الناظور، المغرب، نوفمبر/تشرين الثاني 2012 – مهاجر من مالي يرقد في كهف يستخدمه كمأوى. في الغابات والجبال المحيطة بالناظور، تعيش جماعات من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، ويتحينون اللحظة المناسبة لمحاولة عبور الحدود الفاصلة بين المغرب ومدينة مليلية، وهي جيب إسباني على الساحل المغربي الشمالي.

 

© 2012 Gianfranco Tripodo/contrasto/Redux

قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن المغربية تقوم بضرب وانتهاك، وأحيانًا سرقة المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء في منطقة الشمال الشرقي في المغرب. استمرت هذه الانتهاكات رغم بعض التحسن الحاصل في معاملة المهاجرين منذ أن أعلنت الحكومة في سبتمبر/أيلول 2013 عن سياسة جديدة في مجال الهجرة واللجوء. ويبدو أن ترحيل المهاجرين بشكل جماعي نحو الحدود مع الجزائر قد توقف منذ ذلك التاريخ. 
 
خلُص التقرير الذي امتد على 79 صفحة، وعنوانه "انتهاك الحقوق والطرد: معاملة الشرطة السيئة للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في المغرب"، إلى أن هذه الانتهاكات تقع عندما تقوم قوات الأمن باحتجاز المهاجرين الذين فشلوا في الوصول إلى مليلية، أوعند إلقاء القبض عليهم، قبل سبتمبر/أيلول 2013، دون احترام سلامة الإجراءات وطردهم إلى الجزائر. إلا إن البحث الذي أجري أواخر يناير/كانون الثاني وبداية فبراير/شباط 2014 في وجدة والناظور والرباط يشير إلى أن قوات الأمن مازالت تستخدم العنف ضدّ المهاجرين المطرودين من مليلية.  
 
قال بيل فريليك، مدير برنامج اللاجئين في هيومن رايتس ووتش: "يتعين على المغرب أن يُرسّخ لدى قواته ضرورة احترام حقوق المهاجرين، ويتعين عليه وضع حدّ لضربهم وغير ذلك من الانتهاكات".  
 
كما خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن قوات الأمن الإسبانية تستخدم أيضًا القوة المفرطة عند طرد المهاجرين بشكل جماعي من مليلية. ويتعين على إسبانيا الكف عن إعادة المهاجرين بشكل جماعي إلى المغرب في الحدود مع مليلية، وتعليق إعادة المهاجرين بطريقة قسرية إلى المغرب إلى أن يبرهن المغرب على أن المهاجرين لا يواجهون خطر التعرض للضرب أو غيره من الانتهاكات عند إعادتهم، وأن تُحترم حقوقهم. 
 
تقوم سياسة الهجرة واللجوء الجديدة في المغرب على توصيات صادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي أقرّها الملك محمد السادس. وتشمل الإصلاحات منح الإقامة القانونية للمهاجرين الذين صنفتهم المفوضية السامية للاجئين كلاجئين. وبعد أن تتم معالجة وضعياتهم لدى مكتب اللاجئين والأشخاص عديمي الجنسية، الذي تمت إعادة تشغيله حديثا، يحصل اللاجئون على بطاقات لجوء تمنحهم حق العمل والتمتع ببعض الخدمات الاجتماعية. 
 
كما اتخذ المغرب إجراء تسوية "استثنائية" لسنة 2014 تسمح للمهاجرين غير الشرعيين والذين تتوفر فيهم بعض الشروط بتقديم طلب للحصول على إقامة مدتها سنة واحدة قابلة للتجديد. ولكن يبقى من غير الممكن تحديد نسبة المهاجرين الذين يستجيبون للمعايير المحددة من أصل 25 ألف مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء في المغرب. ولكن استطلاعا غير رسمي أبرز أن العديد من المهاجرين الذين يعيشون في مخيمات مؤقتة في الناظور ووجدة تتوفر فيهم الشروط اللازمة. 
 
وقالت الحكومة لـ هيومن رايتس ووتش إنها بصدد صياغة قوانين جديدة تتعلق باللجوء، والاتجار في البشر، والهجرة. 
 
اعتمد تقرير هيومن رايتس ووتش على مقابلات أجريت مع 67 مهاجرا من أفريقيا جنوب الصحراء داخل وقرب مدينتي وجدة والناظور في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2013. كما أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع مسؤولين، ومؤسسات دولية، ومنظمات غير حكومية، وضمنت في التقرير ردود الحكومة على أسئلتها الكتابية. وفي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2014، أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 14 مهاجرًا آخرين في الناظور، ووجدة، والرباط. 
 
يغادر المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء دولهم بسبب الفقر، والمشاكل العائلية، والاجتماعية، والاضطرابات السياسية، والصراعات المدنية، وأحيانًا بسبب الخوف من الاضطهاد. ويرغب العديد من الأشخاص الذين وصلوا إلى شمال شرق المغرب في العبور إلى أوروبا.ويعيش العديد ممن أجريت معهم مقابلات في هذا التقرير في ملاجئ مؤقتة خارج المدن الكبرى، ويعيشون على موارد شحيحة، وهم في خوف دائم من مداهمات الشرطة. 
 
واستنادًا إلى تقارير صادرة عن منظمات غير حكومية، كثفت السلطات المغربية في ديسمبر/كانون الأول 2011 من مداهمة مخيمات المهاجرين غير الرسمية في الغابات القريبة من وجدة والناظور. وقال مهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الحرس والقوات المساعدة المغربية قامت بهدم ملاجئ المهاجرين وأحيانا سرقة بعض أغراضهم الثمينة أثناء المداهمات. كما قامت قوات الأمن باعتقال المهاجرين الذكور، ونقلهم إلى الحدود الجزائرية، وأمرتهم بمواصلة السير، وهو تجاوز لمقتضيات الإجراءات الإدارية والقضائية الخاصة بالترحيل كما ينص عليها القانون الدولي والوطني. 
 
قال "نيكولا"، من الكاميرون وعمره 39 سنة، إنه ركض نحو الحدود الجزائرية بينما كانت قوات الأمن تصرخ "ياللاه ياللاه": "لقد عاملوني بطريقة سيئة للغاية، وضربوني كثيرًا إلى أن صرت أتبول الدم". يُذكر أنه تم تغيير أسماء المهاجرين الذين أجريت معهم مقابلات لحمايتهم. 
 
أبرزت المقابلات التي أجرتها هيومن رايتس ووتش شمال شرق المغرب في يناير/كانون الثاني 2014 مع مهاجرين ومنظمات غير حكومية تعمل على مستوى محلي أن عمليات الطرد بشكل جماعي إلى الحدود الجزائرية توقفت، وأن مداهمات الشرطة للمهاجرين الذين يعيشون داخل وقرب وجدة شهدت تراجعا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2013. ولكن الشرطة مازالت تشن مداهمات في منطقة الناظور، وتحدث المهاجرون عن بعض هذه المداهمات التي جدّ بعضها في 29 يناير/كانون الثاني 2014 عندما قامت الشرطة بهدم مخيمات مؤقتة للمهاجرين واعتقلت أشخاصًا حاولوا الوصول إلى مليلية، واعتدت عليهم بالضرب. وقال مهاجرون ومنظمات غير حكومية لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات قامت في الأشهر الأخيرة باعتقال المهاجرين في الناظور، ونقلتهم إلى الرباط والمدن الساحلية الأخرى بدلا عن الحدود الجزائرية كما كانت تفعل في السابق. 
 
قالت الحكومة المغربية لـ هيومن رايتس ووتش، في ما يتعلق بعمليات الطرد التي تم توثيقها في التقرير، إنها لم تقم بطرد الأشخاص وإنما نفذت عمليات "إرجاع إلى الحدود" بطريقة قانونية. ولكن الحدود المغربية مع الجزائر مازالت مغلقة بشكل رسمي، وقال مهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش إن أعوان أمن مغاربة اقتادوهم إلى أماكن معزولة، واستخدموا ضدهم القوة أو هددوهم بها، وأجبروهم على السير نحو الجزائر.  
 
وواجه المهاجرون المطرودون الذين صادفوا قوات الأمن الجزائرية مزيدًا من الانتهاكات. وقال مهاجرون إن أفراد من سلطات الحدود الجزائرية أجبروهم على العودة إلى المغرب، وأحيانا بشكل عنيف، بعد أن نُهبَت منهم ممتلكاتهم الثمينة. 
 
وتحدث جميع المهاجرين الذين أجريت معهم مقابلات وتمكنوا من العودة إلى وجدة أو الناظور عن عمليات طرد لم تحترم أبسطالإجراءات القانونية السليمة. 
 
تنصّ المادة 23 من قانون الهجرة المغربي على الحق في الاستعانة بمحام وبمترجم فوري قبل الترحيل، بينما تنص المادة 22 من الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، والمغرب طرف فيها، على ضرورة تقديم قرار طرد كتابي، والسماح بالاعتراض عليه. 
 
رغم إقرارها ببعض الجوانب الايجابية في سياسة الهجرة الجديدة في المغرب، مازالت هيومن رايتس ووتش تعبر عن قلقها من بعض التقارير المتعلقة باستخدام الشرطة للقوة ضدّ المهاجرين قرب الحدود مع مليلية. ويتعين على الحكومة المغربية، في إطار إجراءاتالإصلاح، ضمان الكف عن استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن في حق المهاجرين، واحترام حق كل مهاجر في سلامة الإجراءاتعندما يتعرض إلى الاحتجاز. 
 
يتعين على الحكومة الإسبانية الكف عن إعادة المهاجرين جماعياً إلى المغرب، ممن يدخلون إلى مليلية. وينصّ القانون الإسباني على أنتتبع قوات الأمن والحدود إجراءات الترحيل عند طرد المهاجرين الذين دخلوا إسبانيا بشكل غير قانوني. تنتهك عمليات الإعادة القانون الدولي وقوانين الاتحاد الأوروبي التي تمنع الدول من إعادة الأشخاص بشكل قسري إلى مكان قد يواجهون فيه خطرًا حقيقيًا بالتعرض إلى معاملة لا إنسانية أو مهينة. كما يتعين على السلطات الإسبانية فتح تحقيقات مستفيضة في أي مزاعم تتعلق باستخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن، والضغط على المغرب للكف عن استخدام القوة غير المشروعة ضدّ المهاجرين. 
 
دققت هيومن رايتس ووتش في معاملة المهاجرين في المغرب، من خلال الهدف المعلن للاتحاد الأوروبي بمراقبة حدوده عبر مساعدة دول مجاورة له. وتبنى كل من المغرب والاتحاد الأوروبي سياسة مشتركة لمنع الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي، عبر التعاون المالي على سبيل المثال. دعت هيومن رايتس ووتش الاتحاد الأوروبي إلى ضمان عدم دعم أي برامج أو قوات مغربية تنتهك حقوق المهاجرين المكفولة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.  
 
وقال بيل فريليك: "يبدو أن المغرب توقف عن طرد المهاجرين إلى الحدود الجزائرية، ولكن ذلك ليس كافيًا، ويتعين عليه اتخاذ إجراءاتصارمة لضمان احترام حقوق المهاجرين في سلامة الإجراءات، والسماح لهم بتقديم طلبات لجوء". 
 

معلومات إضافية حول مقابلات 2014 

أجرى باحثان من هيومن رايتس ووتش مقابلات فردية مع تسعة مهاجرين في غوروغو والناظور، وخمسة آخرين في الرباط. وكان جميع الذين أجريت معهم مقابلات رجال ـ عشرة من الكاميرون، واثنان من مالي، واثنان من غابون. وتم تغيير أسماء المهاجرين لحمايتهم. 
 
أثناء مقابلات مع هيومن رايتس ووتش في الناظور في 29 و30 يناير/كانون الثاني، وفي 3 فبراير/شباط في الرباط، قال مهاجرون إن قوات الأمن مازالت تنفذ مداهمات لمخيماتهم في غوروغو، والغابة الجبلية المجاورة لـ الناظور المقابلة لـ مليلية، يقومون أثناءها بتدمير وحرق ممتلكات المهاجرين وملاجئهم المؤقتة. 
 
تُعتبر الناظور نقطة انطلاق لعديد المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى مليلية باستعمال القوارب المطاطية أو بتسلق الأسوار المحيطة بها في شكل مجموعات كبيرة تبلغ أحيانًا مائة مهاجر في المجموعة الواحدة. وقال مهاجرون ممن نجحوا في دخول مليلية إن الحرس المدني الإسباني قام بتسليمهم بشكل جماعي إلى دوريات المراقبة المغربية على الحدود مع إسبانيا. كما قالوا إن السلطات المغربية كثيرا ما تقوم بضرب عابري الحدود، بما في ذلك الأطفال الذين كانوا محتجزين لديها وحاولوا الهروب.  
 
على حدود مليلية

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع خمسة مهاجرين في الرباط، قالوا إن قوات الحرس المدني الإسباني والقوات المساعدة المغربية استخدمت ضدهم القوة المفرطة أثناء محاولتهم تسلق سياج محيط بـ مليلية في الساعات الأولى من يوم 2 فبراير/شباط. 
 
قال جوزيف، من الكاميرون وعمره 31 سنة، وكان يمشي مترنحا وعينه منتفخة:

اتجهنا نحو السياج وحاولنا الدخول إلى مليلية. نجح بعضنا في ذلك ولكن الحرس المدني أوقفنا، وضربنا بالهراوات. لقد ضربونا بشكل مبرح لمدة خمس أو عشر دقائق. قيدوا أيدينا [بالأغلال البلاستيكية] ثم فتحوا بوابة السياج وسلمونا إلى القوات المساعدة [المغربية]. 

 قامت القوات المساعدة بضربنا بالهراوات أيضًا. ضربونا وقاموا بتفتيشنا، وسرقوا مني 250 درهماً [30 دولاراًأمريكياً] وهاتفي الخلوي. أجبرونا على الانبطاح أرضًا وأيدينا مشدودة بالأغلال. بقينا على ذلك الوضع لمدة ساعة وهم يضربوننا. ضربوني على عيني بعصا، ولم يتوقفوا عن ضربنا إلا عندما جاء بعض المسؤولين الكبار. 

وقال مارتن، من الكاميرون، وعمره 22 سنة: 

وصلنا إلى السياج فدوّت صفارات الإنذار... رأيت أصدقائي الذين دخلوا إلى مليلية. قامت قوات الحرس المدني بضرب أصدقائي بهراوات غليظة... كانوا يضربون الشخص إلى أن يفقد الوعي... تراجعت إلى الجانب المغربي، ولما وصلت إلى هناك قامت القوات المساعدة المغربية بضربي. شدّوا يديّ بالأغلال، وأجبروني على الانبطاحأرضا. قاموا بتفتيشي وسرقوا نقودي، وهاتفي، وكذلك حذائي. 

وقال ويليام، من الكاميرون وعمره 24 سنة: 

في ليلة 24 ديسمبر/كانون الأول [2013]، كنا حوالي 15 شخصًا، وكنا نسير نحو السياج. وعندما اقتربنا منه، اكتشفت القوات المساعدة المغربية أمرنا، وبدأت ترمينا بالحجارة والعصي. قام تسعة أعوان بالقبض علينا، واقتادوني إلى مكان غير مكشوف، وقاموا بضربي مع مهاجرين آخرين لمدة 30 أو 40 دقيقة، ثم أخذونا إلى مركز الشرطة. تمكنت من الذهاب إلى المستشفى، وحصلت على علاج لجروحي، وفي اليوم التالي عدت إلى غوروغو بمساعدة منظمات غير حكومية. 

 كما قال أحمد، من الكاميرون وعمره 22 سنة، وكان أيضًا من هذه المجموعة: 

تم اعتراضنا واعتقالنا جميعًا على مستوى السياج الأول. كانت ساقاي تنزفان دمًا بسبب الأسلاك الشائكة، وقامت القوات المساعدة باعتقالي. شدّوا يديّ إلى الخلف بحبل، وقاموا بضربي في كل جزء من جسمي بالهراوات. كان بعضهم يقفز على ظهري لإجباري على الانبطاح أرضًا. وعلى الساعة الثامنة صباحًا اقتادونا إلى مركز شرطة الناظور. لم يطلبوا منا أي وثائق، فقط سألونا، ككل مرة، عن أسمائنا وجنسياتنا. رفضوا نقلي إلى المستشفى رغم أنني كنت أنزف. وفي المساء، اقتادونا في حافلة إلى محطة الحافلات في الرباط.