رجل يقف وراء القضبان في مركز احتجاز صفاقس، في تونس، في 26 سبتمبر/أيلول 2013.

© هيومن رايتس ووتش2013

(تونس) ـ  قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته اليوم إن على تونس تعديل القوانين المتعلقة باعتقال واستجواب واحتجاز المشتبه فيهم، وتحسين أوضاع مراكز الاحتفاظ. لا يستطيع المشتبه فيهم الاتصال بمحام أثناء الاعتقال والاستجواب، وهو ما يجعلهم عرضة إلى سوء المعاملة، ولا تتوفر في بعض المراكز المعايير الأساسية المتعلقة بالتغذية، والمأوى، والنظافة.

يُعتبر التقرير، الذي جاء في 65 صفحة وعنوانه "ثغرات في النظام: وضعية المحتفظ بهم على ذمة التحقيق في تونس"، أول تقييم علني لظروف مراكز الاحتفاظ على ذمة التحقيق في تونس، التي يُحتجز فيها الأشخاص منذ لحظة الاعتقال حتى المثول أمام قاض. وقامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق أحداث أساء فيها أعوان إنفاذ القانون معاملة الأشخاص المحتفظ بهم أثناء الاعتقال والاستجواب.

قال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "بعد سقوط بن علي، استمر وجود الثغرات القانونية التي كانت تتسبب في انتشار سوء معاملة المحتجزين على نطاق واسع. يتعين على تونس القطع مع ممارسات الماضي السيئ، وتحسين أوضاع الاحتفاظ، والقيام بمراقبة تضمن للأشخاص حقوقهم".

كانت منظمات حقوق الإنسان، لعشرات السنوات تحت حكم الرئيس زين العابدين بن علي، ممنوعة من دخول مراكز الاحتفاظ التي كان العديد من النشطاء يشتبهون في تفشي التعذيب وغيره من ضروب الانتهاك في داخلها. ولكن منذ انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011، أبدى المسؤولون قدرًا أكبر من الانفتاح وسمحوا لـ هيومن رايتس ووتش بالقيام بزيارات كانت الأولى التي تقوم بها منظمة أجنبية إلى مراكز الاحتفاظ. قامت هيومن رايتس ووتش بزيارة مراكز احتفاظ على ذمة التحقيق في أربع مدن في فبراير/شباط وسبتمبر/أيلول 2013، وتقييم القوانين التي تنظم الاحتجاز الأولي. وسمح المسؤولون لـ هيومن رايتس ووتش بالقيام بزيارات بشكل سريع ودون عراقيل إلى مراكز الاحتفاظ التي التمست زيارتها، وكانت السلطات جاهزة للتعاون.

اعتمادًا على مقابلات مع موظفين و70 شخصًا رهن الإيقاف، قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق العديد من الحالات التي انتهك فيها المسؤولون حقوق الموقوفين في سلامة الإجراءات، وأساءوا معاملتهم أثناء الاعتقال والاستجواب في المراكز الأربعة. كما اطلعت هيومن رايتس ووتش على العديد من الحالات التي يعاني فيها الأشخاص المحتفظ بهم من نقص التغذية، وعدم توفر وسائل التنظيف، وعدم وجود مرافق استحمام، واستخدام أغطية غير كافية ومتسخة، في زنزانات صغيرة مظلمة ومكتظة. وكانت بعض البنايات قديمة وتعاني من مشاكل في الصرف الصحي، وتفتقر ثلاثة منها إلى ساحات يستطيع الموقوفون ممارسة الانشطة البدنية فيها.

تستطيع الشرطة الاحتفاظ بالأشخاص الذين تقبض عليهم لمدة ستة أيام قبل إطلاق سراحهم أو نقلهم إلى السجون. ويكون الموقوفون، في المراحل لأولى، أكثر عرضة إلى سوء معاملة الأعوان المكلفين بإنفاذ القانون لأنه لا يحق لهم الاتصال بمحام أو التمتع بزيارات عائلية. وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن ساعات وأيام الاحتجاز الأولى حاسمة في تحديد بقية الإجراء القضائي. وقد يتسبب غياب الضمانات في هذه المرحلة المبكرة في حرمان الموقوفين من حقهم في محاكمة عادلة.

يُعتبر غياب الحق في مساعدة قانونية أثناء المرحلة الأولى ثغرة خطيرة في القانون التونسي في ما يتعلق بضمانات منع سوء المعاملة. وتنص مجلة الإجراءات الجزائية على أنه يحق للمحتفظ به الاتصال بمحام بعد مثوله أول مرة أمام قاضي تحقيق. ومع حلول ذلك الوقت، ربما يكون المشتبه فيه قد وقع على محاضر الشرطة، دون حضور محام، وقد يُستخدم ذلك ضده أثناء المحاكمة.

ورغم أنه نادرًا ما اشتكى الموقوفون من تعرضهم إلى سوء معاملة جسدية على يد حراس مراكز الاحتفاظ، إلا أن 40 من أصل 70 موقوفًا تقابلت معهم هيومن رايتس ووتش قالوا إن الشرطة أساءت معاملتهم أثناء الاعتقال والاستجواب. وشملت المعاملة السيئة الإهانات، والإذلال، والتهديد بالاغتصاب، والدفع، والصفع، واللكم، والركل، والضرب بالعصي والهراوات. وقال جميع الموقوفين الأربعين إنهم تعرضوا إلى سوء معاملة أعوان الشرطة، أثناء الاعتقال والاحتفاظ، بينما لم يكونوا يُبدوا أي مقاومة لهم.

ومن بين جميع مراكز الاحتفاظ التي قامت هيومن راييتس ووتش بزيارتها، لم يكن يوجد مرفق طبي أو طبيب مباشر إلا في مركز واحد فقط. أما في بقية المراكز، فقال أغلب المحتفظ بهم إنهم لم يشاهدوا أي طبيب، ولم يُعلمهم الأعوان بحقهم في العرض على طبيب. يُذكر أن المسؤولين يُرسلون المحتجزين الذين يحتاجون إلى تدخل طبي عاجل إلى المستشفيات القريبة.

وبينما انصب تركيز المانحين الدوليين على تدريب الأعوان المكلفين بإنفاذ القانون، فإنه يتعين عليهم أيضًا المساهمة في تحسين أوضاع الاحتجاز، وضمان امتثال السجون للمعايير الدنيا، بما في ذلك تقديم ما يكفي من الغذاء والرعاية الطبية، والضغط على السلطات التونسية لإدخال تعديلات على قوانينها.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يتعين على تونس تنفيذ إصلاحات قانونية وسياسية واسعة النطاق لتقليص فترة الاحتفاظ على ذمة التحقيق، والسماح للمحتفظ بهم بالاتصال بمحام، والقطع مع الإفلات من المحاسبة على ممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة أثناء الاعتقال والاستجواب. ويتعين على البرلمان التونسي تبني تشريعات تضمن لكل شخص مسلوب من حريته الحصول منذ البداية على مساعدة قانونية من محام  في ظروف تحفظ سرية المقابلة. وإذا لم يتوفر الشخص المحتجز على محام، فإن السلطات هي التي توفره له، ويجب أن تكون المساعدة القانونية مجانية إذا كان الشخص غير قادر على دفع أجرها.

 يتعين على المشرّعين مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية لتقليص الفترة القصوى للاحتجاز لدى الشرطة قبل المراجعة القضائية لفترة 48 ساعة.

كما يجب على السلطات التونسية أيضًا أن تضمن خضوع أعوان الشرطة إلى تدريب على معايير سلامة الإجراءات والمحاكمة العادلة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة إنشاء منظومة مساعدة قانونية فعالة، بدعم من الأطراف المانحة.

يُعتبر السماح لمنظمات المراقبة المستقلة بدخول أماكن الاحتجاز وإجراء زيارات منظمة وغير معلن عنها واحدا من أهم الضمانات المتعلقة بمنع سوء المعاملة والتعذيب. في هذا الصدد، حققت تونس تقدمًا كبيرًا من خلال التصويت الذي أجري في المجلس التأسيسي في 9 أكتوبر/تشرين الأول لإحداث هيئة وطنية لمنع التعذيب. ولضمان فاعلية هذه الهيئة، يتعين على المشرعين انتخاب أشخاص مستقلين ومؤهلين لعضويتها، ومنحها الدعم المالي والمؤسساتي الذي تحتاجه للقيام بأعمالها.

وقال إريك غولدستين: "يُعتبر الاستعداد الذي أبدته تونس لفتح سجونها أمام منظمات حقوق الإنسان بعد الإطاحة ببن علي نموذجًا يتعين على الدول الأخرى اتباعه. ونرجو أن ينتج عن هذا الانفتاح معالجة للمشاكل العميقة التي اطلعنا عليها في منظومة الاحتجاز على ذمة التحقيق".