لبنان ينتفض

شهد لبنان مظاهرات حاشدة معارضة للحكومة منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، عندما أعلنت السلطات  عن حزمة ضرائب جديدة. تحولت المظاهرات التي عمّت أنحاء البلاد إلى تعبير عن الغضب من المؤسسة السياسية بأكملها، التي لامها المتظاهرون على الأزمة الاقتصادية الطاحنة في لبنان. لجأت قوات الأمن في بعض الأحيان إلى القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وتقاعست عن حمايتهم من عنف المتظاهرين الذين خرجوا ضدهم. تهدد الأزمة الاقتصادية والسياسات المالية غير المسؤولة قدرة الناس على تحصيل الرعاية الصحية والحصول على الغذاء، ودفعت بالكثير من العائلات إلى الفقر. وكانت المجموعات المستضعفة، ومنها اللاجئون والعاملات والعمال المهاجرون بصورة خاصة، هي الفئات الأكثر تضررا أكثر جرّاء الأزمة الاقتصادية.

عنف أمني ضد المتظاهرين

شرطة مكافحة الشغب في لبنان ضربت المتظاهرين السلميين والصحفيين بعنف واعتقلتهم خلال مظاهرات 15 يناير/كانون الثاني 2020. تجمع مئات المتظاهرين أمام "ثكنة الحلو" في بيروت في 15 يناير/كانون الثاني للمطالبة بالإفراج عن 57 متظاهرا اعتقلوا خلال الاحتجاجات في الليلة السابقة، ألقى بعضهم زجاجات المياه والمفرقعات النارية على عناصر الشرطة.

حوالي الساعة 9:15 مساء، انقضّت شرطة مكافحة الشغب التابعة لـ "قوى الأمن الداخلي" على الحشود، مطلقةً كميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع ضدهم، وضربت بعضهم بشدة واعتقلت بعنف 55 شخصا على الأقل. ضربت أيضا حوالي ثمانية إعلاميين كانوا يغطون الاحتجاجات واحتجزت ثلاثة منهم لفترة وجيزة.

قوات مكافحة الشغب تعتقل متظاهرا أمام "ثكنة الحلو" في بيروت، لبنان، 15 يناير/كانون الثاني 2020. 

© 2020 أسوشيتد برس/حسين الملا

غرّدت وزيرة الداخلية ريّا الحسن إدانتها للاعتداءات على الصحفيين وقالت إن إجراءات المساءلة جارية بالفعل. قالت إنه لا تبرير للهجمات، لكن كانت شرطة مكافحة الشغب تعاني من تعب بعدما كانت في حالة استنفار مدة ثلاثة أشهر. أصدر مدير عام قوى الأمن الداخلي اعتذارا للصحفيين "لما حدث لهم أثناء تغطيتهم لاحتجاجات يوم الأربعاء".

قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "مستوى العنف غير المقبول ضد المتظاهرين السلميين في 15 يناير/كانون الثاني يتطلب تحقيقا سريعا، وشفافا، ومستقلا. يشكل هجوم شرطة مكافحة الشغب الوحشي على الصحفيين الذين يؤدون عملهم انتهاكا فظيعا لالتزامات قوات الأمن بالمعايير الحقوقية".

اقرؤوا بيان هيومن رايتس ووتش الكامل.

 

اعتقال 65 شخصا في احتجاجات "مصرف لبنان"

اشتبكت شرطة مكافحة الشغب اللبنانية مع المحتجين أمام المصرف المركزي في بيروت ليل الثلاثاء. أطلقت شرطة المكافحة الغاز المسيل للدموع على المحتجين الذين ردّ بعضهم برمي الحجارة والمفرقعات. انتشرت فيديوهات تُظهر القوى الأمنية تضرب المحتجين، كما نقلت وسائل إعلام محلية أن القوى الأمنية أطلقت الرصاص الحي في الهواء.

كسّر المحتجون واجهات المصارف وآلات الصرف الآلي، مع تزايد الغضب في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية والضبط غير الرسمي لحركة الأموال (كاﭘيتال كونترول). كما أشعلوا حاويات النفايات في شارع الحمرا حيث يقع المصرف المركزي.

أعلن "الدفاع المدني" عن نقل 25 شخصا إلى المستشفيات وإسعاف 20 شخصا على الأرض خلال اشتباكات شارع الحمرا. أعلنت "قوى الأمن الداخلي" عن إصابة 47 من عناصرها.

قالت "لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين" لـ "هيومن رايتس ووتش" إن القوى الأمنية اعتقلت 65 متظاهرا خلال احتجاجات المصرف المركزي في الحمرا. واعتُقل ثلاثة محتجين في ثكنة الرملة البيضا لساعات قبل إطلاق سراحهم. خمسة محتجين ما يزالون معتقلين حتى الآن، ظهيرة يوم 15 يناير/كانون الثاني، في "فصيلة راس بيروت" (حبيش)، و57 ما يزالون معتقلين في "ثكنة الحلو".

بحسب لجنة المحامين أيضا، اعتقلت القوى الأمنية امرأتين عند جسر الرينغ في وسط بيروت. لم تُعرف  أسباب اعتقالهما. اقتيدتا إلى مخفر الجميّزة وأُطلق سراحهما لاحقا.

صدامات مع إعلان المحتجين بداية "أسبوع الغضب"

عاد المحتجون اللبنانيون اليوم، 14 يناير/كانون الثاني، إلى الشارع بأعداد كبيرة، معلنين بذلك بداية "أسبوع الغضب" للاحتجاج على المماطلة في تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلين لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية.

ملأ المتظاهرون الساحات في مختلف أرجاء البلاد ونظموا مسيرات على الطرق السريعة وقطعوا الطرقات الأساسية، وأحرقوا الدواليب وحاويات النفايات. قطع المتظاهرون طريق بيروت – طرابلس، إحدى أكثر الطرقات ازدحاما إذ تصل العاصمة بالعديد من المدن الشمالية، عند الجْدَيْدة، والزلقا، وجل الديب، وجونية، وجبيل. وقطعوا أيضا طريق بيروت – صيدا.

في بيروت، قطع المتظاهرون التقاطعات المزدحمة عند الرينغ في وسط بيروت، والمدينة الرياضية، وكورنيش المزرعة، وفرن الشباك.

نشر المحتجون فيديوهات لصدامات في عدة مناطق مع القوى الأمنية التي كانت تحاول فتح الطرقات. ويظهر في الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي استخدام الجيش اللبناني الرصاص المطاطي لتفريق المحتجين الذين قطعوا طريق البحصاص، عند مدخل طرابلس الجنوبي، هذا الصباح. لم تستطع "هيومن رايتس ووتش" التحقق من صحة الفيديو.

ونقل المحتجون أن القوى الأمنية اعتقلت متظاهرين على الأقل عند جسر الرينغ في وسط بيروت.

ينبغي التمتع بحرية التجمع السلمي، وهي حق أساسي، بدون أي قيود إلى أقصى حد ممكن. أقرّ خبير الأمم المتحدة المعني بحرية التجمع بأن "سير حركة المرور بدون عوائق يجب ألا يكون له الأسبقية تلقائيا على حرية التجمع السلمي". خلص خبيران آخران من الأمم المتحدة إلى أن "التجمعات هي استخدام شرعي على قدم المساواة للفضاء العام كالنشاط التجاري أو حركة المركبات وحركة المشاة، وبالتالي "يجب التسامح مع مستوى معين من الاضطراب في الحياة العادية الناجم عن التجمعات، بما في ذلك تعطيل حركة المرور، والإزعاج، وحتى الأذى للأنشطة التجارية، كي لا يُفرّغ [هذا] الحق من مضمونه".

تقنين حاد في الكهرباء

أجبر انقطاع الكهرباء في العديد من المناطق اللبنانية الأسبوع الماضي العديد من الأعمال على الإغلاق مؤقتا، كما أثّر على الغذاء والتدفئة. قال سكانٌ لـ "هيومن رايتس ووتش" إن التقنين عرّض صحة الأكبر سنا والأطفال سلامتهم، لأنهم الأكثر تأثرا بالبرد ويحتاجون إلى استخدام المصاعد.

لم يعرف لبنان تغذية على مدار الساعة منذ عقود. غير أن هذا الأسبوع شهد انقطاعا حادا في الكهرباء. قال بعض سكان بيروت لـ هيومن رايتس ووتش إنهم بالكاد يحصلون على ساعة من التغذية الكهربائية في اليوم.

قال مصدر من "شركة كهرباء لبنان" لـ هيومن رايتس ووتش إنه إضافة إلى الدعم المحدود من الدولة وارتفاع أسعار "الفيول"، يعود التقنين إلى التأخير في الحصول على اعتمادات الدولة لشراء الفيول والغاز، وفي الوقت نفسه منعت العاصفة الأخيرة بواخر الفيول من أن ترسو، وقطعت بعض محطات الطاقة عن الشبكة.

يعتمد العديد من اللبنانيين على اشتراكات لدى أصحاب مولدات كهرباء مقابل بدل عالٍ لسد الثغرة. لكن بعض الأسر الفقيرة لا يمكنها تحمل كلفة المولد التي قد تصل إلى 200 دولار أمريكي في الشهر.

قال موظف في محل بيع هواتف: "رجّعونا عشرات السنين إلى الوراء، إلى العيش على الشمعة".

وصلت درجات الحرارة في وقت سابق من الأسبوع إلى 10 درجات مئوية. قال شاب عاطل عن العمل: "نتجمد من البرد في الظلام في المنزل. لقد فسد كل شيء في البراد. لم يعد لدينا طعام".

قالت أرملة عمرها 72 سنة  لـ هيومن رايتس ووتش إن تقنين الكهرباء حوّل حياتها إلى "جحيم".

عليّ أن أصعد إلى شقتي على الطابق الثامن. امرأة بسنّي، عليّ الصعود ثمانية طوابق على الدرج. لا أعرف ما أقول عن هذا البلد. إنه محبط... لدي مدفئة على الغاز. ما أفعل عندما تفرغ قارورة الغاز؟ سألت البعض إن كانوا يقبلون أن يوصلوها مقابل 5 أو 10 آلاف ليرة (3.33 – 6.67 دولار أمريكي)، لكن لا يقبل أحد. عندما ينفد الغاز، أضطر إلى البقاء تحت الأغطية... أنا غاضبة جدا من داخلي. لأن كل شيء مقبول، لكن الكهرباء خط أحمر.

في 9 يناير/كانون الثاني، أعلنت شركة كهرباء لبنان أن باخرة الفيول القادمة رست وبدأت بتفريغ حمولتها، وأن المحطات التي تأثرت بالعاصفة يعاد وصلها. صرّحت وزيرة الطاقة في حكومة تصريف الأعمال أن شركة كهرباء لبنان ستؤمن التيار الكهربائي بين 16 و21 ساعة في بيروت وبين ثماني وعشر ساعات خارج بيروت حتى فبراير/شباط – أي أقل من مستوى التغذية السابق.

تظاهر محتجون أمام مقرات شركة كهرباء لبنان ومحطات الكهرباء في العديد من المناطق. في 8 يناير/كانون الثاني، تصادم الجيش مع محتجين حاولوا اقتحام "شركة كهرباء قاديشا" في الشمال. نقلت وسائل إعلام أن المحتجين رموا الحجارة على عناصر الجيش الذين ردوا بالغاز المسيل للدموع لتفريقهم.

مكتب جرائم المعلوماتية يستدعي ناشطة بارزة

في 7 يناير/كانون الثاني، حقق "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" التابع لـ "قوى الأمن الداخلي" مع الناشطة والصحفية البارزة نضال أيوب بعد أن قدم صحفي آخر دعوى ضدها. تضمنت التهم الموجهة إلى أيوب تحقير رئيس الجمهورية، والمس بالذات الإلهية، والنيل من هيبة الدولة.

قالت أيوب لـ "هيومن رايتس ووتش" إن تهم النيل من هيبة الدولة جاءت على خلفية هتافاتها المدافعة عن حقوق اللاجئين، ما أوحى للمدعي أنها تفضل اللاجئين على المواطنين اللبنانيين حسما قالت. وأضافت أن دعوتها إلى إسقاط "النظام الأبوي" عُدَّت تحقيرا للرئيس.

أيوب من أبرز وجوه الاحتجاجات، وتنتشر هتافاتها المدافعة عن حقوق المرأة، واللاجئين، والداعية إلى إنهاء التمييز.

كانت أيوب قد قدمت دعوى بحق المدعي بسبب نشره فيديو يدعي أنها عميلة أجنبية. قالت أيوب إنها تلقت تهديدات وتعرضت حياتها للخطر بسبب الفيديو. مع ذلك، لم تقم النيابة العامة بأي خطوة متعلقة بالشكوى.

وجد بحث سابق لـ هيومن رايتس ووتش أن النيابة العامة تطبّق قانون القدح والذم انتقائيا لمصلحة الجهات السياسية والدينية القوية. الانتقائية في الملاحقات تشي بأن هذه التحقيقات ليست إلا محاولة لإسكات المنتقدين البارزين والمؤثرين بدل تقديم إنصاف مستحَق حين يتم التعرض لسمعة أحد ما بدون وجه حق.

مقابلة مع نضال أيوب

هيومن رايتس ووتش تُقابِل نضال أيوب

 

المستشفيات تدق ناقوس الأزمة المالية

أعرب نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون عن قلقه إزاء عجز المستشفيات عن توفير الرعاية الصحية العاجلة وسط تقاعس الحكومة عن دفع مستحقاتها للمستشفيات. صرّح هارون لوسائل الإعلام المحلية في 5 يناير/كانون الثاني أن المستشفيات لم تتمكن من إجراء العديد من العمليات الجراحية بسبب عجزها عن دفع تكاليف اللوازم الطبية وقطع غيار المعدات الطبية. قال إن الحكومة لم تدفع للمستشفيات الخاصة "ليرة واحدة" من مستحقاتها لعام 2019. كما حذر هارون من أن المستشفيات الخاصة لن تستطيع دفع رواتب موظفيها نهاية هذا الشهر

أطباء لبنانيون يهتفون خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في وسط بيروت، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

© AFP/Getty 2019
.

تدين الحكومة للمستشفيات الخاصة بـ 1.3 مليار دولار مستحقة منذ 2011. بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني، نفذت المستشفيات الخاصة "إضرابا تحذيريا" غير مسبوق للإنذار بشأن النقص الذي تواجهه، وحث المسؤولين الحكوميين على دفع المستحقات المتأخرة

.

أصدرت هيومن رايتس ووتش بيانا صحفيا بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول يؤكد تأثير الأزمة المالية على الحق في الصحة، وتحث فيه وزارة المالية على صرف مستحقات المستشفيات بسرعة و مصرف لبنان على وضع شروطا واضحة ومتّسقة للشركات، وخاصة مستوردي السلع الحيوية، لضمان قدرتها على مواصلة عملياتها..

توتر متزايد في المصارف

تصاعد التوتر في المصارف اللبنانية وسط قيود غير رسمية على حركة الرساميل تعرف بـ "كابيتال كونترول"، تفرضها المصارف منذ سبتمبر/أيلول. في غياب أي كابيتال كونترول رسمي من المصرف المركزي، وضعت المصارف سياساتها الخاصة التي تقيّد وصول المودعين إلى الأموال في حساباتهم الجارية وقدرتهم على تحويل الأموال إلى الخارج. وضعت معظم المصارف حدود سحب لا تتعدى  200 دولار أمريكي في الأسبوع بعض الحالات.

لجأ بعض المودعين، المحبطين بسبب عجزهم عن الوصول إلى أموالهم الخاصة، إلى احتلال المصارف، الصراخ في وجه موظفي المصرف، وفي بعض الأحيان التهديد بالعنف. يظهر مقطع فيديو رجلا يرفع فأسا في مصرف في عكار ويصرخ على موظفيه الذين يرفضون إعطاءه ماله. يُظهر فيديو آخر رجلين يضرمان النار بأحد المصارف.

قوات الأمن، المنتشرة لحماية المصارف وموظفيها منذ نوفمبر/تشرين الثاني، اشتبكت مع المودعين في عدة مناسبات. بتاريخ 4 يناير/كانون الثاني، رفض المتظاهرون في أحد المصارف في منطقة عكار الشمالية المغادرة حتى يسحبوا أموالهم. تُظهر مقاطع الفيديو تصادم قوات الأمن مع المتظاهرين خارج المصرف. ذكر صحفيون لبنانيون أن المصادمات استمرت عدة ساعات حتى أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على الفرع لإخراج المحتجين.