امرأة عراقية نازحة، هربت من عنف داعش في الأنبار، تحمل طفلها في مخيم للعائلات النازحة في عامرية الفلوجة، 25 يوليو/تموز 2015. 

© 2015 رويترز

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مسؤولي الأمن العراقيين يمنعون عائلات نازحة من العودة إلى مناطق تم استردادها، بسبب اعتقادات بأن صلات تربطها بـ تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش"). كما أجلت السلطات العراقية عائلات أخرى في محاولة لإجبارها على العودة إلى ديارها، رغم أن هذه العائلات تخشى أن تكون مناطقها الأصلية غير آمنة أو أن تكون بيوتها دُمرت جراء القتال.

بواعث القلق إزاء معاملة سلطات الأنبار للنازحين تزيد منها العمليات العسكرية الجديدة التي بدأت في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2017، لاسترداد مناطق غرب الأنبار ما زالت تحت سيطرة داعش، مع إمكانية نزوح آلاف المدنيين الآخرين جماعيا من هذه المناطق.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "بالرغم من أن قوات الأمن العراقية تواجه اعتبارات أمنية خطيرة، فمجرد كون المرء من عائلة شخص مرتبط بداعش أو كان يعيش في معاقل داعش لا يعتبر تهديدا حقيقيا. على السلطات أن تسمح لمن لا يمثلون خطرا أمنيا فعليا، من الراغبين بالعودة لديارهم، أن يفعلوا ذلك بسلام، واحترام حق من لا يشعرون بالأمان بأن يعيشوا حيثما اختاروا".

في أواسط 2016، قاتلت القوات العراقية داعش في مدينة الفلوجة وحولها، 50 كم غربيّ بغداد بمحافظة الأنبار. على مدار الشهر الماضي استمرت القوات العراقية في التقدم تجاه القائم وراوة غربي الأنبار على امتداد الحدود مع سوريا، وهي آخر مدن عراقية ما زالت تحت سيطرة التنظيم. شرد القتال في الأنبار 507 ألف نسمة على الأقل منذ 2014، مع بقاء 91 ألفا على الأقل بالمخيمات، بحسب "المنظمة الدولية للهجرة".

انتهى المطاف بأغلب النازحين في واحد من 5 مخيمات رئيسية. قُيدت حركة آخرين في منطقة من المستوطنات الرسمية وغير الرسمية، ويعود السبب جزئيا للقيود المفروضة على التنقلات خارج المخيمات التي زادت مع موجة الوافدين الجدد من غرب الأنبار، بحسب خبيرين يراقبان معاملة النازحين في الأنبار، طلبا عدم كشف هويتهما. في مطلع يوليو/تموز كانت نحو 5 آلاف عائلة عالقة على حاجز الصقور، وهو نقطة التفتيش الرئيسية بين الأنبار وبغداد، لمدة وصلت لـ 12 يوما، ولم تقدم قوات الأمن مبررا مقبولا لذلك.

منذ مارس/آذار، شجع مجلس محافظة الأنبار مختلف المناطق في المحافظة على إعادة العائلات النازحة قسرا إلى المناطق التي استردتها القوات العراقية. في 22 مارس/آذار، أصدر مجلس محافظة الأنبار تعميما يأمر فيه سلطات بلدات الخالدية وعامرية الفلوجة بالإعادة القسرية لجميع العائلات التي لم تُدمر بيوتها بالكامل جراء القتال، متذرعا بمحدودية الأماكن بالمخيمات.

توجد قوى مسلحة عديدة داخل المخيمات الرئيسية بغرب الأنبار، بينها قوات الأمن العراقية و"قوات الحشد الشعبي" (الحشد الشعبي)، وأفراد المخابرات بوزارة الداخلية والشرطة المحلية. قال الخبيران إن الإجراءات تختلف بحسب المكان الذي ينحدر منه سكان المخيمات.

في أغلب الحالات تنفذ القوات التابعة لـ"قيادة عمليات الأنبار" فحصا أوليا لمن يرغبون في العودة لبيوتهم، بما يشمل فحص أسماء جميع الرجال والصبية فوق 15 عاما على قاعدة بيانات للمطلوبين بسبب صلات تربطهم بداعش، على حاجز الصقور. إذا نجحوا، تقوم قوات الطوارئ المحلية بوزارة الداخلية بفحص الخاص بها. في بعض المناطق تنفذ قوات الحشد الشعبي المحلية – المكونة من قوات عشائرية – فحصا ثالثا قبل السماح لهم بالعودة.

بحسب الخبيرين وتقرير لـ"المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، تعتبر قوات الأمن العراقية أغلب المدنيين الذين ظلوا في بلدتي راوة والقائم "منتمين لداعش".

في 8 أكتوبر/تشرين الأول، قابل باحثو هيومن رايتس ووتش 9 رجال وامرأة نزحوا مع عائلاتهم إلى مخيم عامرية الفلوجة ومخيم مدينة الحبانية السياحية. قال 6 إن الجنود حضروا إلى خيامهم أواخر سبتمبر/أيلول لإخبارهم بحزم أمتعتهم والعودة إلى ديارهم لأن مناطقهم استُردت منذ يونيو/حزيران 2016.

قال 3 منهم إنهم أخبروا الجنود بأن لهم أقارب انضموا إلى داعش ولا يشعرون بأن العودة آمنة. هناك رجل آخر من ذراع دجلة شمال شرق الفلوجة قال إنه أخبر الجنود بأنه يخشى العودة للسبب نفسه. قالوا جميعا إنهم يعرفون بأنهم سيُعادون عند حاجز الصقور لأن قوات الأمن المحلية وضعت أسماءهم على قوائم المطلوبين.

قال رجل إن عائلته ركبت شاحنات مع نحو 45 عائلة أخرى، لكن عائلته ومعها عائلتين أُوقفت عند حاجز الصقور وأعيدت إلى المخيم. قال إن اسمه كان على القائمة لأن شقيقه انضم لداعش، وإن عائلة من العائلات اعترفت له بأن ابنتهم انضمت لداعش.

قال الرجال الثلاثة الآخرون إنهم يخشون العودة، وإن كان مع اثنين منهم تصاريح أمنية. هذان الرجلان من الصقلاوية، وهي قرية شمال غربي الفلوجة، حيث أوقفت قوات أمن عراقية معها وحدات من الحشد الشعبي في 3 يونيو/حزيران 2016 أكثر من 1200 رجل من قبيلة المحامدة، وعذبتهم ثم أخلت سبيل 600، لكن أخفت 643 آخرين.

قالوا إن بعض القوات التي شاركت في الاعتقالات تسيطر حاليا على الأمن بالقرية. الرجل الآخر من الكرمة، وهي بلدة تقع شمال شرقي الفلوجة، حيث في بدايات يونيو/حزيران 2016 احتجزت وأخفت قوات عراقية بينها وحدات الحشد الشعبي 70 رجلا على الأقل. أعرب عن قلقه من سيطرة الحشد الشعبي حاليا وإمكانية الانتقام من العائدين.

قال سكان بالمخيم إن بعد إعلان مارس/آذار أصبح مطلوبا من العائلات العودة إلى ديارها، مع توافد وحدات من الحشد الشعبي على المخيم ومصادرتها بطاقات هوية لـ 60 عائلة على الأقل، قائلين إنهم سيستردون البطاقات إذا عادوا إلى منازلهم. قالت العائلات إنهم يخشون العودة، بسبب المخاوف الأمنية، أو أن بيوتهم دُمرت جزئيا أثناء القتال ولم تعد ملائمة للسكن. بنهاية مارس/آذار كان مجلس عامرية الفلوجة المحلي قد اتخذ خطوات لتنفيذ إشعارات إجلاء عن المخيمات بالمنطقة، وبينها مخيم عامرية الفلوجة، استهدفت القرارات 3,500 عائلة. استمرت الإجلاءات على امتداد العام.

قال 3 من الرجال والمرأة الذين تمت مقابلته،م إن قوات عراقية احتجزت وأخفت أقارب لهم بزعم ارتباطهم بداعش، من مخيمات وعند حواجز أمنية بين يونيو/حزيران 2016 ومايو/أيار 2017. لم يتمكن اثنان من معرفة أماكن أقاربهما. وثقت هيومن رايتس ووتش الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي للآلاف من الرجال المزعوم ارتباطهم بداعش على مدار العام الماضي.

قال "عمار" من الصقلاوية إن في أكتوبر/تشرين الأول 2016 انضم ابنه الذي نزح معه إلى مخيم مدينة الحبانية السياحية إلى الفرقة 14 بالجيش العراقي. في 1 مايو/أيار، كما أخبره ابنه لاحقا، احتُجز فيما كان يعمل على حاجز أمني بالأنبار. قال إن ابنه أخبره بأن المقاتلين من "لواء علي الأكبر" بالحشد الشعبي احتجزوه بموقع مجهول 35 يوما، واستجوبوه واتهموه بالانتماء لداعش. قال عمار إن أحد أقاربه اعترف فيما بعد بأنه بسبب خلاف عائلي قديم أخبر الحشد الشعبي وقوات الأمن بالأنبار أن ابن عمار انضم لداعش.

قال الابن إن بعد 35 يوما سُلم لشرطة الفلوجة المحلية، حيث احتُجز بالسجن المحلي التابع للشرطة وتمكن عمار من زيارته. في 24 سبتمبر/أيلول أمر قاض محلي بإخلاء سبيله دون توجيه تهم، لكن حتى وقت المقابلة لم يكن قد أُفرج عنه، بحسب عمار.

على السلطات أن تسهل فورا عودة العائلات الراغبة بالعودة للمناطق غير المتضررة من العمليات العسكرية الجارية، وأن تسمح للعائلات غير الراغبة بالعودة حاليا بالبقاء حيث تقيم (بما في ذلك في المخيمات التي تسمح بحرية التنقل والاتصالات) إذا اختاروا هذا، أو أن ينتقلوا إلى أماكن أخرى. إذا لم تتمكن السلطات من ضمان سلامة العائلات بسبب تهديدات بهجمات انتقامية، فعليها السماح للعائلات بالانتقال إلى مخيمات أو مناطق أخرى يمكن للسلطات فيها أن توفر حماية مناسبة.

على السلطات إخبار الأهالي بمكان جميع المحتجزين والكشف علنا عن أعداد المقاتلين والمدنيين المحتجزين، بما في ذلك من اعتُقلوا عند الحواجز الأمنية ومواقع الفحص والمخيمات أثناء النزاع مع داعش، والسند القانوني لاحتجازهم، بما يشمل التهم المنسوبة إليهم.

قالت ويتسن: "مع اقتراب موجة مُرجحة جديدة من النزوح، على السلطات ضمان قدرة الناس على العودة لديارهم وقتما أحسوا بأن العودة آمنة".