في بعض الأحيان، تجد القوات الأمريكية التي تقاتل تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق نفسها تعمل جنبا إلى جنب، ليس فقط مع عناصر الجيش العراقي الذين دربتهم الولايات المتحدة، وإنما أيضا مع ميليشيات متحالفة مع إيران، ويُزعم أنها تلقى تمويلا منها.

هذه الميليشيات، ومعظمها من العراقيين الشيعة، كانت دائما جزءا من مشكلة" داعش،" وليس حلا لها. فالفظائع التي ارتكبتها ضد العراقيين السنة – من تعذيب واعدامات بإجراءات موجزة، وتهجير قسري، فضلا عن الاعتقالات التعسفية التي تنفذها الحكومة - دفعت بعض السنة إلى لترحيب بـ داعش كبديل للحكم الجائر والطائفي في بغداد.

قوات أمن عراقية ومقاتلون شيعة على متن عربات عسكرية قرب الفلوجة، العراق، 31 مايو/أيار 2016.

© 2016 رويترز

من منظور حقوق الإنسان، لا يجب الآن التركيز عما إذا كانت هذه المليشيات متحالفة مع إيران، بل على سجلها الطويل والمليء بالانتهاكات بحق العراقيين السنة، ومحاولة بعض المسؤولين الامريكيين التقليل من شأن هذه الانتهاكات، وخاصة في العلن.

اجتمعتُ مؤخرا وزميل لي في بغداد مع عدد من قادة قوات "الحشد الشعبي"، المجموعة التي تضم أهم الميليشيات الخاضعة لقيادة رئيس الوزراء العراقي. أفاد يوسف الكلابي، المتحدث العسكري للقوات، بتصاريح متوقعة، وزعم أن ارتكاب الميليشيات للفظائع مبالغ فيه، ووصفها بالدعاية لـ داعش، وقال إنها جرائم يرتكبها "عدد قليل من الأفراد."

لكنه أيضا أصاب عندما قال إن داعش، وسلفه "تنظيم القاعدة في العراق"، لعبا دورا رئيسيا في تأجيج الطائفية المقيتة التي تمزق العراق.

أكد لنا أبو مهدي المهندس، نائب قائد الحشد الشعبي، أن أهم الميليشيات صارت الآن متحدة. لكننا خرجنا غير مقتنعين بأن صفة رسمية كهذه تخضع لأي رقابة. بعد اجتماعنا بالمهندس، أوضح كاظم العيساوي، القيادي في "سرايا السلام" ("جيش المهدي" سابقا)، أن تنظيمه لا يتبع لأحد.

ادعى الكلابي والعيساوي بشكل منفصل أن تدريباتهما تشمل الآن أسس القانون الإنساني الدولي. قد يكون الأمر كذلك، ولكن لما طرحنا أسئلة حاسمة حول المساءلة عن الجرائم الخطيرة – وهي شرط أساسي لإنهاء الإفلات من العقاب على ارتكاب فظاعات – لم يُشر المسؤولون العراقيون أو قادة الحشد الشعبي إلى أي إجراءات تأديب أو ملاحقات قضائية للجرائم المرتكبة أثناء القتال. عندما سألنا رئيس الوزراء حيدر العبادي عن السبب قال: "هل تريد رؤية حرب أهلية في شوارع بغداد؟"

عملية استعادة السيطرة على الفلوجة جعلت هذه المسألة في دائرة الاهتمام. يوم 27 يونيو/حزيران، سمع أحد المارة مشادة بين قادة الجيش والميليشيات حول ما إذا كان ينبغي بقاء الميليشيات في المدينة. كما قال المار إنه سمع قادة مكافحة الإرهاب يشتمون الحشد الشعبي، قائلين إن قوات مكافحة الإرهاب أطلقت النار عليهم لمنعهم من دخول الفلوجة.

من هي هذه الميليشيات؟

بعد سقوط الموصل وتفكك الجيش العراقي في يونيو/حزيران 2014، ووسط مخاوف من تقدم قوات داعش نحو بغداد، تدفق المقاتلون المتطوعون على قوات الحشد الشعبي. في فبراير/شباط الماضي، أعلن رئيس الوزراء العبادي الحشد الشعبي "جزءا من القوات المسلحة العراقية."

أهم مكونات الحشد الشعبي هي ميليشيات موجودة منذ سنوات، بل منذ عقود، تغذيها إيران، وعددها يتجاوز الـ 50. بعض المليشيات الكبيرة - الأجنحة المسلحة لـ "فيلق بدر"، "سرايا السلام"، "كتائب حزب الله"، و"عصائب أهل الحق" - مسؤولة عن مهاجمة القوات الاميركية خلال حرب العراق من 2003 إلى2011، إضافة لقتل السنة العراقيين على نطاق واسع.

وثقت هيومن رايتس ووتش العديد من فظائع هذه الميليشيات، بما في ذلك عمليات قتل جماعي وتعذيب تعود لفترة طويلة قبل ظهور داعش. كما وثقنا تدميرا واسعا للممتلكات وتهجيرا قسريا للسنة في المناطق التي استعادها مقاتلو "البشمركة" الكردية، بتحالف وثيق مع الولايات المتحدة، من داعش.

بعد استعادة بلدة آمرلي في أغسطس/آب 2014، فرضت الحكومة العراقية قيودا على دور الميليشيات في معركة مارس/آذار 2015 لاستعادة تكريت. شجعت أمريكا العراقيين على ذلك، لكن عندما انسحبت القوات العسكرية النظامية من تكريت، سيطر الحشد الشعبي على المدينة، وراح ينهب المنازل ويدمرها بحرية.

في الحملة الحالية لاستعادة الفلوجة، بقيت قوات الحشد الشعبي على مشارف المدينة في البداية، لكنها اعتقلت بشكل روتيني الرجال والأطفال الكبار الفارين "للتحقق من هويتهم". أدت أعمال التحقق هذه لمزاعم ذات مصداقية بحصول تعذيب ممنهج وعمليات قتل خارج نطاق القضاء.

يبدو أيضا أن بعض الميليشيات رفضت البقاء على مشارف المدينة. على سبيل المثال، دخل مقاتلو فيلق بدر إلى المدينة كجزء من عملهم اليومي، وهم يرتدون زي الشرطة الاتحادية. قال العقيد كريستوفر غارفر، المتحدث باسم قوات التحالف بقيادة أمريكا لمكافحة داعش في العراق، إن هذه "الشائعات" لا تعنيه "لأننا لا ندعم هذه الجماعات، بل الشرطة الاتحادية"، والتي هي جزء من وزارة الداخلية العراقية.

لكن لأكثر من عقد، كانت قوات الشرطة الاتحادية منبعا لفيلق بدر ذاته الذي يُزعم اختطافه وقتله لعشرات السنة. قال لنا أشخاص شهدوا انتهاكات الميليشيات خارج الفلوجة إن الشرطة الاتحادية ضربتهم ونكلت بهم. يُعتقد أن الشرطة أعدمت 17 شخصا على الأقل.

من يُحاسب المليشيات؟

مثلما هو واضح في تعليق العقيد غارفر، يؤكد مسؤولون أميركيون أنه يوجد فرق وظيفي بين الحشد الشعبي، الذي صار جهازا رسميا الآن، والميليشيات التي تسيطر عليه. أوضح المتقاعد من سلاح مشاة البحرية الجنرال جون ألين، الذي شغل منصب مبعوث الرئيس أوباما الخاص للائتلاف لمكافحة داعش، لشبكة "سي بي اس نيوز" العام الماضي أن هناك "الميليشيات التي سمعنا عنها، وثيقة التحالف مع إيران" و"تلك العناصر، أو قوات الحشد الشعبي كما تُسمى، [التي] تخضع للأوامر.... العسكرية العليا بالعراق. "

قد يقول قائل – تأكيدا لما قاله قادة الحشد الشعبي الذين التقيناهم في بغداد – إن قوات الحشد الشعبي تابعة، على الورق على الأقل، لمكتب رئيس الوزراء. ولكنها هي نفس الميليشيات "التي سمعنا عنها"، على حد قول جون ألين. قال قادة الحشد الشعبي الذين التقيناهم في بغداد إن القوات فهمت الحاجة للانضباط في صفوفها، ولكن تجربة الفلوجة تؤكد أن ذلك لم يحصل.

أشار بريت ماكغورك، خليفة الجنرال جون ألين كمبعوث خاص، إلى "تقارير عن بعض الجرائم المنعزلة التي يرتكبها بعض أفراد الحشد الشعبي". حصلت مئات حالات الضرب الوحشي، وحالات لرجال جُرّوا خلف السيارات وإعدامات بإجراءات موجزة. التقارير التي جمعناها تجعل من الصعب تصديق وصف ماكغورك للأمر بأنه "منعزل."

خلال حديثه لوسائل الاعلام يوم 10 يونيو/حزيران، تحدث ماكغورك بجدية حول الحاجة للمساءلة، وأكد قائلا: "إننا نتحدث إلى الأشخاص المناسبين طوال الوقت تقريبا في محاولة للتأكد من التعامل مع الأمر بشكل مناسب". قبل ذلك بأسبوع، قال رئيس الوزراء العبادي إن حكومته فتحت تحقيقا وأمرت بالقبض على الأشخاص المسؤولين عن "التجاوزات"، ولكن لم ترد معلومات عن شخصيات وأعداد المعتقلين، والاتهامات المنسوبة إليهم.

قال ماكغورك ردا على أسئلة في جلسة استماع أمام لجنة في مجلس الشيوخ يوم 28 يونيو/حزيران: "تم اعتقال 4 أو 5 عناصر من الجيش العراقي"، ما يدلّ على أن الحديث على المساءلة مجرد كلام.

على الجيش الامريكي والقادة السياسيين القيام بما هو أفضل، والإصرار على مساءلة مرتكبي الجرائم من عناصر الحشد الشعبي. من العار تصديق مزاعم العراقيين بفتح تحقيقات دون التأكد من أنها ستفضي إلى نتائج.