(باريس) قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن آلاف الرجال والنساء من ذوي الإعاقة النفسية والاجتماعية في السجون الفرنسية معرضون لخطر الانتحار أو إيذاء أنفسهم بسبب إهمال صحتهم البدنية والعقلية.

يوثق تقرير "العقوبة المزدوجة: ظروف غير ملائمة للسجناء ذوي الإعاقة النفسية في فرنسا" الممتد على 69 صفحة، غياب الرعاية الصحية النفسية الملائمة والظروف المناسبة للسجناء ذوي الإعاقة النفسية والاجتماعية. خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن الوضع سيء بسبب الاكتظاظ والتمييز والعزلة. كما أن نقص العاملين في مجال الصحة النفسية في السجون يزيد من صعوبة الحصول على مواعيد – أو الحصول عليها لفترات قصيرة ومحدودة – لوصف الدواء. يتسبب غياب الرعاية والوضع الملائم في ظروف عمل صعبة لموظفي السجون.

قالت إيزة الغطاس، باحثة هيومن رايتس ووتش في غرب أوروبا: "إنه لأمر مخز لبلد مثل فرنسا أن يبقي المصابون بأمراض عقلية مسجونين لأشهر أو سنوات دون رعاية صحية عقلية كافية. عدم حصولهم على هذه الرعاية هو بمثابة عقوبة إضافية لهم".

قابلت هيومن رايتس ووتش 50 سجينا وموظفين في السجون وعاملين في مجال الطب في 8 سجون، فضلا عن مسؤولين حكوميين وغيرهم.

خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أنه عندما تتدهور حالة السجناء ذوي الاضطرابات النفسية والاجتماعية، يُنقلون إلى المشافي النفسية ضد إرادتهم، ويعزلون في ظروف قد تكون قاسية ولاإنسانية ومهينة بموجب القانون الدولي.

قالت سارة (اسم مستعار)، وهي سجينة سابقة أُرسلت في الماضي إلى مشافي أمراض نفسية: "أفضل البقاء في الزنزانة 1000 مرة على البقاء في غرفة معزولة في المستشفى. هم يقيدون ذراعاي وقدماي كما لو كنت حيوانا".

العودة إلى بيئة السجن – دون دعم كافٍ أو أماكن إقامة مناسبة – قد تتسبب في تكرار حدوث مشاكل نفسية، وتضطر المرضى إلى العودة إلى المشفى للعلاج. يؤدي هذا أحيانا إلى وقوع السجناء في دائرة مفرغة: الذهاب إلى المشفى ثم الخروج منه، فتتدهور حالتهم من جديد فيعودون إلى المشفى. تسلسل الأحداث هذا ضار ومخرب لصحة المريض، كما أنه مكلف للسجن والمشفى المعني.

وفقا لدراسة حول حالات الانتحار أجراها "المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية" للفترة 2006-2009، فإن معدلات الانتحار في السجون الفرنسية أعلى بـ7 أضعاف مما هي بين السكان. السجناء ذوو الإعاقة النفسية أكثر عرضة لإيذاء أنفسهم أو الانتحار مقارنة بالبقية. بحسب الحكومة الفرنسية، شهدت السجون الفرنسية 113 حالة انتحار في 2015.

قالت سارة، التي تحمل ندبات بسبب جروح ألحقتها بنفسها، إنها التقت أناسا في السجن انتحروا لاحقا. أضافت: "فكرت بدوري: إن كانت [تلك المرأة] غير قادرة على مواجهة الأمر، هل سأكون أنا قادرة على ذلك؟"

آخر دراسة شاملة حول الصحة النفسية في السجون الفرنسية كانت عام 2004. خلصت الدراسة إلى أن ربع السجناء تقريبا مصابون بالذهان – والذي قد يشمل الاكتئاب والاضطراب الثنائي القطب أو الفصام – وهو معدل أعلى بكثير من نسبة 0.9% الموجودة بين السكان. التفسير الشائع لذلك هو أن القضاة والمحلفين يعتبرون المعاقين نفسيا واجتماعيا أكثر خطرا من غيرهم، وبالتالي يسجنونهم لفترات أطول.

حاول قانون عام 2014 تصحيح هذا النزعة حيث نص على وجوب خفض عقوبات المتهمين ممن عانوا من حالة صحية أو عقلية مشوشة خلال الجريمة بمقدار الثلث.

أعربت أدلين هازان، المفتش العام للأماكن السالبة للحرية في فرنسا، لـ هيومن رايتس ووتش عن قلقها إزاء ارتفاع عدد السجناء ذوي الإعاقة النفسية وعدم وجود رعاية نفسية مناسبة لهم.

يخلق الاكتظاظ في السجون الفرنسية – الذي بلغ 178 بالمائة من طاقة الاستيعاب – ظروف عمل صعبة لحراس السجون. قد يكون الواحد منهم مسؤولا عن 100 سجين، بالتالي لديهم وقت قليل للرد على طلبات السجناء أو ملاحظة علامات الاضطرابات العقلية لديهم. يفتقر الحراس أيضا إلى التدريب حول الصحة العقلية، كما يشكل الاكتظاظ عقبة أمام قدرتهم على حضور فرص التدريب المتاحة.

توصلت هيومن رايتس ووتش إلى أن الظروف التي تعيش فيها السجينات قاسية بشكل أكبر. يحد مسؤولو السجون، في كثير من الأحيان، من تحركات النساء أكثر من الرجال بغرض تفادي أي تواصل بين الجنسين. يجعل هذا النساء يشعرن أنهن أكثر عزلة. تواجه السجينات أيضا تمييزا في تلقي الرعاية الصحية العقلية. توجد منشأة واحدة للرعاية الصحية العقلية المتخصصة – من بين 26 منشأة في السجون الفرنسية – تتوفر فيها أسرّة للنساء.

على فرنسا، كطرف في "الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان"، ضمان احتجاز السجناء في ظروف تحترم كرامتهم الإنسانية، كما يجب ألا تفوق معاناتهم مستوى المعاناة التي يتسبب فيه الاحتجاز، استنادا للسوابق القضائية "للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان".

تنص "اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة"، التي صادقت عليها فرنسا، على أن توفر السلطات أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه لذوي الإعاقة دون تمييز، وأن توفر ترتيبات معقولة، أو إدخال تعديلات مناسبة لحصولهم على الخدمات والدعم. كما صادقت فرنسا أيضا على "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، التي تحظر التمييز على أساس الجنس.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الفرنسية إجراء دراسة مستقلة جديدة حول الصحة العقلية للسجناء، ونشر أرقام أكثر دقة عن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة النفسية والاجتماعية في السجون الفرنسية. على الحكومة أيضا توفير ظروف معيشية ملائمة، وضمان عدم حبس ذوي الإعاقة النفسية والاجتماعية انفراديا. على فرنسا معالجة النقص في العاملين في مجال الصحة النفسية في السجون، وتحسين ظروف عملهم.

قالت الغطاس: "قال دوستويفسكي إنه يمكن الحكم على المجتمع بزيارة سجونه. لدى فرنسا الوسائل لتوفير ظروف تكفل كرامة السجناء، وعليها فعل المزيد لتحسين معاملة السجناء ذوي الإعاقة النفسية والاجتماعية."