VIII . الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
حملت ليبيا على امتداد العقود المنصرمة إرثاً ثقيلاً من ممارسات انتهاك حقوق الإنسان.[119] ولقد سعى غالبية من استهدفهم النظام الليبي من المنشقين عليه للحصول على حق اللجوء خارج البلاد، وعلى الرغم من هذا فلا يزال العديد منهم في طي الخفاء. وحتى الآن لم تشرع الحكومة الليبية في التعاطي مع مسألة الانتهاكات التي وقعت في الماضي سواء بالتحقيق أو بالملاحقة القانونية. وتعد واحدة من أشد حوادث الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان خطورة، والتي صارت رمزاً لتلك الانتهاكات في ليبياً، تلك التي وقعت في عام 1996، حيث قتل نحو 1200 من السجناء داخل سجن بوسليم بصورة جماعية.
أعمال القتل في سجن بوسليم عام 1996
تم في سجن بوسليم قتل ما يقدر بـ 1200 من السجناء، وذلك يومي 28 و29 يونيو/حزيران من عام 1996. ولقد ورد هذا الرقم بصورة علنية للمرة الأولى على لسان حسين الشافعي، وهو أحد السجناء السابقين، وكان يعمل بالمطبخ في سجن بوسليم. وقد قام بحساب هذا الرقم بناء على إحصائه لعدد الوجبات التي قام بإعدادها قبل هذا الحادث ومن ثم في أعقابه.[120] هذا الرقم أكده أيضاً أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان 2009،[121] كما أكده بيان صحفي صدر عن مؤسسة القذافي في 10 أغسطس/آب 2009 حدد عدد القتلى بـ 1167 شخصاً.[122]
ولقد قامت هيومن رايتس ووتش في يونيو/حزيران 2004 ومجدداً في يونيو/حزيران 2006 بمقابلة حسين الشافعي، السجين السابق ببوسليم، والمتواجد حالياً بالولايات المتحدة، والذي يدعي أنه شهد عمليات القتل. وفي حين أن المنظمة لم تتمكن من التحقق من دعاواه بشكل مستقل، إلا أن تلك الدعاوى تتفق في العديد من التفاصيل مع الروايات التي أدلى بها سجناء سابقون آخرون.
وطبقاً لما أدلى به الشافعي، فلقد بدأ الحادث في حوالي الساعة 4:40 من بعد ظهر يوم 28 يونيو/حزيران، عندما قام السجناء بالمبنى رقم 4 باحتجاز أحد الحراس واسمه عمر، كان مكلفاً بتقديم الطعام لهم. في حين فر المئات من السجناء من زنازينهم بالمباني 3، 5، 6 وقد تملكهم الغضب بسبب تقييد الزيارات الأسرية لهم فضلاً عن رداءة أحوال إعاشتهم التي ازدادت سوءاً عقب فرار بعض السجناء في العام السابق. وفي مقابلته مع هيومن رايتس ووتش قال الشافعي:
بعد خمس أو سبع دقائق من بداية الأحداث، شرع الحراس في إطلاق النار من فوق الأسطح صوب السجناء – لقد أطلقوا النار على السجناء الذين كانوا في المناطق المكشوفة، وكان هناك 16 أو 17 من الجرحى بسبب الأعيرة النارية. و كان محمود المسيري أول من قضى نحبه. وقد أخذ السجناء اثنين من الحراس كرهائن.
ومضي الشافعي قائلاً أنه بعد ذلك بنصف ساعة حضر اثنين من مسؤولي الأمن رفيعي المستوى هما عبد الله السنوسي، المتزوج من شقيقة زوجة القذافي، ونصر المبروك، في سيارة من نوع "أودي" ذات لون أخضر داكن تصحبهم فرقة من أفراد الأمن. ثم أصدر السنوسي أمراًَ بوقف إطلاق النار مطالباً السجناء بتعيين أربعة ممثلين عنهم لإجراء المفاوضات، فاختار السجناء كل من محمد الجويلي، ومحمد غلايو، ومفتاح الداودي، ومحمد بوسدره.
وطبقاً لما أدلى به الشافعي، الذي قال بأنه راقب المفاوضات وتنصت عليها من المطبخ، فقد طلب السجناء من السنوسي توفير ملابس نظيفة، والتريض خارج الزنازين، ورعاية طبية أفضل، والسماح للأسر بالزيارة، والحق في نظر قضاياهم أمام المحاكم؛ إذ أن العديد من السجناء كانوا قد أودعوا السجن بلا محاكمة، فأجاب السنوسي بأنه سينظر في الظروف الصحية إلا أنه يتعين على السجناء العودة إلى زنازينهم وإطلاق سراح الرهينتين. فوافق السجناء وقاموا بإطلاق سراح واحد من الحراس واسمه عطية، إلا أن الحارس عمر كان قد فارق الحياة.
قام أفراد الأمن برفع جثث أولئك الذين قتلوا، وإرسال الجرحى للرعاية الطبية، في حين استقل حوالي 120من السجناء ثلاثة من الحافلات فيما بدا ظاهرياً أنه بغرض نقلهم للمستشفى. وطبقاً لما أدلى به الشافعي فإن الحافلات قد أقلت السجناء إلى المنطقة الخلفية من السجن.
وفي حوالي الساعة الخامسة من صباح يوم 29 يونيو/حزيران قام أفراد قوات الأمن بإجراء حركة تنقلات لبعض من السجناء فيما بين القسمين المدني والعسكري من السجن. وعند الساعة التاسعة صباحاً كانوا قد دفعوا بمئات من السجناء قسراً من المباني 1، 3، 4، 5، 6 إلي أفنية مختلفة، وقاموا بنقل السجناء الأقل خطورة أمنياً في المبنى 2 إلى القسم العسكري، بينما أبقوا على سجناء المبنيين 7 و8 من نزلاء الزنازين الانفرادية في الداخل. وقد روى الشافعي، الذي تواجد خلف مبنى الإدارة مع آخرين من العاملين بالمطبخ، لـ هيومن رايتس ووتش، ما حدث بعد ذلك قائلاً:
في الساعة الحادية عشر ألقيت قنبلة داخل أحد الأفنية، لم أر من ألقى بها إلا أنني على يقين من من كونها قنبلة. فقد سمعت انفجاراً أعقبه مباشرة إطلاق مستمر للنيران من أسلحة ثقيلة وبنادق كلاشنيكوف من على قمم الأسطح. وتواصل إطلاق النيران من الساعة 11:00 وحتى الساعة 1:35.
واستطرد قائلاً:
لم أتمكن من رؤية القتلى من السجناء الذي أطلقت عليهم النيران، غير أنه أمكنني رؤية أولئك الذين كانوا يطلقونها. لقد كانوا من وحدة خاصة وكانوا يعتمرون قبعات عسكرية ذات لون كاكي. ستة منهم كانوا يستخدمون الكلاشنيكوف.
لقد رأيتهم – ستة رجال على الأقل – فوق أسطح مباني الزنازين. كانوت يرتدون زياً ذا لون كاكي يميل للبيج ومناديل خضراء يرتدونها على نحو شبيه بالعمامة.
وفي حوالي الساعة 2:00 من بعد الظهر. شرعت القوات في استخدام المسدسات "للانتهاء من أولئك الذين لم يكونوا قد ماتوا بعد.
وفي حوالي الساعة 11:00 من صباح اليوم التالي، 30 يونيو/حزيران، قامت قوات الأمن بإزالة الجثث مستخدمة في ذلك عربات اليد، وقام أفرادها بإلقاء الجثث في خنادق يتراوح عمقها بين 2 إلى 3 أمتار، وبعرض متر واحد وطول يبلغ 100 متر كان قد تم حفرها لبناء جدار جديد. وجاء فيما قاله الشافعي: "طلب مني حراس السجن أن أقوم بغسل الساعات التي انتزعت من جثث السجناء الموتى وكانت مكسوة بالدماء".
ولقد ذكر أحد أفراد أسرة سجين من سجناء بوسليم الذين قضوا في الحادث، في إفادة لهييومن رايتس ووتش ما أخبره به سجين سابق ممن كانوا في قسم آخر من السجن آنذاك قائلاً:
لقد انتقل وآخرون إلي زنازين أولئك السجناء الذين رفضوا التحرك. ويقول إنهم عثروا على شعر وجلد ودماء لأشخاص وقد انتثرت على الجدران. ورأوا جزءاً من فك أحد الرجال ملقى فوق الأرضية. فعلى الرغم من أنهم قد قاموا بإزالة آثار الجثث إلا أنهم لم يقوموا بالعمل على أكمل وجه، ولذا بقيت الآثار على الجدران وفوق الأرضيات.[123]
إن قتل 1200 سجين في بوسليم لأمر يرقى لحد انتهاك الحق في الحياة بالمعنى الوارد في المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولأحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الذي توافق عليه المجتمع الدولي. بل وقد يرقى لمستوى الجريمة ضد الإنسانية، وهي واحدة من أشد الجرائم خطورة في القانون الدولي.[124]
إضافة إلي ما سبق، فإن سجناء بوسليم كانوا قد أخضعوا في معظم الحالات للاعتقال التعسفي الذي يمثل انتهاكاً للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك للاختفاء القسري.
وليبيا هي إحدى دولتين عربيتين (إذ أن الجزائر هي الدولة الأخرى) موقعتين على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يسمح للأفراد بالاتصال مباشرة باللجنة المختصة بمراقبة تنفيذ ذلك العهد بشأن أي دعاوى بنكث بنوده.[125] وقد خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2007 إلى تحميل ليبيا مسؤولية الاعتقال بصورة غير قانونية، والتعذيب، والاختفاء القسري بحق أبو بكر الهسي، الذي تم توقيفه بصورة تعسفية ووضعه رهن الاعتقال ببوسليم في عام 1995، حيث بقي مكان وجوده مجهولاً لمدة 11 عاماً تالية حتى تقدم شقيقه بدعواه أمام اللجنة.[126] كما خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى مسؤولية ليبيا عن التعذيب، والاختفاء، والإعدام التعسفي في دعوى العلواني ضد ليبيا وذلك في بيانها رقم 1295\2004.[127] وقد تبين لها أن ليبيا قد انتهكت المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فيما يتعلق بالحق في الحياة:
تراعي اللجنة طبقاً للوقائع أن كاتب الشكوى قد تلقي في وقت ما من عام 2003، شهادة وفاة أخيه خلو من أي إيضاحات حول تاريخ الوفاة بالتحديد أو سببها أو مكان حدوثها أو أية معلومات بشأن أية تحقيقات كان على الدولة الطرف توليها. فضلاً عن هذا فإن الدولة الطرف لم تنف أن اختفاء شقيق كاتب الشكوى وما أعقبه من وفاة قد تسبب فيهما أفراد ينتمون إلى قوات الأمن التابعة للحكومة.
وينص التعليق العام رقم 6 على المادة 6 على أنه "تعد الحماية ضد الحرمان التعسفي من الحياة، تلك الحماية التي تقتضيها صراحة الجملة الثالثة من المادة 6 (1)، أمراً بالغ الأهمية. وترى اللجنة أنه يتعين على الدول الأطراف أن تتخذ من التدابير ما لا يحول دون الحرمان من الحياة بسب الأعمال الإجرامية والمعاقبة على ذلك الحرمان وحسب، بل إن عليها أيضاً منع القتل التعسفي على أيدي قوات الأمن التابعة للدولة ذاتها. ويعد الحرمان من الحياة بواسطة السلطات التابعة للدولة مسألة في قمة الخطورة."
من الإنكار الرسمي إلى اعتراف المتمنع
دام إنكار المسئولين الليبيين لوقوع أية أعمال قتل على الإطلاق في بوسليم أعواماً. ثم جاء أول اعتراف علني في ابريل/نيسان 2004 حين أقر الزعيم الليبي معمر القذافي علانية بوقوع أعمال القتل في بوسليم وقال أن لأهالي السجناء الحق في معرفة ما حدث. وفي 26 يوليو/تموز 2008 ألقى سيف الإسلام القذافي خطاباً ذكر فيه أعمال القتل في بوسليم قائلاً:
التحقيق الأول انتهى، وتحول إلى النيابة، والنيابة تبدأ التحقيق واستدعاء وكذا، ولن تطول، وسوف تذهب إلى المحكمة وتصدر فيها أحكام، وهذه يكون فيها قضاة محترمون نزيهون، وتكون محكمة فيها مراقبون، الناس كلهم يحضرون، الأسر ستحضر، والصحافة والجمعيات الأهلية والحقوقية، والسفراء، وكل واحد يواجه الحقيقة [128] .
لم تصدر أية رواية رسمية عن الأحداث التي وقعت في سجن بوسليم وليس هناك ما يدل على إجراء أية تحقيقات في الأحداث على الإطلاق. وطبقاً لقانون السجون الليبي رقم 47 لعام 1975، فإنه يتعين على الحكومة الإخطار الفوري لأسرة أي نزيل في حالة وفاته، كما أنه يتعين عليها إعادة جثمانه إذا ما طلب منها ذلك.[129]وفي شهر مايو/أيار 2005 صرح التهامي خالد، رئيس جهاز الأمن الداخلي، لـ هيومن رايتس ووتش بأن الحكومة قد قامت بفتح تحقيق في حادثة عام 1996، وأنكر وقوع أية جرائم كما قال هيومن رايتس ووتش: " عندما تفرغ اللجنة من أعمالها، إذ أنها قد بدأت بالفعل، سوف نصدر بياناً تفصيلياً يجيب على كافة التساؤلات."[130]
بعد مضي أربعة أعوام، وفي 25 أبريل/نيسان 2009، توجهت هيومن رايتس ووتش بالسؤال إلى العميد عبد الفتاح العبيدي، أمين الأمن العام، بخصوص التحقيق فأجاب بأنه كان "لايزال يسير قدماً" وأن الأمر قد أصبح في يد أمين العدل.[131]عقب ذلك بيوم واحد، حين قامت هيومن رايتس ووتش بمقابلة أمين العدل، مصطفى عبد الجليل، أفاد قائلاً "لم يجر أي تحقيق بشأن ذلك الحادث حتى هذه اللحظة."[132]
ويعكس تصريح أمين العدل لـ هيومن رايتس ووتش كونه أحد السلطات الليبية الساعية للتعامل مع الموضوع من خلال الإطار القانوني. كما يعكس أنه حتى أمين العدل ذاته لم يكن بإمكانه أن يحصل من وكالة الأمن الداخلي على كافة المعلومات ذات الصلة بأعمال القتل في بوسليم. وقد جاء فيما ذكره أمين العدل، مصطفي عبد الجليل، خلال مقابلة صحفية وافق على إجراءها لصالح مجلة "ليبيا اليوم" في 28 أبريل/نيسان 2008، أن وزارته كانت قد طلبت من الأمن الداخلي قائمة بأسماء أولئك الذين قضوا في حادثة عام 1996 إلا أن الوزارة لم تتمكن من الحصول على المعلومات الدقيقة.[133]
وفي مارس/آذار 2007 قامت مجموعة قوامها 30 من الأسر في بنغازي برفع دعوى مدنية أمام محكمة شمال بنغازي لإجبار الحكومة الليبية على الكشف عن مصائر المعتقلين من أقربائهم. وقد كان ذلك التحرك الجماعي هو الأول من نوعه من قبل الأسر، إذ أنه قبل ذلك، وطبقاً لما ذكره لـ هيومن رايتس ووتش واحد من أفراد الأسر المشاركة فإن "العديد من الأسر كان يعتريها الخوف الشديد من اتخاذ إجراء ما".[134] وقد رفضت المحكمة في بادئ الأمر قبول دعواهم لأسباب إجرائية، حيث قضت في 24 يونيو/حزيران 2007 بعدم اختصاصها قضائياً بالنظر في القرارات الإدارية. وقد استأنفت الأسر هذا القرار، فصدر قرار المحكمة في 19 أبريل/نيسان 2008 لصالح الأسر بقبول الاختصاص القضائي. وبتاريخ 8 يونيو/حزيران 2008، أصدرت محكمة شمال بنغازي قرارها لصالح الأسر وجاء فيه:
تأمر المحكمة المدعى عليهم الأول والثاني والثالث [أي رئيس الوزراء، وأمين الأمن العام، وأمين العدل]، بالكشف عن مصير المعتقلين التالي بيانهم ومكان اعتقالهم وأسباب اعتقالهم، وإخطار المدعين رسمياً بمصيرهم.[135]
غير أن المحكمة لم تتعرض للمسائل الأكثر عمومية المتصلة بمبدأ الخضوع للمحاسبة، فلم تقم ببحث ما إذا كان هناك تحقيق قد أجري، ولا هي أصدرت أوامرها بالملاحقة القانونية لمن يتحملون المسؤولية. وبالرغم من أن قرارها كان بمثابة انتصار للأسر، لكونه الاعتراف الرسمي الأول بمشروعية مطالبهم، إلا أن المحكمة ظلت غير قادرة أو غير راغبة في أن تأمر بفتح تحقيق شامل في أحداث بوسليم.
في مقابلة صحفية مع قورينا، وهي إحدى الصحيفتين المملوكتين ملكية خاصة في ليبيا، خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2008، قال أمين العدل الليبي مصطفى عبد الجليل أنه قد ناشد اللجنة الشعبية العامة (أي مجلس الوزراء) وضع قرار المحكمة موضع التنفيذ.[136]وقد كان في أعقاب قرار المحكمة هذا أن بدأت الحكومة جدياً في عملية إخطار الأسر بوفاة أقربائهم وذلك بإصدار شهادات الوفاة وبتقديم التعويضات (الدية).
في سياق التعتيم الرسمي المستمر المحيط بأعمال القتل في بوسليم، يعد الإفراج عن السجين محمد بوسدرة في يونيو/حزيران 2009 حدثاً ذا أهمية، فباعتباره واحداً من الشهود الرئيسيين على القتل الجماعي الذي أنكرت السلطات وقوعه على الإطلاق، كان بقائه معتقلاً لأجل غير مسمى أمراً يتوقعه غالبية الناس. فلكونه واحداً من الشخصيات التي تحظى بالاحترام في السجن، كان بوسدرة أحد ممثلي السجناء الذين قاموا بالتفاوض حول مطالبهم مع المسئول الأمني الكبير عبد الله السنوسي، كما يعتقد أنه قد شهد ما تكشف بعد ذلك من أحداث. وكانت قوات الأمن قد قامت باعتقاله وأشقائه الأربعة في 19 يناير/كانون الثاني 1989 في البيضاء ومن ثم أخذته إلى سجن بوسليم. وقد تم الإفراج عن أشقاء بوسدرة بعد قضائهم ستة أعوام رهن الاعتقال دون توجيه أية إتهامات. وفي عام 1999، أي بعد مضي أكثر من عشرة أعوام على اعتقاله، حاكمت محكمة الشعب بوسدرة وقضت بسجنه مدى الحياة. وعقب إلغاء تلك العقوبة في يناير/كانون الثاني 2005، أعيدت محاكمته في يونيو/حزيران 2005 أمام محكمة خاصة خفضت العقوبة إلى عشرة أعوام، وكان بوسدرة عندئذ قد أمضى ستة عشر عاماً سجيناً، ولذا أمر رئيس الجلسة بإطلاق سراحه، إلا أنه ظل رهن الاعتقال في أحد مراكز الاعتقال التابعة للأمن الداخلي قبل أن تتم إعادة ترحيله في عام 2008 إلى سجن بوسليم. وقد أمكن لنجله طارق أن يزوره في31 يناير/كانون الثاني 2009 للمرة الأولى منذ يوم 21 مايو/أيار 2005. وقد أفرج الأمن الداخلي في النهاية عن محمد بوسدرة من سجن بوسليم في 7 يونيو/حزيران 2009. وقد انتقل إلى بنغازي حيث تقيم أسرته. إلا أن بوسدرة لم يصرح جهراً بما شهده.
بين منح التعويضات... ومنع الحقائق
"لقد أخفوا شقيقي لثلاثة عشر عاماً. أبي مات كمداً من جراء ذلك، العدالة هي شئ من حقنا."[137] ليبي من أقرباء أحد ضحايا بوسليم، 9 مارس/آذار 2009.
"أيأخذونه، ويقتلونه، ولا ندري موضع جثمانه، ثم يطالبوننا بأن نقبل هذا المال وأن نتصالح مع الدولة؟" شقيق أحد ضحايا بوسليم، 20 مايو/أيار 2009.
قامت السلطات فيما بين عامي 2001 إلى 2006 بإخطار 112 أسرة تقريباً، وهي نسبة ضئيلة قياساً بالعدد الإجمالي لمن اختفوا من السجناء، بأن أحد أقربائهم قد قضى نحبه في بوسليم، وذلك بدون تسليم للجثة أو إعطاء أية تفاصيل حول مسببات الوفاة.[138] إلا أن معظم الأسر، حتى وقت قريب، لم تتلقي أية إخطارات رسمية عن مصائر أحبائهم. وخلال الفترة من يناير/كانون الثاني حتى مارس/آذار 2009 ارتقت الحكومة بوتيرة العملية بتقديمها مستندات ثبوتية لنحو 351 أسرة، 160 أسرة منها في بنغازي، والباقي في كل من طرابلس، ودرنة، والبيضاء، ومصراته. وقد صرح أمين العدل الليبي، مصطفى عبد الجليل، لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان 2009 بأن لجان القيادة الشعبية قد قامت حتى ذلك التاريخ بإخطار أقرباء نحو 800 إلى 820 من الضحايا بوفاتهم كما قاموا بتسليمهم شهادات الوفاة الصادرة لأولئك المتوفين، كما تراوح عدد أسر الضحايا التي لم يكن قد تم إخطارها بين350 إلى 400 أسرة.[139]
قامت مراكز الشرطة المحلية ومكاتب الأمن الداخلي في غالبية الحالات بدعوة الأحياء من أفراد الأسر للاجتماع وإخطارهم بوفاة أقربائهم، وقدمت لهم شهادات وفاة رسمية لتوقيعها. كما اجتمعت الأسر في بعض الحالات بلجان القيادة الشعبية المحلية حيث تم إخطارهم عن طريق تلك اللجان.[140] إلا أن شهادات الوفاة لم تبين سبب الوفاة كما أنها لم تحدد مكان وقوعها بأكثر من ذكر كلمة "طرابلس". وتراوحت تواريخ الوفاة المبينة بها فيما بين الأشهر يونيو/حزيران ويوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، غير أنه لم يكن بين أي من الشهادات التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش ما يحمل تاريخ 28 أو 29 يونيو/حزيران.
العديد من السجناء الذين قتلوا في 1996 كان قد تم سجنهم في بوسليم منذ عام 1989 أو منذ عام 1995، وهما العامين الذين تمت خلالهما عمليات توقيف جماعي بهدف السيطرة على المعارضة الملحوظة للنظام. وعلى مدى أعوام لم تكن العديد من الأسر تعلم على وجه اليقين مجرد كون ذوي قرباها قد اعتقلوا في بوسليم، إذ أن تلك الأسر كانت قد فقدت كل اتصال بهم من وقت توقيفهم. وبالنسبة لتلك الأسر فقد كان أحباؤهم في عداد مفقودي الأثر.
محمد هميل فرجاني المتحدث السابق بلسان لجنة الأهالي، والموجود حالياً بالولايات المتحدة، أخبر هيومن رايتس ووتش عن شقيقيه الذين قتلا في بوسليم:
تم توقيف شقيقي السنوسي وخالد فرجاني في 1995. وكان على أسرتي أن تقوم كل ثلاثة أشهر، بتحميل السيارة بالملابس، والطعام، وأغطية الأسرة، ثم قيادة السيارة لمدة 12 ساعة من بنغازي إلى السجن في طرابلس. كنا نضع تلك الأشياء في زكائب تحمل اسمي شقيقي ونتركها عند بوابة السجن. كنا نترك لهما تلك الأشياء طوال تلك المدة، إذ كنا نخالهما سالمين. لقد كانا ميتين طوال ذلك الوقت وكان حراس الأمن يستولون على الملابس لأنفسهم.[141]
فيما روى أحد أفراد أسرة سجين آخر لـ هيومن رايتس ووتش قائلاً:
علمنا أن الأمن الداخلي ببنغازي قد أخذوه، ولكننا لم نعرف أي شئ بعد ذلك. ذهبت أنا، وذهب أخي، كذلك ذهبت أمي إلى كل السجون، لم نكن نعلم أين كان، وقد رفضوا أن يخبرونا. وفي بدايات عام 1996 سمعنا أخبارأ عن أن شئ ما قد وقع بالسجن، ثم بدأت القصة تتكشف عقب إطلاق سراح أولئك الناس. وبعد أربعة عشر عام من اختفائه، أي في مارس/آذار 2009، اتصل بنا الأمن الداخلي وأخبرونا أنه يجب علينا الذهاب لمقابلتهم. وعندما وصلنا إلى هناك قالوا خذ هذه شهادة وفاة أخيك ولم يقولوا شئ أكثر من هذا.[142]
بينما قال ثالث:
ظلت زوجة أخي في انتظار دام 10 أعوام لمعرفة وضع أخي، أعني زوجها. بعدها توفيت، وكانت لهما طفلة ولدت قبل أن يأخذوه للسجن مباشرة. والآن تقوم جدتها ، أي حماة أخي بتربيتها، لكننا نساعد أيضاَ في ذلك. لم تذهب أبدأً لرؤية أبيها، وهو أبداً لم يحتضن ابنته ولم يضمها لصدره مطلقاًً.[143]
لقد كان استلام بعض الأسر لشهادة الوفاة بمثابة الاعتراف الرسمي الأول بالاعتقال، وإن كان قد هدم كل ما بقي لديهم من أمل. ففي يوم واحد علمت عائلة التائيب بمصراته بوفاة خمسة من أفرادها، أصغرهم كان قد تم توقيفه وهو في سن الرابعة عشر.[144]
في 24 أبريل/نيسان 2009 التقى قريب لواحد من الضحايا بـ هيومن رايتس ووتش، معرضاً نفسة لمخاطرة شخصية كبيرة، إذ قال:
منذ ما يقرب من الشهر... حضر أحدهم إلى باب منزلي قائلاً "تعال معي". ولم يخبرني لأي سبب أو ما الأمر. شعرت بالخوف؛ كنت أرتعد. تسائلت: لأي سبب يطلبون ذهابي؟ ما الذي سيحدث لي الآن؟ طلبوا مني تقديم بطاقة هويتي، وسجلوا بياناتها تفصيلاً. ثم أخذوني إلى الجوار حيث تقع مباني الأمن الداخلي. أخذوني إلى أحد المكاتب.
كان بالمكتب رجل واحد، وكان هناك مدفع .. أعني بندقية، كلاشنيكوف على ما أظن، تستند مائلة إلى الجدار. لم يعرفني باسمه. كان من الأمن الداخلي. قال "أريد أن أتحدث إليك، إن أخاك قد رحل، تعال وقع هذه الورقة". رأيت الورقة. كانت شهادة وفاة. لم يبينوا السبب الذي نجمت عنه الوفاة. انزعجت للغاية. قلت "حتى الكلاب تعرف أسباب موتها". ورفضت أن أوقع الورقة.[145]
قدمت الحكومة مبدئيا للأسر مبلغ 120000 دينار (تعادل 98590 دولاراً أمريكياً) على سبيل الدية في حال ما إذا كان المتوفي أعزب، ومبلغ 130000 دينار (تعادل 106800 دولاراً أمريكياً) إذا كان متزوجاً. إلا أن السلطات قامت بحلول شهر يونيو/حزيران 2009 بزيادة الدية المبدئية إلى 200000 دينار ليبي (تعادل 164300 دولاراً). وقد روى شقيق أحد ضحايا بوسليم لـ هيومن رايتس ووتش أنه حينما رفضت الأسرة قبول الدية من حيث المبدأ، عرض ضباط الأمن الداخلي على الأسرة مضاعفة المبلغ ومحاولة تسهيل إطلاق سراح أفراد آخرين من الأسرة مسجونين في بوسليم.[146]
ويأتي عرض الدية مرتبطاً بشروط، إذ يتعين على الأسر التخلي عن أية دعاوى قانونية أخرى. بيد أن المال وحده غير كاف لبعض الأسر التي عانت ألم اختفاء أحد أقربائها.[147] ولقد أعلنت العديد من الأسر أن من حقها أن تنعم بالعدالة وأنه لا يكفيها أي شئ أقل من هذا. ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن السلطات قد ذكرت على وجه الدقة أن على الأسر التي تقبل بالدية من الحكومة، وأن تتنازل عن الاستمرار في الدعاوى القانونية سواء المحلية منها أو الدولية، مما يدل على أدراك تلك السلطات لإمكانية المطالبة بالعدالة من خلال آليات ذات طابع دولي.
وعلى الرغم من أن عدة أسر في طرابلس وغيرها من المدن قد قبلت بالدية، إلا أن غالبية الأسر في بنغازي قد رفضته، متمسكين برغبتهم في معرفة هوية مرتكبي الجريمة وتحميلهم المسئولية القانونية. ولقد جاء فيما ذكره أمين العدل الليبي مصطفى عبد الجليل لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نسيان 2009 أن "عروض الدية قد تمت في سياق المصالحة. وحوالي 30٪ من الأسر التي تم حتى الآن إخطارها بوفاة أقربائها قد قبلت عرض الدية، و60 ٪ قد رفضت العرض لأن مبلغ الدية في اعتقادهم دون الكفاية، و10 ٪ رفضوا على أساس المبدأ."[148] وفي 10 أغسطس/آب 2009، أصدرت مؤسسة القذافي بياناً ذكر أن 569 أسرة تلقت الدية وأن هناك 598 باقية.[149] تلك فقط هي الإحصائيات الرسمية المتاحة حتى وقت كتابة هذا التقرير، وإن عدم اتساقها لهو انعكاس لصعوبة الحصول على المعلومات من جهاز الأمن الداخلي.
وفي 24 مايو/أيار 2009 تلقى أحد الأشخاص شهادة وفاة من لجنة القيادة الشعبية لإخطاره أن أخاه فتحي قد توفي. وقد أخبر الرجل هيومن رايتس ووتش أنه رفض عرض الدية البالغ 120000 دينار باعتباره "دون الكفاية" حيث أنهم "دفعوا 10 ملايين دولار لضحايا لوكربي ويقدمون لنا 120000 دينار ليبي؟ نحن لا نريد هذا المال، نريد الحقيقة، كما نريد أن نقوم بدفن أقربائنا."[150] لقد تم توقيف صلاح نجل سعد الفرجاني في 14 يناير/كانون الثاني 1989. ولم يكن بمقدور سعد الفرجاني أن يزور ولده في بوسليم منذ ذلك الحين إلا لمرة واحدة خلال العام الأول، ويخشى أن يكون ولده من بين أولئك الذين قتلوا، إلا أنه لم يتلق أي إشعار رسمي. وقد أخبر أحد الصحفيين بأنه "طالما أن الدولة الليبية ترفض إخبارنا بمصير أولادنا، فسنسأل العالم الخارجي أن ننال حقوقنا . . أريد أن أعرف مصير ولدي، وعرض الدية هذا هو أمر جائر".[151]
مطالبات الأسر: نشاط لم يسبق له نظير
على امتداد الاعوام التي صارت خلالها أسر ضحايا بوسليم أعلى صوتاً وأكثر تنظيماً، بدأت تلك الأسر في اتخاذ موقفها بصورة جماعية. ففي أبريل/نيسان 2008 شرعت بعض الأسر التي كانت قد أخذت القضية مسبقاً إلى ساحة القضاء في تشكيل لجنة تنسيق أسر الضحايا ممثلة عنهم في مطالباتهم.[152] وفي سياق القوانين الليبية التي تقيد بصرامة حرية الاجتماع والتنظيم وكذلك للافتقار إلى منظمات غير حكومية مستقلة، كان إنشاء اللجنة بمثابة فتح كبير. أحد أعضاء اللجنة أخبر هيومن رايتس ووتش بأنهم حاولوا تسجيل اللجنة كمنظمة غير حكومية إلا أن الأمن الداخلي رفض الأمر من بدايته.[153]
وقد نظمت اللجنة أيضاً تظاهرات للأهالي، مخاطرة بذلك مخاطرة كبيرة، إذ أن التظاهرات في ليبيا محظورة. وقد بدأ في بنغازي خروج التظاهرات الأولى للأسر في يونيو/حزيران 2008 واستمر تكرار خروج التظاهرات كل بضعة أشهر، وتراوح حجمها بين 30 إلى 40 فرداً حتى بلغ حجمها 150 فرداً في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2008.[154] أحد الأقرباء أخبر هيومن رايتس ووتش في مارس/آذار 2009 عن الترهيب الذي يمرون به، وكيف أنه يتم استدعاء أعضاء اللجنة الأكثر نشاطاً للتحقيق، وأنه أثناء التظاهرات "تتراص قوات الأمن عنوة، ويقومون بتصوير أفلام لمن يحضر من الأقرباء. يأتي كبار مسؤولي الأمن ويطلبون من الأعضاء الأكبر سناً العودة إلى منازلهم. كل ملصقاتنا هي عن أولادنا، عن الحقيقة، لا شئ ضد القذافي".[155]
وآخر من أقرباء الضحايا أخبر هيومن رايتس ووتش:
في كل مرة ذهبت فيها لحضور تظاهرة كنت أعد نفسي للتوقيف، وكان الخوف ينتاب أسرتي بشأني. استدعاني الأمن الداخلي ذات مرة عقب تظاهرة وهددوني بالسجن. ليس هناك ما أخشاه، فأربعة من أشقائي قد سجنوا في بوسليم وقد مات اثنان منهم هناك. لم أعد خائفاً. أنا بحاجة لأن أتحدث في ذلك الأمر، أحس أنه بالحديث إليكم يمكن لصوتي أن يُسمع، ليس صوتي وحسب بل أصوات كافة الأسر.[156]
بينما قال ثالث:
يمنعنا الأمن الداخلي من الحديث إلى الناس في طرابلس. يريدون أن يمر كل شئ من خلالهم. ولا يعجبهم كل ما تسعى مؤسسة القذافي لعمله من أجل الناس. إنهم يتبعوننا في كل مكان. يضايقوننا طوال الوقت.
أنا أحب بلدي. حلمي هو تطوير نظام التعليم في هذا البلد. أريد أن أنال درجة الدكتوراه؛ أريد أن أساعد قومي. ولكنهم يعتبرونني رجلاً سيئاً ومواطناً سيئاً. لم؟ ماذا جنيت؟[157]
قامت اللجنة في مارس/آذار 2009 بنشر قائمة بمطالب الأسر، على موقع ليبي بالخارج، وقد طالبت السلطات الليبية بما يلي:[158]
1. الكشف عن الحقيقة بشأن مصير أقربائهم.
2. ملاحقة من تثبت مسؤوليتهم.
3. تسليم الرفات للأسر أو الكشف عن مكان الدفن.
4. إصدار شهادات وفاة سليمة تحمل تواريخ ومكان الوفاة.
5. الاعتذار رسمياً عبر وسائل الإعلام.
6. إطلاق سراح كافة أقرباء ضحايا بوسليم المعتقلين تعسفياً.
7. زيادة مبلغ الدية إلى ما تم تقديمه لضحايا لوكربي.
محمد هميل الفرجاني واحد من منسقي اللجنة الرئيسيين، وقد غادر ليبيا في مارس/آذار 2009، وهو الآن بالولايات المتحدة، أخبر هيومن رايتس ووتش أنه في بادئ الأمر كان كبار مسؤولي الأمن وكذا الوزراء متداخلون مع اللجنة. وقال إن مسؤولي الأمن قد دعوه للذهاب إلى طرابلس للتشاور وذلك على مدى أسبوعين من شهر فبراير/شباط 2009، قابل خلالهما المسؤول الأمني الكبير عبد الله السنوسي وأمين العدل مصطفى عبد الجليل. إلا إنه سرعان ما بان واضحاً أنه ليست هناك نية من جانب السلطات لملاحقة أيٍ من أولئك المسؤولين عن أعمال القتل في بوسليم. وحيث أن ذلك كان مطلباً أصيلاً من جانب اللجنة فقد أدى ذلك لانهيار المفاوضات. وجاء فيما ذكره الفرجاني لـ هيومن رايتس ووتش"إنهم يعتقدون أنه يمكنهم حل المسألة من خلال المال وأن هذا حل كاف، ولذا توقفوا عن التعاطي مع الأسر."[159]
حدث يومي 25 و26 مارس/آذار 2009 أن أوقفت قوات الأمن الداخلي أربعة من أعضاء لجنة الأسر ببنغازي.[160] ففي مساء يوم 25 مارس/آذار أوقف ضباط الأمن الداخلي أفراداً من أسرتي حسين المدني وفؤاد بن عمران في مساكنهم. كما قام ضباط مسلحون، بدون أمر قضائي، بتفتيش مسكن فتحي تربل، الذي كان بالخارج في ذلك الوقت، وصادروا حاسوبه المحمول. وفي صباح اليوم التالي، قام ضباط الأمن بتوقيف فتحي تربل في تظاهرة أخرى للجماعة. تربل أخبر هيومن رايتس ووتش بأن ضباط الأمن قد سألوه عند توقيفه "ما الذي يجعلك تفعل هذا يا فتحي، ولماذا تفعله بهذه الصورة غير القانونية؟ فأجبتهم: الدولة لن تصغي إلي، أريد فقط أن أعرف الحقيقة، إن ابنة أخي لم تر أباها قط".[161] وقد قام ضباط الأمن الداخلي باعتقال الرجال الثلاثة بمعزل عن العالم الخارجي لأربعة أيام، ثم أطلقوا سراحهم يوم 30 مارس/آذار 2009 في أعقاب مناشدة إعلامية وتدخل سيف الإسلام القذافي.
عندما أعربت هيومن رايتس ووتش للعميد التهامي خالد رئيس الأمن الداخلي عن قلقها بصدد عمليات التوقيف تلك، قال إنهم قاموا "بإيقاف الأفراد الذين أثاروا أعمال العنف" وأن هؤلاء الأهالي قد استخدموا " وسائل غير مشروعة حيث أنهم لم يحصلوا على تصريح بتسيير تظاهرتهم."[162]
وعلى الرغم من التهديد بالتوقيف وإشاعة جو الترهيب، استمرت تظاهرات الأسر. وقد بدأت الأهالي في البيضاء ودرنة في تنظيم التظاهرات أمام مكاتب جهاز الأمن الداخلي. كانت أكبر التظاهرات حتى اليوم تلك التي خرجت في 29 يونيو/حزيران 2009، في الذكرى السنوية لأحداث القتل، حيث سار ما يربو على 200 من الرجال، والنساء، والأطفال عبر شوارع بنغازي هميلين الرايات، وصور أقاربهم المتوفين.
في أجزاء من تقرير مصور بالفيديو تم بثه عبر موقع المنارة ظهرت إحدى السيدات تهتف:
"لا نريد المال، نريد السفاحين".
"أين أولادنا يا قذافي؟ نريد أجساد الذين استشهدوا".
"لا، لا، لا – لن نبيع دماء أولادنا."[163]
في أعقاب تلك التظاهرات صرح أمين العدل مصطفى عبد الجليل بأن لأولئك الذين لا يقبلون بالدية حرية اللجوء للمحاكم وأن الدولة ستضع أي قرار نهائي يصدر عن المحاكم موضع التنفيذ.[164]
التزامات ليبيا في القانون الدولي
بموجب القانون الدولي، على الحكومات الالتزام بتوفير التعويضات الملائمة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وتشمل التعويضات إحقاق العدالة، والتعويض المالي المناسب، بعد ما كابدوه من انتهاكات. وبصفة ليبيا دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فهي مُلزمة بتوفير تعويض يسهل الحصول عليه، على أن يكون فعالاً وقابلاً للإنفاذ في الوقت نفسه و"تحدده السلطة القضائية أو الإدارية أو التشريعية المختصة، أو من قبل سلطة مختصة بتوفير هذا التعويض حسب النظام القانوني للدولة، مع إتاحة إمكانات التعويض القضائي".
ويحق للضحايا وأسرهم معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات التي كابدوها. وقد صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مبدأ حق الضحايا في التعويض، بما في ذلك الاطلاع على المعلومات المتصلة بانتهاكاتهم الحقوقية.[165] والمبادئ الدولية التي تبنتها مفوضية حقوق الإنسان السابقة بالأمم المتحدة ورد فيها أن "بغض النظر عن أي إجراءات قانونية، فإن للضحايا وأسرهم وأقاربهم الحق المطلق في معرفة حقيقة ما حدث ضمن الانتهاكات التي وقعت".[166] وقد أكدت هيئات حقوق الإنسان الدولية على التزام الدول بتوفير المعلومات للضحايا، لا سيما في حالات الاختفاء القسري. ولجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ارتأت أن المعاناة الواسعة التي يكابدها أقارب "المختفين" تجعلهم ضحايا مباشرين للانتهاكات بدورهم.[167] وبالإضافة إلى إخبار الضحايا وأسرهم، فعلى الدولة التزام بإخبار المجتمع ككل بما جرى من انتهاكات لحقوق الإنسان، لا سيما الانتهاكات الجسيمة منها.[168] هذا الالتزام مُشتق مباشرة من واجب الدولة في منع الانتهاكات المستقبلية.
وواجب توفير التعويض الفعال يشمل أيضاً إعادة رفات القتلى إلى أسرهم، ليتسنى للأسر دفنها على النحو الملائم. في قضية "تروخيو أوروزا ضد بوليفيا"، حكمت محكمة الأميركتين بأن "تسليم الرفات في حالات الأشخاص المحتجزين والمختفين هي في حد ذاتها عمل عدلي وتعويضي. وهو عمل عدلي لأنه من العدل معرفة مكان الشخص المختفي، وهي من أشكال التعويض لأنها تسمح بتكريم الضحايا، بما أن رفات الشخص تستحق أن يعالجها الأقارب بشكل ملائم كي يتسنى دفنها دفنة كريمة".[169]
والكثير من المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي، تطالب بمحاكمة الأفراد في "محاكم مستقلة ومحايدة".[170] وقد رفضت هيئات حقوق الإنسان الدولية على طول الخط استخدام المدعين العسكريين والمحاكم العسكرية في القضايا الخاصة بانتهاكات بحق المدنيين، إذ ذكرت أن اختصاص المحاكم العسكرية يجب أن يقتصر على القضايا ذات الطبيعة العسكرية. كما توصي مجموعات مبادئ وضعتها مفوضية حقوق الإنسان السابقة بالأمم المتحدة أن قضايا حقوق الإنسان يجب أن تُنقل إلى المحاكم المدنية. والمبادئ الحاكمة لإدارة العدالة عبر المحاكم العسكرية، التي وضعت مشروعها اللجنة في يناير/كانون الثاني ورد فيها: "في جميع الحالات، يجب تنحية اختصاص المحاكم العسكرية لصالح اختصاص المحاكم العادية في إجراء التحقيقات في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مثل الإعدام بمعزل عن القضاء والاختفاء القسري والتعذيب، والمقاضاة والمحاكمة للأفراد المتهمين في مثل هذه الجرائم".[171]
[119]لمزيد من المعلومات أنظر القسم الرابع – الخلفية.
[120]أنظر: تقرير هيومن رايتس ووتش: Human Rights Watch, Libya: June 1996 Killings at Abu Salim Prison , June 28,2006, http://www.hrw.org/legacy/english/docs/2006/06/28/libya13636_txt.htm.
[121]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش بالمستشار مصطفى عبد الجليل، أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل، في طرابلس بتاريخ 26 أبريل/نيسان 2009.
[122]أنظر: "المؤسسة تصدر بياناً حول بعض القضايا والملفات العامة" موقع مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية، 10 أغسطس/آب 2009.
http://www.gdf.org.ly/index.php?lang=ar&CAT_NO=4&MAIN_CAT_NO=4&Page=105&DATA_NO=553 (تمت الزيارة في 17 أغسطس/آب 2009)
[123]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع م . إ . ، بنغازي، بتاريخ 24 أبريل/نيسان 2009.
[124]لكي يشكل القتل جريمة ضد الإنسانية، وهي واحدة ضمن أشد الجرائم التي يعنى بها المجتمع الدولي عموماً من حيث الخطورة، لا بد من قيام الدليل على أن فعل القتل قد وقع "في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم"6.أي أن عناصر ذلك تتمثل في كون الهجمات قد ارتكبت كجزء من هجوم على سكان مدنيين، كسكان السجن في حالتنا هذه، وأن ذلك كان، أو أن النية قد انعقدت لأن يكون، جزءاً من سياسة للهجوم على سكان مدنيين.
[125]لم توقع ليبيا على البروتوكول الاختياري الثاني الذي يلزم الموقعين عليه بإلغاء عقوبة الإعدام. وكذلك لم توقع على البروتوكول الاختياري لحملة مناهضة التعذيب، الذي يتيح زيارة لجنة مناهضة التعذيب لأماكن الاعتقال. وقد وقعت ليبيا علىالبروتوكول الاختياري الأول لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي تسمح للجنة الأمم المتحدة للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة بتلقي ونظر شكاوى الأفراد والجماعات.
[126]أنظر قرار اللجنة في الشكوى المقدمة من الهسي ضد ليبيا في: Decision:El Hassy v. Libya, United Nations Human Rights Committee, CCPR/C/91/D/1422/2005
بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2007.
[127]أنظر قرار اللجنة في الشكوى المقدمة من العلواني ضد ليبيا في:Decision: El Awani v. Libya, United Nations Human Rights Committee, CCPR/C/90/D/1295/2004
بتاريخ 11 يوليو/تموز 2007.
[128]أنظر: خطاب سيف الإسلام القذافي "الحقيقة من أجل ليبيا الجميع" في طرابلس بتاريخ26 يوليو/تموز 2008، ورد في:
http://gdf.org.ly/index.php?lang=en&CAT_NO=114&MAIN_CAT_NO=9&Page=105&DATA_NO=251
(تمت الزيارة في 30 سبتمبر/أيلول 2009).
[129]أنظر: المادة 48 من القانون رقم 47 لعام 1975.
[130]أنظر: موقع هيومن رايتس ووتش “Libya: June 1996 Killings at Abu Salim Prison,” Human Rights Watch news release, June28,2006, http://www.hrw.org/legacy/english/docs/2006/06/28/libya13636_txt.htm.
[131]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع العميد عبد الفتاح العبيدي، أمين الأمن العام، في طرابلس، بتاريخ 25 إبريل/نيسان 2009.
[132]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع المستشار مصطفى عبد الجليل، أمين العدل، في طرابلس، بتاريخ 26 إبريل/نيسان 2009.
[133]أنظر: "وزير العدل: طلبنا من الأمن قائمة القتلى في بوسليم غيرأننا لم نتلقاها." مجلة "ليبيا اليوم" في 24 إبريل/نيسان 2008.
[134]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع أ. ب. في 9 مارس/آذار 2009.
[135] أنظر: "قرار محكمة شمال بنغازي الابتدائية", بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2008 ، أعيد نشره على موقع أخبار ليبيا:
http://www.akhbar-libyaonline.com/index.php?option=com_content&task=view&id=19275&Itemid=1
(تمت الزيارة في 30 سبتمبر/أيلول 2009).
[136]أنظر: " أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل ، حول حادثة بوسليم"، صحيفة قورينافي 1 ديسمبر/كانون الأول 2008.
[137]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع أ. ب. بتاريخ 9 مارس/آذار 2009.
[138]أنظر: منظمة التضامن لحقوق الإنسان، ليبيا
Libya Human Rights Solidarity, “Abu Saleem Prison Massacre Libya” 28-29 June 1996
[139]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع المستشار مصطفى عبد الجليل، أمين العدل، في طرابلس، بتاريخ 26 إبريل/نيسان 2009.
[140]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع م. س. بتاريخ 24 مايو/أيار 2009.
[141]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع محمد حامل فرجاني، بالولايات المتحدة، بتاريخ 13 أغسطس/آب 2009.
[142]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع م. أ. بتاريخ 20 مايو/أيار 2009.
[143]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع فتحي تربل في بنغازي بتاريخ 24 إبريل/نيسان 2009.
[144]أنظر: "مصراتة تستقبل حصتها من ضحايا مجزرة بوسليم" على موقع "ليبيا المستقبل" في 18 فبراير/شباط 2009.
http://www.libya-almostakbal.info/News2009/Feb2009/180209_misrata_busleem_victims.html
(تمت الزيارة في 30 سبتمبر/أيلول 2009).
[145]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع م. إ. في بنغازي بتاريخ 24 إبريل/نيسان 2009.
[146]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع م. أُ. في بنغازي بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2009.
[147]للمزيد حول عقوبة الإعدام في ليبيا أنظر القسم الثاني عشر – عقوبة الإعدام.
[148]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع المستشار مصطفى عبد الجليل، أمين العدل، في بنغازي بتاريخ 26 إبريل/نيسان 2009.
[149]أنظر: "المؤسسة تصدر بياناً حول بعض القضايا والملفات العامة" موقع مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية، 10 أغسطس/آب 2009.
http://www.gdf.org.ly/index.php?lang=ar&CAT_NO=4&MAIN_CAT_NO=4&Page=105&DATA_NO=553
(تمت الزيارة في 17 أغسطس/آب 2009).
[150]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع م. س. بتاريخ 24 مايو/أيار 2009.
[151]انظر: "أهالي مفقودين سياسيين بليبيا يرفضون دية الدولة"موقع الجزيرة، 23 أغسطس/آب 2008. http://www.aljazeera.net/NR/exeres/D0AC3A84-BD26-4AB9-8E82-B7AF403C8F8C.htm ( تمت الزيارة في 4 يوليو/تموز 2009).
[152]من مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع محمد حامل فرجاني بتاريخ 8 يوليو/تموز 2009.
[153]من مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع أ. ب. بتاريخ 26 مارس/آذار 2009.
[154]أنظر: أرشيف الأخبار على موقع ليبيا اليوم http://www.libya-alyoum.com/ وقد تمت زيارته خلال عام 2009.
[155] من مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع أ. ب. بتاريخ 9 مارس/آذار 2009.
[156]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع محمد حامل فرجاني، بالولايات المتحدة، بتاريخ 13 أغسطس/آب 2009.
[157]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع م. إ. في بنغازي بتاريخ 24 إبريل/نيسان 2009.
[158]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع أ. ب. بتاريخ 26 مارس/آذار 2009.
وكذلك أنظر: البيانات، على موقع ليبيا المستقبل، www.libya-al-mostakbal.org (تمت الزيارة في 30 سبتمبر/أيلول2009).
[159]من حوار هاتفي لـ هيومن رايتس ووتش مع محمد حامل فرجاني بتاريخ 8 يوليو/تموز 2009.
[160]أنظر: "التحرك العاجل: توقيف قسري ومخاوف من وقوع تعذيب" إصدارات التضامن لحقوق الإنسان، ليبيا. 28 مارس/آذار 2009.
[161]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع فتحي تربل في بنغازي بتاريخ 24 إبريل/نيسان 2009.
[162]من مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع العميد التهامي خالد رئيس وكالة الأمن الداخلي، في طرابلس بتاريخ 26 أبريل/نيسان 2009.
[163]من تقرير مصور بالفيديو على موقع المنارhttp://www.almanaralink.com/new/index.php?scid=4&nid=16626
(تمت الزيارة في 30 يونيو/حزيران 2009).
[164]انظر:مفتاح أبو زيد، "استجابة للوقفة الاحتجاجية لأهالي ضحايا حادثة بوسليم. المستشار مصطفى عبد الجليل أمين العدل يصرح لقورينا ‘اللجنة الشعبية العامة شكلت لجنة للتسوية في إطار المصالحة ومن لا يرضى بمقترحاتها من حقه أن يلجأ للقضاء بكل حرية‘
" صحيفة قورينا في 30 يونيو/حزيران 2009.
[165] المبادئ والأدلة الإرشادية الأساسية الخاصة بالحق في التعويض والانتصاف لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي، 21 مارس/آذار 2006، أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الجلسة الستين، A/RES/60/147,فقرات 11 (ج) و24.
[166] مجموعة مبادئ حماية وتعزيز حقوق الإنسان بواسطة العمل على مكافحة الإفلات من العقاب، 2 أكتوبر/تشرين الأول 1997، أقرتها مفوضية حقوق الإنسان، E/CN.4/Sub.2/1997/20/Rev.1,مبدأ رقم 3.
[167] لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أوضحت هذا المبدأ في قضية "كوينتيروس ضد أوروغواي"، وخلصت إلى أن أم شخص "مختفي" يحق لها التعويض كضحية، لما عانته جراء إخفاق الدولة في إمدادها بالمعلومات. قضية "كوينتيروس ضد أوروغواي"، لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قضية رقم 107/1981، "تتفهم اللجنة المعاناة والقلق الذي كابدتهما الأم جراء اختفاء ابنتها واستمرار عدم اليقين إزاء مصيرها ومكانها. ويحق للمدعية معرفة ما جرى لابنتها. ومن هذا المنطلق فهي بدورها ضحية للانتهاكات للعهد، وهي نفس الانتهاكات التي كابدتها الابنة، انظر على الأخص مادة 7 من العهد".
[168] مجموعة مبادئ حماية حقوق الإنسان وتعزيزها بواسطة التحرك لمكافحة الإفلات من العقاب، 2 أكتوبر/تشرين الأول 1997، أقرتها مفوضية حقوق الإنسان E/CN.4/Sub.2/1997/20/Rev.1, مبدا رقم 1.
[169] قضية تروخيو أوروزا ضد بوليفي، الحكم بتاريخ 27 فبراير/شباط 2002، فقرة 115، على: http://www.corteidh.or.cr/docs/casos/articulos/Seriec_92_ing.pdf تمت الزيارة في 28 سبتمبر/أيلول 2009. انظر أيضاً "ستاسيلوفيتش ضد بيلاروسيا"، بيان للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رقم 887/1999، فقرة 9.2 (2003)، على: http://humanrights.law.monash.edu.au/undocs/887-1999.html (تمت الزيارة في 28 سبتمبر/أيلول 2009).
[170] العهد الدولي، مادة 14 (1): " الناس جميعا سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون". الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، مادة 7(1) (ب، د)، مادة 7 ورد فيها أن "الإنسان بريء حتى تثبت إدانته أمام محكمة مختصة" و"حق محاكمته خلال فترة معقولة وبواسطة محكمة محايدة".
[171] لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "الحقوق المدنية والسياسية، ومنها مسألة استقلال القضاء وإدارة العدالة والإفلات من العقاب"، تقرير المقرر الخاص للجنة الفرعية المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان، إيمانويل ديكوا، E/CN.4/2006/58 13 يناير/كانون الثاني 2006، مبدأ رقم 9.







