براءة (10 أعوام)، من الغوطة الشرقية، تقف أمام شجرة نصبت عليها لوحا في المخيم غير الرسمي حيث تقيم في جبل لبنان، وبدأت بتعليم الأطفال الأصغر سنا ما تتذكره من الصف الأول عندما كانت في سوريا. 

© 2016 بسام خواجا/هيومن رايتس ووتش

التقيت "سلمى" في مايو/أيار في عيادة الولادة الوحيدة في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن. وبعد أن أجهضت بالفعل مرتين في سن العشرين، كانت آنذاك حاملا في الشهر الخامس وتترقب بقلق ولادة طفلها الأول أخيرا.

كانت سلمى من بين عشرات اللاجئات السوريات، من نساء وفتيات يجلسن في منطقة الانتظار الواسعة في العيادة ذلك اليوم. كُن يأملن في الحصول على رعاية ما قبل الولادة، أو معرفة ما إذا كن حوامل، وبعضهن في انتظار الحصول على مشورة حول تنظيم الأسرة. ملأت الثرثرة الصاخبة الغرفة، حيث استغلت النساء تلك الفرصة النادرة للخروج من ملاجئهن المؤقتة الصغيرة والمتداعية ليتواصلن ويخففن الشعور الساحق بالوحدة الناتج عن النزوح وانعدام الأمان.

تتسم الحياة في الزعتري، ثالث أكبر مخيم للاجئين في العالم، بسوء الأحوال المعيشية، انعدام الكهرباء، والإحساس بعدم اليقين والعزلة. تقدم عيادة الولادة، التي يدعمها بالكامل "صندوق الأمم المتحدة للسكان" (صندوق السكان) والتي تديرها "جمعية العون الصحي" الأردنية، واحة بعيدة عن ضغوط حياة المخيمات. إنها ملاذ للنساء، ولا توفر فقط رعاية ما قبل الولادة، ولكن تلبي أيضا العديد من الاحتياجات الأخرى مثل منع العنف القائم على النوع الاجتماعي، وخدمات دعم الصحة النفسية للنساء والفتيات اللواتي يعانين من إجهاد الفرار من الحرب والعيش في المنفى.

تحاول سلمى حضور أكبر عدد ممكن من هذه الجلسات، لكنها قالت لي إن الطلب كبير جدا بحيث يتم إرجاع العديد من النساء والفتيات.

قالت سلمى: "إنهم يقدمون لنا هذه الطرود الغذائية كحافز لتشجيع النساء على المجيء، لكن ما لا يفهمونه هو أن النساء يأتين في جميع الأحوال لأنهن يرغبن في التعلم. لسنا بحاجة إلى حوافز، نحن تواقات إلى الحصول على معلومات".

الرعاية المقدمة في عيادة الولادة رائعة نظرا لأنها في مخيم للاجئين في الصحراء الأردنية. ولد أكثر من 7500 طفل أصحاء في العيادة منذ عام 2012، دون وفاة أم واحدة أثناء الولادة.

كان للتمويل الأمريكي دور أساسي في تمكين المنظمة من تقديم خدمات منقذة للحياة في ظروف إنسانية. لكن في يوليو/تموز، أقرت لجنة الاعتمادات التابعة لمجلس النواب ميزانية الشؤون الخارجية التي تتجاوز قرار إدارة ترامب بوقف التمويلات المخصصة. يحظر مشروع قانون مجلس النواب ذهاب أي تمويل إلى صندوق السكان، بصرف النظر عن قرارات السلطة التنفيذية. وقد فشل مشروعان بتعديلات في مجلس النواب في إلغاء هذا الاشتراط. يتطلع الآن المناصرون للمساعدات الإنسانية للأشخاص الذين يعيشون في ظروف الأزمات، لا سيما الأمهات والأطفال، إلى مجلس الشيوخ،  لكي يحمي تمويل صندوق السكان، وليحافظ على الدور الهام للولايات المتحدة في الاستجابة للاحتياجات الصحية الطارئة خلال الأزمات في جميع أنحاء العالم.

مستقبل هذه البرامج الحيوية وغيرها في خطر. في وقت سابق من هذا العام، قررت إدارة ترامب منع تمويل صندوق السكان، مستشهدة بسلطتها القانونية بموجب حكم يدعى "تعديل كيمب كاستن"، وتثير مخاوف، دون دليل ملموس، من أن برامج المنظمة في الصين قد تدعم سياسات وبرامج الصحة الإنجابية القسرية. يعارض صندوق السكان ذلك، ويمنع الكونغرس فعليا صندوق السكان من استخدام أي تمويل من الولايات المتحدة في عمله في الصين.

ستفصل لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ في شأن نسختها لمشروع قانون الميزانية الخارجية في أوائل سبتمبر/أيلول. سيحصل أعضاء مجلس الشيوخ، بجناحيه، على فرصة لحماية النساء مثل سلمى اللواتي يأملن في الحصول على حمل صحي ووضع أطفالهم في أمان، حتى في بعض الأماكن الأكثر معاناة على وجه الأرض. لا ينبغي لمجلس الشيوخ، عند صياغته مشروع الميزانية، أن يكفل فحسب تمويل صندوق السكان بشكل كامل، ولكن عليه أيضا حماية المبادرات والعمليات الإنسانية، مثل مبادرات صندوق السكان، من جهود السلطة التنفيذية الرامية إلى إصدار أحكام تتعلق بالتمويل بناء على مزاعم مشكوك فيها كل الشك.

وفقا لصندوق السكان، فإن جميع البرامج في مخيم الزعتري تعتمد كليا أو جزئيا على التمويل الأمريكي. لكن المنظمة لها امتداد عالمي. يقدم صندوق السكان مجموعة من البرامج في أكثر من 150 بلدا تركز على صحة الأم والطفل، تنظيم الأسرة، الجهود الرامية إلى إنهاء زواج الأطفال، تشويه الأعضاء التناسلية للإناث وغير ذلك من أشكال العنف المبني على نوع الجنس.

جاء قرار إدارة ترامب بوقف تمويل صندوق السكان بمثابة الصدمة لـ "هاني" (26 عاما). هذا الشاب هو أحد سكان المخيم الذي أصبح في عام 2015 جزءا من فريق مكون من 40 عضوا يتألف بالكامل من سكان المخيم الذين يشغلون مركزا للشباب يقدم أنشطة ترفيهية، وتربوية، وتعليمية، وفنية، وأنشطة تتصل بالصحة العقلية. تم إنشاء المركز من قبل "كويست-سكوب"، وهي جمعية غير حكومية، بالشراكة مع صندوق السكان.

قال إن السكان خططوا للمركز من الصفر. واليوم، يتوفر مركز الشباب على ملعب مجهز بالعشب، وغرفة للموسيقى، وصالة رياضية، ومكتبة، وقدم خدمات لأكثر من 2000 شابة وشاب في المخيم.

لا يوجد مكان آخر في الزعتري حيث يمكن للنساء الشابات والفتيات الوصول إلى مكان آمن، للعب الرياضة، تعلم العزف على آلة موسيقية، القراءة في مكتبة هادئة، والحصول على خدمات الصحة العقلية، تحت سقف واحد. تتوفر الأنشطة نفسها للشباب والفتيان بنفس المكان في أوقات أخرى.

أخبرني أحد هؤلاء الأولاد، "أحمد"، وهو لاجئ عمره 17 عاما من درعا، أنه فقد على الأقل عاما من التعليم بسبب الحرب. في البداية، يقول أحمد، كان يخشى طلب المساعدة. وقال: "عندما جئت إلى المخيم كان صعبا جدا، مُغبر وظروف معيشية رهيبة، وشعرت بالعزلة. لكنني رأيت كيف يتصرف فريق القيادة. شعرت بالأمان هنا، مع ابتعادي عن الحرب وتمكني من تطوير نفسي".

بالنظر إلى تصميم إدارة ترامب على وقف تمويل الولايات المتحدة لصندوق السكان، فإن مستقبلا غير مضمون ينتظر خدماتها للأشخاص الذين يعيشون في بعض أصعب وأخطر الحالات في العالم. وحتى بعد تعهد المانحين الدوليين بتقديم 207 ملايين دولار للمساعدة على التخفيف من خسائر الوكالة، يقول صندوق السكان إنه لا يزال يحتاج إلى 700 مليون دولار لتغطية فجوة التمويل التي يواجهها بين 2017 و2020، ويرجع ذلك جزئيا إلى تقليص التمويل الأمريكي.

لأجل آلاف السوريين المقيمين في مخيم الزعتري مثل سلمى، هاني، أحمد، وشعوب العالم التي تستفيد من برامج صندوق السكان، على الكونغرس اتخاذ إجراءات لوقف تقليص التمويل الأمريكي لصندوق السكان. مع تقليص تمويل هذه البرامج، تضر الولايات المتحدة باللاجئين السوريين المستضعفين وغيرهم من الناس في جميع أنحاء العالم الذين لا يعرفون إلى من يلجؤون.