تدير شركة "هايدلبرغ" الألمانية مقلعا للحجارة في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، حيث كانت حقول أهالي قرية الزاوية الفلسطينية يوما ما. قال الصحفي عزمي عبد الكريم شقير إن عائلته كانت تزرع العدس والفول والقمح والسمسم في تلك الأرض. في عام 1982 جرفت الجرافات الإسرائيلية جزءا من الأرض، على حد قوله. أعلنت السلطات الإسرائيلية الأرض منطقة عسكرية مغلقة، لكن سرعان ما حولت جزءا منها إلى مقلع للحصى المستخدم في البناء.

لم توقف القضايا المرفوعة في المحاكم الإسرائيلية هذا الأمر، كما لم توقف ما تلاه من مصادرة لقطع أرض مجاورة، لتوسيع المقلع. منذ عام 2004 تقريبا انقطعت الزاوية عن منطقة المقلع، إذ فصلها عنه الجدار العازل، الذي شيدته إسرائيل بعد هجمات فلسطينية انتحارية خلال الانتفاضة الثانية. الآن، ليس بوسع شقير إلا أن يرنو من بعيد إلى الأرض التي حرثها قومه يوما ما، ويقول إن الجيش الإسرائيلي لا يسمح لأحد بحرث قطعة الأرض الباقية لهم إلى جانب المقلع سوى والده ووالدته المسنين. 

مقلع هايدلبرغ يعد مثالا على عجز الشركات التي تدير أنشطة في مستوطنات إسرائيلية – أو تسدد لها ضرائب – عن تجنب التواطؤ في الانتهاكات، مع انتهاك المسؤولية الملقاة على كاهلها بمقتضى "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان".

على الشركات أن تكف عن العمل في المستوطنات الإسرائيلية، وعن تمويلها أو خدمتها أو الإتجار معها، من أجل الالتزام بما عليها من مسؤوليات حقوقية.

بررت هايدلبرغ أنشطتها في رسالة إلى "هيومن رايتس ووتش" نُشرت في تقرير المنظمة الجديد "تجارة الاحتلال". قالت الشركة إنها تعمل على "أراضي للدولة" وليس على ممتلكات خاصة سابقة، وإنها تجلب المنافع للسكان المحليين إذ تسدد رسوما للإدارة المدنية الإسرائيلية وضرائب لمجلس السامرة الإقليمي الاستيطاني، وعن طريق توظيفها لعمال فلسطينيين تقول إنها تدفع لهم رواتب وتعاملهم بشكل ينطوي على المساواة مع العمال الإسرائيليين لديها.

حجج هايدلبرغ واهية وضعيفة إذا ما خضعت لفحص وتدقيق. حتى إذا قررت محكمة أن الأرض لم تكن ملكية خاصة، فإن قوانين الاحتلال تحظر على إسرائيل استخدام موارد في أراضي تحتلها لصالحها بغض النظر عمن يملك الأرض.

كما أن استخدام عمال فلسطينيين لا يمكنه تبرير فعلة هايدلبرغ. هؤلاء العمال يواجهون مأزقا لا نجاة منه: فالسياسات الإسرائيلية الرامية لخدمة مصالح المستوطنات هي التي تصعّب العثور على وظائف في أي مكان آخر. هذه السياسات تشمل مصادرة أو حظر الأراضي التي كانت فيما قبل وسيلة معاش عائلات العمال، وقيود تمييزية على الإنشاءات والبناء تخنق نمو الاقتصاد الفلسطيني. في حين يعمل 11 مقلعا وكسارة تديرها إسرائيل وجهات أجنبية، على 60 بالمائة من مساحة الضفة الغربية التي تديرها إسرائيل إدارة مباشرة ("المنطقة ج")، لم يُكفل لفلسطيني واحد التصريح بفتح مقلع جديد في المنطقة ج منذ أكثر من عشرين عاما، ويواجه بعض حملة التصاريح السارية من الفلسطينيين مصاعب جمة في التجديد.

سددت هايدلبرغ 585 ألف دولار ضرائب في عام 2014 لمجلس السامرة الإقليمي، الذي يوفر خدمات بلدية لأكثر من 25 مستوطنة في المنطقة، بما يساعد في بقاء هذه المجتمعات واستدامتها، وهي غير قانونية بموجب القانون الدولي.

قصة شقير ليست غريبة أو فريدة من نوعها بالمرة؛ فهناك مئات العائلات الفلسطينية بهذه المنطقة الريفية القريبة من الخط الأخضر، فقدت أجزاء من أرضها وسبل معاشها لصالح المستوطنات. وليست قصة هايدلبرغ بدورها غريبة أو فريدة من نوعها؛ فهي مثل مئات الشركات الأخرى التي لها أنشطة على صلة بالمستوطنات، تستبقي أعمالها أوجه الظلم الذي لا يمكن جبره بتوفير وظائف لفلسطينيين استُلبت منهم مواردهم واستُغلت.