بطل الملاكمة سيدي زكريا المومني

الصورة من عائلة المومني

(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه ينبغي للسلطات المغربية أن تُفرج عن أو تمنح محاكمة جديدة وعادلة لـ سيدي زكريا المومني، وهو بطل ملاكمة. وأدانت محكمة الاستئناف في الرباط المومني بتهمة النصب في يناير/كانون الثاني 2011 بعد جلسات المحاكمة التي لم تُوفر له أية فرصة لمواجهة متهميه واستخدمت اعترافا انتُزع منه بالإكراه عبر التعذيب، حسب الزعم.

أدين المومني، 31 عاما، بتهمة أخذ مال من مغربيين اثنين مقابل ضمان عمل لهما في أوروبا فلم يفِ بوعده. وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذه القضية رمز لنظام العدالة الذي لا يضمن محاكمات عادلة في القضايا الحساسة سياسيا، على الرغم من تعهدات الملك محمد السادس بتعزيز استقلال القضاء.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "مهما كان أساس المُتابعة، فإن زكريا المومني لم يحصل على محاكمة عادلة. لا ينبغي للقضاة أن يرموا الناس في السجن فقط على أساس شهود لا يمكن مواجهتهم واعترافات مشكوك فيها".

وأعلن الملك محمد السادس في خطاب إلى  الشعب المغربي في 20 أغسطس/آب 2009، عن "الإصلاح الشامل والعميق للقضاء" من أجل "توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف، باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق" وتحدث عن "تخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ".

احتجزت السلطات المومني لدى وصوله من باريس يوم 27 سبتمبر/أيلول 2010 وأبقته رهن الاعتقال منذ ذلك الحين. ويقول المومني، الذي يعيش قرب باريس مع زوجته الفرنسية، إن الشرطة وضعته رهن الحراسة النظرية (الاعتقال السابق للمحاكمة) لمدة ثلاثة أيام دون إبلاغ أسرته، وضربوه وأساءوا معاملته لكي يُوقع "اعترافا" منعوه من قراءته.

أنكر المومني الاعتراف أمام وكيل الملك وقاضي المحكمة، وقال إنه تعرض للتعذيب، كما هو مُشار إليه في نص حكم المحكمة. ومع ذلك، أدانته المحكمة على أساس اعترافه المشكوك فيه وشكاوى متهميه، اللذين لم يمثلا أمام المحكمة للإدلاء بشهادتهما ويقول المومني إنه لا يعرفهما ولم يسبق له أن التقى بهما.

ويدعي المومني أن الدافع وراء هذه المتابعة هي جهوده المستمرة والعلنية لإقناع القصر الملكي بأنه يحق له الحصول على وظيفة حكومية بموجب مرسوم (ظهير) ملكي ينص على منافع للرياضيين المغاربة الذين فازوا بألقاب دولية.

وفاز المومني ببطولة العالم في ملاكمة "لايت كونتاكت" عام 1999. واتصل مرارا وتكرارا بالسلطات المغربية، بما في ذلك القصر، على مر السنين للمطالبة بوظيفة في وزارة الشباب والرياضة التي يعتقد أنه يستحقها باعتباره فائزا بلقب بطل العالم، وذلك بموجب المرسوم الملكي (الظهير) رقم 66-1194، المؤرخ في 9 مارس/آذار 1967، ومُذكرة صادرة بعد ذلك بشأن تطبيقه. ويقول إنه استقبل عام 2006 على مستوى رفيع في الديوان الملكي، ولكن في النهاية تم رفض مساعيه للحصول على وظيفة. ومنذ ذلك الحين بذل جهودا مختلفة لإعادة الاتصال بالقصر، بما في ذلك الاقتراب من إقامات محمد السادس في فرنسا أكثر من مرة كلما علم أنه يزورها -- ويعتقد أن ذلك كان هو دافع الحكومة لمُتابعته جنائيا.

في 25 يناير/كانون الثاني 2010، حاول المومني تقديم طلبه للملك ومُحيطه من خلال اقترابه من قصر في ملكية الملك في بيتز، على بُعد 65 كم شمال شرق باريس، طالبا استقباله. وأبعده الحراس. إلا أن الحراس قاموابإبعاده.

وقد صرح المومني كثيرا بتظلمه لوسائل الإعلام المغربية والدولية. على سبيل المثال، بثت قناة الجزيرة التلفزيونية قضيته في عام 2006، وأظهرت المومني وهو ينتقد وزارة الشباب والرياضة والجامعة الملكية لملاكمة "اللايت كونتاكت" من أجل الحيلولة دون وصوله إلى وظيفة مدفوعة الأجر. وروى مقال في موقع أخبار باللغة الفرنسية Bakchich.info بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2010، جهود المومني غير المثمرة للاتصال بالقصر. وغطت أسبوعية الأيام المغربية مظالم المومني بالتفصيل في عددها الصادر في 8 يوليو/تموز 2010، بما في ذلك رفضه المزعوم من قبل القصر.

اعتقال المومني ومحاكمته

ولم يسبق لـ المومني أن أدين سابقا في أية جريمة، سواء في المغرب أو فرنسا، وفقا للسجلات العدلية من كلا البلدين، وكانت زوجته قد قامت بتوفيرهما.

في 26 يناير/كانون الثاني 2010 أو نحوه -- التاريخ غير مقروء في التقرير في ملف القضية - قدم إدريس السعيدي ومصطفى واشكاط، اللذين قالا إنهما يقيمان في مدينة الرشيدية، شكاية لوكيل الملك في الرباط، يقولان فيها إنهما اجتمعا في 22 يناير/كانون الثاني، في مقهى بالرباط، مع المومني الذي أخذ مبلغ 14000 درهم (1820 دولار) من كل واحد منهما في مقابل وعد بالحصول على عمل لهما في أوروبا. وقالا إنهما، مع ذلك، لم يتمكنا من الوصول إليه بعد ذلك.

وقال المومني لـ هيومن رايتس ووتش إن شرطة مطار الرباط أوقفته في 12 فبراير/شباط، لدى عودته الى البلاد، وقالوا له إن هناك مُذكرة في شأنه مُرتبطة بمسه بـ "المقدسات"، وهو مصطلح غالبا ما يُستخدم للإشارة إلى الملكية وشخص الملك. أفرج عنه بعد التحقيق معه لفترة وجيزة، لكنهم أوقفوه لاستجوابه مرة أخرى عند مُغادرته البلاد ثلاثة أيام بعد ذلك. وقال المومني إنهم لم يستجوبوه بشأن شكاية حول النصب. وقال إنهم تركوه يذهب، وقالوا له بأنهم سيحاولون إنهاء هذه المسألة لكن ليست هناك ضمانات.

ولم يسمع شيئا حتى 27 سبتمبر/أيلول. قال المومني إنه هاتف عائلته حينما هبطت طائرته القادمة من باريس في مطار الرباط-سلا في ذلك اليوم، ليُخبرهم أنه وصل. ولكن شرطيا في مراقبة جوازات السفر طلب منه مرافقته إلى أحد المكاتب. اتصل المومني بقريب له ليقول له إنه يتوقع أن يتأخر قليلا قبل مغادرة المطار. بدلا من ذلك، قام أربعة رجال يرتدون ثياباً مدنية بتفتيشه وتقييد يديه ثم اصطحبوه إلى سيارة في الخارج.

ولما لم يخرج المومني من مراقبة جوازات السفر، سألت خالته، التي كانت في انتظاره، سلطات المطار عنه وقيل لها إنه لم يكن في لائحة الركاب. واتصلت زوجة المومني، تالين المومني، في فرنسا، بسلطات مطار باريس  التي أكدت أنه كان على متن الطائرة. فاتصلت بمطار الرباط-سلا بعد ذلك، وقيل لها إنه لم يصل أي راكب باسم زكريا المومني في تلك الرحلة. وقالت لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة في المطار قالوا لها بأنه لم يتم اعتقال أي شخص يحمل هذا الاسم.

ولم تتمكن عائلة المومني من الحصول على أية معلومات عن مكان وجوده لمدة ثلاثة أيام. وفي يوم 30 سبتمبر/أيلول، اتصل المومني لإبلاغهم أنه قد تمت مُحاكمته للتو وأنه في سجن سلا في انتظار الحكم.

الاحتجاز السري ومزاعم بالتعذيب واعتراف تحت الاكراه

وقال المومني لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة بعد أن اقتادته إلى سيارة خارج المطار في 27 سبتمبر/أيلول، أجلسوه في المقعد الخلفي بين اثنين من الرجال وعصبوا عينيه ووضعوا رأسه إلى أسفل. ونقلوه إلى مكان مجهول حيث وضعوا الأصفاد في قدميه وبدأوا بصفعه وإهانته. ثم أخذوه إلى غرفة، وخلعوا ملابسه وقيدوا يديه إلى كرسي في حين بقيت قدماه مُقيدة.

وقال المومني إن المحققين طلبوا منه أن يحكي لهم عن حياته. عندما اقترب من وصف اقترابه من المستشار الملكي حول المنصب الذي يعتقد أنه من حقه بموجب القانون، بدأ رجل الشرطة في صفعه وإهانته، وقال: "ينبغي لك أن تفهم". وقال إنهم صبوا عليه الماء، وأجبروه على الجلوس على ركبتيه، وفيلحظة واحدة ضربوه على قدميه. وبقي عاريا حتى اليوم التالي عندما أعادوا له سرواله وملابسه الداخلية، لكنهم لم يُعيدوا له قميصه. وظل معصوب العينين حتى نقله من مركز الاعتقال هذا إلى مركز للشرطة في 30 سبتمبر/أيلول.

وفي مخفر الشرطة، قال المومني إن  الشرطة عرضت عليه إطلاق سراحه إن هو وقع على التزام بالتوقف عن الاقتراب من إإقامة الملك. وعندما تردد في القبول، قالوا بأنهم سيطلبون منه بدلا من ذلك التوقيع على وثائق أخرى يُقر فيها بأنهم أعادوا إليه هاتفه النقال وأمتعته الشخصية. وعندما طلب قراءة تلك الوثائق، عصبوا عينيه مرة أخرى، وهددوه بإعادته إلى مركز الاستنطاق إن لم يُوقع. وقال إنه وقع سلسلة من الوثائق دون السماح له بقراءتها.

العديد من الانتهاكات التي يدعي المومني أنه تعرض لها هي من نفس صنف ممارسات المغرب ضد المشتبه بضلوعهم في الإرهاب، كما وثقت هيومن رايتس ووتش  في تقرير بتاريخ أكتوبر/تشرين الأول 2010: وتشمل هذه الممارسات الاحتجاز في مكان غير معترف به، وعدم إبلاغ الأسرة بالاحتجاز كما يقتضي القانون، والتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاستنطاق، وإجبار المتهم على التوقيع على تصريح دون قراءته.

وتُشير وثائق المحكمة لأن السلطات أحضرت المومني على المثول أمام نائب وكيل الملك، إلياس صلوب،  لدى المحكمة الابتدائية في الرباط في 30 سبتمبر/أيلول. وتلى وكيل الملك على المومني التهم الموجهة إليه واستنطقه حول التصريح الذي أدلى به للشرطة، بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول، والذي "اعترف" فيه بأنه نصب على مواطنين مغربيين عن طريق أخذ مبلغ 14000 درهم من كل واحد منهما مقابل وعد بالحصول على عمل لهما في أوروبا. ويُشير محضر الاستماع إلى أن المومني نفى التهم ضده. كما يشير المحضر أيضا إلى أن المومني تنازل عن حقه في الحصول على محام. وقع المومني هذا المحضر، وحوكم في اليوم نفسه دون محام.

وقال المومني إنه علم لأول مرة بمحتويات المحضر الذي وقعه وهو في الحجز لدى الشرطة فقط أثناء مُثوله أمام نائب وكيل الملك.

وقال المومني لـ هيومن رايتس ووتش إن المحاكمة في وقت لاحق من ذلك اليوم كانت قصيرة جدا. وقال إن رئيس الجلسة، القاضي محمد يمودي، سأله أسئلة روتينية، مثل ما إذا كان يعرف المشتكين. فأجاب أنه لا يعرفهما وأنه لم يسمع باسميهما من قبل. كما طلب من القاضي السماح له بالاتصال بعائلته أو محاميه. وأنهى القاضي المحاكمة دون استدعاء أي شهود.

في 4 أكتوبر/تشرين الأول، وجدت المحكمة المومني مُتهما بالنصب على الآخرين، بموجب المادة 540 من القانون الجنائي، وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات نافذة.

وقال المومني لـ هيومن رايتس ووتش إنه أخبر وكيل الملك عن التعذيب وسوء المعاملة الذي يقول إنه عانى منهما أثناء احتجازه لدى الشرطة، والذي لا يُشير إليه محضر الاستماع. وقال المومني إنه شرح بالتفصيل لوكيل الملك ثم لقاضي المحكمة ما عاناه، وأظهر لكل منهما الجروح في ساقيه وقال إنها كانت نتيجة الضرب من طرف الشرطة. وقال الجامعي، محامي الدفاع، لـ هيومن رايتس ووتش، إنه زار المومني في السجن لأول مرة في 1 أكتوبر/تشرين الأول - يوما بعد محاكمته - ولاحظ وجود كدمات وجروح على إحدى ساقيه. وقال أيضا إن المومني شكا له من ألم في ذراعيه بسبب تكبيل يديه طيلة ثلاثة أيام.

وعلى حد علم هيومن رايتس ووتش، فإن المحكمة لم تُحقق في ادعاء المومني بالتعذيب وسوء المعاملة. ويتضمن ملف القضية شكاية مُشتركة لدى وكيل الملك، مؤرخة في 29 سبتمبر/أيلول 2010، من طرف  المُحامي عبد الصمد راجي صنهاجي، نيابة عن المُشتكيين يُؤكدان فيها اتهاماتهما. لكن المحكمة لم تستدعهما للادلاء بشهادتهما أمام المُتهم في اليوم التالي، وأصدرت حكمها دون الاستماع إليهما.

وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول، استأنف الجامعي الحكم. كما أنه قدم التماسا للمحكمة لاستدعاء المُشتكيين. وكلف عونا قضائيا بتسليم الاستدعاء للمشتكيين. وبحث العون القضائي عن أحد المشتكيين وحرر تقريرا قال فيه إنه لا يمكن العثور على المُشتكي في العنوان الذي قدمه. وقال الجامعي إن محكمة الاستئناف أجلت المحاكمة مرتين بسبب عدم حضور المشتكيين.

ونظرا لشكه في تصريحات المشتكيين، طلب الجامعي أيضا من المحكمة استدعاء ضابط الشرطة الذي ورد أنه أخذ تصريحاتهما في 29 سبتمبر/أيلول.

وفي نهاية المطاف عقدت محكمة الاستئناف جلسة واحدة يوم 13 يناير/كانون الثاني، ولم تستدع خلالها المُشتكيين أو ضابط الشرطة الذي تولى شكايتهما. وكما هو الحال في المحاكمة الابتدائية، لم يحضر المحامي المعين من قبل المشتكيين في شكايتهما. ولم يتضح بعد لماذا لم يمثل أبدا المشتكيان، اللذان يفترض أن يطالبا باستعادة الأموال التي يُفترض أن المومني حصل عليها عن طريق النصب، لعرض قضيتهما ضده.

وأكدت المحكمة، برئاسة القاضي الهاشمي السليماني، الإدانة، لكنها خفضت عقوبة المومني إلى سنتين ونصف السنة. ويُشير نص حكم المحكمة إلى تصريحات المدعى عليه بأنه لا يعرف متهميه، وأنه لم يأخذ أية أموال منهما، وأنه تعرض للتعذيب أثناء الاعتقال. ويشير أيضا إلى أن الدفاع طلب مثول الشرطي كشاهد. لكنه مع ذلك استند حكمها على "اعتراف" المومني للشرطة، الذي اعتبرته ذا مصداقية.

ويقضي المومني عقوبته في سجن الرماني، على بعد ساعتين بالسيارة من الرباط.

وسبق للمغرب أن حاكم في محاكمة غير عادلة شخصا آخر خاطب القصر بطريقة نقدية حيث أدين الكولونيل المتقاعد قدور طرزاز بـ "كشف أسرار الدفاع الوطني" في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، بعد أن كتب رسالة إلى الملك ينتقد فيها معاملة الدولة للجنود المغاربة الذين عادوا إلى الوطن بعد احتجازهم كأسرى حرب في المخيمات التي تديرها البوليساريو في الجزائر.

وقالت سارة ليا ويتسن: "يبدو أنه تم سجن زكريا المومني بسبب ضغطه على ونقده العلنيين للديوان الملكي بعد محاكمات لم تستوف المعايير الدولية للمحاكمة العادلة". وأضافت: "وهذا لا يبدو وكأنه نوع من العدالة المستقلة التي تعهد الملك محمد السادس بإنشائها في عام 2009".