أعدّ لي بعض الأصدقاء حفلة عيد ميلاد مفاجئة الشهر الماضي. وضعوا أمامي كعكة شكولاتة عليها شموع، وطلبوا مني أن أتمنى أمنية للعام المقبل. قلت بسرعة ومن غير تفكير، "كهرباء على مدار 24 ساعة وتكييف". ضحكوا وقالوا لي أن أتمنى شيئا أكثر واقعية.

هنا في قطاع غزة، صار توافر الكهرباء على مدار 24 ساعة حلما بعيد المنال منذ أكثر من عقد. قصف إسرائيل لمحطة توليد الكهرباء وإغلاق حدود غزة في عام 2007، والتداعيات الناجمة عن الانقسام بين السلطة الفلسطينية و"حماس"، التي تحكم غزة، يعني انقطاع مزمن للتيار الكهربائي. منذ فترة غير بعيدة، اعتدنا على 8 ساعات من الكهرباء يوميا. الآن حتى ذلك يبدو ترفا.

فلسطينيون يجلسون خارج منازلهم هربا من الحر خلال انقطاع التيار الكهربائي في مخيم الشاطئ للاجئين، مدينة غزة. 

© 2017 رويترز

تأتي طاقتنا الكهربائية من 3 مصادر: إسرائيل ومصر ومحطتنا الوحيدة لتوليد الكهرباء التي تعمل بالوقود. قبل الأزمة الحالية، كانت هذه المصادر توفر ما يقارب نصف احتياجات غزة من الكهرباء. ثم وقع بعد ذلك نزاع بين السلطة الفلسطينية وحماس حول تسديد ثمن الوقود، ورفض كلاهما الدفع، وأغلقت المحطة في أبريل/نيسان، مما أدى إلى انخفاض تزويد الكهرباء بنحو 25%.

في يونيو/حزيران، وافقت إسرائيل على مطلب السلطة الفلسطينية بقطع الكهرباء التي تقدمها إلى غزة لـ "تجفيف" الأموال التي تصل إلى حركة حماس. أدى ذلك إلى انخفاض تزويد الكهرباء بنسبة 30%. في الشهر نفسه، بدأت مصر بتوفير الوقود اللازم لمحطة توليد الكهرباء، وأعيد فتحها. مع ذلك، اعتدنا على العيش بمعدّل 4 ساعات من الكهرباء يوميا أو أقل.

تلك الساعات الأربع تنظم أيامنا. عندما لا يكون لدينا كهرباء، تكون حياتنا معطّلة. صرنا نناضل من أجل الشموع والمصابيح اليدوية، والمولدات غير الموثوقة إن استطعنا إليها سبيلا. ننتظر صوت مضخة المياه الكهربائية لنعرف الساعة. أشعل كل الأضواء قبل النوم لكيلا تفوتني الكهرباء. أقفز من السرير حين أسمع مضخة المياه وأرى الأضواء. أصبحت الحياة سباقا، حيث أننا نستخدم كل دقيقة للغسيل، أو التخلص من مهام العمل المستعجلة، والتمتع بشرب المياه الباردة. ثم تنطفئ الأضواء مرة أخرى.

انعدام كهرباء يعني النوم في طقس حرارته 35 درجة مئوية دون مراوح أو مكيفات، لكن مع طنين مستمر للمولدات الكهربائية. انعدام الكهرباء يعني أيضا الاستحمام في قليل من الماء والتسابق لشحن الهواتف والحواسيب المحمولة وعدم شراء لحم أو حليب لأكثر من يوم واحد. انعدامها يعني أيضا اتخاذ الدرج لتجنب خطر البقاء عالقين في المصعد، مما يعني تخطيط نزهاتك بالتوافق مع أوقات انقطاع الكهرباء والتحقق من جدول الكهرباء في حي صديق قبل زيارته.

حالي أفضل من الغالبية. بعض الأطفال يجبرون على القيام بواجباتهم المدرسية على ضوء الشموع لأن أهاليهم لا يستطيعون تحمل كلفة مولدات الكهرباء. اضطر أصحاب الشركات الصغيرة، ولديهم معاناتهم الخاصة، إلى تقليل العمليات التجارية واستخدام مولدات باهظة الثمن للحفاظ على الأضواء. للعديد من العائلات، السباحة في البحر هي المتنفس الحقيقي الوحيد من الحياة اليومية المحبطة في غزة، وعليهم الآن مكافحة تدفق مياه الصرف الصحي لأن انقطاع الكهرباء يعطل محطات معالجة مياه المجاري.

مرضى الكلى الذين يحتاجون إلى غسيل الكلى، الذي يتطلب امدادات كهربائية دائمة دون انقطاع، هم في خطر خاص. عدم وجود الكهرباء يجعل الحياة صراعا للجميع في غزة. بالنسبة للفئات الهشة، انقطاع الكهرباء قد يعني الحياة أو الموت.

بالنسبة لإسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس، الغزاويون هم مجرد أدوات مستخدمة في صراع مخز للسيطرة السياسية. كسلطة محتلة، تتحمل إسرائيل، بموجب القانون الدولي، مسؤولية تيسير حياة طبيعية لسكان غزة. تمارس حماس سيطرة داخلية وتتحمل مسؤولية حماية حقوقنا. تشرف السلطة الفلسطينية على ملايين الهبات من المانحين وعليها أيضا حماية حقوقنا، بما فيها دفع مصاريف الخدمات الأساسية والضرورية.

كلّ هذا يُبرز التحوّل الذي طرأ على أحلامنا في غزة: صرنا نحلم أقل من قبل بنهاية الاحتلال، أو بإعادة فتح الحدود لنتمكن من مغادرة هذه الرقعة التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترا مربعا. هذه الأيام، صارت أغلب أحلامنا تتعلق بالكهرباء، ومن المؤكد أن وضعنا سيزداد سوءا. حذر منسق االشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، روبرت بايبر، من أن التخفيضات الأخيرة قد "تؤدي إلى انهيار تام للخدمات الاساسية".

الأزمة التي نواجهها ليست نتيجة كارثة طبيعية أو فعل إلهي. إنها من صنع الإنسان بشكل تام. كما وضعونا في الظلام، يمكنهم إعطاءنا النور بكبسة زر.