تم الحصول عليها من الآلية، وتوفير الموارد اللازمة لوحدات جرائم الحرب لتعزيز قدرتها على التحقيق في الجرائم المرتكبة في سوريا، عند الاقتضاء. في خضم ظروف صعبة على نحو متزايد، نعتقد أنه من الهام أن تبذل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة كل جهد للإسهام في العمل المستقبلي للآلية، بصفتها الهيئة الوحيدة المخولة من الأمم المتحدة لضمان المساءلة الجنائية عن الانتهاكات في سوريا.

 

عموما، ستكون الآلية، إلى جانب جهود التوثيق الأخرى، ضرورية في عمليات المساءلة المحلية والدولية في المستقبل. على الحكومات التي أيدت إنشاء الآلية أن تظل ملتزمة بالسعي إلى تحقيق العدالة للضحايا في سوريا، سواء في الجمعية العامة أو من خلال وسائل أخرى، بما في ذلك استخدام الولاية القضائية العالمية. في الواقع، تعد العدالة النزيهة والشاملة للجرائم الخطيرة المرتكبة في سوريا عنصرا أساسيا لأي عملية انتقال سياسي ناجحة في المستقبل، ولا يمكن - ولا ينبغي - المساومة عليها في محادثات السلام.

 

بدأت عدة دول، بما فيها السويد وألمانيا وفرنسا، بالتحقيق في بعض الأفراد المزعوم أنهم ارتكبوا جرائم خطيرة في سوريا. يمكن للآلية المساهمة في هذه الجهود وغيرها. ينبغي أن يساعد عملها في ضمان ألا يمحو الفيتو العدالة والمساءلة عن الفظائع الجماعية التي ارتكبت في سوريا خلال السنوات السبعة الماضية.

 

الموقعون:

الحركة الفيدرالية العالمية - معهد السياسة العالمية

الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان

مبادرة المجتمع المفتوح للعدالة

المركز العالمي للمسؤولية عن الحماية

منظمة العفو الدولية

هيومن رايتس ووتش