(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مواقع دينية صوفية تتعرض للاعتداء في ليبيا، حيث أصيب مسجدان في طرابلس بأضرار جسيمة على يد قوات مجهولة خلال الشهرين الماضيين.

قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مواقع دينية صوفية تتعرض للاعتداء في ليبيا، حيث أصيب مسجدان في طرابلس بأضرار جسيمة على يد قوات مجهولة خلال الشهرين الماضيين.

في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أضرم مجهولون النار في زاوية الشيخة راضية، مسجد صوفي تاريخي في طرابلس، ملحقين أضرارا بالغة به. يأتي هذا الهجوم بعد تدمير مسجد سيدي أبو غراره، مسجد صوفي تاريخي آخر في طرابلس، في 20 أكتوبر/تشرين الأول. التصوّف مذهب روحي يعتنقه بعض المسلمين. يدين بعض المسلمين الآخرين التصوف والتبرك بأضرحة الزعماء الروحيين للصوفية ويرونه بدعة.

قال إريك غولدستين، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لم تتمكن السلطات الانتقالية المتعاقبة منذ انتفاضة 2011 في ليبيا من حماية المواقع الدينية الصوفية من الهجمات والتدمير من قبل الميليشيات المتطرفة. هذه الهجمات التي تستهدف المساجد الصوفية وتمرّ دون محاسبة تُعرّض واحدة من الأقليات التاريخية في ليبيا إلى الخطر".

منذ عام 2011، قامت جماعات مسلحة في جميع أنحاء ليبيا، انطلاقا من فكرها الديني، بمهاجمة عشرات المواقع الدينية الصوفية وتدميرها، بما في ذلك مساجد وأضرحة ومقابر ومكتبات تحوي مخطوطات قديمة. قامت جماعات مسلحة باختطاف وقتل معتنقي الصوفية، ومنهم شيوخ، دون محاسبة. جاء هجوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني ليلة عيد مولد النبي محمد.

وقع هجوم أكتوبر/تشرين الأول على مسجد صوفي في حي الغرارات على امتداد أيام من الاشتباكات بين "قوة الردع الخاصة" التابعة لوزارة الداخلية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا وجماعات مسلحة محلية تتهمها قوة الردع بالاتجار بالمخدرات. قال خبير في الشؤون الدينية على صلة بالطائفة الصوفية في طرابلس إن قوة الردع الخاصة، التي استولت على الحي، عمدت إلى الحاق أضرار بمسجد سيدي أبو غرارة الصوفي، وهو معلم من القرن 16.  في 20 أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت قوة الردع الخاصة بيانا ينفي مسؤوليتها ويتعهد بمحاسبة المسؤولين.

بينما نفت قوة الردع الخاصة مسؤوليتها، لم تدن أي من الحكومتين المتنافستين على الشرعية وبسط السيطرة والدعم الدولي الهجمات الأخيرة على المواقع الصوفية، ولم تتحرك بحزم لوقفها. تصرفت السلطات المؤقتة السابقة بذات الطريقة تجاه الاعتداءات. في ذروة الهجمات في 2012، رفض وزير الداخلية آنذاك التدخل بحجة عدم رغبته في "قتل الناس بسبب قبر".

في سبتمبر/أيلول، قالت عائلة عبدالمطلوب السرحاني، ناشط مدني صوفي من بنغازي، في مقابلة إخبارية إن قوات مجهولة شرقي ليبيا اختطفت ابنها لمعتقداته الدينية، ولا يزال مفقودا. طبقا لموقع "الوسط" الإخباري، اُختطف 21 معتنق للصوفية، منهم السرحاني، على يد مجهولين شرقي ليبيا بين 1 و27 أغسطس/آب. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق من أسماء أو عدد المختطَفين.

قال الخبير في الشؤون الدينية نفسه، الذي التقته هيومن رايتس ووتش في طرابلس في 28 أكتوبر/تشرين الأول، إن الهجمات ضد الصوفية والمواقع الصوفية زادت، وخاصة منذ 2012، ما تسبب في تخويف الصوفيين وترهيبهم، ودفع ببعضهم إلى مغادرة ليبيا خوفا من الاضطهاد.

بدأت الهجمات على المواقع الصوفية في أكتوبر/تشرين الأول 2011 بتدمير ضريح المصري في طرابلس، واستمرت في الشهر التالي بشن هجوم على مقبرة قرقارش في طرابلس، وتدمير بلاطات القبور، وإتلاف ضريح سيدي نصر أيضا في طرابلس.

في يناير/كانون الثاني 2012، دمرت مجموعة مسلحة مقبرة سيدي عبيد وضريحه، وهو شخصية يوقرها الصوفيون في بنغازي. في يوليو/تموز 2012، فجّر مهاجمون عبوة ناسفة في جامع الصحابة في مدينة درنة شرق البلاد، مما ألحق أضرارا بالمسجد. في 24 أغسطس/آب 2012، اعتدى مهاجمون مجهولون على مسجد سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري في زليتن، مما ألحق أضرارا جسيمة به وتسبب في اتلاف نصوص عمرها 700 عام. كما دُمر ضريح سيدي أحمد زروق في مصراتة في أغسطس/آب 2012.

في 25 أغسطس/آب 2012، هاجمت جماعة مسلحة مسجد سيدي شعاب وسط طرابلس بحضور وحدات أمنية تابعة "للجنة الأمنية العليا" التي حُلت لاحقا، والتي كانت تابعة لوزارة الداخلية. دمر المهاجمون، باستخدام الجرافات، أجزاء من المسجد وبعض بلاطات القبور بداخله. في 28 أغسطس/آب 2012، استخدم مهاجمون مسلحون جرافات لتدمير جزء كبير من مسجد عثمان باشا في المدينة القديمة في طرابلس. دمر الهجوم 30 قبرا داخل المجمع. يشمل الموقع التاريخي، وهو بمثابة مدرسة للتعليم الديني، مكتبة نُهبت وتضررت.

نتيجة للنزاعات المسلحة في شرق ليبيا وغربها، انهارت السلطة المركزية وظهرت 3 حكومات متنافسة، بقيت منها اليوم حكومتان. توجد "الحكومة الليبية المؤقتة" في البيضاء، وهي موالية للجيش الوطني الليبي ومدعومة من قبل مجلس النواب، وحكومة أخرى تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس، وهي حكومة الوفاق الوطني. تعاني المؤسسات الأساسية، لا سيما المعنية بإنفاذ القانون والقضاء، من شلل في معظم أنحاء البلاد، والخدمات الأساسية منهارة. انتشرت جماعات مسلحة لها أيديولوجية سلفية في ليبيا، وهي جزء لا يتجزأ من كلا القوتين في الشرق والغرب.

لا تزال هناك أقليات دينية أخرى في ليبيا معرضة لخطر الهجمات.

أصدرت اللجنة العليا للإفتاء التابعة لـ "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية"، السلطة الدينية للحكومة المؤقتة، في يوليو/تموز 2017 فتوى دينية قالت إن الإباضية طائفة أقلية في الإسلام "فرقة منحرفة وضالة، وهم من الباطنية الخوارج وعندهم عقائد كفرية... ولا كرامة". يستخدم تعبير "الخوارج" لوصف المسلمين الذين تمردوا على الخلافة في العصور الأولى للإسلام.

في فبراير/شباط 2015، أعدمت جماعة مسلحة أعلنت ولاءها لتنظيم "الدولة الإسلامية" المتطرف (المعروف أيضا باسم "داعش") 21 شخصا، معظمهم من المسيحيين الأقباط المصريين الذين احتجزتهم الجماعة بسبب دينهم.

أدان المكلفون بولايات في الأمم المتحدة بشأن حرية الدين والحقوق الثقافية وقضايا الأقليات في عام 2012 تدمير المواقع الدينية والتاريخية الصوفية في ليبيا.

أعربت المديرة العامة لـ "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة" (اليونسكو) إيرينا بوكوفا عن قلقها العميق في عام 2012 من الهجمات على أماكن "ذات أهمية دينية وثقافية" في ليبيا.

كدولة طرف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، يتعين على ليبيا ضمان حرية كل شخص، بمفرده أو مع جماعة، في العلن أو في السرّ، في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم. تتحمل السلطات بموجب هذه المعاهدة واجب ضمان تمتع أفراد الأقليات الدينية بممارسة شعائر دينهم علنا ​​مع الآخرين. يعني هذا وجوب حماية جميع أماكن العبادة والأماكن ذات الأهمية الدينية عندما تكون مهددة.