نرسل إليكم هذه المذكرة قبل استعراضكم المقبل بشأن امتثال الحكومة اللبنانية لـ "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية". المعلومات الواردة في هذه المذكرة هي تحديث لمذكرتنا السابقة، وتتعلق بالتعذيب، حرية الرأي والتعبير، الخصوصية، الأسرة، والحق في التجمع السلمي.

التعذيب وسوء المعاملة (المواد 7، 9، 10)

تُعدّ هيومن رايتس ووتش والمنظمات الحقوقية اللبنانية تقارير ذات مصداقية عن التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في لبنان، لكن السلطات لا تجري تحقيقات كافية في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة على يد الأجهزة الأمنية، فتبقى المحاسبة بعيدة المنال.

في 4 يوليو/تموز 2017، أصدر الجيش اللبناني بيانا قال فيه إن 4 سوريين لقوا حتفهم في الحجز عقب اعتقالات جماعية في عرسال، وهي منطقة في شمال شرق لبنان الوصول إليها مقيّد، يعيش فيها الكثير من اللاجئين السوريين. راجع طبيب من منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، له خبرة في توثيق التعذيب، صورا لثلاث من الجثث قدمتها الأسر إلى هيومن رايتس ووتش، وتظهر عليها كدمات وجروح كثيرة. قال إن الجروح كانت متناسبة "مع الأذى الناجم عن التعذيب البدني" وإن "أي بيان مفاده أن وفاة هؤلاء الأشخاص أسبابها طبيعية لا يتفق مع هذه الصور". تحدثت هيومن رايتس ووتش أيضا مع 5 معتقلين سابقين، قالوا إن عناصر الجيش ضربوهم وأساؤوا معاملتهم مع معتقلين آخرين. قال ضابط عسكري لـ هيومن رايتس ووتش إن الجيش يحقق في الوفيات وسيصدر نتائجه، لكن هذه النتائج لم تصدر.[1]

في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2017، اعتمد لبنان قانونا يُجرّم التعذيب. رغم أن هذا القانون يُعتبر خطوة إلى الأمام، إلا أنه لا يستجيب لالتزامات لبنان بموجب القانون الدولي. عدّل القانون المادة 401 من قانون العقوبات لاعتبار التعذيب جريمة، تشمل الأفعال التي تؤدي إلى ألم أو أذى جسدي أو عقلي شديد. لم يكن في لبنان من قبل قانون يجرّم التعذيب، رغم أن المادة 401 تجرّم استخدام العنف لانتزاع الاعترافات. من نقاط ضعف القانون الجديد أن جريمة التعذيب تسقط بالتقادم، كما يُبقي على بعض قضايا التعذيب ضمن صلاحيات المحاكم العسكرية. لا يُجرّم القانون الجديد المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ويحصر تعريف التعذيب في حالات التحقيق، الاستجواب، التحقيق القضائي، المحاكمة والعقاب. وهو بذلك يستثني التعذيب خارج هذه الحالات، ولا يعكس تعريف التعذيب الوارد في "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".[2]

في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016، اتخذ البرلمان اللبناني خطوة إيجابية بالدعوة إلى إنشاء هيئة وطنية لحقوق الإنسان، ستشمل "لجنة للوقاية من التعذيب"، تعرّف على أنها آلية وقائية وطنية. من صلاحيات اللجنة إجراء زيارات منتظمة وغير معلنة إلى جميع مرافق الاحتجاز، التحقيق في استخدام التعذيب، وإصدار توصيات لتحسين معاملة المحتجزين. لكن الحكومة اللبنانية لم تُنشئ الهيئة أو اللجنة بعد.[3]

توصيات لجنة حقوق الإنسان للحكومة اللبنانية

  • التحقيق الشامل في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة على يد قوات الأمن، وملاحقة الجناة قضائيا، بغض النظر عن رُتبهم، وبما يشمل مسؤولية القيادة.
  • الكشف عن عدد الملاحقات القضائية والإدانات المتعلقة بالتعذيب بموجب القانون الجديد.
  • تمويل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وتعيين خبراء مستقلين وذوي كفاءة، مع ضمان تمكين الهيئة من زيارة جميع مرافق الاحتجاز كيف ومتى أرادت، ودون خوف من العقاب أو الانتقام.

حرية التنقل (المادة 12)

يستمر لبنان في فرض قيود قاسية على إقامة اللاجئين السوريين الذين يُقدّر عددهم بـ 1.5 مليون. تشير التقديرات إلى أن 74 بالمئة من السوريين مقيمون بشكل غير قانوني ولا يستطيعون التنقل بحرية بسبب الخوف من التوقيف على نقاط التفتيش. خلال رحلة قامت بها إلى شمال عرسال، وهي منطقة في شمال شرق لبنان يخضع الوصول إليها لقيود، وجدت هيومن رايتس ووتش أن عدم امتلاك إقامة قانونية، وتقييد حرية التنقل، والخوف من الاعتقال العشوائي أثناء مداهمات الجيش أمور متفشية، تتسبب في دفع اللاجئين السوريين إلى العودة إلى بلادهم. كما قال سوريون غادروا عرسال نحو إدلب في سوريا، في مكالمات هاتفية مع هيومن رايتس ووتش، إنهم عادوا إلى سوريا بسبب الوضع في عرسال. جميع من أجريت معهم مقابلات قالوا إنهم غادروا بسبب الضغوط، وليس طوعا.[4]

توصيات لجنة حقوق الإنسان للحكومة اللبنانية

  • الكف عن اعتقال اللاجئين واحتجازهم بسبب عدم امتلاك إقامة قانونية.
  • السماح لهم بالحفاظ على وضع قانوني من خلال توسيع الإعفاء من رسوم الإقامة ليشمل جميع السوريين في لبنان.

الخصوصية والأسرة (المادة 17)

الخصوصية

في 18 يناير/كانون الثاني 2018، أصدر باحثون في مسائل الخصوصية والمراقبة تقريرا يزعم أن حملة تجسس باستخدام برمجيات خبيثة تسببت في سرقة مئات الغيغابايتات من البيانات الشخصية، وكانت مرتبطة بمبنى يملكه جهاز "الأمن العام". بحسب التقرير، استمرت الحملة من 2012 حتى نشر التقرير، وشملت آلاف الأشخاص في أكثر من 20 بلدا، منهم نشطاء، صحفيون، محامون وأعضاء في مؤسسات تربوية. قالوا إن البيانات الشخصية التي رُصدت تشمل  رسائل نصية قصيرة، سجلات لمكالمات، سجلات وتواريخ تصفح الإنترنت، وتسجيلات صوتية، كانت متاحة على شبكة الإنترنت المفتوحة لأن المُشغلين سمحوا بالوصول إليها.[5]

الأسرة

استمر الأمن العام اللبناني في احتجاز وترحيل عاملات المنازل، على ما يبدو بسبب إنجاب أطفال في لبنان. يُعتبر رفض تجديد الإقامة لعاملات يعشن في لبنان منذ وقت طويل، وأنجبن فيه أطفالا، تدخلا غير متناسب في حقهن في الحياة الأسرية. بحسب منظمة "إنسان" الحقوقية المحلية، رحّلت السلطات اللبنانية ما لا يقلّ عن 21 عاملة منزلية مع أطفالهن، وقالت إنهن لم يكنّ يعشن مع أصحاب عملهن أو لم يكن مسموحا لهن إنجاب أطفال في لبنان. لم تُتهم أيّ من هؤلاء النساء بخرق تأشيراتهن بالعمل لدى أكثر من صاحب عمل، كما لم توثق منظمة إنسان نمطا مماثلا تم فيه ترحيل نساء ليس لهن أطفال ويعشن خارج منزل صاحب العمل. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 3 عاملات مهاجرات لهن أطفال وتعرّضن للترحيل، وجاءت رواياتهن متناسبة مع ما قالته منظمات غير حكومية محلية عاملة مهاجرة تنظم أنشطة تخص العاملات.[6]

في 2014، أكدت مصادر من الأمن العام، الجهاز المسؤول عن دخول وإقامة الأجانب، للمنظمات غير الحكومية أن الجهاز أصدر توجيها جديدا يقضي بمنع تجديد تصاريح الإقامة للأطفال المولودين في لبنان من مهاجرين من ذوي الدخل المتدني ولآبائهم وأمهاتهم.[7]

توصيات لجنة حقوق الإنسان للحكومة اللبنانية

  • التحقيق في ما إذا كان هناك أساس قانوني للمراقبة المزعومة، والكف عن أي مراقبة تعسفية.
  • ضمان أن يكون أي تدخل في الخصوصية ضروري لتحقيق هدف مشروع، وتعديل القانون رقم 140 لسنة 1999 بما يجعله واضحا بشكل كاف ليكشف للمواطنين عن الظروف التي تمت فيها المراقبة.
  • الكف عن ترحيل عاملات المنازل بسبب إنجاب أطفال في لبنان، والافراج عن أي شخص محتجز لهذا السبب.

حرية التعبير والرأي (المواد 18، 19)

تتسبب قوانين التشهير والقوانين التي تجرّم انتقاد المسؤولين العامين والرموز بخنق حرية التعبير في لبنان. وثقت هيومن رايتس ووتش نمطا من الاعتقالات والمحاكمات بحق أشخاص بسبب انتقادهم لمسؤولين وهيئات حكومية لبنانية.

في 24 يناير/كانون الثاني 2018، في آخر قضية من نوعها، وجه النائب العام تهما بالتشهير إلى هشام حداد، مقدّم برنامج كوميدي، بسبب حلقة أطلق فيها نكات حول رئيس الوزراء سعد الحريري ووليّ العهد السعودي محمد بن سلمان.[8]

في 10 يناير/كانون الثاني، حكمت محكمة لبنانية عسكرية على الصحفية والباحثة اللبنانية حنين غدار غيابيا بالسجن 6 أشهر، بتهمة التشهير بالجيش اللبناني خلال مؤتمر عام 2014 في الولايات المتحدة، وفقا لما ذكرته غدار لـ هيومن رايتس ووتش. في 20 يناير/كانون الثاني، استدعت مخابرات الجيش الناشط عبادة يوسف، لاستجوابه بشأن منشورات في "فيسبوك" عن كبار السياسيين اللبنانيين. قال يوسف لـ هيومن رايتس ووتش إنه احتجز من قبل الجيش وقوى الأمن 4 أيام.[9]

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أفادت وسائل إعلام محلية أن مارسيل غانم، مقدم البرامج التلفزيونية البارز، اتُهم بعرقلة سير العدالة بعد أن احتج على التهم الموجهة ضد اثنين من ضيوفه لانتقاد الرئيس. في نوفمبر/تشرين الثاني أيضا، اعتُقل الشاعر اللبناني مصطفى سبيتي، بتهمة "الإساءة" إلى مريم العذراء على فيسبوك، واحتجز 16 يوما. قال محاميه لـ هيومن رايتس ووتش إنه اتُهم بموجب المادتين 474 و317 من قانون العقوبات اللبناني، فيما يتعلق بإهانة الشعائر الدينية والتحريض على الطائفية. في الشهر نفسه، اعتُقل الصحفي وأمين عام "التحالف المدني الإسلامي" أحمد أيوبي بتهمة تحقير الرئيس، واحتجز 13 يوما، وفقا لما قاله محاميه لـ هيومن رايتس ووتش.[10] كما واجه سلمان سماحة المحاكمة في 26 مايو/أيار 2017 في المحكمة العسكرية بسبب تعليقات على فيسبوك تتعلق بالجيش اللبناني.[11]

توصيات لجنة حقوق الإنسان إلى الحكومة اللبنانية

  • إلغاء قوانين التشهير الجنائي؛ يجب أن يكون التشهير جرما مدنيا فقط.
  • إلغاء القوانين التي تجرّم انتقاد المسؤولين العامين، مؤسسات الدولة، والرموز الوطنية.
  • في انتظار ذلك، يجب وقف الملاحقات القضائية بشأن انتقاد السلطات ورموز الدولة.
  • ضمان استخدام الحبس الاحتياطي كاستثناء وليس قاعدة، مع تمكين جميع المحتجزين عرضهم على قاض في غضون 48 ساعة لمراجعة شرعية وضرورة الاحتجاز.

الحق في التجمع السلمي (المادة 21)

تواصل الأجهزة الأمنية اللبنانية استخدام القوة المفرطة، بما فيها القوة القاتلة، لتفريق المظاهرات.

في 16 يونيو/حزيران 2017، ضرب عسكريون لبنانيون وركلوا متظاهرين ضدّ تمديد ثالث لولاية البرلمان. تحدثت هيومن رايتس ووتش مع 5 متظاهرين قالوا إن عسكريين ضربوهم بالهراوات، لكموهم في الوجه، وركلوهم أثناء مظاهرة قرب البرلمان. العديد من مقاطع الفيديو المصورة في الاحتجاج تدعم صحة ما رووه. أكد الجيش لـ هيومن رايتس ووتش أنه فتح تحقيقا، لكنه لم ينشر نتائجه للعلن.[12]

في 10 ديسمبر/كانون الأول 2017، استخدمت قوى الأمن الداخلي اللبنانية القوة ضدّ متظاهرين وصحفيين في مظاهرة قرب السفارة الأمريكية في عوكر. تحدثت هيومن رايتس ووتش مع 7 متظاهرين وصحفيين قالوا إن الشرطة استخدمت القوة ضدّ متظاهرين لم يكونوا عنيفين أو كانوا رهن الاحتجاز، وضدّ بعض الصحفيين. قالوا إن المظاهرة أصبحت عنيفة، وعمد بعض المتظاهرين إلى إلقاء الحجارة على قوات الأمن، إلا أن شرطة مكافحة الشغب ردّت بشكل عشوائي ومفرط، مستخدمة رشاشات المياه، الرصاص المطاطي، الغاز المسيل للدموع، والهراوات. انتشرت فيديوهات وصور للاحتجاج متسقة مع هذه الشهادات. في 16 ديسمبر/كانون الأول، ردّت قوى الأمن الداخلي على استفسار لـ هيومن رايتس ووتش بشأن التحقيقات، وقالت: "سنتخذ الإجراءات اللازمة بحق من خالف القانون من عناصرنا". لكن قوى الأمن الداخلي لم تعلن عن نتائج أي تحقيق ولا تعلم هيومن رايتس ووتش بأي إجراءات تأديبية اتخذتها.[13]

الإفلات من العقاب على العنف من جانب قوات الأمن مشكلة متكررة في لبنان. حتى عندما بدأ المسؤولون تحقيقات في حوادث سابقة شملت عنفا شديدا، أدت إلى القتل في بعض الحالات، ضد المتظاهرين، لم تنته التحقيقات أو تُتَح نتائجها للعلن. جميع المعلومات المتاحة للعموم تشير إلى أن قوات الأمن اللبنانية لم تحقق بشكل كاف في أحداث استخدمت فيها قوات الأمن القوة بشكل غير مشروع ضدّ متظاهرين.

توصية لجنة حقوق الإنسان للحكومة اللبنانية

  • التحقيق في التقارير المتعلقة بالاستخدام المفرط للقوة ضدّ المتظاهرين من قبل عناصر الأمن، محاكمة المتورطين في الانتهاكات، وتعويض الضحايا.

[1] "وفيات وادعاءات تعذيب سوريين في عهدة الجيش اللبناني"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 20 يوليو/تموز 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/07/20/306896.

[2] "لبنان: قانون التعذيب الجديد إيجابي لكنه ناقص"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/11/13/311297.

[3] "لبنان: قانون جديد يشكل خطوة لإنهاء التعذيب"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016، https://www.hrw.org/ar/news/2016/10/28/295832.

[4] "لبنان: لاجئون في المنطقة الحدودية تحت الخطر"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 20 سبتمبر/أيلول 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/09/20/309191.

[5] "على لبنان التحقيق في تقارير عن تجسس واسع"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 24 يناير/كانون الثاني 2018، https://www.hrw.org/ar/news/2018/01/24/314066.

[6] "لبنان يُرحّل عاملات منزليات مهاجرات لديهن أطفال"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 25 أبريل/نيسان 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/04/25/302796.

[7] السابق.

[8] "لبنان: نمط من الملاحقات بسبب حرية التعبير"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 31 يناير/كانون الثاني 2018، https://www.hrw.org/ar/news/2018/01/31/314371.

[9] السابق.

[10] السابق.

[11] "لبنان: السلطات لا تحمي حرية التعبير"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 25 مايو/أيار 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/05/26/304269.

[12] "على لبنان محاسبة العسكريين الذين ضربوا المحتجين"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 21 يونيو/حزيران 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/06/21/305549.

[13] "لبنان: قوى الأمن الداخلي تتعامل بعنف مع محتجي القدس"، بيان صحفي لـ هيومن رايتس ووتش، 19 ديسمبر/كانون الأول 2017، https://www.hrw.org/ar/news/2017/12/19/312696