(بيروت) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم استباقاً لاجتماع لمدة أسبوع يضم الدول الأطراف في معاهدة حظر الألغام إن على حكومة اليمن التحقيق في مزاعم قيام الحرس الجمهوري بزرع ألغام أرضية مضادة للأفراد في أحد المواقع شمالي العاصمة صنعاء في 2011 والرد عليها والتعامل معها. على اليمن اتخاذ إجراءات فورية لمساعدة اليمنيين المتضررين من الألغام المزروعة مؤخراً وتطهير المناطق الملوثة بالألغام، على حد قول هيومن رايتس ووتش.

تشير شهادات الشهود التي جمعتها هيومن رايتس ووتش، والأدلة التي جمعتها منظمات حقوق إنسان محلية، وأدلة إضافية جمعها صحفي دولي، إلى أن قوات الحرس الجمهوري التابعة للحكومة السابقة زرعت ألغاماً أرضية مضادة للأفراد في 2011 حول معسكراتها في منطقة بني جرموز بالقرب من صنعاء. قال قادة المجتمع المحلي لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الحرس الجمهوري قاومت عمليات إزالة هذه الذخائر المحظورة على الرغم من تسبب الألغام في 15 إصابة مدنية على الأقل، بينها 9 أطفال.

قال ستيف غوس، مدير قسم الأسلحة وحقوق الإنسان في هيومن رايتس ووتش: "يبدو أن هذا هو أخطر انتهاك لمعاهدة حظر الألغام طيلة أعوام وجودها الـ13، والمرة الأولى التي تقوم فيها القوات المسلحة لإحدى الدول الأعضاء باستخدام الألغام المضادة للأفراد. إن نزاهة المعاهدة على المحك، وعلى اليمن التحقيق ومحاسبة المسؤولين".

قال قادة المجتمع المحلي لـ هيومن رايتس ووتش إن الحرس الجمهوري رفض مؤخراً استقبال مجموعة أرسلتها الحكومة لتطهير المناطق الملوثة. يجري حالياً تفكيك الحرس الجمهوري كجزء من مبادرة إعادة الهيكلة العسكرية التي يجريها الرئيس عبد ربه منصور هادي، في أعقاب مرسوم رئاسي بحل الوحدة في ديسمبر/كانون الأول 2012.

وقع تلغيم المناطق المحيطة بالمعسكرات العسكرية في سياق الاحتجاجات الجماهيرية في يناير/كانون الثاني 2011، التي تصاعدت إلى مصادمات مسلحة بين القوات الحكومية ومقاتلي المعارضة في أنحاء البلاد في مايو/أيار. توقفت الأعمال العدائية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، حين وقّع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وسط ضغط محلي ودولي متصاعد عليه حتى يترك منصبه، على اتفاق لنقل السلطة إلى نائبه هادي. في المقابل، منح الاتفاق حصانة تامة من الملاحقة القضائية لصالح وأعضاء حكومته.

اليمن طرف في اتفاقية عام 1997 التي تحظر الألغام المضادة للأفراد. وقد تعهد اليمن، كسائر الدول الأطراف، بألا يستخدم الألغام المضادة للأفراد تحت أي ظروف، وبأن يمنع ويوقف أية أنشطة محظورة، مثل تخزين الألغام الأرضية أو اقتنائها. لم يسبق ظهور أية حالة مؤكدة لقيام القوات المسلحة لدولة طرف في اتفاقية حظر الألغام باستخدام الألغام المضادة للأفراد.

في رسالة إلى وزير الدفاع بتاريخ 21 مايو/أيار 2013، دعت هيومن رايتس ووتش حكومة اليمن إلى إجراء تحقيق فوري في نشر الألغام المضادة للأفراد في منطقة بني جرموز، للتحقق من موعد نشر تلك الذخائر المحظورة ومِن هوية مَن نشرها وبأية سلطة، ومن أنواع الذخائر المستخدمة ومدى انتشارها. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة تحديد هوية المسؤولين عن نشر الألغام المضادة للأفراد وملاحقتهم قضائياً، اتفاقاً مع الإجراءات التي اتخذها اليمن لتنفيذ اتفاقية حظر الألغام.

قال ستيف غوس: "يتعين على اليمن القيام بتوكيد علني لالتزامه بإنفاذ جميع جوانب اتفاقية حظر الألغام، بما فيها حظر استخدام تلك الألغام المميتة. كما يتعين على اليمن أيضاً متابعة التزاماته بتطهير بني جرموز من الألغام ومساعدة ضحاياها".

لتفاصيل عن الخسائر البشرية، والأدلة على استخدام الألغام، والالتزامات التعاهدية، يرجى متابعة القراءة أدناه.

الخسائر المدنية
في أبريل/نيسان 2012 أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلة مع مسعف يدعى إبراهيم عبد الله حسين حطروم، كان عمره في ذلك الوقت 21 عاماً، فقد ساقه من تحت الركبة في حادث بشع بأحد حقول الألغام في منطقة بني جرموز أمام معسكر لواء الحرس الجمهوري رقم 63، على الطريق الرئيسي من بيت دهرة إلى صنعاء، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2011. جرح خمسة أشخاص على الأقل في ذلك الحادث.

قال حطروم إن ثلاثة رجال كانوا يسيرون قرب المعسكر حين أطلق الحرس الجمهوري النار على أحدهم. هرع عنصران من عناصر فريق طبي عبر حقل الألغام لمساعدة الرجل الجريح، فوطأوا ألغاماً أرضية. قام المسعفان الجريحان باستدعاء النجدة فاستجاب لهم أربعة رجال من بينهم حطروم. قال حطروم "لكننا وطأنا ألغاماً أرضية وجرح ثلاثة منا"، مضيفاً أنه هو وعضو آخر في الفريق فقدا أطرافاً.

قال حطروم، "ثم حضر فريق ثالث للمساعدة ـ مجرد مارة رأونا نجلس في دمائنا". وقال إنه يعتقد أن رجلين من الفريق الثالث فقدا أجزاء من الساقين بدورهما. وقال، "لقد جرح الكثيرون. لا يمكنني مواصلة حياتي على نحو طبيعي".

في 19 أبريل/نيسان قامت هيومن رايتس ووتش بزيارة بني جرموز مع "حقوق اليمن"، وهي منظمة غير حكومية وطنية سجلت 15 إصابة مدنية محلية جراء الألغام الأرضية في بني جرموز منذ أواخر 2011. وثقت هيومن رايتس ووتش 4 حالات أخرى لضحايا الألغام المضادة للأفراد وحالة واحدة تتضمن استخدام لغم مضاد للمركبات. علاوة على هذا فقد التقت هيومن رايتس ووتش بطفلين تعرضا لإصابات، حسب تقرير صحفي محلي، حين كانا يرعيان الأغنام في الحقول.

قال السكان المحليون وكافة ضحايا الألغام الذين أجرت هيومن رايتس ووتش معهم المقابلات في أبريل/نيسان إنهم علموا بتلوث أراضيهم الزراعية بالألغام للمرة الأولى في حوالي سبتمبر/أيلول 2011. في 2 سبتمبر/أيلول، قتل عبد الحميد واصل علي واصل، وهو صبي في الرابعة عشرة من قرية بيت العوسري، عند ارتطام المركبة التي كان يستقلها بلغم أرضي مضاد للمركبات.

وكان آخر الضحايا الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات هو فواز محسن صالح حصن، وهو صبي في التاسعة من قرية الخبشة. قال فواز إنه كان يرعى أغنام عائلته في 12 أبريل/نيسان حين فر أحد رؤوس الغنم إلى منطقة ملغومة كان يعرف بخطورتها. حاول فواز استعادة رأس الغنم لكنه وطأ لغماً، وانفجر اللغم فطرحه أرضاً وبتر ساقه اليسرى. قالت عائلته إن بعض الجنود القريبين شهدوا الانفجار لكن الخوف على ما يبدو منعهم من دخول المنطقة، فقام قروي محلي بإنقاذ الصبي وأخذه إلى أقرب منشأة طبية للعلاج.

تسببت الألغام أيضاً في إصابة عضوين آخرين من عائلة فواز، بينهما عبد الله محمد الذي أصيب في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 بينما كان يحاول رفع الألغام.

في 2 مايو/أيار نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالة بقلم صحفي مستقل هو جو شيفر، توثق خسائر جديدة جراء الألغام الأرضية من منطقة بني جرموز. قال له السكان المحليون إنهم شهدوا الألغام أثناء زرعها في 2011 على أيدي جنود يرتدون أزياء الحرس الجمهوري.

الأدلة على استخدام الألغام المضادة للأفراد
قال عبد الله محمد، المصاب في حادث 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان في أواخر سبتمبر/أيلول أو مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2011 قد استخدم منظاراً مقرباً لمراقبة ما بين 10 و15 جندياً يرتدون أزياء الحرس الجمهوري وهم يزرعون الألغام في واد أو حوض نهري قريب. وبما أن أطفال القرية كانوا يلعبون في المنطقة فقد دخل إليها لاحقاً مع ثلاثة من أصدقائه وحاولوا اكتشاف الألغام باستخدام العصي.

في اجتماع بتاريخ 21 يونيو/حزيران 2012 بين ممثلي المجتمع المحلي ولجنة من ممثلي وزارتي الدفاع والداخلية، بشأن هدنة لإنهاء القتال المحلي، أفادت تقارير بأن قائد اللواء 63 التابع للحرس الجمهوري، أحمد الجاكي، صرح بأن قواته زرعت 8000 لغماً أرضياً حول المعسكر كما وضعت الألغام على الجروف المجاورة لجبل الصمع القريب. نشرت "حقوق اليمن" تقريراً يحتوي على هذا الاعتراف على الإنترنت بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2013.

وقعت كافة حوادث الألغام الأرضية التي نتجت عنها خسائر مدنية في محيط معسكرات عسكرية أقامها لواءا الحرس الجمهوري 63 و81 في بني جرموز في نحو 26 يوليو/تموز 2011 ولم تزل قائمة في أماكنها. لم يكن هناك نشاط عسكري آخر في المنطقة يمكن أن يفسر وجود هذه الذخائر.

من الأوصاف والرسوم التي قام سكان محليون بإمداد هيومن رايتس ووتش بها، يتضح أن الذخائر التي تعرض لها السكان المحليون تشمل ألغام "بي إم إن" المضادة للأفراد سوفييتية الصنع. علاوة على هذا فإن الصور الفوتوغرافية التي عرضها صحفي دولي على هيومن رايتس ووتش للألغام المرفوعة من الأرض في بني جرموز تدل على العثور على أنواع أخرى من الألغام، بما فيها ألغام "بي إم دي-6" المضادة للأفراد سوفييتية الصنع، وألغام "غياتا-64" المضادة للأفراد مجرية الصنع.

في أبريل/نيسان 2002، رفع اليمن تقريراً إلى الأمين العام للأمم المتحدة يفيد بأنه استكمل تدمير مخزونه من الألغام المضادة للأفراد كما تشترط اتفاقية حظر الألغام. والأدلة على استخدام الألغام حديثاً توحي إما بأن هذا التطمين للأمين العام للأمم المتحدة لم يكن صحيحاً أو أن القوات اليمنية حصلت منذ ذلك الحين على مورد جديد للألغام المضادة للأفراد، في انتهاك للاتفاقية على ما يبدو. طلبت هيومن رايتس ووتش من حكومة اليمن الكشف عن مصدر الألغام المضادة للأفراد المزروعة في منطقة بني جرموز، وتوضيح ما إذا كانت قد جاءت من مخزون يمني لم يسبق الكشف عنه أو من مصدر أو مصادر أجنبية، وجمع وتدمير أي مخزون متبقي على الفور كما تشترط الاتفاقية.

قال عدة سكان محليون وصحفي ومدافعون يمنيون عن حقوق الإنسان لـ هيومن رايتس ووتش إن وزارة الدفاع شكلت لجنة لرفع الألغام منذ عدة أشهر. قال السكان المحليون إنهم شاهدوا أعضاء هذه اللجنة يصلون على مجموعتين بالحافلة، أمام معسكري الحرس الجمهوري منذ ثلاثة أشهر تقريباً، لكن أياً من المجموعتين لم تحصل على إذن برفع الألغام.

قال رجل محلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان قريباً من مدخل معسكر اللواء رقم 63 عند وصول الحافلة، وإنه سمع قائد المعسكر، الذي منع الحافلة من الدخول، يقول لركابها: "الغرض من الألغام هو حماية المعسكر. لا يمكنكم إزالتها وإذا حاولتم فسوف ترون ما سيحدث".

أثناء زيارتها، قامت هيومن رايتس ووتش بتفقد منطقة صخرية على مسيرة 4 دقائق بالسيارة من القرية، أحاطها الأهالى بحلقة من الحجارة الصغيرة لتبيان احتوائها على ألغام والتحذير من دخولها. تمثل الحجارة العلامة الوحيدة على هذه المنطقة شديدة الخطورة. لم يكن هناك سور أو لافتات تحذيرية. اشتكى السكان المحليون من أن نشر الألغام المضادة للأفراد قد حرمهم من الوصول إلى أراض زراعية ومحاجر، ومنعهم من إصلاح أنابيب مياه الري التي تمتد عبر مناطق صارت خطيرة بفعل الألغام.

الالتزامات المفروضة بموجب اتفاقية حظر الألغام
بعد المشاركة في عملية أوتاوا لحظر الألغام الأرضية، وقع اليمن على اتفاقية حظر الألغام في 4 ديسمبر/كانون الأول 1997، وصار دولة طرف في الأول من مارس/آذار 1999 حين دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ. انضمت 161 دولة طرف إلى اتفاقية حظر الألغام التي تفرض حظراً شاملاً على الألغام الأرضية المضادة للأفراد وتلزم برفعها ومساعدة الضحايا.

على حكومة اليمن أن تقوم على الفور بوضع علامات وضرب نطاق عازل حول المناطق التي تم نشر الألغام المضادة للأفراد وما شابهها من ذخائر بها، لتقليل خطر المزيد من الخسائر وسط السكان المحليين. كما يتعين على الحكومة الشروع على وجه السرعة في برنامج لرفع الألغام لإزالة وتدمير الذخائر في محيط معسكرات الحرس الجمهوري وأية مناطق أخرى تم نشر الألغام المضادة للأفراد بها.

كما يجب تقديم التعويض والمساعدة والدعم المناسب لمن أصيبوا جراء نشر تلك الألغام ولعائلات المصابين أو القتلى، وكذلك غيرهم من ضحايا الألغام الأرضية في اليمن. وينبغي أن تشمل المساعدة الرعاية الطبية والأطراف الصناعية حيثما لزمت، وإعادة التأهيل المستمرة إذا نشأت الحاجة إليها.

في 13 أبريل/نيسان كاتبت هيومن رايتس ووتش الرئيس هادي بشأن حادث في 4 مارس/آذار 2012 في حي الحصبة بصنعاء، تعرض فيه صبي في العاشرة لجروح خطيرة بفعل لغم أرضي مضاد للأفراد. في تلك الحالة لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد ما إذا كان اللغم الذي سبب إصابة الصبي قد زرعته القوات الحكومية أم مقاتلي قبيلة الأحمر، لكنها دعت الحكومة للتحقيق وضمان امتثال القوات الحكومية التام لالتزامات اليمن كدولة طرف في اتفاقية حظر الألغام. لم تتلق هيومن رايتس ووتش رداً على تلك الرسالة.

بصفة عامة كان تنفيذ اتفاقية حظر الألغام ممتازاً، ولم يتم اللجوء رسمياً إلى إثارة أحكام الامتثال في الاتفاقية ـ الواردة في المادة 8 ـ لاستيضاح أية مسألة تتعلق بالامتثال. في السنوات الأخيرة قامت سوريا وبورما وإسرائيل وليبيا، التي لم تنضم أي منها إلى اتفاقية حظر الألغام، باستخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد، إضافة إلى عدد صغير من الجماعات المتمردة.

هيومن رايتس ووتش عضو مؤسس في الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية، التي حصلت في 1997 على جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع منسقتها جودي ويليامز، على جهودها في التوصل إلى اتفاقية حظر الألغام ومساهماتها في دبلوماسية دولية جديدة تقوم على الدوافع الإنسانية.