"يريدون إبادتنا"

القتل العمد والتعذيب والميول الجنسية والنوع الاجتماعي في العراق

 

I. المقدمة

 

ملخص

حامد شاب في الخامسة والثلاثين، أصيب بشلل جزئي في لسانه من فرط الفاجعة والحزن إثر مقتل شريكه عمداً في بغداد بعد أن دامت علاقتهما عشر سنوات. وعندما قابلناه به بعد الحادث بثلاثة أسابيع، كان لا يزال يعاني من آثار ذلك الشلل، حيث كانت كلماته المترددة لا تكاد تخرج إلا بجهد شديد. كان بصحبته صديقان أعاناه على الهروب من بغداد، واضطروا جميعهم للاختباء وعدم الظهور طيلة هذه الفترة. وقال:

 

"كنّا في وقت متأخر من الليل في أوائل إبريل/نيسان، وجاءوا فأخذوا شريك حياتي من منزل أبويه. اقتحم البيت أربعة رجال ملثمين يرتدون ملابس سوداء. طلبوه بالاسم و سبّوه وأخذوه أمام أبويه. عرفت أنا كل هذا لاحقًا من أهله.
 
وجدوا جثته في الحيّ في اليوم التالي. كانوا قد ألقوا بها في القمامة. وكانوا قد استأصلوا أعضاءه التناسلية وانتزعوا جزءًا من حلقه. منذ ذلك الحين وأنا عاجز عن الكلام الطبيعي. أشعر أن حياتي الآن بلا معنى. ليس لديّ أصدقاء غير اللذين  تراهما: منذ سنوات وأنا أعيش مع صديقي داخل شرنقة، وحدنا. ليس لديّ أهل ـ لا أستطيع أن أعود إليهم ـ أمَّا أنا فمحكوم عليَّ بالقتل. أشعر أن افضل اختيار أمامي هو الانتحار. يحترم الناس القتلة واللصوص في العراق أكثر من المثليين.
 
معيارهم الذي يحكمون على الناس به هو هوية من يقيم المرء معه علاقات جنسية. ليس الضمير والأخلاق ولا القيم، بل من يقيم معه المرء علاقة جنسية. أرخص شئ في العراق هو الإنسان، هو حياة الإنسان. أرخص من الحيوان، أرخص من بطاريتان فارغتان كالتي تشتريهما في الطريق. وعلى الأخص حياة الناس أمثالنا.

 

ثم انهمرت دموعه واستمر قائلا:

 

لا أصدّق أنني جالس هنا أتحدث معك لأن كل شئ مكبوت، مكبوت، مكبوُت. منذ سنوات وهذا حالي ـ إذا سرت في الطريق شعرت بأن الجميع يشير إلىّ. كأنني أموت في كل لحظة. أما الآن، كل ما حدث في الشهر الماضي ـ لا أفهم ماذا فعلنا لنستحق كل هذا. يريدون إبادتنا. هذا الكم من العنف وهذا الكم من الكراهية: الناس الذين يعانون منها لا يستحقونها.
 
يكفيني يكفيني أن أستطعت الحديث معكم."[1]

 

انتشرت حملة قتل في العراق في الشهور الأولى من عام 2009. ولا تزال العراق مكانًا خطيرًا بالنسبة للكثيرين من مواطنيها، إن لم يكن كلهم، إلا أن كتائب الإعدام بدأت في استهداف ـ تحديدًا ـ الرجال ممّن رأوهم ناقصي "الرجولة" أو من ارتابوا في ممارستهم للسلوك المثليّ. فأصبحت أتفه تفاصيل مظهر الرجل ـ طول شعره أو تفصيلة ملابسه ـ تتحكم في حياته أو موته.

 

وعند كتابة هذا التقرير ـ يوليو/تموز 2009 ـ لا تزال الحملة تبلغ أقصى درجات الشراهة في بغداد، إلا إن آثارها الدامية امتدت لغيرها من المدن، حيث تعرّض الرجال للاستهداف والتهديد والتعذيب في كل من كركوك والنجف والبصرة. ويرتكب القتلة جرائم القتل العمد بمنجاة من العقاب، بهدف التهديد والوعيد، حيث يلقون بالجثث في صناديق القمامة أو يعلّقونها في الطرق بهدف الرّدع. ينتهك القتلة حرمة البيوت، فيختطفون الأبناء والأخوة وفي اليوم التالي يلقون بهم جثثًا هامدة بالمنطقة التي يسكنون فيها.

 

يستجوب هؤلاء القتلة ضحاياهم ويعذبونهم لإجبارهم على البوح بأسماء أشخاص آخرين ممن يرتاب في إنهم يسلكون سلوكًا مثليًا. ويتفنن هؤلاء القتلة في أبشع أنواع التعذيب المروع: حيث أفادنا عدة أطباء عن رجال أعدموهم عن طريق حقن الصمغ داخل فتحة الشرج، وظهرت عشرات الجثث لهؤلاء الأشخاص في المستشفيات والمشارح. وغالبًا لن نعرف أبدًا عدد القتلى، حيث يجتمع عنصران: تقاعس السلطات عن التحقيق في هذه الجرائم، وذعر أسر القتلى وعارهم، فيضمنان استحالة الوصول إلى أرقام وأعداد يعتدّ بها. أمّا أحد المسؤولين العالمين ببواطن الأمور في بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق فقد أخبر "هيومن رايتس ووتش" في أبريل/نيسان إن عدد القتلى قد ارتفع غالبًا حيث بلغ القتلى "المئات".

 

وتظل الأسر المكلومة في حالة من الرعب والأسى إثرى مقتل ذويها. في مقال ينادي بتطهير المجتمع (الذي يفترض إنه مطلوب) لم تستطع الكاتبة تهميش الحزن والأسى الذي يصيب الأسر ولا إخفاءه:

 

تقول الأم البالغة من العمر 45 سنة أن مجموعة مسلحة دخلت دارها في زيونة قبل أسبوع واقتادوا ابنها من غرفته بينما لجمها مسلح بوضع مسدسه في فمها، وحبس زوجها المريض وهو ضابط جيش متقاعد، في حمام البيت... تبكي الأم وتقول إن ابنها ... كان رقيقًا وحساسًا، درس في كلية الفنون الجميلة... أصدقاء الشاب تبخروا وهي لا تعرف عنهم سوى أرقام هاتف موجود على بطاقة هاتف احتياط تركها ولدها بين أغراضه الشخصية.[2]

 

ويردد الناس أوصافًا مختلفة للأشخاص الذين تستهدفهم تلك الحملة. ومعظم الرجال الذين  التقت بهم "هيومن راتس ووتش" يطلقون على أنفسهم صفة "جاي"، وهي كلمة إنجليزية شائعة جدًا بمعنى "مثلي" ـ إلا إن هذا اللفظ غالبًا يظل غريبا على القتلة أنفسهم بل ورجل الشارع العراقي. فيبرر الكثيرون تلك الجرائم بوصفهم لضحاياها بخليط متنوع من الألفاظ والتبريرات، كما يتغير وصفهم لهؤلاء الأشخاص الذين يكرهونهم فلا يثبت على حال ـ ولنا أن نستشف من هذا أن كتائب الإعدام تتحرك خوفًا من تخنيث العراق، حيث يفقد رجالها رجولتهم، جنبًا إلى جنب مع خوفهم من وقوع الزنا بأنواعه. وكلمة "جراوي" (وهي تعني صغار الكلاب) المستحدثة فيما يبدو، وهي شتمة عامية، تحمل إيحاءات عدم النضج إلى جانب نفي إنسانية هؤلاء الرجال. كما تنذرنا كل من وسائل الإعلام وأئمة المساجد من موجة تخنيث تجتاح رجال العراق، ويحذروننا من "الجنس الثالث". ويبدو إن جزءًا كبيرًا من ذلك العنف يجري بدافع الذعر من "انحلال" أو "نعومة" البعض بسبب سرعة التغيير الاجتماعي والاحتلال الأجنبي القائمين، فيعطي القتلة أنفسهم حق التحكم في زي الناس ومظهرهم بالإضافة إلى حياتهم الخاصة. فأي رجل يتعطر أو يسير بأسلوب لا يروق للقتلة يصير ضحية لهذه الحملة الضارية.

 

ظهرت مؤخرًا بعضًا الميليشيات التي يكتنفها الغموض تدّعي أمام أجهزة الإعلام إنها مسئولة عن بعض جرائم القتل العمد هذه، منها ميليشيا "أهل الحق". ولكن معظم الناس الذين  التقت بهم "هيومن رايتس ووتش" يرون إن المسئولية الأولى تقع على الجيش المهدي، والمعروف أنها ميليشيا بقيادة مقتدى الصدر، كما أنه بدأ حملة القتل العمد للمثليين في أوائل عام 2009.

 

وباتت مدينة الصدر، والمعروف أنها من قلاع الجيش المهدي - حيث تمتد في عشوائيات بغداد وتأخذ اسمها من الشهيد والد مقتدى الصدر- مركزًا لحملة قتل المثليين، وهو أمر له دلالته. كما صدرت تحذيرات بِلُغَة تثير الذعر عن الخطر المنتشر الذي يمثله "الجنس الثالث".

 

ظهرت ميليشيات العراق في أعقاب الانهيار الأمني الذي ترتب على الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003 (وسلطات الاحتلال الأمريكية تكافحها تارة، وتمنحها الرّضا والمساندة الصامتة تارة). تتغذى هذه الميليشيات العراقية على الفقر واليأس، فتقوم بتجنيد الشباب الذين لا يرون لأنفسهم مستقبلاً إلاَّ في العنف. وتعّد هذه الميليشيات شبكات فضفاضة أكثر منها كيانات منضبطة، ممّا يجعل التوصّل لأسماء أعضائها، ومحاسبة مرتكبي الجرائم باسمهم، مهمة صعبة في الكثير من الأحيان.[3] وهذا الكلام ينطبق بشكل خاص على الجيش المهدي، الذي انسحب انسحابًا استراتيجيًا من الأنظار في بداية "الطفرة" الأمريكية في عام 2007، وبذلك تجنب الصدام مع القوات الأمريكية حيث تماهى أعضاء الميليشيا وسط الكتلة السكانية.

 

في لقاءاتهم معنا، استنتج عدد من الأشخاص احتمالية أن الجيش المهدي ـ سعيًا وراء بناء سمعته وإعادة صورته أمام الناس بعد طول غيابه ـ يرمي إلى تأهيل نفسه بأن يبدو محركًا للتطهير الاجتماعي. استغل الجيش الآداب والأخلاق لأسباب انتهازية، حيث سعى وراء الشعبية باستهداف فئة لا يجرؤ على الدفاع عنها إلا القليلون في العراق، ولا يغامرون باتخاذ صفّهم. وقال أحد "الجلادين" للصحافة في مايو/آيارالماضي أنه وزملاءه القتلة يتصّدون "لمرض خطير في المجتمع أخذ ينتشر سريعًا بين الشباب بعدما أتى به الجنود الأمريكيين من الخارج. هذه ليست عادات العراق ولا عادات مجتمعنا وعلينا أن نتخلص منها. "وأضاف ـ ويستشف من كلامه رد على الشكوى التي يرددها الناس عن الميليشيات، ألا وهي أنهم منذ سنوات لم يأتوا لأهل العراق إلا بالعنف والفوضى ـ "ليس هدفنا قلقلة الوضع الأمني بل هدفنا هو إرساء الاستقرار في المجتمع."[4]

إذا كان الهدف من هذه الجرائم هو الحصول على الشعبية، فلقد أتت ـ فيما يُحتمل ـ بنتيجة عكسية. حيث ضمت الأسر المكلومة عائلات من صلب المناطق المشجعة للجيش المهدي في مدينة الصدر، فلم تزداد صورته بريقًا. وفي أواخر مايو/آيار2009، أشار متحدث باسم حزب الصدر في لقاء معه إلى عدة لقاءات مستمرة مع الجمهور تقيمها تلك الميليشيا بهدف "مكافحة الانحلال وحث المجتمع على رفض" السلوك المثلي، لكنه أضاف إن "حزب الصدر يرفض" العنف، وإن "أي شخص يرتكب أعمال عنف تجاه المثليين لن نعتبره منّا"[5]. ولكن في الوقت ذاته، ذكر قائد آخر من قادة حزب الصّدر أن المثلية الجنسية "كارثة حلت بالمجتمع" مضيفًا أن "علينا تقويم سلوك الوطن"[6]. وفي نفس الوقت، بلغ "هيومن رايتس ووتش" شهادات توصي بأن الميليشيات السنّية في بعض المناطق بدأت تنضم إلى حملة التهديدات والعنف، وقد يكون هذا من باب منافسة غيرهم.

 

أما عن قوات الشرطة العراقية فلم تفعل إلا القليل من حيث التحقيق في تلك المذابح أو وضع حد لها. لم تصدر أية بيانات من السلطات سواء عن القبض على الجناة أو محاكمتهم، ومن غير المرجح أن يكون شئ من ذلك قد حدث. وعلى جهود الحكومة ـ التي حظيت باهتمام إعلامي كبير ـ في تطهير الوزارات من المسئولين ذوي الصلات بجماعات الميليشيا، بما في ذلك وزارة الداخلية، يشك الكثير من العراقيين في مدى صدق نية هذه الحملة وفي نجاحها. أما أكثر الأمور إثارة للقلق فهو ما ورد لـ "هيومن رايتس ووتش" عن تواطؤ رجال الشرطة في تلك الانتهاكات، بدءًا من التحرش بالرجال الذين يصفونهم "بالنعومة" عند نقاط التفتيش، وانتهاءًا ـ فيما يُحتَمَل ـ بالاختطاف والقتل خارج نطاق القضاء.

 

من المعروف والمؤكد أن رجال الشرطة يصرّحون لوسائل الإعلام بأخبار وروايات من شأنها الإيحاء بأن حملة القتل العمد نطاقها أضيق مما هو عليه بالفعل، ومحاولة إبعاد المسئولية عن فرق القتل التابعة للميليشيات وإلقائها على عاتق العنف الذي تمارسه الأسر والعشائر[7]. ونحن لا ننكر أن "الشرف" – بالإضافة إلى القيم الخاصة بالذكورة والطبيعة الجنسية والعار، التي يؤمن بها كل من النظام الأبوي والعشائرـ يلعب بالفعل دورًا كبيرًا في تفاقم التحيزات وتشجيع إلحاق الضرر بالناس، وهذا ما تقوم هيومن رايتس ووتش بتوثيقه في هذا التقرير. ولكن كل هذه العوامل لا تقلل من مسئولية كتائب الإعدام ولا تنقص من ذنبهم، إذ باتوا المرتكب الرئيسي لتلك الجرائم. كما لا تقلل العوامل المذكورة من مسئولية الدولة ـ التي لم توفِ بها ـ في التحقيق في جميع جرائم القتل العمد ومقاضاة الجناة، وفي معاقبة من تتبت إدانتهم، وواجبهم في حماية حياة كل عراقي وحقوقه دون تمييز.

 

وسبق ونشرت "هيومن رايتس ووتش" التقاريرحول عنف المتمردين ضد المدنيين في العراق، وما ترتب عن ذلك العنف من أزمة لاجئين، حيث اضطر مئات الآلاف من العراقيين النازحين لمغادرة بيوتهم وبلادهم. لا يزعم هذا التقرير إن الرجال المتهمون "بالنعومة" أو بكونهم "مثليين" أو "جاي" يواجهون عنفًا أشد الآن من الذي عانى منه الكثير من العراقيين فيما مضى، إلا إن الطفرة الملحوظة في جرائم القتل هذا العام تشير إلى وجود مَواطن عجز مستمرة، رغم أن الحكومة العراقية وقوى الائتلاف تهنئان أنفسهما على ما يفترضان أنه إشاعة التهدئة في المجتمع. لا تزال الجماعات المسلحة تنطلق في العراق تضطهد الناس وتقتلهم بحرّية بناء على التحيزات والكراهية، ولا تزال الدولة تتركهم بمنجاة من العقاب. بل أن الهجمات على "الجنس الثالث" و"الجاي" قد تمثِّل مجرد الجولة الأولى في حلقة مجدّدة من حلقات القتل العمد وسفك الدماء على أيدي الميليشيات. هذه العودة إلى جرائم القتل أمر يدعو للقلق ويهم جميع العراقيين، فيتحتّم على  الحكومة إعلان رفضها لهذه الظاهرة والعمل على إيقافها.

 

ويَحدِس الكثيرون، سواء في مقابلاتهم مع "هيومن رايتس ووتش" أو في وسائل الإعلام، أن الحملة قامت بسبب فتوى أطلقها مقتدى الصَّدر أو غيره من الأئمة. كما صرَّح شاب من مدينة الصدر لأحد الصحفيين أن "عمليات القتل ليست جرائمًا [ورد كذلك في الأصل] لأنها تقع تحت مظلة فتوى شرعية صدرت مؤخرًا بغرض إباحتها".[8]

 

 لم تجد هيومن رايتس ووتش أي دليل على صدور أي فتوى صريحة مؤخرًا بهذا المعنى. بل إن الواقع أن أحداث القتل تنتهك الأحكام والمعايير الإجرائية لقوانين الشريعة. فرغم أن المذهب الجعفري الشرعي، شأنه من شأن المذاهب الأربعة للشريعة السنية، تحرم السلوك المثلي ما بين الرجال، ويطلق عليه اللواط، أما العقاب لمن ثبت عليه ممارسة اللواط قد تكون إقامة الحد، ويصل هذا الحد في بعض الظروف إلى الإعدام، وقد تكون تحذير، وأقصاه الإعدام وأخفه هو الإنذار، ورغم كل هذا كما قلنا فمن أهم الأمور التي يجب التأكيد عليها أن المذهب الجعفري في الحالتين يضع شروطًا لا غنى عن استيفائها قبل فرض أي عقوبة أيًا كانت. وهذه الشروط تعد أشكالاً من الحماية للخصوصية ولسمعة الناس كما تحول دون المحاكمات التعسفية.

 

وتخصنا أربعة شروط في هذا الحديث:

 

·       يتطلب المذهب شروط صعبة الاستيفاء للإثبات، فلا يجوز إثبات ممارسة اللواط إلا عن طريق: إما اعتراف يكرره الشخص أربع مرات،[9] أو بشهادة بينة من أربعة شهود من الذكور أو بعلم الحاكم، أي أن يكون قد شهد هذه الأفعال بنفسه. وإذا تبين بطلان تهمة اللواط، فيخضع من وجهوا هذه التهمة هم بدورهم لتهمة القذف.[10]

·       على القاضي التأكد من أن المتهم بالغ عاقل وتصرف من محض إرادته.[11]

·       على القاضي التقصي في إذا ما كانت الأفعال المريبة (اقتسام الفراش مثلاً) حدثت بدافع الضرورة، مثل ضيق المساحة.[12]

·       لا يجوز إصدار العقوبة إلا من فقيه متخصص في أحكام الشريعة.[13]

 

ولكي يقام الحد، لا غنى عن ثلاثة اختبارات إضافية:

 

·       لا غنى عن إثبات وقوع الإيلاج، فلا يجوز إقامة الحد للأفعال التي لا تتضمن الاختراق. (ويسمى هذا معيار العقاب).

·       لا بد من التخلص من أدنى شك، وذلك طبقًا للمبدأ القانوني "درء الحد بالشبهة" والفقهاء الجعفريين، في كتاباتهم عن حد اللواط، يؤكدون أنه "لا حد مع الاحتمال".[14]ومما  يُبطِل الحكم فورًا وجود أدنى شك في خُلق الشهود الذين يُزعَم أنهم شاهدوا الواقعة، أو أي اختلافات في شهاداتهم.

·       لا بد من إعطاء المتهم فرصة التوبة، ويمكن أن تحول التوبة دون حكم الإعدام.[15]

 

حالات القتل التعسفية تنتهك ما وضعه الإسلام من حدود، فحالات الإعدام الفورية بدون محاكمة على أساس الشائعات والمصحوبة بالتعذيب، على ايدي العصابات المسلحة ـ كل هذا ينتهك المعايير والضوابط التي وضعتها الشريعة الإسلامية والتي تتضمن سلامة الأدلة والشرعية والعدل.

   كما ينتهك مثل هذا القتل التعسفي مبادئ حقوق الإنسان. يكفل قانون حقوق الإنسان الدولي حق الخصوصية، بما في ذلك الحق في حياة لا تنغص عليها المراقبة ولا العنف. يكفل القانون كذلك الحق في حرية التعبير، بما في ذلك الحق في التعبير عن الكيان الإنساني من خلال الزي والسلوك. يحظر القانون ـ تحت أي ظرف من الظروف ـ التعذيب وجميع أشكال المعاملة اللا إنسانية بأنواعها كما يكفل القانون الحق في الحياة، بما في ذلك حق الحماية الكافية من جانب الدولة.

 

على قيادات العراق الدفاع عن شعبها بلا استثناء. يجب على الدولة العراقية التخلي عن صمتها، والشروع فورًا في التحقيق بشكل وافي في مقتل الأشخاص عمدا وتعذيبهم بسبب عدم انطباق معايير "الرجولة" السائدة عليهم، أو بسبب سلوكهم المثلي جنسيًا. كما على الدولة إلحاق العقاب المناسب بمن تثبت عليهم التهمة، وعليها اتخاذ خطوات فعَّالة لمنع الميليشيات من ممارسة العنف، بشكل يتناسب مع واجباتها نحو حقوق الإنسان التي تعهدت بها. يتسنى على الحكومة الاستغناء عن خدمات كل شرطيّ ومسئول جنائي ممن تثبت عليهم تهمة انتهاك حقوق الإنسان أو ممّن كانت له صلات في الماضي بكتائب الإعدام أو قوات الميليشيا. كما يتسنى على الحكومة فحص جميع رجال الشرطة وقوات الأمن ونظام العدالة الجنائية وتدريبهم، وضمان أن تشمل التدريبات شوؤن التوجه الجنسي والنوع الاجتماعي. أما على المدى الطويل فعلى حكومة العراق أن ترسي دعائم سيادة القانون وتحميها، لتأمين كل فرد من شعب العراق من أي عقاب خارج نطاق القانون يمارسه مسلّحون ينفذون قوانين تحيزاتهم وكراهيتهم الخاصة بهم.

 

يجب على الولايات المتحدة، وعلى القوى الدولية التي تترأسها الولايات المتحدة، إعانة حكومة العراق كلما أمكن ذلك على التحقيق في تلك الجرائم. كما يجب على هذه القوات وضع حد لعملية الاعتقال التعسفي لمن يُرتاب في انتمائهم للميليشيات، وتوفير الخدمات المناسبة للمحتجزين الذين أفرج عنهم لمساعدتهم على العودة إلى المجتمع ولضمان عدم عودتهم للعنف.[16]

 

وأخيرًا، حيث اضطر عدد من العراقيين ممن استهدفتهم حملات القتل إلى الفرار من البلاد، على المجتمع الدولي أن يدرك مدى التهديدات والمخاطر التي يواجهها العراقيون والعراقيات المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية  ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي، ليس فقط في العراق، بل أيضًا في الدول المحيطة بهم التي ينشدون فيها اللجوء الأول. والموثّق في هذا التقرير إن جميع هذه الدول تقريبًا تجرّم السلوك المثلي الذي يتم برضا الطرفين، كما أن المناخ الاجتماعي في هذا البلد أن يتميز بالتحيز الشديد ضد هذه الفئات.

 

يجب أن يولي كل من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين والمجتمع الدولي الأهمية لإعادة التوطين العاجل لهؤلاء الأشخاص المعرّضين للخطر في دول ثالثة آمنة بالنسبة لهم أو إذا اقتضى الأمر الإسراع بتنفيذ عملية التوطين المذكورة.

 

 

 

منهج البحث والمصطلحات المستخدمة

هذا التقرير مبني على دراسة وبحث أجراها كل من رشا مومنه، الباحثة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من هيومن رايتس ووتش، وسكوت لونغ، مدير برنامج حقوق المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي في هيومن رايتس ووتش، وذلك في العراق في الفترة ما بين 14 و28 أبريل/نيسان 2009.

 

وخلال هذه الرحلة أجرينا مقابلات شخصية وجهًا لوجه مع اثنين وعشرين رجلاً عراقيًا، وحكوا لنا عمَّا تعرَّضوا له من تهديدات بالقتل واختطاف ومحاولات اغتيال وغير ذلك من ألوان الاضطهاد. كما أجرينا مقابلات ومحادثات مع 24 رجلاً عراقيًا غير المذكورين أعلاه عن طريق الهاتف والبريد الإلكتروني و"التشات" (برامج الدردشة) الإلكتروني. وأجرى سكوت لونغ مقابلات مع ثماني رجال إضافيين في بيروت في يوليو/تموز 2009،  طلب جميع من التقينا بهم منَّا عدم ذكر أسماءهم الحقيقية، وكذلك حرصنا على عدم الإفصاح عن الأماكن التي أجرينا فيها اللقاءات بالعراق (وخارج العراق في بعض الحالات) لضمان سلامة هؤلاء الأشخاص وغيرهم. كما أجرت "هيومن رايتس ووتش" اللقاءات مع ناشطي حقوق الإنسان في العراق، إلى جانب الأطباء والصحفيين أثناء عملية البحث.

 

جميع الناجين من عنف الميليشيات الذين  التقينا بهم لكتابة هذا البحث وصفوا أنفسهم بكلمة "جاي" ذات الأصل الإنجليزي، فيستلزم هذا الأمر وقفة للإيضاح ولفحص المسائل المتعلقة بالمصطلحات وبالهوية. جدير بالذكر أولاً أن استخدام كلمة "جاي" الإنجليزية لتعود على الرجال الذين  يقيمون العلاقات العاطفية والجسدية مع أمثالهم من الرجال يُعتَبَر استخدامًا حديثًا نسبيًا، حيث ينبع من ثقافة فرعية نشأت في أمريكا الشمالية في النصف الثاني من القرن العشرين. (كما يجب ألا ننسى إن كلمة homosexualفي اللغات الأوروبية والتي نترجمها بالمثلية، ليست أقدم منها بكثير، حيث ابتكرها طبيب نمساوي مجري عام 1869).

 

أخبرنا جميع الناجين أنهم سمعوا كلمة "جاي" لأول مرة بتلك الدلالة بعد الغزو الأمريكي عام 2003. كما قال الكثيرون أن الكلمة وردت إلى العراق من خلال الإنترنت أو الإعلام الغربي، على الأخص البرامج التليفزيونية والأفلام السينمائية. ونجد الكلمة تعبر الحدود الطبقية، فوصف طبيب نفسه بها وكذلك شاب لم يكمل تعليمه المدرسي على حد سواء، كما استخدموها بسلاسة كجزء لا يتجزأ من حديثهم وجملهم العربية.

 

أما لفظ "مثلي" وجمعه "مثليين" الذي استُحدِثَ مؤخرًا باللغة العربية كترجمة لكلمة homosexual الإنجليزية فيتسم بالحيادية، ولا يتضمن إدانة، فلم يلق رواجًا واسع النطاق في العراق. وقال لنا معظمهم ـ ممن سمعوا اللفظ من ذي قبل ـ إنه نادر الاستخدام.[17] قال لنا عامل مستشفى من المثليين : "كلنا نستخدم كلمة "جاي" بين بعضنا البعض، وليس "مثلي" أبدا. وحتى الأطباء في حديثهم بين بعضهم البعض لا يستخدمون اللفظ العربي، بل أحيانًا يقولون كلمة "هوموسكشوال" الإنجليزية."[18]

 

من المهم إلى أبعد حد التأكيد على نقطتين. أولهما هو كون أن مصدر الكلمة يأتي من خارج حدود البلاد لا يعني بأي حال من الأحوال أن الظاهرة التي تصفها الكلمة بها أي جانب أجنبي أو دخيل على الإطلاق. بل إن السلوك الذي نطلق عليه صفة "المثلية" – ألا وهو الرغبات والأفعال الحميمة والعلاقات العاطفية بين أبناء (أو بنات) نفس النوع من ذكر أو أنثى موجود منذ بدء الخليقة في المجتمع العراقي، شأنه في ذلك شأن جميع المجتمعات البشرية. وبذلك، ليست الألفاظ أو التسميات الجديدة إلا نقلة في القاموس والمفردات وليس في الأفعال ولا التصرّفات.

ولكننا في نفس الوقت يجب ألا نفترض أن الكلمة لديها نفس الدلالات في العراق التي تحملها في غيرها من البلدان، فليس معنى أن السلوك المثلي يحدث في كل مكان أن الناس يفسرونه نفس التفسير ولأنهم يسندون إلى نفس المعاني الفردية أو الجماعية. وسبق أن كتبت هيومن رايتس ووتش إزاء هذا الأمر:

 

"لا يخلع المجتمع أو التراث أبدًا هوية ما على أي شخص كان ـ هوية "الابن" أو "رئيس القبيلة" على سبيل المثال ـ بشكل نقي وغير ممتزج بعناصر أخرى بل دائمًا تكتسب تلك الهوية عدة معانٍ شخصية وداخلية، إلى جانب ظلال من المحيط الاجتماعي واللحظة التاريخية. وعلى غرار ذلك، نجد أن الأشخاص الذين  يرون أنفسهم في الألقاب من أمثال"هوموسكشوال" أو "جاي" أو "لزبيان" وما إلى ذلك، هذه المصطلحات جديدة على ثقافتهم، لا يتبنون مجموعة مستوردة من التداعيات والمعاني برمّتها، بل يحوِّرون هذه المصطلحات ويوفّقونها وأوضاعهم وتراثهم الثقافي."[19]

 

عندما أجرينا مقابلات مع المثليين العراقيين، استشفينا من كلام الكثيرين منهم إن رؤيتهم لأنفسهم كـ "جاي" لا تتعلّق فقط بمن يحبونه ولكن ـ بنفس القدْر ـ بقدر "الذكورة" أو "الأنوثة" الذي يرونه في أنفسهم. مقاييس الذكورة والأنوثة ـ والمعروفة غالبًا النوع الجتماعي، وهو المجموعة المتراكمة من الفروق التي تفرضها المجتمعات والثقافات لرسم الخطوط الفاصلة ما بين التصرفات اللائقة اجتماعيًا للرجال والنساء ـ  تمثل محور من المحاور الهامة التي يقيمون عليه فهمهم لذواتهم.

 

كما أن النوع الجتماعي من أهم العناصر التي تساعدنا على فهم الدوافع المحرّكة لحملة العنف القائمة. ومما له دلالته أن ننظر إلى الألفاظ التي يستخدمها كل من الإعلام العراقي والعديد من رجال الطريق في التعبير عن استنكارهم للأشخاص الذين يصفون أنفسهم بـ "جاي". فالبعض من هذه الألفاظ تعبر عن الاستنكار الأخلاقي بناءً على سلوكيات بعينها : كلمة "لوطي" مثلاً، أو "قوم لوط" والتي وردت في القرآن الكريم، أما الآن فتستخدم للإشارة لمن يمارسون اللواط.[20] لكن شتائم أخرى سوقية الطابع تتعلَّق بما إذا كان الرجل تبدو عليه "الرجولة". وقال أحدهم: "رجال الشرطة في نقاط التفتيش يسببون لنا مشاكل دومًا بسبب ما نرتديه من ملابس ومجوهرات من سلاسل وخواتم وما إلى ذلك، ويقولون لنا يا "كيكي" ـ وتشير الكلمة إلى الأشخاص النواعم المخنثين."[21] وشاعت فكرة بعينها بشكل رهيب، ألا وهي أن المثليين الجنسيين ليسوا فقط أناسًا لهم ميول جنسية معينة، بل باتوا "جنسًا ثالثًا" يهدّد الجنسين المعروفين.

 

وإحدى المقالات الصحفية تضمن الإشادة بالقتلة بقولها: "لابد من نقل تراث المعتقدات المتوارثة عن الرجولة والأخلاق التي تميز الشعب العراقي. وهذه المثل ضد تأنيث الشباب ووضع [الرجال] للمساحيق، والتي انتشرت بين العديد من الشباب العراقيين فأثارت الاشمئزاز."[22] يفرض القتلة العامدين معاييرهم للرجولة تحت تهديد السلاح، ويعطون أنفسهم حق التحكم في ملبس الناس ومظهرهم بالإضافة إلى التحكم في حياتهم الخاصة، فالرجال إذا وضعوا العطور أو ساروا بأسلوب لا يروق للمعتدين يسقطون ضحايا لهذه الحملة.

 

ولا يفصح الذعر من "تأنيث" الرجال إلاَ عن كراهية للنساء. فلا يجب أن يُقتل أي شخص لوضعه الألوان فوق عينيه، ولا يجب أن يعرَّض أي أحد للاعتداء عليه وتشويه جسده بسبب مشيَتِهِ ولا أسلوب تصفيف شعر رأسه. فهذه الحملة تهدد حرية التعبير عن النفس ـ من خلال الزي والمظهر والهيئة ـ بقدر ما تهدد سلامة الجسد وحماية الحياة الخاصة. وهذه الحقوق كلّها لا غنى عنها لحفظ كرامة الأفراد.[23]

 

وسنورد في نهاية هذا التقريرشرح لبعض المصطلحات الأساسية المستخدمة.

 

 

II. "إنهم يذبحوننا": الناجون يتحدثون

 

انتشار الحملة

ازدادت قوة حملة القتل المنظمة بشكل تدريجي في الشهور الأولى من عام 2009.

 

منذ ما يناهز خمس سنوات والميليشيا تشن الهجمات على من يبدون "ناعمين" أو من يشكون في ممارستهم للعلاقات الحميمة مع أبناء نفس الجنس، ولكن المقابلات التي أجريناها شهد فيها الناس على أن هذه الهجمات شهدت تكثيفًا جديدًا إلى حد بعيد في هذا العام، حيث اتسع نطاق حملة القتل ومداها، وبات هدفها فرض شريعة أخلاقية معيّنة ـ وما هى في الحقيقة إلا انحراف وحشي عن الأخلاق الحقيقية ـ من خلال القتل العمد.

 

إدريس من أصدقاء حامد، وهو شاب في عمر الخامسة والثلاثين، وله علاقات مع غيره من الرجال لكنه متزوج وله أبناء. وقال لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان:

 

"نحن نسمع عن هذا، عن قتل الرجال " الجاي"، منذ أكثر من شهر. والموضوع أصبح الآن مثل الخلفية التي نسمعها كل يوم. ففي فبراير/شباط بدأ انتشارالقصص حول تلك الحملة ضد "الجاي" التي يمارسها الجيش المهدي: فالكل كان يتحدث عنها. كنت اسمع أخبارها من أصدقائي اللذين يهوون النساء. في المقهى في كرادة كانوا يتحدثون عن ذلك في شوارع الحارثية، كانوا يتحدثون عنها. في البداية لم أقلق. فأنا وأصدقائي شكلنا في منتهى "الرجولة" ولا تبدو علينا أية صفات "أنثوية" مرئية. ولم نصدق، لم يصدق أحدنا يومًا، أن هذه الأحداث ستمسّنا. لكننا سمعنا في أواخر مارس/آذار أن ثلاثين شخصًا قد قتلوا بالفعل".[24]

 

بلال (27 عامًا) بائع متجول في شوارع منطقة كرادة ببغداد أخبرنا أنه شعر بجو من الخطر المتزايد لأول مرة عندما "قتلوا صديقًا لي منذ ثلاثة أشهر":

 

كان معلنًا، فالكل كان يعرف إنه "جاي". وقالت أسرته أن القتلة صوروا قتله علىCD  ـ  صوّرها وسجّلوها. ذبحوه ذبحًا ودقوا عنقه. أسرته لم ترغب في التحدث عن الأمر. أما الآن فيقتلون الناس يمينًا ويسارًا في الشعب والثورة. سمعنا أنهم حرقوا إحدى عشر رجلاً أحياء بالثورة. فعدد القتلى على كل لسان، ولا يزال العدد مستمرًا في الازدياد."[25]

 

أخبرنا حسين، شاب في السابعة والعشرين من حيّ المنصور ببغداد، أن في الشهور الأولى من ذلك العام، انتشرت عمليات العنف فانتقلت من هدف إلى هدف، وكأنما معها قائمة بالسمات التي يُفرض إنها تدل على عدم الالتزام بالأعراف المعهودة فأولاً "كانوا يلاحقون أصحاب الشعر الطويل، فانطلق الشباب وقصّوا شعرهم جميعًا. هدّدوا أحد أصدقائي ذا شعر طويل، وكان يسكن في حيّ شيعي ـ أبو دشير بجانب الدورة. وجاءه رجل في الشارع وقال له: "قصّ شعرك وإلاَّ قطعنا رقبتك":

 

ثم بدأت الأقاويل، فشاع أن بعض الرجال يضعون الفوط الصحية لكي تبدو مؤخراتهم مكوّرة مدوّرة ـ فبات أي شخص يرتدي الجينز الضيق مستهدفًًا. ثم سمعنا إن "التي شيرت" الضيق يعني أنك من الجنس الثالث.
 
في الفترة الأولى، لم يُقتل إلا قاطني الأحياء الشعبية ـ الحرية والبدأ ومدينة الصدر. لكن الأمر تغير فمثلاً في حيّ الجامعة الذي أقطنه، منذ ثلاثة أيام وجدوا جثة شاب "جاي" مقطوع الرأس. وكان الحديث الشائع عنه في الحيّ إنه "جاي"، وانتشرت هذه القصة كالنار في الهشيم. إنه حيّ سنيّ ـ  لكن أسلوبهم الآن، فيما يبدو، هو أنهم يدخلون إلى حيّ ما، ويختطفون الشخص، ويأخذونه إلى الصدر، ويعذبونه ويقتلونه. ثم يلقون بالجثة في الصدر، أو يعودون ويلقونها في الحي الذي يسكن فيه.[26]

 

طارق، وهو شاب في الثامنة عشرة، يقطن بغداد الجديدة، وهو حيّ سكني جديد في جنوب شرق المدينة، قال لـ هيومن رايتس ووتش:

 

"في أواخر مارس/آذار، بدأت أسمع من أصدقائي أن الجيش المهدي يقتل "الجاي". بدأت الصحف أيضًا في كتابة أخبار ازدياد أعداد "الجنس الثالث" في العراق، والمعروف أيضًا باسم "الجراوي". ثم يوم 4 أبريل/نيسان، جَاءني خبر مقتل اثنين من أصدقائي "الجاي"، محمد ومازن. أظن أن هذه أسماؤهم: داخل مجموعات "الجاي" يندر أن يبوح أحد باسمه الحقيقي. كنا أصدقاء ـ كنا نلتقي في المقاهي أو ندردش على الإنترنت ـ وفي يوم اختفوا.
بعدها بعدة أيام، قابلت أخو أحدهما وأخبرني بمقتلهما. اختطفوهم من الطريق العام ثم وجدوا جثثهم بالقرب من أحد الجوامع وعليها آثار تعذيب. كان أحدهم في الثامنة عشر والآخر في التاسعة عشر.
 
بعد ذلك بيومين في السادس أو السابع من أبريل/نيسان، كنت في منزل أبي وأمي، ورمى أحدهم رسالة في الباب لم أر من ألقاها. كان مظروفًا بداخله رصاصة. كانت ملطخة بالدم البنّي اللون، وقالت الرسالة: "لماذا لا تزال هنا؟ هل أنت مستعد للموت؟"
 
أعتقد أنهم عذبوا هذين الاثنين فأجبروهم على إعطائهم اسمي، لأنني تلقيت هذا التهديد بعدما علمت بمقتلهم بيومين... تحدثت تليفونيًا مع صديق ليّ مساء أمس. هو "جاي" أيضًا لكنه في منتهى الرجولة ولا أحد يعرف أمره. قال لي: "اهرب إن استطعت وانقذ نفسك، فهم يذبحون الناس في كل مكان".
سألته: "من في اعتقادك يفعل هذا؟ "ورد: "ومن تظن؟ الجيش المهدي. الكل يعرفون ذلك."[27]

 

طلال (21 عامًا) يسكن منطقة على حدود مدينة الصدر. قال لـ هيومن رايتس ووتش:

 سمعت الناس في الحيّ يتحدثون عن هذه القضية، وأن أمثال هؤلاء الأشخاص يجب قتلهم. ثم سمعت من أصدقائي في مارس/آذار أن الجيش المهدي كان بالفعل قد قتل خمسًا وعشرين شخصًا بمدينة الصدر. وفي المشتل [منطقة أخرى في شرق بغداد] ثلاثة عشر شخصًا. وفي شارع فلسطين، عشرة.[28]

 

عاطف (27 عامًا) يقطن منطقة الزيتونة ببغداد، لكنه فر من هناك واتجه إلى شمالي العراق في بداية أبريل/نيسان. "أتصل هتفيًا بالناس في بغداد ويقولون لي : لا تعود، فهم يُقَتِّلوننا؛ يُقَتِّلون "الجاي" هنا."[29]

 

قوائم الإعدام

قال لنا حامد ـ الذي سبق وعرَّفنا كيف اختطف رجال الميليشيا المسلَّحون صديقه وذبحوه:

 

في نفس الأيام التي قُتل فيها شريك حياتي، قتلوا (أي رجال الميليشيات) ثلاثة رجال آخرين كلهم على بعد عدة شوارع من بعضهم البعض، بالحرية، بجوار الكاظمية وهو حيّ متدني جدًا. أخذوا اثنين من بيوتهم، وكان صديقي منهم، وقتلوا اثنين آخرين في عرض الطريق.
 
وفي اليوم التالي ـ بعد قتلهم لصديقي ـ جاءوا ليأخذوني. دخلوا بيتي ورأوا أمي، وسألها أحدهم: "أين ابنك المخنث؟" وكانوا خمسة ملثّمين. لحسن الحظ لم أكن بالبيت، لكن أمي اتصلت بي بعد أن رحلوا، وهي تبكي. منذ لحظتها وأنا مختبئ في فندق رخيص، لمدة أسبوعين، لا يمكن لي أن أواجه أسرتي ـ سينبذونني. مستحيل أن أعود لبيتي.[30]

 

قال صديقه إدريس: "في نفس اليوم الذي ذهبوا فيه إلى بيت حامد، ولكن بعدها بأسبوع، جاءوا عندي":

 

كانوا يرتدون نفس الملابس السوداء ووجوههم يسترها نفس اللثام، وجاءوا في أول المساء. وقتها كنت في بيت أخي ومعي زوجتي وأبنائي بسبب انقطاع التيار. عدنا في اليوم التالي لنجد البيت مدمرًا، والنوافذ مكسورة، وأغراض كثيرة مسروقة. أخبرني الجيران بمجئ أربعة أو خمسة رجال تنطبق عليهم نفس الصفات [صفات من ذهبوا إلى حامد]. ولم يعرفوا سبب حضورهم؛ لكنني كنت أعرف السبب.[31]

 

قال ماجد، صديق آخر لحامد (25 عامًا):

 

جاءوا لبيت أهلي بعدها بيوم. لم أكن بالمنزل وقتها. ابن الجيران اسمه على اسمي، فاختطفوا الشخص الخطأ. ولما اكتشفوا خطأهم أطلقوا سراح الشاب، لكنهم ضربوه ضربًا مبرحًا، كانوا يبغون قتله. عذّّبوه بالكهرباء وضربوه بالكابلات. عاد إلى البيت وهو يشبه الفرّوج المشوي.
 
عندما عدت أنا، كان الجميع يصرخون ويهللون بأنهم اختطفوا ماجد ـ ذلك الشاب الذي يدعى ماجد ـ وعندما أطلقوا سراحه، عاد إلى البيت مترنحًا وقال "لم يكونوا يقصدوني. كانوا يقصدون ماجد الآخر - ماجد اللوطي. "اضطررت إلى الرحيل. أبي وأمي طرداني. لم أعد استطيع مواجهتهم.[32]

 

استهدفت الحملة كذلك المقاهي والأماكن التي يجتمع فيها المثليون، على الأخصّ في بغداد. أخبرنا أحد الصحفيين في أواخر أبريل/نيسان أنه منذ أسبوع بالكرادة، في مقهى معروف أن المثليين يرتادونه، ألقى رجال الميليشيا فيه بورقة موجّهة إلى صاحب المحل، مكتوب فيها: "إذا سمحت لهم بالتجمّع هنا، سوف نفجِّر لك المقهى".[33] كما أن هذه الأماكن توفِّر أدلة يسترشد بها المعتدون للعثور على من يريدونهم. فقال ماجد، الذي اعتدوا عليه في بيته: "نظن إنهم أتوا بأسمائنا من الأماكن التي كنا  نرتادها – من أصحاب الأماكن."

 

ولكن في ذلك الحي، على أية حال، ما أسهل أن تسأل الناس فيفصحون لك عن كل ارتياب لديهم. كما يختطفون الناس ويعذبونهم لكي يفصحوا عن الأسماء ــ أو أرقام الهواتف المحمولة. فإذا أخذوا رقمي من شخص ممّن عذبوهم أو قتلوهم، ما أسهل الوصول إلى صاحب الهاتف عن طريق بطاقة الـ sim في العراق.[34]

 

أخبر عدة أشخاص هيومن رايتس ووتش أن المعتدين قرأوا عليهم قوائم أسماء رجال يرتابون في أنهم يقيمون علاقات مع أمثالهم من الرجال. هيثم شاب في الثامنة والعشرين ومنذ سنة تقريبًا وهو على علاقة بعادل، وهو طالب في السابعة والعشرين. "في وقت ما في فبراير/شباط بدأنا نسمع روايات عن مقتل "الجاي" عمدًا في بغداد كلها وعلى الأخص في مدينة الصدر. وازداد الكلام عن ذلك ازديادًا حتى وسط من يهوون النساء، ليس "الجاي" فقط.

 

وفي مطلع أبريل/نيسان أصابته هذه الروايات شخصيًا. قال هيثم: "أمضيت بعض الوقت مع عادل في مقهىً بكرادة، كنا في الليل وكنا في السيارة في طريقنا للبيت، في طريق شارع القناة" ـ وهو حي شرقي بغداد بالقرب من مدينة الصدر:

 

جاءت عربة وأجبرتنا على التوقف على جانب الطريق. نزل منها حوالي ستة رجال مسلحين وطلبوا بطاقات هوياتنا وكانوا يتشحون بالسواد، وهذه عادة علامة الجيش المهدي. سألتهم "من أنتم وبأي حق تطلبون هوياتنا؟" ففتحوا الأبواب وجرّونا إلى خارج سيارتنا وأهانونا ووصفونا "بالجراوي" وقالوا "نراكم دائمًا في أماكن الشواذ".
 
حاولت إقناعهم بأننا مجرد أصدقاء ليس أكثر وأنه ليس بيننا أي شئ. ثم أبرزوا قائمة أسماء وبدأوا يسألونا عن الأسماء المقيدة فيها.
 
كانت معظمها أسماء نسائية، أسماء يُعرف بها بعض الرجال "الجاي" ولم تكن تلك الأسماء معروفة لأي منا. في تلك اللحظة مرت بنا سيارة [جيش] أمريكية في جولتها. فهمسوا لنا بكراهية "دوركم قادم" ثم قذفوا بنا فارتطمنا بالحائط وقفزوا داخل سيارتهم وانطلقوا.[35]

 

ويقول هيثم متذكرًا: "بعدها لم أغادر البيت لعدة أيام." ولم يذهب إلى العمل إلا بعد قرابة أسبوعين، وذلك لتعبئة بعض الأوراق:

 

كنا في 13 أبريل/نيسان وكنت أقود سيارتي في شارع القناة مرة أخرى في طريق العودة من العمل. وفوجئت بسيارة تلاحقني. كانت مطاردة بالسيارات. أسرعت فأسرعوا هم... كان بالسيارة رجلان، وما فتئ يحدقان في، لم أر إذا ما كانوا مسلحين أم لا، لكنهم كانوا يرتدون السواد. كانوا قد دفعوني إلى يسار الطريق. لو استمريت في طريقي لاصطدمت بالحواجز الخرسانية التي تشكل جزءًا من نقاط التفتيش. فضغط على الفرامل بشدة قبل أن نصل إلى الحواجز الخرسانية  وانحرفت سريعًا بالسيارة فاستطعت الدخول في شارع جانبي.
 
أهم ما في الموضوع أنهم عرفوا مكان عملي. كان الرجال الذين فتشوا محفظتي من قبلها قد رأوا بطاقة هويتي الصادرة من مكان عملي، فكان هؤلاء يتتبعونني من مكان عملي.[36]

 

كان مشعل (41 عامًا) حتى وقت قريب، صاحب محل تجاري صغير في حي أور. في 6 مارس/آذار اختطفه رجال الميليشيات أربعة أيام، وعذبوه لإجباره على إعطائهم المزيد من الأسماء ليضيفوها إلى قوائمهم.

 

في حوالي الرابعة عصرًا، دخل أربعة رجال إلى متجري. تلكعوا، وعندما حاولتُ إجبارهم على الرحيل، أبرزوا المسدسات. كان لديهم ثلاث سيارات، منها سيارة "دايو" سوداء، ووضعوني في إحداها وعصبوا عيني.
 
كانوا من رجال الجيش المهدي، فهم الذين يعملون في المنطقة. لم يكن المكان الذي اقتادوني إليه بعيدًا: كان قريباً للغاية من أحد الجوامع، بل ربما في الساحة نفسها، لأنني كنت أسمع الآذان بوضوح. وعندما سحبوني خارج السيارة، أخذوا يضربونني حتى فقدت الوعي.
في وقت متأخر من اليوم التالي، أتوا إلي وقالوا: "نعلم أنك لوطي، نعلم أنك فراخجي [وهي سبة دارجة توجه للرجال المثليين في العراق]. أبرزوا قائمة أسماء وبدأوا في قراءتها: أنت تعرف هؤلاء الشواذ، أنت تعرف فلان وعلان. وقرأوا علي أول اسم وذكروا الحي الذي يقطنه. تعرفت على أربعة منهم مازالوا على قيد الحياة، وكانوا قد قتلوا أحدهم.
 
كانوا قد قتلوا صديقي وليد في فبراير/شباط، قبل اختطافي. كان يسير في طريق فسيح بين حيي أور والشعب [شمالي شرق بغداد] وقت المغرب. سألت أخاه عن ذلك لاحقًا وأخبرني: "ذبحوا وليد في قارعة الطريق. لا تسأل اكثر من ذلك". أنا واثق أنهم قتلوه لأنه "جاي". فكان يسير مع مجموعة من الأصدقاء ممن يههون النساء، وهو الذي قُتل وليس هم: إذًا كان هو الذي استهدفوه. وكان أول الأسماء في القائمة التي قرأوها علي.
 
كانت القائمة تضم عددًا كبيرًا من الأسماء الأخرى التي كانت غريبة عني. واعترفت بأنني أعرف هؤلاء الأربعة لكنني قلت إن السبب هو كونهم زبائن في متجري ليس إلا.
 
ليلتها استجوبوني لمدة ساعات. كنت مكمماً معصوب العينين طوال الوقت، وعندما أرادوا مني التحدث كانوا يرفعون الكمامة ويعيدونها. أمروني بإعطائهم أسماء غيري من "الجاي". وفي الليل كانوا يأتون بعصا مقشة ويستخدمونها في اغتصابي.
 
بعد ذلك تفاوضوا على فدية، فطلبوا من أسرتي خمسين ألف دولار أمريكي. باع إخواني متجري وسيارتي وكل ممتلكاتي فلم يجمعوا سوى نصف هذا المبلغ.
 
عندما أطلقوا سراحي قالوا:"لدينا عيوننا، ونعرف كل ما تفعله بالتفصيل. لو خطوت خطوة واحدة خارج بيتك، اعتبر نفسك في عداد الأموات." لم أغادر البيت مطلقًا لمدة طالت عن الشهر، وبعدها هربت من بغداد. كما هرب أحد الأشخاص الذين قرأوا علي أسماءهم من بغداد ومعه أبويه، وأعرف اثنين منهم لا يفعلون سوى الاختباء في منازلهم. أما البعض الآخر فلا يردون على هواتفهم ولا أعرف مصيرهم.[37]

 

أخبر حسين هيومن رايتس ووتش "إنهم ـ أي الجيش المهدي ـ يذهبون إلى حفلات بعينها لاصطياد الرجال "الجاي". ثم أخبرنا أنه في منتصف شهر مارس/ آذار

 

ذهبت إلى حفلٍ في حي الأدهمية. وهي منطقة مليئة بالسنيين، ولكنها موجودة بحي شيعي. لم يكن بالحفل سوى الرجال، لكنهم كانوا معظمهم ممن يهوون النساء، وكان الحفل ملئ بالرقص والمشروبات الروحية. أما أنا فأجيد الرقص الشرقي ورقصت طوال الأمسية. وطوال الليلة كنت ألمح أشخاصًا وسط الزحام يراقبونني ويتابعونني بأعينهم.
غادرت الحفل في حوالي التاسعة مساءً. وبينما كنت أسير في الدرب، كانت ورائي سيارة دايو برِنس، وبها ثلاثة رجال بلحىً قصيرة.
 
كانوا من ضمن الحضوربالحفل وكنت أنا الوحيد الذي رقص رقصًا شرقيًا وكان واضحًا جدًا أنني "جاي". آه ـ وكانوا يشربون الخمر هم الآخرين! هؤلاء الناس لا مانع لديهم من القتل فلا عجب من أنهم لا يمانعون في أخذ رشفة نبيذ.
 
خرج أحدهم من السيارة وقال، "دعنا نصطحبك." عرفت من لهجتم أنهم شيعة.[38] بدأت أتراجع فقالوا بخشونة "تعال معنا" وكانوا في منتهى الإلحاح.
 
جذبني أحدهم من ذراعي. وأنا أعرف هذه النوعية، فهم دائمًا يبحثون عن شخص ناعم من أمثالي. دفعته بعيدًا عني، فجاء رجل ثاني وأمسك بي وشتمني بإبن القحبة، وجذبني داخل السيارة. ولم أعرف: هل سيضربونني، هل سيغتصبونني، هل سيقتلونني؟ قلت لهم دعوني أخرج وإلا سأبدأ في الصراخ" ـ حيث كنَّا بالقرب من نقطة التفتيش. كانوا يحملون مسدّسات وأشهروها، ثم ضربني أحدهم على رأسي بمقبض مسدّسه.

 

وعندما تحدثنا مع حسين، كان لا يزال يحمل جرحًا متقيحًا على جبينه من آثار الضرب.

 

بكيت وقال أحدهم: "سوف نفعلها بك"، وكانوا يقودون بسرعة جنونية وكنت أنا بجوار الباب، فبدأت أقاوم. ضربوني بالمرفق، ثم تمكنت من فتح الباب وتدحرجت خارج السيارة إلى الشارع، بجوار الحواجز الخرسانية. وتركوني هناك، وصحوت في اليوم التالي، وكان شخص ما قد جرَّني إلى المستشفى.

 

يقول حسين: "الجرح في رأسي هو العلامة: سأُقتل. إنهم يكرهونني. أريد أن أعيش".[39]

 

تعذيب وتهديد: "مجزرة في الطريق العام"

"قتلوا ثلاثة منذ يومين" ـ هذا ما قاله الطبيب (ويعتبر نفسه مثليًا) في منتصف أبريل/نيسان. "سمعت الخبر من صديق. وسمعت أنهم علّقوا جثثهم من فوق حائط". يسكن الطبيب بالقرب من مدينة الصدر، ولم تعد تؤثر فيه ـ وإن ظل لها بعض التأثير ـ روايات القتل العمد للمثليين في منطقته، والتي يسمعها بشكل منتظم:

 

نفس ما كان يحدث للسنة والشيعة يحدث الآن مع "الجاي". وحتى الآن علمنا أنا وأصدقائي بمقتل حوالي 10 أو 15 شخصًا، ومعظم الجرائم وقعت في مدنية الصدر أو في المناطق المحيطة بها. أحيانًا يأخذون الناس من المناطق الأخرى وياتون بهم إلى هنا ليقتلوهم. منذ حوالي شهرين، كانت بداية الموضوع. يومًا بعد يوم يزدادون وضوحًا وبروزًا، والآن الموضوع ضخم ورهيب. في البداية كانوا يفعلون ذلك سرًا: أما الآن فيستوقفونك ـ استوقفوني أنا بهذا الأسلوب ـ ويفتشونك في الشارع أمام الناس.

 

فرّ الطبيب من بغداد في منتصف أبريل/نيسان حفاظًا على سلامته، لكن القصص ظلت تطارده، ليس فقط في حياته الشخصية لكن بصفته المهنية أيضًا. قال لـ هيومن رايتس ووتش في 18 أبريل/نيسان:

 

قال لي طبيب زميل، وكان زميلي في الدراسة ويعمل الآن في المستشفى الكندي ـ قال لي عبر الهاتف إنهم قتلوا المزيد من الرجال بالأمس. أتوهم بأربعة جثث مبتورة الأعضاء التناسلية، وأتوهم ببعض الرجال، ما زالوا أحياء، وفتحات الشرج لديهم بداخلها صمغ.[40]

 

كما أخبرنا أن زملاءه حذروه بعد ذلك بأيامٍ قليلة "أن توافد الجثث على المستشفى لا يزال مستمرًا". في يومٍ جاءت جثتان، وفي اليوم التالي وصلت أربع جثث، وجثتان أو ثلاث فتحات شرجهم ملصوقة بالصمغ. ذلك بالإضافة إلى أشخاصٍ أحياء ـــ كثيرًا من الأحياء ـــ تعرضوا لتعذيبٍ قاسٍ، ولديهم كسور بالعظام."[41]

 

أما طيب، وهو شاب في الرابعة والعشرين فقضى عدة سنوات وهو يقيم في دارٍ آمنة "ببغداد"، تمولها جماعة "عراقي إل جي بي تي" ومقرها لندن. وأخبرنا أنه لم يبق سوى تسعة من إجمالي الستة عشر رجلاً الذين كانوا يقيمون معه بالدار، أما المتبقين فإما سقطوا ضحايا القتل العمد أو اختفوا. أخبره أصدقاؤه وأفرادُ أسرته "أن الجيش المهدي ألقى بصديقي مصطفى من فوقِ بناية، ثم قتلوه رميًا بالرصاص". وكذلك أوائل عام 2009:

 

قتل الجيش المهدي خلدونًا في بغداد الجديدة. سمعت أنهم عذبوا خلدون وضربوه ومثلوا بجثته، وأخيرًا علقوه على قارعة الطريق. ومن أشكال التعذيب التي استخدموها فيه أنهم سدوا فتحة شرجه تمامًا بصمغٍ قوي وبعدها أعطوه مُليناً سبب له حالة إسهال فمات.[42]

 

وقد يكون أشد جوانب هذه الحملة مدعاةً للفزع هو أن الجناة يظلون بمنجاةٍ من العقاب والطابع العلني لأحداث القتل. فالشكل الوحشي لهذه الجرائم، إضافة إلى تكاثر الجثث المثل بها في صناديق القمامة علامات المقصود بها الإشارة إلى سطوة القتلة ورخص حياة القتلى. وهكذا، فإن الأجساد التي تتعرض للإخصاء والتشويه والتمثيل بها والتعذيب تصبح شواهد تُسطّر عليها بحروفٍ محفورة صور العقاب بدلاً من مجرد إنزال العقاب بها. فالأمر في ـ عبارة أحد الرجال ـ "مجزرة في الطريق العام".[43]

 

علمت الصحافة بأبشع طريقة قتل بحقن الصمغ داخل شرج الضحايا في 19 أبريل/نيسان، في مقال في العربية أتت بإدانة على لسان ينار محمد، وهي ناشطة عراقية تدافع عن حقوق المرأة، تدين فيها "شكل من التعذيب لا سابق له ضد المثليين."[44] كما أكد أطباء آخرين في بغداد لـ هيومن رايتس ووتش أن هذا النوع من التعذيب يمارس بالفعل. أخبرنا أحدهم، ويعمل بمستشفى الشوادر بمدينة الصدر، أنه رأى أربع جثث لرجال أتت للمستشفى:

 

كان أحدهم من معارفي. إحدى الجثث وجدوها وسط القمامة في منطقة قسرى وعطش، أما الآخرين فوجدوهم في عدة طرقات أخرى... كانت جثتان من بين الذين رأيتهم ملصوقات مؤخراتهما بالصمغ. سمعت أن ذلك حدث في إحدى ورش السيارات بمدينة الصدر، ولكنني لا أعتقد أن الشرطة أجرت أي تحقيقات في هذا الموضوع.[45]

 

ولكن المذكورأعلاه ليس إلا أسلوب واحد ضمن أساليب عديدة يعد بها المعتدون عرضًا مسرحيًا للإذلال والإهانة. فمثلاً أخبرنا مشعل: أخبرني أصدقائي أنهم قتلوا رجلين في الأسبوع الماضي، في جريمتين منفصلتين. كان أحد الضحايا من مدينة الصدر، أما الثاني فكان من أور وهي منطقتي. خلعوا ملابسهم ثم أجبروهم على ارتداء حمالات صدر نسائية وكافولات. ثم ضربهم رجال الجيش المهدي حتى ماتوا. وصوروا إحدى الجريمتين على الأقل فأنا رأيتُ الفيديو يتناقله الناس عبر البلوتوث.[46]

 

ومثل هذه القصص تؤكد على أجواء الرعب وتضمن بقاءها، كما أن مما يثبت صحة هذه الروايات الأفلام التي تصور البشاعات والإهانات، وتتناقل هذه الأفلام بشكل بالغ السرعة من هاتف نقال إلى آخر من أقصى العراق إلى اقصاها. فأخبرنا طارق:"ظهرت في الآونة الأخيرة شتمة جديدة "للجاي" وهي "جرو". عرض علي أحد أصدقائي فيلم فيديو على هاتفه النقال يصور رجلاً في منتهى النعومة، وقد دبلجوا صوت جرو ينبح على صورته بحيث يتماشى النباح مع حركات فمه. وهذا النوع من الأفلام منتشر، حيث يوجد الكثير منها.[47]

 

أخبرنا فضل إن في منطقته بالقرب من مدينة الصّدر، "رأيت ملصقًا على الحائط : " أوقفوا أفعال المثليين الشواذ المشينة المنافية للدين الإسلامي وأنزلوا بهم نصيبهم من العقاب الإلهي".[48]

 

ظهرت لافتات مماثلة في النجف وهي مسقط رأس عائلة الصدر. أخبرنا أحد الأطباء أن أسماء من يرتابون في أنهم يمارسون المثليّة كانت مكتوبة على الجدران " في ثلاثة أماكن مختلفة بمدينة الصدر: قصرى وعطش، وشارع الفلا، وفي آخر شارع الداخل".[49] كما وردت في العربية مزاعم عن ظهور تهديدات علنية بالمنطقة تستهدف أفرادًا مذكورين بالاسم:

 

مجموعة مجهولة تطلق على نفسها اسم "أهل الحق"[تقوم] بملاحقة مثليي الجنس من أهالي المدينة بعد مقتل عدد منهم في الأيام الماضية. وقالت المصادر إن "3 قوائم تحمل 10 أسماء لفتيان مثليي الجنس علقت لساعات قصيرة في مدينة الصدر". وأكدت وجود عبارة تقول "سنقوم بالقصاص منكم أيها الفاجرين".[50]

 

أضاف فادي أن أساليب هؤلاء تضم التهديدات الشخصية. "لو كانوا [أي الجيش المهدي] غير متأكدين من شانك، يقولون: "عليك أن تعدل عن أفعالك وإلا قتلناك." أما إذا كانوا واثقين، يقتلونك دون مقدمات". وقال لـ هيومن رايتس ووتش:

 

تعرّض صديق لي، وهو مهندس، للتهديد المباشر. روى لي أنهم أخبروه أن أسرته ستُقتَل معه إن لم يعدل عن فعل هذا. لم أسمع أي خبر منه منذ عشرة أيام... أنا ايضًا هددوني مباشرةً. تعرّفت على شخص معروف جدًا عنه إنه "جاي". أعتقد أن بعض الناس بالحيّ تربَّى لديهم شك أنني قد أكون "جاي" أنا الآخر. وفي حوالي 12 أبريل/نيسان، كنت في الطريق العام ورأيت بعض بلطجية الجيش المهدي يضربون شابًا كانوا يتهمونه بأنه كذلك. لمحوني وصرخوا: "نعرفك وسنقتلك بعده".[51]

 

أخبرنا عدة أشخاص أنهم تلقّوا تهديدات بالقتل عبر الهاتف أو في رسائل. أخبرنا طلال: "بدءًا من ديسمبر/كانون الأول [2008] بدأت تصلني رسائل قصيرة على الهاتف النقال تحوي شتائم." واستحياء منه أن ينطق بتلك الألفاظ كتبها لنا في ورقة: "طنطة" (أي الرجل المخنث) "فراخ" (أي صبيان).

 

وكتبوا بالرسائل: "نعرف شكلك"، و"نعرف بيتك وسنأتي عندك" و"سنقتلك إذا رأيناك."وأتتني مكالمات من أرقام عشوائية تقول نفس المعنى.[52]

 

قال بلال، وهو بائع في كرادة، إنه "منذ ثلاثة أسابيع كنت أسير في الطريق، ثم وقفت سيارة بجانبي، فيها ثلاثة شباب مراهقين. وبدأوا في التفوه بالقباحات وتتبعوني قائلين: "عيب، عيب، يا شاذ، يا دودة":

 

كلما ذهبت إلى عملي أصابني الخوف. فكأنما أقامر في كل مرة ذهبت فيها. منذ شهرين أتى رجل ما وكان يتتبعني. كان يتسكع في المنطقة التي أعمل فيها وينظر لي نظرات كريهة ـ  شعرت بالخوف من التعرض للاختطاف أو القتل.[53]

 

غادر بلال بغداد ورحل إلى منطقة أخرى في العراق. في مايو، أخبر هيومن رايتس ووتش إن مجهولاً أرسل رسالة إلى أسرته تقول إن "هم" في انتظاره، وإنه سيكون مصيره القتل إذا عاد إلى حيّ كرادة الذي كان يقطنه.[54]

كما امتدت هذه التهديدات إلى خارج بغداد. تحدثنا مع رجلين بالنجف بينهما علاقة استمرت خمس سنوات، والمعروف أن النجف التي يسكنون فيها هي موطن مقام الإمام علي وهي من أقدس الأماكن بالنسبة للشيعة كما بالمدينة بيت من بيوت مقتضى الصدر، والجيش المهدي يحكم المدينة. كان جعفر (41 عامًا) لديه متجرًا فيما مضى بالقرب من جامع الإمام علي أما عندما التقينا به، كان في حالة من الصدمة والانهيار من آثار الإساءات والمضايقات والهجمات التي تعرض لها على مدى شهور طويلة، فأصبح لا يقوى على مغادرة غرفته وكان بالكاد يفلح في الكلام. فسمعنا معظم ما حدث لهم من محمد شريك حياته 34 عامًا.

 

قال محمد: "فعل الجيش المهدي بنا الكثير".

 

بدأ الموضوع في أكتوبر/ تشرين الأول 2008. دخل بعض الرجال إلى متجر جعفر وأعطوه مخدرًا في شكل مشروب أو حلوى. عندما دخل في سيارته وهَمَّ بالعودة إلى البيت ومعه إيرادات المتجر، دخل أحدهم معه السيارة، ومن تأثير المخدِّر لم يقوَ على منعهم، فاختطفوه وضربوه وسرقوا كل ما كان يحمله ـ عشرات الآلاف من الدولارات. واختفى لمدة أيام، ويرفض البوح بما حدث له. لم أره إلا بعدها بأسبوعين وكان لا يزال برأسه ندبة دامية من آثار الضرب.
 
في مرة أخرى، اختطفوه لمدة طالت ستة أيام وهو حتى الآن يرفض بتاتًا أن يخبرني بما فعلوه به. كانت جوانبه عليها كدمات كأنما سحلوه في الطريق ـ فعلوا به أفعال يعجز عن وصفها حتى لي أنا.
 
"كتبوا في التراب على الزجاج الأمامي لسيارته: الموت لقوم لوط والمتخابرين مع الأعداء." كما أرسلوا لنا تهديدات مستترة في الرسائل الكتابية عبر الهاتف النقال: "أسماؤكم في القائمة" وأرسلوا لجعفر مظروفًا فيه ورقة، إلى بيته: كان يحوي ثلاث رصاصات مغلفة بالبلاستيك من أحجام مختلفة. ورد في الرسالة: "أيهم تريد في قلبك؟".
 
عرفت من هم، حيث جاء المظروف من عند الخبير الفني للجيش المهدي بالنجف ـ هو الذي ينفذ مواقعهم على الإنترنت. قابلني ذات يوم في الدرب وسألني "هل وصلتك هديتي؟".
 
أبغى أن أكون شخصًا طبيعيًا، أحيا حياة طبيعية، وأسير في طرق المدينة، وأحتسي القهوة على قارعة الطريق. ولكن بسبب كوني من أنا، فذلك مستحيل، ولا مفر.[55]

 

روى لنا مصطفى (37 عامًا) أن أحد رجال الميليشيات نصب له فخًا في أحد حمامات البصرة مسقط رأسه:

 

في البصرة حمام يرتاده "الجاي". دخلته، لكنني كنت في منتهى الحرص بالنسبة لمظهري وتصرفاتي. أخذتُ دوش وجاءني، وبدأ في الحديث عن الأوضاع في العراق، وقال إنه يجب على الناس التزام المزيد من التفتح، وتقبل التغييرات وأن يتغيروا معها. كان في منتهى البراعة في أسئلته!
 
سألني إذا ما كنت أشاهد القنوات الفضائية. قلت نعم. سألني إذا كنت أشاهد القنوات الأوروبية فأنكرت.[56] قال: "الإنترنت طيب: ما أطيب دخول الإنترنت إلى بلدنا." سألني عن المواقع التي أزورها. قلت له مجرد مواقع متنوعة عادية. سألني إذا كنت أرتاد المواقع الإباحية. ثم سألني إذا كنت أستخدم موقع "منجم" [وهو موقع إعلانات طلب علاقات شخصية له شعبية لدى الرجال المثليين]. وبذلك كان في منتهى الذكاء، حيث كنت أعتقد أن هذا الموقع لا يعرفه إلا "الجاي" فعندما قال ذلك وثقتُ فيه واعترفت.
 
ابتسم لي لمدة دقيقتين، ابتسامة محايدة وتتسم بالحذق، وظل ينظر لي فحسب. ثم أمسك بشعري وبدأ يضربني وهو يصرخ : "أنتم جِاايز" قالها هكذا باللفظ : "جِاايز" وجرني خارج الدوش. توسلت إليه بأن يسمح لي بارتداء ملابسي، فسمح لي بارتدائها، لكنه بعدها سحبني إلى خارج الحمام في الطريق العام وهو يصرخ "أنت لوطي"!
 
تجمع الناس حولنا وهو يضربني وحاولوا التدخل. فسألوه: " كيف عرفت أنه لوطي؟ هل رأيته وهو يمارس اللواط؟" فرد عليهم: "لدي أساليبي الخاصة في معرفة ذلك! كنت أتوسل إليهم أن يساعدوني، وأثناء محاولاتهم للحديث معه بالعقل، انتهزت فرصة الهرج والمرج وهربت. كنا في دربٍ ضيق ملتوي؛ جريت ما يقرب من 300 متر قبل أن أصل إلى متجر يبيعون فيه الحبال. ناديت "دخيلك" [والمقصود بذلك طلب الاحتماء بالمكان]. فأدخلني صاحب المكان وسمح لي بالاختباء في متجره.
 
أدخلني وأخبأني في القبو، لكنني حتى في القبو كنت لا أزال أسمع الرجل وهو يصرخ بالخارج "وينه؟" ولقد انضمت إليه أصوات أخرى. بعدها بساعتين أخبرني صاحب المتجر أنه اضطر إلى إغلاق ابوابه، قال لي إن الرجل كان من الجيش المهدي وأن الميليشيا تبحث عني ذهابًا وإيابًا في الدرب كله، فتوسلت إليه أن يسمح لي بأن أظل بالداخل طوال الليل، فأنزل أبواب المتجر وسمح لي بالاختباء عنده. أما في الصباح، بعد صلاة الفجر عاد صاحب المتجر وأخبرني أن الجو أمان فلذت بالفرار.[57]
 

حنيف (25 عامًا) فر من بغداد بسبب جو التهديد الذي يمارسه أشخاص أخذوا على عاتقهم تنفيذ قانونهم الخاص. وبعدها بأسبوعين تلقت أمه رسالة مكتوب فيها الآتي:

 

رسالة إلى أحد جراوي بغداد
أعلم أن قانون الشريعة سيطبق عليك وأنه يجب علينا سرعة التنفيذ
حيثما اختفيت، سنحظى بثواب قتلك.

 

وكانت موقعة: "أهل الحق".[58]

 

أخبرنا رجل آخر، من كركوك، أن ميليشيات السنة كانت قد وجهت له التهديدات هناك في أبريل/نيسان 2009.

 

كانت لديهم شكوك بخصوص ملابسي وسلوكي، وكانوا يراقبونني طوال الوقت. ثم ذات يوم أوقفوني في الطريق وأنا عائد من عملي إلى المنزل في الليل. وجهوا لي الشتائم والإهانات (طنطة وفراخ) وهددوني بالمسدسات. وأمروني بتغيير ملبسي وصوتي ونهوني عن مقابلة أي شخص أبدًا أي كان، وأخبروني أنهم يعرفون ما أنا عليه، وضربني أحدهم في وجهي. وبسبب ذلك تركت عملي والمدينة برمتها.[59]

 

 

III. الابتزاز والدولة: قصة نوري

 

لا يجّرم القانون العراقي السلوك المثلي بين البالغين الذي يتم برضا الطرفين. ولا يَرِد السلوك المثلي تحديدا في قانون العقوبات لعام 1969 ـ وهو لا يزال ساريًا ـ إلا في المادة 393، وعنوانها، "الاغتصاب واللواط وهتك العرض." ولكن المادة، بالرغم من عنوانها، تمثِّل محاولة لسنّ قانون يعاقب الاغتصاب بصرف النظر عن نوع المجني عليه. وفي صلب المادة نقرأ:

           

يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت كل من واقع أنثى بغير رضاها أو لاط بذكر أو أنثى بغير رضاه أو رضاها.[60]

 

ولكن القانون الجنائي يحتوي على بعض الأحكام العامة الشاملة التي تعطي رجال الشرطة والمدعين سلطات واسعة لإنزال العقاب بالأشخاص إذا كانوا ينفرون من كلامهم أو حديثهم أو تصرفات وحسب.

 

·       تعاقب المادة 401 "كل من ارتكب فعلاً مخلاً بالحياء" في مكان عام بالحبس لمدة لا تزيد عن ستة أشهر.

·       تعاقب المادة 402 "من طلب أمورًا مخالفة للآداب من آخر ذكرًا كان أو أنثى" بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر.

·       تعاقب المادة 501 "من اغتسل في المدن أو القرى أو القصبات بصورة منافية للحياء أو ظهر في محل عام بحالة منافية للآداب"، بالحبس لمدة لا تزيد عن عشرة أيام أو بالغرامة.

·       تفرض المادة 502  العقوبة ذاتها على "من وجد يتسكع في المحلات العامة أو يترصد فيها لقصد أو لغاية منافية للآداب".

 

كما توجد مواد أخرى يمكن استغلالها في الحد من  حرية التعبير والتجمع السلمي أو في إنزال العقاب بالمدافعين عن حقوق الإنسان إذا ما تبنوا القضايا التي لا تروق للعامة أو للسلطات.

 

·       تعاقب المادة 200 (2) بالحبس لمدة لا تزيد على سبع سنوات أو الحبس كل من حبذ أو روج أيا من المذاهب التي ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسة للهيئة الاجتماعية".

·       تحظر المادة 210 نشر أو ترويج أية معلومات أو أفكارلعدة أسباب من ضمنها "تكدير الأمن العام".

·       أما المادتان 403 و404 تسمحان بالحبس (لمدة لا تزيد عن سنتين بحكم المادة الأولى، ولا تزيد عن سنة بالنسبة للثانية) لصاحب الأقوال أو المنشورات الـ "مخلة بالحياء أو الآداب العامة"[61].

استغل مدعو الحكومة الإقليمية الكردستانية المادة 403 لمقاومة من يفتح مواضيع لها علاقة بالمثلية على الملأ، ففي 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 حكمت إحدى محاكم إربيل على عادل حسين وهو طبيب وصحفي مستقل بالحبس ستة أشهر للتعبير عن أمور منافية للآداب لنشره مقالاً قبلها بعامين في المجلة الأسبوعية المستقلة حولتي يتناول القضايا الصحية الخاصة بالرجال الذين يمارسون الجنس مع غيرهم من الرجال[62].

           

ولكن حيثما تفتقر سيادة القانون إلى احترام الناس والقدرة على التطبيق، فإن النصوص التشريعية ليست بذات موضوع إلى حد كبير، حيث قد يجهل الكثير من رجال الشرطة ما يسمح به القانون ويحظره تحديدًا. وفي أبريل/نيسان 2009، ورد في صحيفة النيويورك تايمز على لسان ضابط شرطة بأحد أقسام شرطة كراده ببغداد "اللواط يحظره القانون. وهو مقرف". وزعم ذلك الضابط أن منذ أربعة شهور والشرطة تشن "حملة لتنظيف الشوارع وتخليصها من المتسولين واللوطيين."[63]

           

 وفي ذات الحين، ينطلق قمع الشرطة بدافع التحيز والفساد حتى في غياب أي تبرير قانوني. أخبر العديد من الأشخاص هيومن رايتس ووتش بأنهم شاهدوا رجال الشرطة يتحرشون بالرجال "المخنثين" أو يضربونهم. قال لنا أحد الصحفيين: "منذ حوالي أربعة أشهر في حي باب شرقي [في بغداد]، وأنا في طريقي إلى العمل، رأيت شخصيًا رجال الشرطة وهم يمسكون بأربعة رجال ممن يرتدون ملابس النساء، وكانوا يعتدون عليهم اعتداءً  بدنياً قاسياً ـ فكانوا يجذبونهم من شعرهم، ويركلونهم ويزجون بهم بعنف في الصندوق الخلفي لعربة الشرطة."[64]

 

يتهم العراقيون الذين التقينا بهم رجالَ الشرطة بالتغاضي عن عنف الميليشيات بل والتواطؤ معها. قال مشعل، الذي اختطفه الميليشيات في أبريل/نيسان 2009: "كانت دورية الشرطة موجودة بجانب المتجر مباشرة عندما تعرضت للاختطاف، ولكن رجال الشرطة لم يتدخلوا بتاتًا. الكل يعتقد أن الشرطة [في تلك المنطقة] تحت سيطرة الجيش المهدي."[65]

 

أما أهم الأمور فهو، كما قال أحد الرجال في حديث معنا، "عندما ينظررجال الشرطة إلى "الجاي" يرون الأموال الطائلة."[66]

 

وأخبر أحد ضباط الجيش العراقي هيومن رايتس ووتش أنه "من خلال علاقاتي، سواءً  في الجيش أو في وزارة الداخلية، رأيت نماذج لا تصدق من الفساد الإداري. فهم على استعداد لفعل أي شئ وتدمير أي شخص لمجرد الحصول على بعض المال ــــ سواءً  من خلال التهديدات أو الابتزاز أو التعذيب. والرجال المثليين من أسهل الفرائس التي يمارسون عليها ابتزازهم".[67]

 

جاءت رواية يتضافر فيها العنف الوحشي مع الفساد الحكومي على لسان أحد الشباب الذين تحدثنا معهم. في أوائل 2009 وأثناء بداية انطلاق حملة الميليشيات واسعة النطاق، اختطفه ضباط وزارة الداخلية وعذبوه في عملية ابتزازقاتلة، بهدف ابتزاز الأموال منه لأنهم عرفوا أنه يعمل مع منظمة بالخارج تساعد الأقليات الجنسية، فدفع لهم ونجا بنفسه، ويقول إنه رأى بعينه جثث خمسة رجال بسبب عجزهم عن الدفع.

 

نوري شاب عمره 21 عام ومن مواليد بغداد، وكان قد بدأ الاتصال بجمعية "عراقي ال جي بي تي"، ومقرها لندن، عندما كان في السابعة عشر. وفي الأعوام التي تلت ذلك، استأجر وأدار بيتين في بغداد نيابة عن هذه المنظمة وباسمها، وكانت وظيفة هذين البيتين "ديار آمنة يحتمي بها الرجال، ومعظمهم من الشباب، ممن طردتهم أسرهم أو ممن واجهوا العنف في الطرقات لكونهم "مخنثين" أو لأن الناس ترتاب في أنهم يمارسون الجنس مع غيرهم من الرجال. وكانت هذه الجمعية العراقية ترسل إليه بعض المبالغ الصغيرة بصفة دورية بهدف صيانة هذه الديار وتغطية تكاليفها، ولفت أنظار السلطات بلا شك. فقال لنا: "في يوم من أيام فبراير/شباط 2009:

 

كنت راكبًا سيارة أجرة في وسط كرادة عندما استوقف المغاوير السيارة،  وطلبوا بطاقة هويتي وفتشوني، أخذوا تليفوني ومحفظتي ووضعوا القيود المعدنية بمعصّمي ثم غطوا رأسي بحقيبة وضربوني ووضعوني في عربة، وأخذوني إلى وزارة الداخلية.
 
عندما وصلنا، سمعتهم يتحدثون في جهاز لاسلكي: كانوا يخبرون أشخاصًا من المخابرات عما حدث.
 
وضعوني في غرفة ـ غرفة عادية ـ وأزالوا الغطاء من على رأسي، ووجدت نفسي مع خمسة رجال "جاي" آخرين. لم أكن أعرفهم من قبل، لكني اكتشفت أننا لدينا معارف مشتركة. وأعطوني هؤلاء الخمسة أسماءهم المؤنثة لكنهم لم يفصحوا عن أسمائهم الحقيقية. الرجال "الجاي" في العراق حريصون جدًا على إخفاء أسمائهم الحقيقية.
 
ثم بعدها بساعتين، فرقونا ووضعوا كل منّا في غرفة. ولم أعرف مصير أيًا من الخمسة الآخرين بعد ما فرقونا. ثم جاءني ضابط شرطة وقال: "هل تعلم أين أنت؟ أنت في جناح الاستجواب في وزارة الداخلية." قال: "لو لديك عشرة آلاف دولار أمريكي، سنطلق سراحك."
 
قلت له إنني ليس لدي مثل هذه المبالغ.
 
في اليوم التالي في العاشرة صباحًا، قيدوا يدي خلف ظهري بالقيود المعدنية. ثم ربطوا حبلاً حول ساقي، وعلقوا الحبل بخطاف بالسقف، فكنت معلقًا ورأسي إلى أسفل، من الصباح حتى الغروب. فقدت الوعي. كانوا قد خلعوا جميع ملابسي ما عدا الداخلية وأنا معلق رأسًا على عقب. وليلتها قطعوا الحبل وأنزلوني، لكنهم لم يعطوني أي ماء ولا طعام.[68]

 

قال نوري: "وضعوني طوال الوقت في زنزانة منفردة:

 

كان ارتفاعها يزيد قليلاً على مترين: كانت يدي تطول سقفها. لم تتسع بما يكفي لأستلقي؛ فاضطررت إلى النوم وأنا شبه واقف. كانت أشبه بالصندوق المعدني.
 
في اليوم التالي، أمروني بارتداء سائر ملابسي واقتادوني للضابط المحقق. قال لي: "هل أعجبك هذا؟ سنفعل هذا بك أكثر وأكثر حتى تعترف." سألته: أعترف بماذا؟ "بالعمل الذي تقوم به وبالمنظمة التي أنت عضو فيها، وبأنك طنطة" [أي رجل مخنث].

 

قال نوري: "تحدث الضباط عن الدين، وقالوا إن ما أفعله ضد الدين. كلما أثاروا موضوع الدين كانوا يُستفزون ويضربونني ضربًا أشدّ". لكنه أضاف أن أهم ما كان يدور في رأسهم هو المال. "كانوا ملمين بالاسم ـ  "عراقي إل جي بي تي" ـ وكانوا يعرفون أنها تقدم المساعدات المالية للمثليين. وكانوا ملمين بأمر الديار الآمنة. لم يرغبوا في معرفة أي شيء سوى: "من الذي يدفع؟ ولماذا يساعدونكم؟"

 

عندما استجوبوني كانوا يقولون: "عليك أن تعترف." وقلت لهم: ليس لدي ما اعترف به. ثم عرضوا عليّ تقرير شرطة قرأته وكان فيه كل شئ عني منذ عام 2005 وحتى يوم القبض علي... كانوا ملمين بتفاصيل شخصية من خلال مخبرين "جاي". ثم اقتادوني إلى غرفة أخرى وبدأوا في تعذيبي من جديد.
 
كان الحراس في الثياب الرسمية ينتشرون في أنحاء مبنى الوزارة ، أما الذين استجوبوني فكانوا دائمًا يرتدون ملابس مدنية. كانت لديهم أزيائهم الرسمية التي يرتدونها أثناء ساعات العمل الرسمية؛ لكن الاستجوابات كلها كانت تتم بعد الثالثة مساءً أي بعد مواعيد انتهاء العمل بالمكاتب. إذ كانت الاستجوابات في منتهى العنف، فأعتقد أنهم لم يريدوا أي صراخ أثناء زيارة الجمهور للمبنى.
 
استمر الضرب المبرح لمدة أيام، مصحوبًا بالشتائم والإذلال المستمر. أمضيت في الحبس 25 يومًا والتعذيب استمر لمدة 25 يومًا، كان عددهم 9 وكانوا يعملون في مجموعات من ثلاثة أشخاص، وتتغير كل يوم المجموعة الثلاثية، فكل يوم كانت المجموعة تتكون من ضابط ذو رتبة ومعه اثنان ذوي رتبة أقل، وكان الثالثة يعذبونني كل يوم لمدة 4 أو 5 ساعات.
كل يوم كان نفس النوع من التعذيب، كانوا يضربونني في جميع أجزاء جسمي، وذلك عندما كنت معلقًا ورأسي لأسفل. كانوا يستخدمونني مثل دمية الملاكمة وكان ذلك يحدث كل يوم. الآن أصبت بالصداع النصفي بسبب كم الوقت الذي أمضيته معلقًا مقلوبًا. أصبحت أعاني  من الرعشات والصداع. استخدموا عصا الصدمات الكهربائية في كل جزء من جسمي.
 
ثم اغتصبوني على مدى ثلاثة أيام. حدث هذا قرابة انتهاء المدة. في أول يوم اغتصبني خمسة عشر رجلاً منهم؛ في اليوم الثاني، ستة؛ في اليوم، أربعة. في كل مرة كانوا يضعوا حقيبة على رأسي.

 

أرانا نوري بعض الندوب على معصميه، وهو يجهش بالبكاء، وقال "حاولت قطع شراييني بملعقة بلاستيكية بعد حوادث الاغتصاب."

 

حاول ضابط واحد فقط مساعدتي من ضمن التسع الذين كانوا يتولون تعذيبي. كان عضوًا في فريق التعذيب ولكنه، قال لي أنه لم يرسل تقريرالشرطة الخاص بي إلى القاضي الذي ـ حسب ما قال ـ سوف يصدر علي الحكم. وأخبرني أنه سينقذ حياتي إذا أعطيته رشوة قدرها خمسة آلاف دولار.
 
وذات يوم، صعدوا بي إلى الدور الأخير، حيث نافذة صغيرة تطل مباشرة على الفناء. أعطوني نظارة معظمة لكي أنظر منها. تمكنت فعلاً من الرؤية: رأيت الرجال الخمس الذين كانوا في الزنزانة في أول الفترة عندما ألقي القبض علي. كانت جثثهم الهامدة ملقاة على الأرض. كانوا قد أعدموهم.
 
ثم لوحوا أمامي بورقة وقالوا لي إنها حكم المحكمة الذي يأمر بإعدامهم. قلت لهم أعطوني الهاتف، واتصلت بصديقي في لندن.[69]

أرسل الصديق من لندن الأموال لأحد معارف نوري ببغداد، وأعطاها بدوره إلى الضابط:

 

بعد ذلك، في حوالي الثالثة صباحًا ذات ليلة جاءني الضابط وأعطاني زيًا عسكرياً وقناعًا للرأس ـ قناع يغطي الرأس كلها فلا ترى منها إلا العينين. يتغير الحراس في ورديات، فيذهب ويجئ بعضهم من المكان، وهربت أنا عن طريق مغادرة المكان مع الجنود ـ كنت أعرج من آثار التعذيب لكنه أراني طريقة المشي العسكري مثل الجنود لكي لا تقع علي أية شبهة. أخذني إلى الخارج ووضعني في حقيبة السيارة وأنزلني في أحد الطرقات على أطراف المدينة. مشيت بعدها لمدة ثلاث ساعات.
عندما طلب مني الرشوة، اعتقدت أنه سيأخذها ويقتلني. لم أصدق إنني سأعيش إلا بعد أن خرجت من حقيبة السيارة.

 

IV. الذريعة والسياق: الهلع الأخلاقي والانتهازية السياسية

 

تستند جرائم القتل التي نفذتها الميليشيات إلى الشريعة الأخلاقية باعتبارها الذريعة. ولكن الواقع أنهم غرسوا وتداً في التيار الأعمق لبواعث القلق الاجتماعي فيما يتعلق بالقيم "التقليدية" والتغير الثقافي. وظهرت هذه المخاوف في الصحافة اليومية إلى جانب خطب الجمعة، وتتخذ النوع الاجتماعي محوراً لها، وتتركز على الأخص على فكرة أن الرجال فقدوا "رجولتهم" وصاروا يرسبون في اختبارات الرجولة التقليدية.

 

كتب ستانلي كون، وهو عالم اجتماع بريطاني، منذ قرابة 40 عامًا أن: "يبدو أن المجتعات عرضة، من حين لآخر، لفترات من الهلع على الأخلاق"، وهي موجات لا عقلانية من الذعر حيث "يظهر حال أو حدث أو شخص أو مجموعة من الأشخاص ويعرّفها المجتمع على أنها تمثل تهديدًا للقيم والمصالح المجتمعية". وفي مثل هذه اللحظات، تزداد وتتضافر الشكوك العميقة المتعلقة بالتغيير السريع، وتزداد بقوة تؤدي إلى تهميش العمليات المعتادة، سواءً كانت سياسية أو مدنية أو شخصية، التي تتيح عادة لهذه المجتمعات المحلية مناقشة وحل مصادر توترها. فيبحث الناس عن كبش فداء، ليس فقط لشرح التحولات المقلقة المحيطة بهم بل لتجسيدها، وهم لا يفهمون هذه النقلات لكنهم مصرون على وقف زحفها.[70]

 

يطلق الباحث ستانلي كون على حالات الهلع على الأخلاق "أشكال من الكفاح السياسي المضغوط هدفه التحكم في وسائل إعادة الإنتاج الثقافي".[71] وفي قول أبسط: هي معارك تهدف إلى تحديد من له حق الانتماء إلى مجتمع محلي ما ممن ليس لديه هذا الحق. وتدار المواجهات بأسلحة الرأي، في عواميد الصحف وأماكن العبادة ـ وأحيانًا باستخدام أسلحة العنف وهي المشنقة والمسدس. وتشير جرائم القتل العمد في العراق إلى مثل هذا الصراع، ومثل هذا التجمع المعقد من المخاوف، بعينه.

 

اعترفت المجلة العراقية  الأسبوعية في مايو/أيار 2009 وفي أوج حملة القتل، إن "الشيالة" يستهدفون المثليين. ولكن الصحيفة لم تلم القتلة بل لامت "الجراوي"، بصفتهم رجال مصرون على التصرف كأنهم ليسوا رجالاً.

 

موجة "أَنْثوة" تجتاح بعض الأحياء البغدادية يتحول معها فريق من الشبان إلى نساء أو ما يشبه النساء عن طريق التمثل بالفتيات. إنهم المثليون جنسيًا أو"الجراوي" (التسمية المحلية التي تطلق على المخنثين) الذين يعانون من "الشيالة" وهم مجموعات تصطادهم وتقتلهم في معظم الحالت، والشرطة تتفرج...
 
في مدينة الصدر بحثنا عن "الجراوي: أو المخنثين ولم نعثر لهم على أثر. ويقول علي حسن من سكان المدينة... أن الشهر الحالي شهد أحداثًا كثيرة غيرت الكثير من الأمور أولها تخلي الشباب عن موضة الكلاسيكي الضيقة جدًا وإطالة شعر الرأس وإزالته من الوجه، فالكل يقول إن هناك لجانًا خاصة أو جماعات تصفي كل من يضع خلطة مبيض للوجه، كما إن الصيدليات هي الأخرى خلت من هذه المواد لا سيما الهرمونات الأنثوية التي كانت منتشرة في الفترة الأخيرة. ويؤكد على أنه لم يشاهد أيًا من مظاهر العنف. لكن يشاع وبقوة عن وجود جماعات وعيون خاصة تؤمن لهذه الجماعات معلومات كاملة عن الشاب الذي يتناول هرمونات أنثوية أو يضع خلطات تبييض الوجه ويطيل شعر رأسه لتتم زيارته في وقت متأخر من الليل واقتياده من منزله...
 
ياسر حميد صاحب أحد المقاهي في باب المعظم. ياسر يؤكد أنه يطرد كل من يشك في إنه من هذه "الأصناف" كما أنه منع أولاده من شراء الملابس الغريبة التي تملأ الأسواق ومنها القمصان الضيقة جدًا والبناطيل الضيقة التي لا تصل إلى وسط الجسم. وهو ينتقد هذه الأمور التي يراها بداية انحلال أخلاقي. فالشاب يرتدي ملابس معيبة ويصفف شعره بشكل غريب ويرتدي الأساور والقلائد ويضع الماكياجات على وجهه.
 
أما الدكتور بهاء جعفر أستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد فيعلق على هذه الظاهرة بالقول: أنها تحول اجتماعي سلوكي ذو خطين. الأول مدعوم ومسيس والآخر عشوائي سببته الثقافات الهجينة التي اجتاحت المجتمع وسقوط المثل العليا وتركها الأخلاق والإصلاح وسعيها وراء المناصب والسياسة والمصالح الخاصة. ومن الآثار السلبية التي نتجت عن إقحام الدين في طبخات السياسة وصفقات المناصب والنزاعات المسلحة تحول فئات اجتماعية كثيرة نحو هذه السلوكيات. بعدما أصابتها خيبة أمل. وما يلاحظه أستاذ الاجتماع ويسجله على هذه التغيرات هو تغير طبيعة الطلاب من الخشونة إلى الميوعة وبشكل مبالغ فيه. حتى أنه يحتار في بعض الأحيان من التفريق بين طلابه وطالباته. اللهم إلا الأيدي وحجمها والأقدام وامور أخرى. وبالتالي فإنه يتوقع أن تترسخ هذه الظواهر في المجتمع إذا ما سمح لها بالاستمرار. وحقيقة الأمر ان القوانين لا تمنع هذه الظواهر الشاذة وليس هناك نص قانوني أو تشريع يمنع الشاب من التمثل بالبنت أو العكس خصوصًا في المظهر الخارجي."[72]

 

وفي مقال مشابه، حذرت صحيفة الصباح في مايو/ آيار من "تخنيث الشباب: تشخيص وعلاج"، وزعمت أن "التشبه بالنساء أصبحت منظرًا شاخصًا المدن حتى بدا ما يرافقها من شذوذ".

 

إن المسؤولية الأخلاقية تقع على الجميع من علماء ومدرسين وإعلاميين ومثقفين أضفإلى ذلك أولياء الأمور والتعاون مع إدارات المدارس الثانوية من مرشدين اجتماعيين ونفسيين ومربين... إن تأثيرات العولمة، في الموضة، والمسلسلات المدبلجة وتأثيرها كبير جدًا على قطاع الشباب بمحاولة تقليد الآخر، في الملبس والحركة والموديل.
 
لكن الواعز الديني والأخلاقي والتمسك بقيم الموروث العربي ينبغي أن يتواصل بين الأجيال...وعدم التشبه بالنساء، بالسلوك الشائن، ووضع المكياج والمساحيق حتى أصبحت سمة الكثير من شباب اليوم والتي تثير القرف والاشمئزاز وتخل بعملية البناء الاجتماعي السليم الذي يفضي إلى بناء ثقافي رصين، وعمل جاد للنهوض الاقتصادي، ويؤثر في المستوى العلمي، وبالتالي يحصل إخفاق في المستوى الدراسي والعلمي.[73]

 

من غير المحتمل أن تكون قد حدثت طفرة مفاجئة في عدد الشباب اللذين يطيلون شعرهم حتى بلغ كتفيهم في شهر واحد. ولكن ما قاله لنا عدد من الرجال الذين تحدثنا معهم هو أن انحسار العنف في السنتين الماضيتين كان من تأثيره، بمرور الزمن أن سمح للرجال المثليين بقدر أكبر من الظهور والشعور ببعض الأمان. فقال أحدهم:

 

منذ 2006، بدأ "الجاي" في اكتساب نوع من أنواع الراحة؛ كان الموضوع لا يزال في الخفاء إلى أقصى حد وفي منتهى السرية، ومع ذلك أتيحت إمكانية الالتقاء من خلال الإنترنت، وأتيحت بعض المقاهي؛ كان لدينا ما شابه حياة "الجاي". وطبعًا إذا كشف أي شخص أمرك كنت ستقع في ورطة كبيرة وتلصق بك وصمة عار طيلة عمرك؛ ولكن إمكانية اللقاء كانت متاحة بدون أن تُقْتّل. ثم في الشهر الماضي تدهور الوضع.[74]

 

أخبرنا ضابط في الجيش العراقي: "سمعت غيري من الضباط يتحدثون عن الدافع وراء هذه الحملة بالتحديد. منذ حوالي عام، عندما كان العنف في حالة أهدأ قليلاً وكان الأمان تحت السيطرة إلى حد كبير، بدأ الرجال المثليين، وخاصة المخنثين منهم، في الخروج إلى المقاهي في مجموعات، وكانوا واضحين في مثليتهم. سمعت أن الغضب ازداد بسبب ذلك، وأن هذه من الأمور أشعلت الحملة في الآونة الأخيرة".[75]

 

ساعدت التكنولوجيا على نشر حالة الذعر حول الرجال "المخنثين". وحادث واحد على الأخص تم تصويره بالفيديو وغالبًا كان تأثير هذه المادة المصورة تحديدًا بالغ الضرر. قال نوري: "في صيف 2008 أقيم حفل "جاي" كبير في شارع فلسطين في بغداد. كان بالحفل رقص كثير كما كان به رجال يرتدون ملابس النساء: كان واضح جدًا أنه حفل جاي. وبدأ الناس في تصوير الحفل على تليفوناتهم المحمولة وانتشر بالبلوتوث وعبأه البعض في أسطوانات مدمجة وطرحوها للبيع في أماكن متفرقة ببغداد وخاصة بمدينة الصدر"[76] حصلت هيومن رايتس ووتش على اثنين من ضمن هذه المواد المصورة، وظهر فيها رجال يرقصون معًا بالحفل. وأخبرنا صحفي أنه منذ أوائل عام 2009، " بدأت الصور ومواد الفيديو "الجاي" في الظهور بمنتهى السرعة. فالناس تصور الرجال الذين يرتدون ملابس النساء على تليفوناتهم المحمولة ثم تنتقل المادة من هاتف إلى آخر بسرعة جنونية"[77]

 

أما خطب الجمعة بالجوامع الشيعية، وبخاصة تلك الجوامع التي لها صلات بالصدر وبالجيش المهدي، سواء في مدينة الصدر أو غيرها من المدن، فقد بدأت في التنديد بنوع من "التخنيث" الذي لا يقاوم وموجود في الرجال في أوائل عام 2009 وأخبرنا هيثم: "سمعت بأذني الخطب، منذ حوالي شهر، بالجامع في بغداد الجديدة، يؤثر فيها الصدر تأثيرًا قويًا. فيقولون "هذا الأمر عيب وحرام"؛ لا ينادون بقتلهم بشكل محدد ومباشر، ولكنهم يقولون "يجب أن نقضي على هذه الظاهرة". وأصبحوا الآن يتضمنون شيئًا في هذا الموضوع في خطبهم شبه أسبوعيًا."[78]

 

أخبرنا طلال أن في حي نهروان ببغداد "أصبحت القضية موضوعًا للجدال المستمر، حيث يعقد رجال الدين والميليشيات اجتماعتهم هناك ويتحدثون عن هذه القضية وعن ضرورة التحكم في اللواط وقوم لوط "وأخبرنا أن في إحدى المدارس المحلية في أوائل أبريل/نيسان، "دخل الجيش المهدي إلى المدرسة، وتحدثوا مع المعلمين والإداريين، ثم عقدوا اجتماعًا حضرته المدرسة برمتها قائلين، "لا بد من وضع حد لهذه الظاهرة." عرفت ذلك من صديقًا لي يعمل معلمًا هناك. وكانت البلدية المحلية ذاتها هي التي نظمت تلك الاجتماعات"[79]

 

وتركز حالة الذعر وحملة القتل على شكل المرء وملبسه (أي إذا ما كان يبدو الرجال على قدر كاف من "الرجولة")، بقدر ما تركز على استنتاجاتها عما يفعل المرء في الفراش، وزاد على ذلك أنه بعد أن بات العراق غارقًا في الفقر والحاجة لمدة العشرين عامًا الأخيرة، يتضافر الحقد الطبقي بأشكاله مع الشروط الجامدة والمطلوبة من الذكور والإناث. وأكد لنا الكثيرون أن الانحلال، لا الطابع الأنثوي فقط، وإنما وجود هالة من التميز الطبقي أو الممتلكات المادية ـ يعد من الأنماط الجامدة حول "الجنس الثالث".

 

أجبرت هذه الأوهام القاتلة عن شكل العادات الغريبة والدخيلة أشخاصًا عديدين على فحص أنفسهم فحصًا شديدًا في الشهور الأخيرة. حسين يسأل نفسه "لماذا يستهدفونني"... كان قد صرف آخر دينارات قليلة لديه في شراء علبة سجائر، لكنه لا يزال يدرك أنه ـ بالنسبة لبعض إخوانه العراقيين ـ  يبدو عليه من الغنى ما يدفع البعض لقتله. "كما يتعلق ذلك المعتقد بشكل كبير بمظهري :  فأنا مرتب المظهر ومهندم الملبس لو رأى رجال الجيش المهدي أنني أرتدي قرطًا ذهبيًا أو أطيل شعري، سيذبحونني. انظروا إلي: لقد حلقت شعري فأصبح قصيرًا ومع ذلك إذا خرجت إلى بغداد، حتى بعد ذلك، ولو لمدة ساعة، سأتعرض للقتل:

 

ما الذي يجعل الناس تظن إنك "جاي"؟ إذا صففت شعري بطريقة الـ "سبايكي" أو وضعت فيه "الجل" ـ يقول الكثيرون أن هذه هي العلامة. إذا ارتديت "تي شيرت" ضيقًا أو قميص بلا أكمام، إذا ارتديت ولو قطعة واحدة من الذهب أو المصوغات... الأمر يرجع إلى الحقد الطبقي في بعض أشكاله. فالرجال الذين يستهدفونهم يرتدون ملابس جيدة ويعبرون عن أنفسهم بأسلوب راقٍ، فالأمر عبارة عن حنق ضد الذين يرونهم باعتبارهم مرفهين.... فمثلاً، إذا ارتديت العطر أول ما يسألونه إياك هو "من أين لك المال لتشتري هذا؟" ولو رددت ــــ وهذه هى الحقيقة ــــ إنني لم آكل لمدة ثلاثة أيام لأتمكن من شراء هذا العطر، أو لكى يتوفر لدي فائض يسمح لي بشراء ذاك القميص، فذلك لا يزيده إلا غضبًا.
 
"الجاي" فريسة سهلة. ليست لديهم أية مساندة اجتماعية، ويمكن التعرف عليهم وسط غيرهم بشكل سهل. يتمكن هؤلاء الأشخاص من صب حنقهم الطبقي في استهداف هؤلاء الرجال. وبهذا يصبحون بؤرة تركيز.[80]

 

أوحى كلام الكثيرين لنا بأن الجيش المهدي يرى "الجنس الثالث" ليس فقط على أنه فريسة سهلة، بل مفيدة.  وهنا تتوارى الانتهازية السياسية وراء ستار الاشمئزاز الأخلاقي.

 

بعد أن أخذ الجيش المهدي دورًا قياديًا أمام الأنظار في تطهير بغداد من السنة في خلافات 2004 ـ 2006 التي كادت تبلغ حد الحرب الأهلية، رفض ذلك الجيش بحذقٍ وذكاءٍ شديدين أن يواجه القوى الأمريكية بشكل مكشوف أثناء طفرة دخول الجنود التي بدأت في عام 2007. فاخفى رجالها أسلحتهم واندمجوا في أحيائهم واختفوا، وبذلك الميليشيا التي كان رجالها في كل مكان شبه اختفت بشكل عملي. ولكن حفاظ الميليشيات لقوتها من خلال الانسحاب الاستراتيجي جاء على حساب صورتها أمام الجماهير، حيث كانت تود أن تظهر في صورة قوة لا تتهاون ولا تتراجع. وزاد الأمر سوءًا بسبب الشائعات القائلة أن مقتضى الصدر (والمعروفة أسرته بتراث قوي من القومية العراقية) لم يتراجع من الجيش الأمريكي فحسب، بل لاذ بالفرار واحتمى بإيران.[81] وحَدَسَ أحد الأطباء الذين التقينا بهم أن السبب في بدء الحملة كان أن الجيش المهدي "لا كلمة لهم لدى رجل الشارع: لذا فهم يريدون استغلال هذا الأمر كوسيلة لاستعادة مصداقيتهم."[82]

 

قال الشيخ إبراهيم الغراوي في إبريل/نيسان 2009، وهو فقيه شيعي ينتمي إلى مكتب الميليشيا بمدينة الصدر، عندما سألته وكالة أنباء غربية بشأن حملة القتل، أن المثلية "انتشرت بسبب غياب الجيش المهدي وانتشار الأفلام الإباحية والقنوات الفضائية وغياب الرقابة الحكومية."[83] كانت رسالته واضحة: عادت الميليشيا، ولكن غيابها الخارج عن إرادتها أدى إلى سقطات أخلاقية وليدة، والبلاد في حاجة إلى خدماتها من جديد لإعادة إرساء دعائم الصرامة الأخلاقية التي تعجز الدولة عن توفيرها. فتطهير العراق من هذه الفئة التي لا يدافع عنها على الملأ إلا القليلون يضفي على الميليشات رونقًا مجددًا من الأهداف العاجلة التي لا يمكن إنكارها. وقال حسين، مشيرًا إلى قوات الصدر: "الآن انتهوا من أمر السنة والشيعة، فتهيأ لهم أمر جديد، وهو "الجاي"... وجدوا فئة جديدة ليقتلوها."[84]

 

كما علق أحد الصحفيين إن: "لم يعد لدى الجيش المهدي مشروع واضح. تقلص أمرَىّ التخلص من السنة والأمريكيين في الأهمية، فاتجهوا إلى أهداف أخرى." كما أضاف:

 

أعضاء كثيرون في الجيش المهدي لم ينضموا من منطلق التدين. فأنا أعرف رجال ميليشيات يشربون الخمور ويتعاطون المخدرات ويمارسون الزنا. بل انضموا للميليشيات لأن قلوبهم ماتت، فالميليشيات تتيح لهم قتل الناس فحسب دون تفكير.
 
هؤلاء الأشخاص من نتاج العنف ويستمر في نشره لغيرهم. تعلموا العنف من الفقر ومنذ عهد صدام فلا يعرفون سواه."[85]

 

يمكننا القول بأن حملة القتل هذه تمثل أداة سياسية بالنسبة للميليشيات. أما بالنسبة للقتلة ـ فالأرجح أنهم من صفوف أكثر أفراد المجتمع فقرًا وعوزاً، فتعطيهم الحملة سلطة بلا منازع يتحكمون بمقتضاها في أخص وأضعف جوانب حياة الآخرين بل ووجودهم ذاته.

 

قال حامد، الذي اختطفوا شريك حياته وقتلوه: لا يمكن إخفاء أي شئ في العراق، فأي شئ يخصك قد يصبح معروفًا لدى الجميع".[86] وأخبرنا وحيد أن العراق شهدت "انتهاكًا مستمرًا لخصوصية الناس: ينتهكها الميليشيات والقوى السياسية والجميع، فبلغ الأمر إلى حد أنه إذا كان الرجل شيعي وزوجته سنية سيجبرونه على الطلاق لا لشئ سوى للتحكم فيهما. فثمة رغبة في احتلال جميع خصوصيات حياة الناس وفرض السيطرة عليها".[87]

 

أما حسين فلخص الوضع قائلاً:

 

الأمر ينتشر هكذا: القتل يتيح لبعض الناس أن يتسلطوا على الآخرين. فإذا شك أي شخص في أنني "جاي"، يمكنهم ذلك من الحصول على أي شئ مني، المال أو الجنس أو أي شئ، وأذا أرادوا أي شئ من أي شخص يكفي أن يقولوا "أنت جاي".
 
الحملة والخوف أصبحا أمرًا يمكن استغلاله ضد أي شخص، لمجرد التسلط."[88]

 

V. العائلة والنوع الاجتماعي و"الشرف"

 

أخبرنا إدريس، وهو من نجا من محاولات الميليشيا من اختطافه وقتله، "أنا من عشيرة قبلية. وخوفي منهم يفوق خشيتي الميليشيات."[89] أما صديقة ماجد، والذي علم أبواه وجيرانه بأنه مثلي عندما اقتحمت الميليشيا منزله، فقال لنا "إذا كنت بأمان من الجيش المهدي فلن أكون أبدًا بأمان من عائلتي ـ أبدًا ـ سيقتلوني على الفور.[90]

 

بينما يقلق رجال الدين والإعلام قلقًا مبهمًا من الذكورة المهدّدة، يبدأ الضغط على الشباب ليكونوا "رجالاً" من داخل البيت. وتفرض الأسر هذا الضغط عن طريق العنف، أشار الكثيرون ممن قابلناهم إلى القيم الأبوية الصارمة الموجودة في الأنظمة القبلية، التي يؤثر فيها سلوك كل عضو من أعضائها على مقام الوحدة الممتدة برمتها، وتحدثنا مع شاب مهني من بغداد عمره 25، وقال مترددًا:

 

أبي رئيس القبيلة وبدأ في التجسس عليّ وقراءة الرسائل النصية من على هاتفي وأخذ يستمع إلى ما أقوله كلما تحدثت عبر الهاتف، وزادت شكوكه وضربني  ضربًا مبرحا. ... أخبرني أخي، "إذا وجد أبانا إثباتًا على أنك شاذ فسوف يقتلك على الفور". نحن أسرة قبلية وهذا مرفوض تماما.[91]

 

 تبنت الحكومة نظم القوى القبلية وشجعتها في عهد صدام حسين وبخاصة في السنوات التي عاصرت أزمة النظام في ما بعد عام 1991، وأخذت تعضد من سلطتها ووضعها القانوني على أمل أن يضمن لها رؤساء العشائر ولاء أعضاء أسرهم للنظام. وبذلك أعطت الدولة شيوخ القبائل سلطات حسم النزاعات والبت في الشئون الداخلية، في حركة أطلق عليها البعض "إعادة القبلية" إلى العراق.[92] ومما وطد إعادة بعث النظام القبلي: العقوبات التجارية الغربية تسعينيات القرن العشرين؛ إذ أحالت مجتمعاً كان يتمتع بالرخاء إلى الفقر والعوز، وانهيار الأمن والأمان تمامًا بعد الاحتلال عام 2003. فهذين العاملين أجبرا قطاعًا كبيرًا من السكان على الاعتماد على صلات الدم من أجل الحياة والتكافل والحماية. فلم تعد الروابط القبلية مجرد احتياجًا ماديًا، بل باتت خلال العملية المذكورة أعلاه، من مقومات الهوية الأساسية نفسيًا بالنسبة للعديد من العراقيين وحتى خارج أعماق البلاد الريفية، نجدهم يضعون شروط الحياة في المدينة: فطبقًا لتقدير علي علاوي، حَوَت عشوائيات مدينة الصدر الضخمة "عدداً يُقدر بـ 164 قبيلة وعشيرة مختلفة"، بالإضافة إلى ما يزيد على 300 قائد عشيرة محليين بعد سقوط صدام حسين، أضطرت القوى الأكبر ذات الهوية الطائفية والتي تمتد لتشمل عدة عشائر، من أمثال الميليشيات، اضطرت لإيجاد وسائل لاستيعاب الأنظمة القبلية أو التعاون معها، حتى وهي تراها على أنها مراكز قوى منافسة.[93] وتشير بعض القرائن إلى احتمال مجاملة الجيش المهدي لقادة العشائر في إطلاقهم لحملتهم الأخلاقية، حيث أخبر أحد "الجلادين" من ذوي العلاقات بالصدريين أحد الصحفيين في مايو/أيار 2009: كان لدينا الموافقة من القبائل العراقية الرئيسية هنا [في منطقة الشعب ببغداد] بتصفية هؤلاء [الرجال] الذين يقلدون أفعال النساء."[94]

 

أما أشد الأضرار التي أحدثها اجترار صدام حسين للمذاهب القبلية القانونية في عام 1991، حيث أدخل تعديلاً على قانون العقوبات ينص (في المادة 128) على أن "يعتبر عذرا مخفف ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة أو بناء على استفزاز خطير من المجني عليه بغير حق."[95] ولا يزال هذا الشرط ساريًا.[96]

 

تحتل بذلك ما يسمى بجرائم الشرف مكانةً مميزةً في القانون الجنائي العراقي، شأنها في ذلك شأن الكثير من الدول الأخرى. وتأخذ هذه الجرائم حول العالم غالبًا شكل العنف ضد النساء، بما في ذلك القتل العمد، بدافع وبتبرير جلبها "العار" على أفراد أسرتها الذكور. تندرج أعراف الطهارة الجنسية تحت معايير "الشرف" بشكل شبه دائم، وتعد أي امرأة تمارس ـ الجنس أو يعتقد أنها مارست الجنس مع أي رجل قبل الزواج أو خارج مؤسسة الزواج، منتهكة لهذه الأعراف. كما تُعَدْ أمورٌ أخرى من الانتهاكات التي تعرِض بها المرأة سمعة آبائها وزوجها للخطر أو تجازف بمقامهم الاجتماعي. فأي خطأ في الزي أو أسلوب السير يمكن أن يتعدى بشكلٍ طفيف على التوقعات التي يحكمها النوع الاجتماعي والتي تفرض على النساء كيف يجب أن يتصرفن.

 

ورغم اتفاق الكثير من الأطراف والهيئات على أن العنف ضد المرأة أصبح يشكل أزمةً خطيرةً في العراق، تجاهلت سلطات الدولة ذلك العنف، كما ركزت معظم الجمعيات الأهلية على أنماط الهجمات "العامة" والسياسية التي تستهدف الرجال.[97] وفي ظل هذا الجو من التجاهُل، تجاهل الجميع بشكل مضاعف مسألة إذا ما كان العنف يستهدف النساء لأي سلوك جنسي لا يتم مع الرجال وفي أبحاثها لكتابة هذا التقرير لم تفلح هيومن راتس ووتش في العثور على أية نساء في العراق ولا إجراء أية مقابلات مع أية امرأة خاضت تجربة العلاقة الحميمة أو الجنسية مع امرأة أخرى. فتتضافر ضغوط الزواج والانصياع للتقاليد لاختفاء هؤلاء النساء عن الأنظار تمامًا ولا نجد إلا روايات يرويها توحي بما قد يواجهنه. فمثلاً أخبرنا مشعل:

 

سمعت عن بنت من البنات ـــ قتلها ابن عمها في مدخل بيتهم لأنها "لزبيان". وقطع رقبتها بنفس الأسلوب الذي تذبح به الشاة. وفتح الباب لكي يرى الناس الجثة، كان عرضًا لغسل عاره أمام الناس. أعرف شخصًا شاهد الواقعة.[98]

 

ولكن الذكور أيضًا يحملون "شرف" أسرهم وعشائرهم، واستمعت هيومن رايتس ووتش شهادات من رجال عراقيين واجهوا العنف أو القتل العمد بسبب افتقارهم إلى القدر الكافي من "الذكورة" وبذلك جلبوا العار على الأسرة الممتدة جمعاء. وتوحي هذه القصص بأهمية تناول "الشرف" على اعتباره قضية، ودافع يحفز على انتهاك الحقوق، تشمل الجنسين. كما يظهر من هذه القصص أهمية التعجيل بالتقصي في الجرائم التي تقوم على أساس النوع الاجتماعي، بالإضافة إلى جرائم الشرف في العراق بجميع أشكالها ـــ بما في ذلك المنطقة التي لم يستكشفها أحد بعد، وهي الهجمات على النساء الذين يرتاب المعتدون في إنهن يمارسن الجنس مع غيرهن من النساء، أو النساء الذين يوصمهن زيهن أو طريقة إشاراتهن أو إيمائتهن أو سيرهن .. إلخ، بأنهن يفتقرن إلى "الأنوثة".

 

يبدأ إنزال ألوان العقاب بالصغار لافتقارهم "الرجولة" في سن مبكرة. أخبرنا طيب (24 عامًا):  "منذ أن كان عمري 12 عامًا، ضربني أبي وإخواني وشتموني بسبب مظهري وسلوكي الأنثويين. كان أبي يضربني طوال الوقت، كما كان يلسعني في يدي وذراعي بالمعدن الساخن ومثلاً كان إخواني يبرحونني ضربًا كلما رأوني العب مع الفتيات. حاولت أمي حمايتي لكنها عجزت عن فعل أي شئ لإيقافهم." [99]

 

أخبرنا رامز (30 عامًا)، والذي ترعرع في مدينة عمارة الجنوبية، هجر بلدته وبعدها ترك البلد برمتها بعد أن عانى من العنف الأسري لمدة سنوات:

 

منذ نعومة أظافري وأسرتي تعرف أنني مختلف، كان لدي ميول فنية؛ كنت أعشق الكتابة والرسم وتصميم الأزياء، بسبب هذا، كنت دائمًا أتعرض لشتائم شديدة وإساءة بالغة في بيتي وخاصة على أيدي أخوي الكبيرين، كانوا يضربونني طوال الوقت لكي يتحكموا في ما يمكن أن أفعله. كانا يقولان، أنت فاشل في كل شئ: لن تصل أبدًا إلى أي شئ." أما الأخ الأوسط، وهو أكبر مني كان في منتهى القسوة أكثر من غيره. في عدة مرات أشهر مدفعًا رشاشًا في وجهي.
 
يؤثر الأمر فيك، يؤثر فيك من داخلك، لكنني استطعت تمالك شتات نفسي. قبل الحرب [2003]، علمت بحالات كثيرة جدًا من الإساءة إلى الرجال "الجاي" التي وقعت داخل الأسر. ولكن، فيما سمعت لم تقع أية جرائم قتل، فالنظام كان يعاقب مرتكبي القتل العمد بشدة بالغة.
 
في عمارة عام 2003، بعد الحرب مباشرة، قُتِلَ صديقان لي "جاي" في جرائم شرف ارتكبتها أسرهم ـ ودفعوا الأموال لرجال الشرطة ليتغاضوا عن الأمر. بلغت مخاوفي المرحلة التي أصبت فيها بانهيار عصبي. ... أما الآن فليس لي اتصال إلا بأمي ولا اتصال لي نهائيًا بسائر أفراد أسرتي.[100]

 

أما مؤيد، فهو من مواليد بغداد، رغم أن أباه وأمه يعيشان ويعملان بالخارج منذ كان صغيرًا، وقد درس بالعراق ابتداءً  من المدرسة الابتدائية وحتى انتهى من دراسته في كلية الطب. وتحدث معه هيومن رايتس ووتش في بلد عربي آخر بعد فراره من بلده الأم. وقال: "طوال طفولتي، كانوا يشتمونني بالمخنث واللوطي، رغم أنني قصصت شعري وغيرت من مشيتي. كانوا يكرهون أسلوب حديثي، وكانوا يكرهون كل ما في، ولم يكن لدي أصدقاء."

 

كان أعمامي يحتقرونني... كانوا يضعوني في وسط غرفة المعيشة ويقولون النكات ويهزأون بي: "أنظر إلى نظرته، أنظر لوضع رأسه!" رجوت أمي أن تخرجني من هذا المكان، وأن تأخذني معها إلى حيث تسكن. كان ردها: "العراق مجتمع رجولي وقد يجعلوك رجلاً".
 
فقدت رغبتي في الحياة. أعمامي من رؤساء القبيلة: وقالوا لي إنني جلبت العار للقبيلة لأنني لست رجلاً. كنت آتيهم بالهدايا وأبذل جهدًا لأجعلهم يحبونني، وكانوا يضعوني في مقعد في الحديقة ولا يسمحون لي بدخول البيت.
 
ثم قابلت رجلاً واعتقدت أنه أحبني. أعطيته كل ما عندي.
 
بعد أربع سنوات فجأة تحول إلى الشر، وبدأ في ابتزازي طالبًا المزيد والمزيد من الأموال، وقال لي: "إن لم تدفع سأستخدم صورك التي بحوزتي." وقال: "أعرف بيوت جميع أعمامك". تخيلت أنه مزاح سخيف.
 
ذات يوم في منتصف عام 2007 تشاجرت معه. وبعدها في نفس اليوم نادتني أختي إلى الطابق السفلي، كانت ترتعد: لن أنسى منظر وجهها أبدًا. قالت:"طلبتني زوجة عمك من لحظات بالهاتف، تعقد الأسرة بأسرها اجتماعًا في بيت عمك الكبير".
 
كان كل عم من أعمامي قد وجد تحت بابه أسطوانة مدمجة مرفق بها رسالة. كانت الاسطوانة عليها صور لي مع عشيقي، وأنا أقبله وأحتضنه، تعرض بشكل واضح أنني "جاي". وقالت الرسالة أنني من كبار اللوطيين ببغداد، وأنني حيثما ذهبت مع "الجاي" كنت استخدم اسم عشيرتي وأعلنه وأخبر الناس أنني في منتهى الفخر بالانتماء لها، وقالت الرسالة "انظروا إلى العار الذي جلبه لكم."
 
كانت زوجة عمي تكن لي بعض المودة البسيطة، ولهذا أخبرت أختي أن أعمامي بصدد اتخاذ قرار بشأن القضاء على هذا العار. كانوا يبغون أخذي إلى بلدة صغيرة شمال بغداد وكانوا يناقشون من سيبدأ عملية ذبحي أمام الناس هناك.
 
كنت أبكي، وقالت أختي:"لا وقت للحديث، أفضل أن أراك في أي مكان آخر بدلاً من أن أرى اسمك على مقبرة". لم آخذ إلا أهم أغراضي وبعض المال. ... كان الحي الذي يقطنه عمي بعيدًا وكان عليهم عبور عدد كبير من نقاط التفتيش للوصول إلي، وكان لدي وقت للهروب".

 

فرمؤيد إلى بلد مجاور، حيث تمكن من الحصول على وظيفة في مستشفى بفضل شهادته في الطب:

 

كان أبواي على دراية بالأزمة، ولكن أختي أقنعتهم أن الاسطوانة كانت مزورة لأنها كانت تشعر بأنني مريض ولا يد لي في ما أنا فيه. ... لكن أبي عاجز تمامًا عن منع أعمامي. فهي مسألة عار. وفي العراق إذا مر أي أمر بين شفتين فسيصبح بين ألفين. الفضيحة تنتشر دائمًا: يعلم أعمامي أنني إذا ما دخلت العراق سيفتقرون إلى الرجولة الكافية لرئاسة العشيرة.
 
لمدة ستة أشهر، عملت نائبًا في مستشفى، وظننت أنني بمأمن: اعتقدت أن أعمامي لن يهتموا بأمري طالما أنا غائب عن نظرهم، إذ فجأة في يوم من أيام مارس/آذار 2007، اثناء استراحتي، رأيت ستة من أعمامي الثمانية في منطقة الاستقبال بالأسفل، كانت عاملة الاستقبال تشير لهم في اتجاه المكان الذي كنت فيه، من الواضح أنهم قد جاءوا من أجلي.
 
قفزت قفزًا وعدوت على الفور. ذهبت إلى شقتي بالقرب من المستشفى، أمسكت بحقيبتي فحسب وبعضًا من الأموال وتركت كل ما عدا ذلك، في صباح اليوم التالي ركبت الحافلة وفررت من البلد، أخبرتني أختي أنها في ذلة لسان قد تكون ذكرت مكاني لشخص من أقارب أمي، ثم وصل إلى أعمامي. لكنني لم أكن أصدق في يوم من الأيام أنهم سيقطعون كل هذه المسافة وأنهم سيطاردونني ويجدونني ليقتلوني.[101]

 

 

VI. هجمات سابقة

 

تصل أنباء متفرقة إلى الصحافة الغربية منذ 2005 من العراق، تحمل أخبارًا عن قتل يستهدف رجال يُرون على أنهم "مخنثين" أو ممن يرتاب في ممارستهم للسلوك المثلي. قال جميع من تحدثنا معهم، أن الحملة الأخيرة للقتل العمد هي أوسع نطاقًا وأكثر تنظيمًا بشكل كبير جدًا عن تلك الهجمات الماضية، ولكن شهادات الناس نجد منها أن المخاوف الخاصة بفساد الأخلاق وتقويض الرجولة قائمة منذ زمن، وعبر مختلف الخطوط الطائفية.

 

لقد وضعت عدة تقارير غربية صدرت بداية من عام 2005 المسئولية الرئيسية أو الوحيدة عن أحداث قتل المثليين بالعراق، على آية الله علي السيستاني، والذي يُفترض فيه أنه يعمل من خلال منظمة بدر، وهي ميليشيا يكتنفها الغموض وهي تابعة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي (والمعروف سابقًا باسم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق) وكانت منظمة بدر مقرها بإيران في أغلب فترة حكم صدام.[102] وتمارس منظمة بدر منذ عام 2004 عمليات القتل التي تقوم بها كتائب الإعدام، وغير ذلك من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان[103]، ولكن هيومن رايتس ووتش لم تجد ما يدل على ما يَحدِسْه البعض من أنهم قد استهدَفوا الرجال الذين يرتابون في أنهم يسلكون سلوكًا مثليًا، ولا ما يثبت أن قتلة الرجال المثليين يأخذون الدفعة المباشرة من آية الله السيستاني. ورغم استحالة إثبات بطلان هذه المزاعم بشكل مؤكد، لم يشر إلا شخص واحد من العراقيين الذين أجرينا معهم المقابلات إلى احتمالية لعب منظمة بدر دورًا رئيسيًا في عمليات القتل، وأنها كانت تعمل بناءً  على أوامر من آية الله السيستاني، وحتى ذلك الشخص لم يعلم بأمر أي رجال مثليين تعرضوا للقتل على أيدي أعضاء منظمة بدر.

 

والمعروف أن آية الله السستاني فقيه مستقل ويحظى باعترافٍ واسع النطاق بأنه من أعلى الفقهاء مرتبة في عالم الشيعة. ورغم أنه قد ساند محاولات توحيد الشيعة العراقيين ليكونوا حركة سياسية متجانسة، إلا إنه تجنب الارتباط المباشر بأية هيئة شيعية بعينها، بما في ذلك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق. لديه موقع الخاص بالإنترنت وعنوانه www.sistani.org ، وهذا الموقع شأنه شأن مواقع العديد من الأئمة الشيعة، فهو يستقبل التساؤلات ويقدم إجابات تعتمد على النظرة الدينية للحياة اليومية، ويتناول أية قضايا يسأل فيها متابعي الموقع على شتى المواضيع صغيرة كانت أو جسيمة (من الأمور شبه المؤكدة أن معظم الإجابات يكتبها ويضعها على الموقع صغارالفقهاء) منذ عام 2005، قدم الموقع إجابة على سؤال "ما هو حكم اللواطوالسحاق؟" فجاء "الجواب: حرام. ويعاقب فاعلهما بل يقتل فاعل اللواط أشد قتلة".[104] كان ذلك النداء بالعنف خارج نطاق القانون كما لم يكن يصح، حيث إنه يتناقض ومبادئ سيادة القانون التي أكد عليها آية الله السستاني نفسه. وتعد هذه المقولة فتوى، شأنها شأن أية إجابة من فقيه متخصص على سؤال في الشريعة الإسلامية، ولكن ظلت هذه الفتوى محصورة في ركن بعيد من موقعه على الإنترنت ـ على عكس فتاوى أخرى للسيستاني تخص قضايا تهم المجتمع بوضوح في العراق، مثل شكل الحكومة ما بعد الاحتلال مثلاً ـ لم تلفت منظمته الأنظار العامة لها عن طريق أية دعاية، وطلب منه الناشطون ذوي المقرات الأوروبية سحب هذه الفقرة واختفت بالفعل من موقعه في أوائل عام 2006.

 

كما تجاهلت الصحف العراقية هذه الفتوى بشكل تام أو شبه تام، فقد أخبرنا أحد الرجال : "لم أسمع عن فتوى السيستاني إلا عن طريق مواقع الإنترنت الأمريكية.[105] ليس بالإمكان قياس تأثيرها داخليًا ولكن الأمر كما ذكرنا صحفي غربي ذو خبرة بالعراق: "لا تحتاج الميليشيات إلى أية فتوى لكي تقتل من يروق لها."[106]

 

وبدلاً مما سبق، أصر معظم الناس اللذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش على أن الجيش المهدي بات دائمًا الطرف الرئيسي الذي يرتكب أحداث العنف، وتلتفت في فترات غير منتظمة ابتداءً من عام 2004 إلى ما رأت أنه إنحلال أخلاقي جنسي في العراق. واصطحب ذلك الاهتمام بعض العنف المتقطع الذي مارسته الميليشيات السنية وبخاصة القاعدة في بلاد ما بين النهرين، في بغداد ومناطق أخرى.[107] قال منير متذكراً: "بدأت وقائع قتل "الجاي" في بغداد عام 2004 ودام ذلك قرابة عام. ثم انشغلت الميليشيات بمسائل أخرى مثل الشيعة والسنة":

 

في مايو/أيار 2004 سمعنا عن أول مجموعة من "الجاي" تعرضت للقتل. كنت أعرف ثلاثة منهم شخصيًا، لكن المجموعة كانت تحوي عددًا أكبر لم أكن أعرفهم. لم نعر الأمر الكثير من الاهتمام، ففي تلك الفترة كان الناس يتعرضون للقتل طوال الوقت، ولم نظن أن المسألة تتعلق بـ "الجاي". لكن الأمر اتضح لي بشكل أوضح عندما قتلوا خمسة من أصدقائي، كلهم في نفس الشهر، باستخدام القنابل اليدوية، كما طاردوني أنا شخصيًا.
 
كان ذلك في صالة ألعاب رياضية "جيم" في بغداد كنت مع صديق لي يدعى مازن، وجاء لنا الصدريون.
 
كنت في دورة المياه وطلبت من مازن أن يأتيني بزجاجة ماء. خرج لإحضارها، وفي تلك اللحظة قتلوه رميًا بالرصاص، كان القتلة ثلاثة. كانوا صدريين يقودون سيارات أوبل حمراء ويرتدون الدشداشة والخف وعلى أذرعهم شرائط خضراء. أتاني الناس من الصالة الرياضية وقالوا لي:"اختبئ لأنهم يبحثون عنك". اختبأت في دورة المياة ثماني ساعات أثناء تواجد قوات الشرطة، ثم أتاني صاحب الصالة الرياضية وقال لي: "أخرج من هنا."
كانت تلك هي المرة الأولى التي أتعرض فيها للهجوم أو التهديد. أخبرني أصدقائي بأن أحترس فلا بد أنهم يطاردون الرجال الناعمين المهندمين كما قتلوا صديق آخر لي في حي يحكمه الصدريون. ولكن اثنين آخرين قتلوا في حي تحكمه القاعدة. في ذلك الحين لم تكن هنالك أية مشكلة بين ميليشيا الصدر والقاعدة. ولم تدم عمليات قتل "الجاي" حتى بدأت التوترات بين الميليشيات السنية والشيعية، فعندها بدأوا في قتال بعضهم البعض.[108]

 

مصطفى موطنه البصرة ولكنه كان يذهب إلى بغداد من حين لآخر لكي يزور الأماكن التي يجتمع فيها الرجال المثليين، ولكن هذا النشاط ازداد خطورة بعد الإطاحة بصدام حسين. أخبرنا عن إحدى زياراته في عام 2003 أو في 2004 "جربت أن أذهب إلى سينما سندباد، وفي أول يوم لم يقع أي مكروه ولكن في اليوم الثاني التقيت بصديق قديم في صالة السينما".

 

ثم إذ فجأةً أوقف الفيلم بعض الرجال ذوي وجوه ملثمة ثم بدأ شخص من بين الجمهور في الإشارة إلى مختلف الأشخاص ــ كنا تسعة بما في ذلك أنا وصديقي. واقتادونا مرتدو السواد إلى خارج السينما. وقالوا: "أنتم لوطيين وستُأخذون وتُشنقون".
 
الجيش المهدي يمكن أن تتعرف عليه من ملابسه السوداء: كان هؤلاء صدريين بالتأكيد. كنا واقفين في انتظار الموت ثم صرخ أحدهم أن القوات الأمريكية قادمة. خاف رجال الميليشيا واستغلينا الموقف في محاولة الهروب. وصرخوا في ظهرنا "توقفوا وإلا أطلقنا عليكم الرصاص". رمى أحد رجال الميليشيا قنبلة يدوية، أصابتني بعض الشظايا منها في ظهري: اعتقد الأمريكيون أن الصدريين فتحوا عليهم النار فبدأوا في ضرب النار هم الآخرين، وأثناء تبادل إطلاق النار هربت ونجوت.[109]

 

انتشر استخدام الإنترنت بعد الإطاحة بصدام، فأصبح وسيلة اجتماعية هامة بالنسبة للناس الذين أرادوا إخفاء هويتهم لأي سبب كان.[110] وسرعان ما توصل الجيش المهدي إلى أساليب اختراق المواقع على الإنترنت بحثًا عن السلوكيات التي يرفضونها، فقال سمير إنه في عام 2004: "قررت مقابلة شخصٍ كنت قد تعرفت عليه عبر الدردشة [في الإنترنت]. ذهبت إلى شقته وهناك وجدت أربعة رجال ملتحين ويرتدون السواد ــــ علامات الجيش المهدي. فضربوني ضربًا مبرحًا وجرحوا وجهي ويدي بالمدي." وأرانا ندباته: "قالوا لي: في المرة القادمة سنقتلك، وهذه الندبة على وجهك من باب التحذير".[111]

 

ولكن، كما أشار منير، كانت الميليشيات الأخرى تمارس نشاط القتل العمد من فترة إلى أخرى. أخبرنا وحيد وهو يقطن حي سني في بغداد، أن فرع القاعدة بلاد ما بين النهرين قتلوا صديقه عام 2004، حيث جرت في هذه الفترة عملية "تطهير عامة للأشخاص الذين رأوا أنهم غير أخلاقيين، فمثلاً كان يمكنهم استهداف الحلاقين الذين ينتزعون الشعر بالخيط لأن ذلك حرام، كما كانوا يقتلون باعة الثلج لأن زمن النبي عليه السلام لم يكن به ثلج"، وصفوا صديقه في حي الدورة:

 

كان واقفًا على زاوية الطريق مع مجموعة من أصدقائه، ورأوا مجموعة من الملتحين تأتيهم بالسيارة ثم وقفت بجانبهم وطلبوه بالاسم. حاول أن يهرب، ولكنهم أحاطوا به وحاصروه. حاولوا استخراج المعلومات منه، طالبين منه إعطاءهم أسماء أصدقاءه "الجاي". تجمع الناس ورأوا هرجا ومرج ـــ فقتلوه رميًا بالرصاص فحسب ورحلوا بسياراتهم.[112]

 

أما عمر فمن سمارة، وأخبرنا أنه في عام 2006 "قتلت الميليشيات السنية شريك حياتي"، وقال إن تاريخ ذلك الهجوم كان بعد قصف جامع العسكري في 22 فبراير/شباط الرهيب بعدة أشهر، والمعروف أن ذلك الجامع من أهم الأماكن وأقدسها بالنسبة للشيعة، ويرجع معظم الناس هذا الهجوم إلى القاعدة ما بين النهرين. "كنت أحيا حياة منعزلة جدًا أنا وهو":

 

ولكن في يومٍ من الأيام جاءني تهديد في صورة ورقة دسوها في بابي ومكتوبٌ فيها "ابتعد عن هذا الرجل وإلا قتلناك." ثم اختطفوني: كانوا أربعة ويرتدون الأقنعة بحيث لا أتمكن من رؤية وجوههم. ضربوني ووجهوا إلي الضربات بمقبض المسدس مرارًا وتكرارًا، محاولين الحصول على المعلومات مني، كانوا يريدون مني الاعتراف بأنني على علاقة جنسية مع شريك حياتي؛ لكنني قلت لهم إننا مجرد أصدقاء وليس بيننا أي شئ. احتجزوني يومًا وعندما أدركوا أنهم لن يحصلوا على أي معلومات مني، أطلقوا سراحي.
 
بعد إطلاقهم سراحي بستة أيام، اختطفوا شريك حياتي. كان مصففا للشعر، وكانت علاقتنا قد دامت أربع سنوات. سمعت من أسرته أنه قتل، وجدوا جثته بالشارع. وفي اليوم التالي فررت إلى بغداد.[113]

 

كان الاختطاف أداة تستخدم بشكل متكرر بهدف الردع والإخافة، بالإضافة إلى جمع المعلومات، روى لنا يحيى عملية اختطافه على يد رجال الجيش المهدي عام 2005:

 

عرفت أنهم من رجال الجيش المهدي، فكانوا مسيطرون على منطقة زعفروني [ببغداد] حيث كنت أسكن كانوا يرتدون ملابس سوداء وملثمين وأخذوني إلى جامع يدعى حسينية صدرين وكان الجيش المهدي شبه محتل له. من المؤكد أنهم سمعوا بأمري في الحي. سألوني: " لماذا ترتدي هذه الملابس؟ لماذا حاجبيك مشذبين؟ لماذا شعرك طويل هكذا، لماذا تثقب أذنك؟" قالوا لي: "نحن مسلمون ويجب قتل أمثالك".
 
وفي الجامع، اتهمني أحد الشيوخ بأنني أمارس الجنس مع الرجال، فأنكرت. سمحوا لي بالاستمرار لليوم الثالث ولكن رجال الميليشيا ذهبوا إلى أبوي وأخبروهما، "ابنكما لوطي ويشرب الخمور". وأخبروهم بأنني لست مسلمًا ملتزمًا ويجب معاقبتي. أصيب أبوي بصدمة رهيبة. اضطررت إلى مغادرة المنزل وحذرني أبي وإخواني أنهم سوف يقتلونني إذا رأوني.[114]

 

أخبرنا نوري، والذي اختطفته قوات وزارة الداخلية عام 2009، كما ذكرنا بالتفصيل فيما سلف، عن حادث احتك فيه الجيش المهدي به قبلها بما يقرب من ثلاث سنوات:

 

كنت أسير في كرادة في يوليو/يموز 2006، ثم أوقفني [رجال يستقلون] سيارتان بي إم دبليو وضربوني، ووضعوني في حقيبة السيارة. وكانت السيارات تكتظ بكمٍّ هائل من الرجال، وكلهم مسلحون.  كان ذلك في وقت الغسق. وأخذوني إلى الحسينية [مسجد] بمدينة الصدر. يعلم الجميع أنه عندما يلقي الجيش المهدي القبض على أي شخص، يأخذونه إلى مدينة الصدر ويقتلونه.
 
أخرجوني أمام الجامع وأبرحوني ضربًا، ثم أدخلوني إلى شيخ الجامع. أخبروه أنني شاذ جنسيًا وسألوه هل يقتلوني أم يعاقبوني فقط؟ كنت أعتقد أن الجيش المهدي لا يعدم من هم دون سن الثامنة عشر. وكنت قد أتممت الثامنة عشرة للتو، ولكن عندما سألوني أخبرتهم أن عمري سبعة عشر عامًا.
 
أمرهم الشيخ بحرقي بجمرات الأرجيلة، فحلقوا شعري وحرقوني بالجمرات، ثم جلدوني تسعين جلدة.

ثم أرانا الندبات التي ظلت بذراعيه من آثار حرق الجمرات.[115]

 

VII. وضع اللاجئين

 

التحيزات الاجتماعي المتأصلة، والقمع الأسري، وغياب أية ضمانات حماية قانونية ذات تأثير يُذكر، واندلاع العنف القاتل بشكل مفاجئ؛ كل هذه عوامل تجعل الرجال المرتاب في مثليتهم بالعراق في خطرٍ دائم لا ينقطع.

 

منذ بداية الاحتلال، لم يفلح إلا القليل من العراقيين في التلافي التام للدوائر المتسعة من العنف ، سواءً  كان العنف الطائفي أو الانتقامي أو العشوائي، مثلما لم ينج سوى قلة من المواطنين بشكلٍ تام من ضراوة الدولة تحت حكم صدام حسين. ولا يتعرض الرجال الذين يراهم الناس على أنهم مخنثين، ولا الذين يرتاب البعض في ممارستهم للسلوك المثلي، بالضرورة إلى الاستهداف بشكلٍ أشد من الفئات أو الهويات الأخرى التي تعرضت للاستهداف في السنوات القليلة الماضية. ولكنّهم يختلفون عن غيرهم في تعرضهم لبعض الأمور التي تجعل وضعهم أسوأ من غيرهم بشكل خاص.

 

يتحرك المثليون في دوائر معزولة لا ينظمها سوى شبكات قليلة من الأصدقاء أو أسماء مستعارة على شبكة الإنترنت، ولا تعد مجتمعًا محليًا مترابطًا ولا تقترب حتى من ذلك، فلا تقدم أية مساندة متبادلة. كما ترفض الأسر في معظم الحالات إمدادهم بأي مساعدة أو حماية حتى في حالة استطاعة تقديم مثل تلك المساعدة. ولذلك يجد كثير من الرجال المثليين أنفسهم بلا ملاذ ولا سند، ولا يجدون أمامهم إلا مغادرة البلاد.

 

بالتالي، وبالنسبة لمعظمهم، يغادر الأشخاص بلدهم ويذهبون إلى بلدة أخرى قريبة بالمنطقة، أما هناك فأفضل حل أمامهم هو تسجيل أسمائهم مع مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة. وبعدها عليهم أن يتحملوا الإجراءات الطويلة لتحديد موقفهم من اللجوء، حيث يقيم المفوض السامي حالتهم ويقرر إذا ما كان طلبهم مقبول. وبعد ذلك ينتظرون في ترقب أمر غير مضمون، وهو إعادة توطينهم في مكان آخر، حيث على المفوض السامي تقديم ملف اللاجئ إلى الحكومات التي قد تتعاطف مع وضعه ويطلب منهم قبوله. وأثناء هذه العمليات ـ والتي قد تستغرق سنين ـ على ملتمسي اللجوء المكوث مكانهم. أما بالنسبة للعراقيين الذين تعرضوا بالفعل للاضطهاد بناءعلى ميولهم الجنسية أو هويتهم من حيث النوع الاجتماعي، فلا تقدم أية دولة من البلاد المحيطة بالعراق الأمان التام.

 

نتج عن سنوات العنف في العراق منذ 2003 أزمة نازحين هائلة. في تقدير المفوضية السامية، فر حوالي 2 مليون عراقي من بلدهم، ولاذ معظمهم بالدول المحيطة بالعراق.[116] ولم يسجل مع مكتب المفوضية السامية سوى 291000 من هؤلاء أي 14% من العدد الإجمالي المُقدّر. ومن ضمن هؤلاء لم يوصى بإعادة توطين سوى حوالي 72400، ولم يتم إعادة التوطين بالفعل إلا بحق 28200 من هؤلاء.[117] والأغلبية العظمى لعدد الـ 2 مليون التقديري موجودون في سوريا (والتي يقدر المفوض السامي أنها استقبلت حوالي 1,200,000 حتى الآن، رغم أنه غير مسجل منهم سوى 206,000، في سوريا والأردن (والعدد التقديري فيها 450,000 منهم 52,000 مسجلين.)[118]

 

لا توجد أية أحصائيات عن النسبة التي يشكلها الهاربون من الاضطهاد على أساس الهوية الجنسية أو النوع الاجتماعي كجزء من هذا العدد الكلي، ومن غير المحتمل ورود أية إحصائيات أو أرقام عن ذلك، فالمفوضية السامية لا تصنف البيانات على أساس أسباب طلب اللجوء. ومن الأمور شبه المؤكدة أن الأعداد المعنية قليلة نسبيًا بالنسبة للطوفان العارم من الأشخاص المهاجرين . وعلى ذلك، نجد أن العراقيين من فئات المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي (الأقليات الجنسية) يواجهون مخاطر خاصة بهم عندما يدخلون في نظام اللجوء السياسي.

 

يجرم القانون السلوك المثلي الذي يتم بالتراضي في جميع الدول المحيطة بالعراق باستثناء تركيا والأردن، وفي بعض الظروف، تفرض إيران والسعودية على ممارسي هذا السلوك عقوبة الإعدام. وقد يواجه اللاجئين الهاربين من الاضطهاد في العراق بسبب ميولهم الجنسية ونوعهم الاجتماعي اضطهادات جديدة في كل الدول تقريبًا التي يمكنهم التوجه إليها كملجأ مؤقت. ومن الأمور التي تُقلّص مواردهم، وتحرمهم من أية حماية في الشتات، غياب أي مجتمع من الأقليات الجنسية منفتح وكبير نسبياً ولديه القدرة على تقديم ولو أضعف أنواع المساعدة المتبادلة، بالإضافة إلى غياب أية مساندة أسرية بالنسبة لمعظم الأشخاص من فئات الأقليات الجنسية الذين يضطرون إلى الفرار.

 

لا تفرض تركيا أية عقوبات قانونية على السلوك المثلي، ولكن العنف ضد الأقليات الجنسية منتشر فيها.[119]ورغم أن تركيا - على عكس سوريا والأردن - قد وقّعت على كل من اتفاقية حماية اللاجئين لعام 1951 والبروتوكول الخاص بتلك الوثيقة لعام 1967، إلا أنها حدّدت انضمامها للاتفاقية على اللاجئين من الأصول الأوروبية، مما حال دون منح الحكومة لحق اللجوء لتركيا لأي لاجئين عراقيين. وتجبر السلطات التركية طالبي اللجوء واللاجئين بشكل روتينيي على البقاء في المدن الثانوية لكي تنأى بهم عن المدن الكبرى، وبذلك يتواجدون في مناطق تقل فيها خدمات المساندة (ومنظمات المجتمع المدني) وتتباعد ـ كما أن الوضع الاجتماعي في تلك المناطق أكثر تحفظًا مما يعرض الأقليات الجنسية إلى خطر التفرقة والإساءة.[120] (وبسبب هذه القيود بشكل جزئي، لا يوجد في تركيا الآن سوى 8300 لاجئ عراقي).[121]

 

وفي الوقت نفسه، رغم أن الأردن لا يفرض أية عقوبات جنائية على السلوك المثلي، فهو ذات وضع اجتماعي وسياسي يتسم بالقمع أكثر من الحال في تركيا. وصف لـ هيومن رايتس ووتش أحد الرجال ابتزاز قوات الأمن له ثم طرده بشكل غير قانوني في عام 2008 بسبب ميوله الجنسية:

 

كان وضعي في الأردن قانوني تمامًا. كان لدي تأشيرة عمل ووظيفة قانونية، وكنت للتو سجلت اسمي مع المفوضية السامية لشئون اللاجئين بالأمم المتحدة، حيث أعطوني بطاقة عليها رقم. ثم اتصلت بي المخابرات الأردنية في الهاتف. وقالوا لي: نريد مقابلتك. وفكرت آنذاك أنهم من المحتمل أنهم عرفوا بحضوري بعض حفلات "الجاي"، أو قد يكونوا رأوني في جامع من الجوامع وخيل إليهم إنني متطرف أو شيء من هذا القبيل.
 
سألوني: "هل أنت لوطي؟"، أنكرت. قالولي: "بل أنت كذلك". أعطيت رجال المخابرات بطاقة [المفوضية السامية] وأثبت لهم الوضع القانوني لتأشيرتي فقالوا: "هذا لا يهمنا في شئ... أنت "منياك" و"مخنث" ولا نريدك في بلدنا".
 
لووا ذراعي وراء ظهري بعنف وصادروا جواز سفري وأرادوا مني أن أعمل مخبراً لصالحهم فأدلهم على العراقيين في الأردن ـــ جميع العراقيين وليس فقط "الجاي" منهم وقالوا: "عد إلينا غدًا".
 
في اليوم التالي عدت ورفضت [التعاون معهم]. فربطوا يدي وراء ظهري بالقيود المعدنية ووضعوني في زنزانة قائلين:"لماذا يا "منياك" تلحق هذا العار بنفسك؟" رددت أبدًا أبدًا".
 
ثم اقتادوني إلى سجن آخر، وقضيت فيه سبعة أو ثمانية أيام، وبعدها أعادوني إلى العراق مرة أخرى.[122]

 

اتسمت سوريا بالكرم في استقبالها للعراقيين النازحين، إلا إن أجهزة الأمن والمخابرات هناك  تشكل تهديدًا شديدًا على اللاجئين من الأقليات الجنسية في ضوء العقوبات القانونية الصارمة التي يفرضها القانون السوري على السلوك المثلي. أخبرنا أحد الرجال عن كيفية قيام قوات الأمن السورية بترحيله، رغم أنه مسجل مع مكتب المفوضية السامية بدمشق، حيث كانت تصله إعانات كل فترة في صورة تحويلات نقدية من مؤسسة "عراقي إل جي بي تي" ومقرها لندن. :

 

أعتقد أن شخصًا أخبر المخابرات بشأننا. أمروني أن آتي واستجوبوني وسألوني عن "عراقي إل جي بي تي" وعلاقتنا بتلك المنظمة وعن سبب إرسالهم الأموال إلينا.
 
سألوني إذا كنت "جاي"، وسألوا عن علاقتي بمنير، لأننا كنا نسكن في نفس الشقة، وكنا نمضي الكثير من الوقت معًا. أنكرت كل شئ. كثرت الشتائم والإساءات اللفظية – عاملوني بمنتهى الوقاحة. وسألوني عن الناس الذين زارونا بالبيت – كان في منتهى الوضوح أننا تحت مراقبة مشددة. ثم بعد يومين قاموا بترحيلنا.[123]

 

كاد الترحيل أن يسلب منير حياته. قال:

عندما قامت السلطات السورية بترحيلي من هناك، كانوا قد قيدوا في ملفي أنني "جاي". ففي الجانب العراقي من الحدود، قرأوا ذلك ثم صادروا جواز سفري قائلين "سوف نسلمك لوزارة الداخلية" – و معنى ذلك الموت فورًا. قال لي حرس الحدود، "طردوك من سوريا بسبب الدعارة ونحن سنقتلك".
 
فعلوا ذلك لأنهم كانوا يريدون مني الأموال ـ إعادة جواز سفري إلي بمبلغ 2500 دولار أمريكي. ولأن ملفي كان مكتوب فيه أنني "جاي" كنت فريسة سهلة لهم. وقتها ظللت على حدود العراق لمدة وليس معي فلسًا واحدًا، كان مستحيل أن أتقدم، كانت أمامي نقطة تفتيش وبدون جواز سفري كانوا سيقتلوني.
 
فعقدت صفقة مع أحد حراس الحدود العراقيين: يأخذ أحدهم جواز سفري معه ويصطحبني إلى هنا، وهناك يُجّمع المبلغ وأعطيه إياه. اتصلت بكل صديق لي في بغداد وجمعوا المال بطريقة أو بأخرى. سافر الرجل معي طيلة المسافة إلى بغداد، ودفعت له المال فاسترددت جواز سفري وحقي في الحياة.[124]

 

واعترفت المفوضية السامية للاجئين بخطورة الوضع من حيث الاضطهاد بسبب الميول الجنسية في العراق. ففي منشورها لعام 2009 المبادئ الإرشادية الخاصة باستحقاق التمتع بالحماية الدولية لطالبي اللجوء العراقيين، تلاحظ أن "رغم أن القانون العراقي لا يجرم المثلية الجنسية، ولكنها تظل من التابوهات الصارمة ويعتبرها الناس مخالفة للإسلام. ومنذ عام 2003 والأقليات الجنسية في العراق، وهي مهمشة وعرضة للهجمات تعرضت للاستهداف في أجواء من الإفلات من العقاب."[125]

 

ولكننا لا بد أن نوجه اهتمامنا للصعوبات التي يواجهها هؤلاء الأشخاص في بلاد اللجوء الأولى المحيطة ببلدهم والتي تعقد الوضع بل وأحيانًا تهدد حياتهم. ولا يمكن حل هذه المشاكل والصعوبات إلا عن طريق الالتزام ـــ سواءً  من جانب المفوضية السامية أو من جانب الحكومات الغربية التي وعدت على الورق بحماية اللاجئين ـــ بانتشال طالبي اللجوء العراقيين أعضاء الأقليات الجنسية من الخطر، وإعادة توطينهم بشكل عاجل في دول آمنة.

 

VIII. خاتمة

 

قال حامد عن القتلة الذين قتلوا شريك حياته عمدًا: "يقولون إنهم مسلمين، لكن ليس فيهم من الإسلام شيئًا. بل يستغلون الدين ستارًا ليفعلون ما شاءوا".[126]

 

لو كانت حملة القتل، كما يعتقد البعض، قد بدأت وسيلةً لقوات الميليشيا لاستعادة سمعتها واكتساب بريق الدفاع عن الأخلاق، فقد باءت تلك المحاولة بالفشل. فانتهاك الخصوصية، والقتل العمد التعسفي، والوحشية، والتعذيب، كلها أمور تضرب بالدين والأخلاق على حد سواء عرض الحائط. وبات عدد متزايد من العراقيين ـ حتى العراقيين الذين لا ينعون أقاربهم وأبناءهم المقتولين ـ في حالة من الجزع. وفي مايو/آيار 2009 كتب أحد الصحفيين بشجاعة في  صوت العراق  أن الجيش المهدي عاد فـ "طالت مخالبهم":

 

أخذوا يمارسون... الإجرام والبلطجة وفي شتى أساليب القمع والاضطهاد والتنكيل والاستبداد والقتل ... ضد المواطنين الآمنين و... يتدخلون مرة أخرى في أدق وأبسط تفاصيل حياة المواطنين اليومية ويمنعونهم من ممارسة أشياء باتت عادية حتى في أكثر الأنظمة الدينية ثيوقراطية كالسعودية و إيران...حيث يتم التجاوز و الاعتداء والضرب المبرح مصحوبا مع تهديد جدي بالقتل ضد كل من يطوّل شعره ببضعة سنتيمترات قليلة ويصبح أطول بعض الشيء عن " المقاييس الصدرية " المحددة بكل صرامة و شدة !!، أو ضد مـَن يرتدي بنطالا " رياضيا " قصيرا أو بنطالا ضيقا ... هذا ناهيك عن قتل العديد من المثليين في الآونة الأخيرة بناء على الشك في سلوكهم أو مجرد حجة باطلة لتبرير جريمة القتل ... فشعار : القتل و القتل وثم القتل من أجل أبسط وأتفه الأشياء و الأمور هو السائد... عند هذه الأحزاب .

 

واختتم مقاله قائلا:

 

بينما نحن نعرف إن الله ذلك الجميل والطيب ، لا يمكن إلا أن يكون رحيما ومحبا لجميع مخلوقاته ، حتى وأن غضب على بعضهم وزعل ، كما الأب مع جميع أبنائه، بينما الدين ــ أي دين كان ــ إذا لم يكن زائفا وملفقا ، فهو بالضرورة يجب أن يكون دينا متسامحا وحاميا لقداسة الحياة وليس داعيا إلى قتل البشر بسبب طول الشعر أو قصر البنطال...
 
...الإنسان كان سابقا في وجوده على كل العقائد الأيديولوجيات سواء منها "المقدسة" أو الوضعية ...وبالتالي فإن حياته ــ كإنسان ــ تعد أكثر قداسة من "قدسية" هذه الأيديولوجيات والعقائد المختلفة ..
 
إذ ليس من المعقول أو المنطقي أن تكون " قداسة " الشيء الذي أوجده الإنسان أهم من قدسية حياة الإنسان ذاته ..[127]

 

ونفس المعنى تقريبًا عبر عنه شاب في الثامنة عشرة من عمره كانوا قد هددوه بالموت، وله عدة أصدقاء مقتولين، حيث قال لنا:

 

خلق الله البشر أشكالاً وألوانًا، وعلينا أن نتقبل وحسب أن هذا موجود، إذا كنت تكره "الجاي" أنت حر في إدانتهم؛ لكن لا يمكن أن تقتلهم. لا تتحدث معهم. لا تقابلهم. ولكن لا تذبحهم. هذا خطأ فحسب، ويجب أن ينتهي.[128]

 

القانون الدولي

الحكومة العراقية عليها التزامات قانونية بمقتضى أحكام مواثيق حقوق الإنسان الدولية بالإضافة إلى القانون الدولي العرفي، فتلزمها كل من التزامتها بالمواثيق والتزام الحكومات العراقية السابقة.[129]

 

ومن أبرز التزامات العراق من ناحية المواثيق الدولية الالتزامات الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي صدقت عليه العراق في عام 1971.[130]

 

وتفرض الحمايات المكفولة في العهد الدولي على السلطات العراقية باتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك المسئولين الذين يقع على عاتقهم تنفيذ القانون وضمان الأمن بالعراق.

 

الحق في الحياة والأمان

يرد في المادة التاسعة من العهد الدولي أن: "لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه". كما ان الميثاق العربي لحقوق الإنسان، والذي اعتمدته جامعة الدول العربية (والمعروف ان العراق عضو فيه)  في 1997، ينص في مادته الخامسة بنفس المعنى على أن "لكل فرد الحق في الحياة وفى الحرية وفى سلامة شخصه ويحمى القانون هذه الحقوق". ويُلزم هذا الحق في الأمن والأمان السلطات العراقية بعدم تجاهل ما يهدد حياة الناس في أراضيهم طالما كانوا على علم بهذه التهديدات، كما يلزمها باتخاذ التدابير المعقولة والمناسبة لحماية هؤلاء الناس.[131] كما يفرض الحق في الأمن والأمان على الحكومة اتخاذ الإجراءات اللازمة حيثما وُجِدَ ما يهدد الأفراد أو الجماعات بشكل واضح وقابل للتحديد، ومن أمثال هذه الإجراءات تقصي أمر هذه التهديدات بهدف وضع حد لها. ولجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان (والمخول إليها تفسير العهد الدولي تفسيرًا قاطعًا، ورصد مراعاة الدول لبنود هذا العهد) قد رأت مرارًا وتكرارًا أن الدول تُعَدّ في حالة انتهاك لواجباتها المنصوص عليها في المادة 9 في حالة تقاعسها عن اتخاذ الخطوات الكافية لحماية الأشخاص في مواجهة التهديدات المتكررة بالقتل ، كما انتقدت اللجنة تقاعس الدول عن حماية الأشخاص من العنف بسبب الميول الجنسية.[132]

 

كما يرى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، والإعدام الفوري أو التعسفي. إنه حيثما يتقاعس نظام القضاء الجنائي عن التحقيق في حالات القتل العمد بسبب الميول الجنسية أو الهوية من حيث النوع الاجتماعي، فإن "الدولة تتحمل المسئولية بمقتضى قانون حقوق الإنسان الدولي عن الأشخاص العديدين الذين قتلهم الأفراد عمدًا."[133]

 

الحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة

يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التعذيب والمعاملة اللا إنسانية بأنواعها في مادتيه 7 و10 كما صدق العراق على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (والمعروفة باسم اتفاقية مناهضة التعذيب)،[134] وحظر التعذيب له جذور تضرب في أعماق القانون العرفي الدولي، حيث يؤكد الميثاق العربي لحقوق الإنسان، في المادة 13، "تحمى الدول الأطراف كل إنسان على إقليمها من أن يعذب بدنيا أو نفسيا أو أن يعامل معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة وتتخذ التدابير الفعالة لمنع ذلك وتعتبر ممارسة هذه التصرفات أو الإسهام فيها جريمة يعاقب عنها."

.

ويذكر كل من العهد الدولي واتفاقية مناهضة التعذيب بالتفصيل الخطوات التي يتسنى على الدول اتخاذها لتنفيذ حظر التعذيب، بما في ذلك واجب التحقيق في الانتهاكات ومقاضاة الجناة وتوفير الحلول الفعالة حين تقع الانتهاكات.[135] كما أوضحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن واجب حماية الناس من التعذيب والمعاملة اللا إنسانية لا يسري فقط على الأفعال التي يرتكبها موظفو الدولة مثل رجال الشرطة، ولكن أيضًا على الأفعال التي يلحقها الأشخاص بصفتهم الخاصة بضحاياهم.[136]

عدم التمييز والحقوق الأساسية

تلزم المادة الثانية من العهد الدولي الدول الأعضاء بـ "احترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز". أما المادة 26 فتنص على أن "الناس جميعا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته.". كما  قالت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان بشكلٍ واضحٍ وصريح في عدة مناسبات أن الميول الجنسية من الحالات المحمية من التمييز بمقتضى هذه المواد.[137] ويحظر القانون الدولي تفاوت الفرص في الحصول على العدل وعدم المساواة في الحماية من العنف. يكفل العهد الدولي الحق في الخصوصية "المادة 17" وحق التعبير "المادة 19" وحق التجمع السلمي "المادة 21". ومن ضمن هذه الحقوق حرية الحياة الخاصة في سلامٍ وأمان، وحرية التعبير عن النفس، بما في ذلك التعبير عن هوية المرء الجنسية، من خلال الملبس أو الهيئة العامة، وحرية الحركة واللقاء في الأماكن العامة بلا خوف من التحرش أو التعدي. على الدولة حماية الأفراد في تمتعهم بهذه الحقوق. لا بد من منع اضطهاد الناس أو التحرش بهم لانهم يمارسون هذه الحقوق، إن أمكن، ولا بد من معاقبة الجناة حيثما يقع ذلك.

 

ليس للقوانين العراقية التي تحكم أي حق من هذه الحقوق أن تفرض أية حدود، إلا في نطاق ما يتماشى مع المعايير القانونية الدولية ــ ومعنى ذلك أنه لا يُفْرَض ما يحد من الحريات إلا من أجل تحقيق هدف مشروع.  فنصحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالآتي: "التدابير التي تحد من الحريات لابد أن تخضع لمبدأ التناسب؛ ولابد أن تكون مناسبة لإنجاز وظيفتها وهي الحماية؛ ولا بد أن تُنتقَى الوسيلة الأقل تدخلاً من بين الوسائل المتاحة للتوصل إلى النتيجة المطلوبة؛ ولا بد من تناسبها مع المصلحة المطلوب حمايتها."[138] كما أن أية حدود مفروضة عليها أن تلتزم التزامًا صارمًا بمبدأ عدم التفرقة.

 

لا يجب أن تستخدم مثل هذه القيود بتاتًا لمعاقبة المدافعين عن حقوق الإنسان على ما يفعلونه، بمن فيهم الذين يتناولون قضايا الميول الجنسية أو الهوية من حيث النوع. وكل من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب قد أشارا إلى (كما قال أولهما) "المخاطر الأعظم... التي يواجهها المدافعون عن حقوق بعض الجماعات، لأن عملهم يتحدى الأبنية الاجتماعية والممارسات التقليدية والتفسيرات السائدة للنصوص الدينية التي قد تكون استخدمت على فترات زمنية طويلة للسكوت عن انتهاك الحقوق الإنسانية لمن ينتمي لهذه الفئات أو تبرير مثل هذه الانتهاكات ومنهم... جمعيات حقوق الإنسان والناشطين في قضايا الجنس، وبخاصة الميول الجنسية... غالبًا تكون هذه الجماعات عرضة للتحيز بشكل خاص، وللتهميش وللنبذ العام، ليس فقط من جانب الدولة ولكن من جانب غيرها من الأطراف المجتمعية".[139]

 

التوصيات

تقدم هيومن رايتس ووتش التوصيات التالية للأطراف الأساسية:

 

إلى جميع الميليشيات بما في ذلك الجيش المهدي:

·     التوقف عن جميع الهجمات ضد المدنيين وغير العسكريين، بما في ذلك العنف ضد الأشخاص المستهدفين بسبب عدم تماشيهم مع تقاليد "الذكورة"، أو من ترتابون في ممارستهم للسلوك المثلي.

·     شجب مثل هذا العنف بشكل علني وصريح.

 

إلى القيادات السياسية والثقافية والدينية في العراق والبلدان الأخرى ممن عبروا عن مساندتهم للقوى المتمردة والميليشيات بالعراق:

·     الشجب العلني لجميع أعمال العنف ضد المدنيين وغير العسكريين، بما في ذلك العنف ضد الأشخاص المستهدفين بسبب عدم تماشيهم مع تقاليد "الذكورة"، أو من ترتابون في ممارستهم للسلوك المثلي؛

·     شجب الميليشيات التي تمارس مثل هذا العنف بشكلٍ علني، والتعبير علنًا عن مساندتكم لسيادة القانون.

 

إلى حكومة العراق:

·     التحقيق في كل ما يرد عن العنف الذي تمارسه الميليشيات أو غيرها ضد الأشخاص المستهدفين بسبب عدم تماشيهم مع تقاليد "الذكورة"، أو من ترتابون في ممارستهم للسلوك المثلي، ومعاقبة الجناة عقابًا يتلائم والجريمة التي ارتكبوها؛

·     شجب مثل هذا العنف بشكل علني وصريح؛

·     التحقيق فيما إذا كانت الروابط مستمرة ما بين وزارة الداخلية والميليشيات التي عملت فيما مضى عمل القوات الأمنية شبه المستقلة تحت حماية الوزارة بما في ذلك الجيش المهدي؛

·     التحقيق في جميع مزاعم الإساءة على يد قوات الشرطة أو الأمن، بما في ذلك الانتهاكات في حق الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم أعراف "الذكورة"، أو من ترتابون في ممارستهم للسلوك المثلي، ومعاقبة الجناة عقابًا ملائمًا؛

·     التحقيق مع جميع مسئولي وزارة الداخلية المتورطين في جرائم قتل كتائب الإعدام أو غير ذلك من الأعمال غير القانونية بما في ذلك التعذيب، والاعتداءات، والابتزاز، ومقاضاة مرتكبي مثل هذه الأفعال؛

·     إجراء متابعة سليمة لأفراد الشرطة وقوات الأمن، والمسئولين عن إنفاذ العدالة الجنائية. وتدريبهم تدريبًا سليمًا، مع التأكد أن هذه التدريبات  تتضمن التدريب على قضايا حقوق الإنسان بما في ذلك قضايا الميول الجنسية والتعبير عن الهوية من حيث النوع والهوية الجنسية، وإنشاء آلية فعالة للمراقبة والمساءلة؛

·     اتخاذ جميع التدابير المناسبة، لإنهاء التعذيب وحالات الاختفاء وحالات القتل بمعزل عن القضاء وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الانتهاكات التي تتخذ الميول الجنسية والتعبير عن الهوية من حيث النوع والهوية الجنسية، سببًا لها؛

·     إلغاء المادة 128 من قانون العقوبات، والتي تعتبر "ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة" "عذرا مخفِّفا"؛

·     فحص ومراجعة المواد الفضفاضة من قانون العقوبات، بما فيها المواد 401 و 402 و 501 و 502 و 200/2 التي يمكن استخدامها في تبرير الاعتقال التعسفي أو التحرش بالأشخاص بسبب الميول الجنسية والتعبير عن الهوية من حيث النوع والهوية الجنسية، أو التي يمكن استغلالها في منع المجتمع المدني من التصدي للقضايا التي لا تحظى بشعبية واسعة أو التي تلحق بها وصمة العار؛ إلغاء هذه المواد أو تعديلها إذا لزم الأمر، أو اتخاذ غير ذلك من التدابير لضمان عدم تطبيقها بأسلوب تعسفي أو أسلوب يتميز بالتفرقة فيما يتنافى مع قوانين حقوق الإنسان الدولية؛

·     إنشاء مجلس قومي مستقل لحقوق الإنسان ومساندة الحكومة العراقية لذلك المجلس.

·     مساندة نهوض جمعيات أهلية محلية مستقلة معنية بحقوق الإنسان تتوفر لديها صلاحيات رصد انتهاكات حقوق الإنسان في كامل نطاقها، وضمان قدرتها على العمل بلا مضايقة ولا تدخل من جانب الدولة؛

·     تدريب جميع المسئولين عن إنفاذ العدالة الجنائية في الاستجابة الفعالة للعنف ضد النساء والرجال على أساس النوع الاجتماعي؛

·     تشجيع المساواة بين الجنسين بتضمين الضمانات الصريحة في القوانين، بحيث تكفل المساواة للنساء في الحق في الزواج وحقوقهن داخل مؤسسة الزواج وعند إنهاء الزواج وفي الميراث.

 

إلى الولايات المتحدة والقوات متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة في العراق:

·     إعانة الحكومة العراقية حيثما أمكن على التحقيق في عنف الميليشيات أو غيرها ضد الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم أعراف "الذكورة"، أو من يرتابون في ممارستهم للسلوك المثلي؛

·     إنهاء الاحتجاز التعسفي دون محاكمة بما في ذلك الاعتقال التعسفي للأشخاص الذين  يُعتقد أنهم ينتمون إلى الميليشيات؛ وتوفير الخدمات المناسبة للمحتجزين الذين تم الإفراج عنهم لمساعدتهم على إعادة الاندماج في المجتمع وضمان عدم عودتهم للعنف؛

·     مساعدة الحكومة العراقية على إجراء متابعة سليمة لأفراد الشرطة، وتدريبهم تدريبًا سليمًا، وضمان أن جميع البرامج التدريبية تحوي جزءًا خاصًا بحقوق الإنسان، وأن هذا البرنامج تتعامل صراحةً مع معايير حقوق الإنسان الخاصة بالخصوصية والحماية من التعذيب والقضايا المتعلقة بذلك على إنها لا استثناء منها للهوية الجنسية والتعبير عن النوع الاجتماعي والهوية من حيث النوع الاجتماعي.

إلى حكومات جميع دول المنطقة:

·     ضمان عدم تعرض أي لاجئين عراقيين  للرد من حيث جاءوا، سواءً  عند الحدود (عن طريق عدم السماح لهم بالدخول) أو بعد دخولهم الدولة المضيفة؛

·     ضمان تعامل جميع أجهزة الدولة مع اللاجئين العراقيين داخل حدودكم معاملة كريمة تحترم حقوقهم الإنسانية، بلا استثناء بما في ذلك الاستثناءات على أساس الميول الجنسية أو الهوية من حيث النوع.

 

إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة للاجئين:

·     رصد الهجمات والانتهاكات على أساس الميول الجنسية والتعبير عن النوع الاجتماعي والهوية من حيث النوع بالعراق والإبلاغ عنها، وذلك بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة للمساعدة للعراق؛

·     التدخل بشكل إيجابي لحماية ملتمسي اللجوء واللاجئين من الأقليات الجنسية من الإساءة إليهم في بلاد اللجوء الأول داخل المنطقة، ولمنع أي رد للأشخاص من حيث جاءوا إذا هدد الوضع بذلك؛

·     التأكد من إعادة توطين هؤلاء اللاجئين بشكل سريع في بلدان خارج المنطقة، وضمان التعاون النشط والإيجابي من ناحية بلاد اللجوء الأولى وبلاد إعادة التوطين الثانية؛

 

 

إلى الحكومات المعنية الأخرى والهيئات الدولية:

·     الإصرار على التزام جميع دول المنطقة بمعاملة العراقيين والعراقيات من المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي الهاربين من بلدهم بما يتماشى تمامًا مع المعايير الدولية؛

·     إدراك أن طالبي اللجوء العراقيين من المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي يواجهون مواقف خطر قانونية كما يواجهون التحيز الاجتماعي الشديد في جميع البلاد المحيطة، ومن ثم توفير إعادة التوطين السريع، والعاجل إذا لزم الأمر في بلاد لجوء ثالثة؛

·     المساعدة في الإصلاح القانوني في العراق بما يتماشى مع جميع المعايير الدولية لحقوق الإنسان بما في ذلك المعايير المتعلقة بالميول الجنسية والهوية من حيث النوع؛

·     الرقابة ومساعدة أداء مؤسسات إنفاذ العدالة الجنائية والشرطة والأمن ومكافحة الإرهاب في أدائها واجبها والعاملين بهذه المؤسسات لضمان التماشي الكامل مع معايير حقوق الإنسان الدولية؛

·     مساندة إنشاء مجلس قومي مستقل لحقوق الإنسان بالعراق وجمعيات أهلية محلية مستقلة معنية بحقوق الإنسان لديها صلاحيات رصد انتهاكات حقوق الإنسان بكامل نطاقها.

 

 

المصطلحات المُستخدمة

 

فيما يلي شرح لبعض المصطلحات الأساسية المستخدمة في هذا التقرير.

 

الجنس البيولوجي: تصنيف الأجساد إلى ذكور وإناث طبقًا لعلم الأحياء، وذلك بناء على عدة عوامل منها الأعضاء الجنسية الخارجية، والأعضاء الجنسية والتناسلية الداخلية، والهرمونات والكروموزومات.

 

النوع الاجتماعي: (أو "النوع" من ذكر أو انثى) السمات الخارجية والسلوكيات التي تضفي عليها المجتمعات صفة "الذكورة" أو "الأنوثة"، بما في ذلك صفات منها الزي والمظهر والألفاظ وأسلوب الحديث والسلوكيات والتعاملات الاجتماعية.

 

التعبير عن النوع: السمات والسلوكيات الخارجية التي تُعرف بها المجتمعات ما هو "ذكوري" و"أنثوي"، ومنها مظاهر مثل الملبس والمظهر الخارجي والسلوك في التعامل وأسلوب الكلام والسلوك الاجتماعي ومختلف أشكال التفاعل الاجتماعي.

 

هوية النوع الاجتماعي أو الهوية الجندرية: الشعور الداخلي العميق داخل كل فرد بذكورته أو أنوثته، أو بهوية لا تندرج تحت هذين التصنيفين.

 

العنف المبني على أساس النوع الإجتماعي: العنف الموجه إلى شخص ما بسبب نوعهالاجتماعي أو جنسه. يشمل العنف على أساس النوع كلاً من العنف الجنسي والعنف الأسري والإساءة النفسية والاستغلال الجنسي والتحرش الجنسي والممارسات التقليدية الضارة، والممارسات التي تتصف بالتفرقة والتمييز المبنيان على النوع. وكان المصطلح يشير فيما مضى إلى العنف ضد المرأة، أما الآن فقد اتسع نطاق معناه ليضم العنف الذي يستهدف النساء والرجال على حد سواء إذا اتخذ تعبيرهم عن نوعهم وهويتهم سببًا ودافعًا له.

 

الميول الجنسية: الاتجاه الذي تتخذه رغبات المرء العاطفية والجنسية. ويصنِّف المصطلح الأشخاص طبقًا للنوع الذي تقع عليه رغباتهم الجنسية، حيث يحدد إذا ما كان الشخص ينجذب في المقام الأول إلى نفس الجنس أو إلى الجنس الآخر أو إلى الجنسين.

 

مغايرو الجنس: الأشخاص الذين  ينجذبون إلى الجنس الآخر في المقام الأول.

 

المثليون: الأشخاص الذين  ينجذبون إلى نفس الجنس في المقام الأول.

 

"جاي": كلمة أصلها إنجليزي ومستخدمة في بعض اللغات الأخرى بمعنى "مثلي"، وأحيانًا تستخدم في وصف الرجال الذين ينجذبون في المقام الأول إلى غيرهم من الرجال.

 

مثلية: امرأة تنجذب في المقام الأول إلى النساء.

 

المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي/ م.م.م.م.: مصطلح مختصر يضم كلمات "مثلي ـ مثلية ـ ومزدوج الميول الجنسية ـ متحول الجنس أو النوع الاجتماعي" وهو يضم هذه الفئات التي نطلق عليها أحيانًا مصطلح آخر هو "الأقليات الجنسية".

 

 

شكر وتنويه

 

كتب هذا التقرير سكوت لونغ، مدير برنامج حقوق المثليين والمثليات ومزدوجو ومزدوجات الميول الجنسية ومتحولو ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي في هيومن رايتس ووتش. والتقرير مبني على أبحاث أجراها كلٍ من رشا مومنه، الباحثة بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، وسكوت لونغ. قام بالمراجعة كلٍ من: سامر مسقطي، الباحث بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبِيل فريليك، مدير برنامج سياسات اللاجئين، وآيسلنغ ريدي، الاستشاري القانوني الرئيسي، وجو ساوندرز، نائب مدير البرامج. ترجمت التقرير إلى العربية د. سارة عناني وساعد في إنتاج التقرير كلٍ من جيسيكا أونيان وغريس تشوي وأنّا لوبرايوري وفيتزروي هِوبكنز.

 

قام بالبحث في مواد الشريعة الإسلامية وكتابتها بشكل مبدئي الأستاذ الدكتور أحمد أحمد الأستاذ بقسم الدراسات الدينية بجامعة كاليفورنيا بسانتا باربارا والاستشاري لـ هيومن رايتس ووتش. أما كل من جورج قزي وغسان مكارم، وغيرهم من العاملين والمتطوعين بمنظمة حلم بلبنان، وعلي حلي من جمعية "عراقي إل جي بي تي"، وإستيفاني الحداد وليا بارداغجي وهانيا مفتي ونير روزن، فقد قدموا المساندة والعون الغاليين لعملية البحث التي قامت بها هيومن رايتس ووتش. كما ساعدنا مساعدة كبرى العاملون ببعثة المساعدة للأمم المتحدة بالعراق. أما الكثيرون، سواء داخل العراق أو خارجها، ممن لا يمكن أن نذكر أسماءهم حرصًا على سلامتهم أو أمان أسرهم، فأمدونا بالمعلومات والمساعدة بمختلف أنواعها.

 

 [1]لقاء لـ هيومن رايتس ووتش مع حامد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

 [2]"المخنثون في بغداد: حرب "الجراوي" و"الشيالة" : الأسبوعية ـ العدد 71 (10-16 مايو / آيار 2009).

[3] للمزيد من التفاصيل عن حياة مقتدى الصدر وعمليات الجيش المهدي وأسلوب عملهم، انظر كتاب:Patrick Cockburn, Muqtada: Muqtada al-Sadr, the Shia Revival, and the Struggle for Iraq (New York: Simon and Schuster, 2008).

[4]جاء ذلك في المقال التالي: Nizar Latif, “Iraqi ‘Executioner’ Defends Killing of Gay Men,” The National, May 2, 2009 http://www.thenational.ae/article/20090503/FOREIGN/705029847/100

واطلعنا علينه في 29 مايو / أيار 2009. كما ادعى ذلك الشخص أنه كان من أعضاء الجيش المهدي "لكنه الآن يعمل بشكل مستقل بعد أن حلّ الميليشيا رئيسُها مقتدى الصدر." لكن الواقع إنه لم يحُل الميليشيا قط، بل اصدر أوامر لها بالانسحاب عندما بدأت الطفرة الأمريكية. وتظل هذه الميليشيا قوة معترف بها ولها سطوتها داخل مدينة الصدر وخارجها.

               

[5] الشيخ وديع العربي، وورد كلامه في مقال: “Iraq’s Sadr Wants ‘Depraved’ Homosexuality Eradicated,” AFP, May 29, 2009 http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5gyEDJh2jz2X-0cesB76vl6eIJL6qQاطلعنا عليه في 30 مايو/أيار 2009.

[6] الشيخ داود الأنيزي  - المصدر السابق.

[7] انظر على سبيل المثال مقال:Timothy Williams and Tareq Maher, “Iraq’s Newly Open Gays Face Scorn and Murder,” New

York Times, April 7, 2009

http://www.nytimes.com/2009/04/08/world/middleeast/08gay.html

واطلعنا عليه في 2 مايو/ أيار 2009:

"قال رئيس احد أقسام الشرطة في مدينة الصدر... إن أفراد الأسرة هم غالبًا من أرتكبوا معظم جرائم القتل بمدينة الصدر وهو من شأن كتائب الإعدام التي كانت يومًا لها علاقة بالجيش المهدي، وهي الميليشيا التي كانت تتحكم في مدينة الصدر قبل أن تزحزحهم القوات الأمريكية والعراقية في الربيع الماضي. وقال : (توصلت تحرياتنا إلى إن هذه الحوادث يرتكبها أقارب المثليين) ليس فقط بسبب الميليشيات. وهم يقتلونهم لأنه عار على العائلة".

 

[8] سعدون محسن ضمد – "أوردها سعد" ، الرافدين ت 11 مايو / أيار 2009.http://www.alrafidayn.com/index.php?option=com_content&view=article&id=7554:2009-05-11-09-30-02&catid=7:opinion&Itemid=52,

[9] الحر العاملي (توفى عام 1693 ) وسائل الشيعة إلى تسهيل أحكام الشريعة (بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1993) المجلد 28، أبواب حد اللواط.

[10] نفس المصدر، الأحاديث 33451 و 34453 و 34454.

[11] كما يحظر بعض قضاة المذهب الجعفري حكم الإعدام في حالات اللواط على المتزوجين فقط. ولكن الرؤية السائدة في ذلك المذهب ترفض هذا القيد. شيخ الطائفة الطوسي (توفى عام 1068، تهذيب الأحكام في شرح المقنع للشيخ المفيد. النجف: دار الكتب الإسلامية، 1958، المجلد العاشر من باب الحدود في اللواط ، الأحاديث 194/3 و 200/9 و 201/10، الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تسهيل أحكام الشريعة (بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1993) المجلد 28، أبواب حد اللواط.

[12] شيخ الطائفة الطوسي (تهذيب الأحكام المجلد العاشر من باب الحدود في اللواط ، الحديث 207/16 و الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تسهيل أحكام الشريعة (بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1993) المجلد 28، أبواب حد اللواط. عنوان الفصل والحديث 34465 )

[13] وفي هذا المعنى، يؤكد آية الله روح الله خوميني، في ما كتبه عن ولاية الفقيه، أن الحدود لا يجوز أن يقيمها إلا إمام أو فقيه متخصص في أحكام الشريعة. أما الفقهاء السنيين فيفرضون الشروط ذاتها في الأساس بخصوص إثبات التهمة التي يفرضها المذهب الجعفري. ولكن، رغم أن معظم رؤى الشيعة عن السلطة السياسية، أي نظرياتهم عن من تُقْفَل له سلطة تطبيق القوانين، تضع الصورة التقليدية للإمام نصب أعينهم باعتبارها النموذج الأمثل، تختلف النظرية السنية حيث تتعامل مع نماذج أخرى لاستقاء الحكومة الشرعية منها، ومن هذه النماذج "التعاقد" و"الضرورة". أنظر مثلاً Hamid Enayat, Modern Islamic Political Thought (London: Macmillan, 1982) ، وبالإضافة إلى ذلك، لا يتطلب الفقهاء السنيين إلا شاهدين لإثبات اللواط، على عكس الأربعة اللذين يفرضهم المذهب الجعفري، إذ لا يتطلب الفقهاء السنيون أربعة شهود إلا في إثبات الزنا.

[14] المحقق الحلي (توفى 1277) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. بيروت دار العدوي، 1403/ 1982، المجلد الرابع ص 933 و ص 944.

[15] ورد في شيخ الطائفة الطوسي ، تهذيب الأحكام المجلد العاشر من باب الحدود في اللواط ،الحديث 198/7، أن أمير المؤمنين الإمام علي استقبل رجلاً اعترف ثلاث مرات بممارسة اللواط. وبعد اعترافه الرابع، انتهى أمير المؤمنين بإخباره أن حد الموت وجب عليه. ولكن الرجل تاب فبكى الأمام علي وأطلق سراحه، وقال له أن توبته جعلت الملائكة هم الآخرين يبكون.

أما المذهب الحنفي في الفقه السني يضيف قيدًا آخر، حيث لا يجوز فرض حد الإعدام على الإيلاج الشرجي ما بين الذكور إلا في الحالات التي أصبح فيها اللواط عادة، على عكس الأفعال التي لا تحدث إلا مرة واحدة. ابن عابدين (توفي عام 1836)، رد المحتارعلى الدر المختار، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1987، المجلد الثالث، ص 155 و156.

[16] في الشهور الماضية، قامت الولايات المتحدة، وكذلك الائتلاف  الذي ترأسته الولايات المتحدة، بالإفراج السريع عمن كانوا قد احتجزوا بشكل تعسفي أثناء الطفرة، بينما لم يقدموا، فيما يبدو أية خدمات ولا مساندات تُذكر لضمان عدم عودة الناس إلى العنف. وفي أوج الطفرة، كانت الولايات المتحدة تحتجز أكثر من 26 ألف سجينًا في معسكر بوكا بالقرب من الحدود الكويتية، وبحلول مارس/آذار2009، كان هذا الرقم انخفض حيث بلغ عدد المحتجزين فيما ورد عشرة آلاف شخصًا. أنظر Anthony Shadid, “In Iraq, Chaos Feared as U.S. Closes  Prison,” Washington Post, March 22, 2009ونرى إن عملية الاحتجاز التعسّفي تقوّض أية جهود مبذولة للنهوض بسيادة القانون في العراق. أما إذا تخلي كل من سلطات الائتلاف  والحكومة العراقية عن أية مسئولية تذكر في مساعدة المحتجزين على إعادة الاندماج في المجتمع بعد الأفراج عنهم، فهذه العملية تحمل أيضًا أخطار تشجيع عودة ظهور عنف الميليشيات.

[17] رغم ذلك ـ ويا للغرابة ـ اثنان ممن قابلناهم أخبرونا أن القتلة أنفسهم استخدموا ذلك اللفظ. ظهر مرة في مدينة الصدر بأحد الملصقات التي تنادي بالعقاب الإلهي على "المثليين" : لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع فادي (اسم مستعار) ـ العراق، 18 ابريل/نيسان 2009. أما في حالة أخرى فأشاع الناس أن ظهرت جثة ملقاة بقرب الصّدر "وقد قطعوا في ظهره بحروف غائرة كلمة (مثليين). ما أغرب ذلك إذ إن تلك هي الكلمة اللائقة اجتماعيًا. لم أسمع الكلمة أبدًا قبل ذلك الحين". لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار) ـ العراق، 23 ابريل/نيسان 2009. تشير جميع الدلائل إلى أن القتلة درسوا ضحاياهم بدقّة، لدرجة الدخول إلى المواقع المثلية بالإنترنت والاستجابة للإعلانات الشخصية والإيقاع بالرجال من خلال تلك الصفحات ـ فيبدو فيما يحتمل إن قاموسهم طرأ عليه بعض التنوع خلال رحلة البحث!

[18] لقاء لـ هيومن رايتس ووتش مع هيثم (اسم مستعار) ـ العراق ـ 18 أبريل/نيسان2009.

[19]More than a Name: State-Sponsored Homophobia and Its Consequences in Southern Africa

تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش والمفوضية الدولية لحقوق المثليين والمثليات، 2003ص 8

[20] و لكن حتى هذه المصطلحات نجد فيها فروق متأصلة في تاريخها ومبنية على النوع الاجتماعي، حيث تفصل بين من يمارسون دور "الذكر" ودور "الأنثى" في الأوضاع والممارسات الجنسية. وقال أحد الباحثين التاريخيين إن "كان مصطلح "لوطي" غالبًا يستخدم في وصف [ الطَرَف "الإيجابي" في الجنس ما بين الرجال] أما كلمات "مخنث" و"مأبون" و[في الحديث العاميّ] "عِلق" فكانت مقصورة على [الطرف السلبي]. وهذه نقطة تستحق التركيز عليها، لأن الباحثين في العصر الحديث يصرّون على الميل إلى إغفال هذا الفارق وعلى ترجمة المصطلح الأصيل "لوطي" بكلمة homosexual والشريعة ترى أن "اللوطي" هو من يمارس اللواط... بصرف النظر عما إذا كان دوره سلبيًا أم إيجابيًا، ولكن في اللغة العادية غير المتخصصة... كان مصطلح "اللوطي" يشير بشكل شبه دائم إلى [الشخص] الذين يرى الناس أنه يقدم على النكاح الشرجي الإيجابي الذي يقوم بالإيلاج.Khaled al-Rouayheb, Before Homosexuality in the Arab-IslamicWorld, 1500-1800, p 16 (Chicago: University of Chicago Press, 2005).

[21] لقاء لـ هيومن رايتس ووتش مع هيثم ـ العراق، 18 ابريل/نيسان2009.

[22] صباح محسن كاظم: "تأنيث الشباب: التشخيص والعلاج" الصباح ـ 7 مايو / ايار 2009.

[23] كما يعترف قانون حقوق الإنسان الدولي بأن القيود الاجتماعية التي تفرض شروطًًا على التصرفات المسموحة للنساء والرجال تعدّ أحد مصادر انتهاكات الحقوق. تنادي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، في مادتها الخامسة، أن على الدول الأطراف "تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الاعتقاد بكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة"

[24] مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع إدريس (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[25] مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع بلال (اسم مستعار) ـ العراق ـ 20 أبريل/نيسان 2009.

[26] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار) ـ العراق ـ 23 أبريل/نيسان 2009.

[27]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طارق (اسم مستعار) ـ العراق ـ 18 أبريل/نيسان 2009.

[28] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طلال (اسم مستعار) ـ العراق ـ 21 أبريل/نيسان 2009.

[29]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طلال (اسم مستعار) ـ العراق ـ 21 أبريل/نيسان 2009.

[30]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حامد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 20 أبريل/نيسان 2009.

[31] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع إدريس (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[32]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع ماجد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[33]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع سمير (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[34]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع ماجد (اسم مستعار)، العراق، 24 أبريل/نيسان 2009.

[35] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع هيثم (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009.

[36]المصدرالسابق.

[37]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع مشعل (اسم مستعار)، العراق، 20 أبريل/نيسان 2009

[38]الغالبية العظمى من سكان جنوب العراق من الشيعة، لذا فلهجة تلك المناطق توحي بأن صاحبها شيعي، لكن ذلك ليس بالخبر اليقين.

[39]مقابلة لـ هيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار)، العراق، 23 أبريل/نيسان 2009.

[40]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع فادي (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009.

[41]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع فادي (اسم مستعار)، العراق، 23 أبريل/نيسان 2009.

[42]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طيب (اسم مستعار)، العراق، 25 أبريل/نيسان 2009.

[43]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع عاطف (اسم مستعار)، العراق، 20 أبريل/نيسان 2009.

[44] "7 جثث لهم في مشرحة بغداد.. والعشائر تسميهم "الجراوة والطنطة": ميليشيات تعذّب الشواذ في العراق بـ"الصمغ الإيراني". العربية، 20 أبريل 2009. http://www.alarabiya.net/save_print.php?print=1&cont_id=71071

[45]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طبيب طلب عدم ذكر اسمه، العراق، 15 مايو/آيار 2009.

[46]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع مشعل (اسم مستعار)، العراق، 20 أبريل/نيسان 2009.

[47]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طارق (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009.

[48]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع فادي (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009.

[49]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طبيب طلب عدم ذكر اسمه، العراق، 25 أبريل/نيسان 2009.

[50] "7 جثث لهم في مشرحة بغداد.. والعشائر تسميهم "الجراوة والطنطة": ميليشيات تعذّب الشواذ في العراق بـ"الصمغ الإيراني". العربية، 20 أبريل 2009. http://www.alarabiya.net/save_print.php?print=1&cont_id=71071

[51]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع فادي (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009.

[52]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طلال (اسم مستعار)، العراق، 21 أبريل/نيسان 2009.

[53]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع بلال (اسم مستعار)، العراق، 20 أبريل/نيسان 2009.

[54] رسالة بريد إلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من بلال (اسم مستعار)، 12 مايو/آيار 2009.

[55] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع محمد وجعفر (أسمأء مستعارة)، العراق، 21 ابريل/نيسان 2009.

[56] تشتهر"لقنوات الأوروبية" لدى بعض العراقيين بتقديمها برامجَ إباحية.

 

[57]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع مصطفى (اسم مستعار)، بيروت، لبنان، 10 يوليو/تموز 2009.

[58]رسالة بريد إلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من حنيف (اسم مستعار)، 29 ابريل/نيسان2009.

[59] رسالة بريد إلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من يوسف (اسم مستعار)، العراق، 5مايو/آيار2009.

[60] قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: النسخة المنقحة الكاملة من الطبعة الثالثة لعام 1985 مع تعديلاتها التشريعية وما أصابها من قرارات سلطة الائتلاف المؤقتة 20032005، إعداد القاضي : نبيل عبد الرحمن حياوي. بغداد، المكتبة القانونية، 2008. ذكرت منظمة العفو الدولية أنه ورد في نوفمبر/ تشرين ثان 2001 أن مجلس قيادة الثورة ـ وهو أعلى سلطة تشريعية في الدولة تحت حكم صدام ـ  وكجزء من حملة تطهير أخلاقية، "أصدر مرسومًا يعاقب كل من الدعارة والمثلية وزنا المحارم والاغتصاب بعقوبة الإعدام" ("العراق" في التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية 2002:حالة حقوق الإنسان في العالم) لم تفلح هيومن رايتس ووتش في العثور على نص ذلك المرسوم بالضبط. تعتقد منظمة العفو الدولية أنه كان مرسومًا مؤقتًا (رسالة بريد إلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من أحد باحثي منظمة العفو الدولية، 11 يونيو/ حزيران 2009) وعلى اية حال، لم تعد مراسم مجلس قيادة الثورة سارية تحت حكم الحكومة العراقية التي أتت بعد الاحتلال.

[61] قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته النسخة المنقحة الكاملة من الطبعة الثالثة لعام 1985 مع تعديلاتها التشريعية وما أصابها من

قرارات سلطة الائتلاف المؤقتة 20032005، إعداد القاضي : نبيل عبد الرحمن حياوي. بغداد المكتبة القانونية 2008.

[62] Reporters Sans Frontieres, “Doctor Jailed in Kurdistan for Writing about Homosexuality,” December 2, 2008.

أفرج رئيس الحكومة الإقليمية الكردية مسعود برزاني ذلك الصحفي بعدها بأسبوعين في غضون أحد فترات الإعفاء الجماعي الموسمية:

Reporters Sans Frontieres, “Kurdish President Pardons Doctor who Was Jailed for Writing about Homosexuality,” December 8, 2008, both at http://arabia.reporters-sans-frontieres.org/article.php3?id_article=29508, accessed May 2, 2009

[63]Timothy Williams and Tareq Maher, “Iraq’s Newly Open Gays Face Scorn and Murder,” New York Times, April 8, 2009.

[64] لقاء أجرته هيومن راتس ووتش مع سمير (اسم مستعار)، العراق، 24 أبريل/نيسان2009.

[65] لقاء أجرته هيومن راتس ووتش مع مشعل (اسم مستعار)، العراق، 20 أبريل/نيسان 2009.

[66] لقاء أجرته هيومن راتس ووتش مع هيثم (اسم مستعار)، العراق، 13 أبريل/نيسان 2009.

[67] لقاء أجرته هيومن راتس ووتش مع وحيد (اسم مستعار)، العراق، 23 أبريل/نيسان 2009.

[68] هذا الحوار وما يلتوه مأخوذين من لقاء لهيومن رايتس ووتش  مع نوري، 15 و27 أبريل/نيسان 2009، بيروت ـ لبنان

[69] رغم ما قاله نوري من أقوال الضباط التي تفيد بأن تلك الورقة كانت "حكم محكمة"، هو لم يطّلع عليها، وكذلك لم يفصح رجال الشرطة عن التهمة التي أدت إلى حكم الإعدام المزعوم الذي قتلوا الرجال بمقتضاه. وفيما يبدوا، انتشرت في العراق منذ عام 2003 أحكام الإعدام السرية التي يحكم بها القضاة. (أنظر على سبيل المثال Brian Bennett, “The Secrets of Iraq's Death Row,” Time, November 12, 2006, http://www.time.com/time/magazine/article/0,9171,1558285,00.html اطلعنا عليه في 3 مايو/ آيار 2009.)، ولكن، في حالة إعدام الرجال بشكل قضائي، تظل طبيعة التهم غير واضحة، فبمقتضى القوانين التي وردت أعلاه ـ وهي القوانين التي يُحْتَمَل استخدامها ضد الممارسات المثلية أو ضد المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتناولون النوع الاجتماعي أوالتوجه الجنسي ـ فأشد عقوبة يفرضها (في المادة 200) هي الحبس لمدة لا تزيد على سبع سنوات.

 

في أبريل/نيسان 2009، أعطت مؤسس "عراقي إل جي بي تي" إلى هيومن رايتس ووتش نسخة من رسالة تم تهريبها من أحد مقار الاحتجاز العراقية، فيما يزعم. وقال كاتب الرسالة أن قوات وزارة الداخلية الق القبض عليه:

 

"قاموا بضربي بشدة ووجهوا لي أسئلة غريبة مع الفاظ نابية وركَلات على رأسي ومؤخرتي لانتزاع أقوال ملفقة بسبب انتمائي لمنظمة Iraqi LGBT ومن ثم نقلوني في إلى محمكمة الجنايات في الكرخ وبمحاكمة سريعة جدًا أصدروا علي حكمًا بالإعدام دون أعطائي حق الدفاع عن نفسي أوتوكيل محامي، ... وبعدها بيومين أبلغوني بتنفيذ الإعدام خلال الأسبوعين القادمين،... وأخيرًا أقدم لكمن استغاذتي، هل من معين لي قبل فوات الأوان؟." (مسح الكتروني للرسالة بملفات هيومن رايتس ووتش)

 

لم يرد أي تاريخ بالرسالة، كما لم تذكر الرسالة التهم (وذلك على افتراض إن الضحية كان يعلمها أصلاً) كما أخبرتنا منظمة عراقي إل جي بي تي إنهم قد تلقوا هم الآخرين، من مصادر في بغداد، أسماء أربعة عراقيين آخرين هم أيضًا قيد الاحتجاز ويواجهون الموت. ومن الممكن إن تاريخ هذه المعلومة يعود إلى فبراير/ شباط وإن هؤلاء الخمسة هم من رأى نوري جثثهم.

 

كتبت هيومن رايتس ووتش رسالة إلى وزارة الداخلية العراقية ووزارة حقوق الإنسان بتاريخ 3 أبريل/نيسان، موجهين إليهم طلبًا عاجلاً للمعلومات التي تخص مكان هؤلاء الرجال الخمس ومصائرهم. ولم نتلق أي رد.

 

وفي حالة ما إذا كانت هذه الرسالة حقيقية، فلا يزال من المحال التأكد من أن تلك "المحاكمة" كانت عملية قضائية فعلية، ولا أن "حكم المحكمة الذي لوح به رجال الشرطة أمام نوري كان حقيقيًا. فقد تكون هذه مجرد حالات قتل خارج نطاق القضاء نفذتها قوى وزارة الداخلية.

 

في 27 مارس / آذار 2009 أذاعت  منظمة "عراقي إل جي بي تي" المعلومات الواردة في هذه الرسالة على الملأ عبر الإنترنت، لتجنب ما اعتقدت إنه تنفيذ الإعدام المعتزم تنفيذه في الأشخاص الخمسة. وأنذرت أن "نحتاج إلى اتخاذ خطوات عاجلة لوقف إعدام 128 معتقل محكوم عليهم بالإعدام في العراق. وحكم على الكثير ممن ينتظرون الإعدام بتهمة "جريمة المثلية" (Iraqi LGBT, “Stop Executions of Gay Iraqis: Members of Iraqi LGBT Group on Death Row: Action Needed to Halt Judicial Executions,” March 27, 2009, at http://iraqilgbtuk.blogspot.com/,

 

واطلعنا عليه في مايو / آيار2009. أما مصدر هذا الرقم هو بيان أصدرته منظمة العفو الدولية قبيل ذلك في نفس الشهر، وكان البيان يخص الإعدام المزعم تنفيذه في128 المدانين بالعراق. (Amnesty International, “128 Face Execution in Batches of 20,” March 12, 2009, at http://www.amnesty.org/en/for-media/press-releases/iraq-128-face-execution-batches-20-20090312)

 

واطلعنا عليه في 4 مايو / آيار 2009. لم يكن لدى منظمة العفو الدولية ما يدل على توجيه تهمة السلوك المثلي لأيٍ من هؤلاء الرجال، ورغم ذلك افترضت منظمة "عراقي إل جي بي تي" ـ والتي لم يكن لها أي حديث مع نوري منذ الإفراج عنه أن الرجال الخمس على قيد وموجودين ضمن العدد الأكبر المحكوم عليهم بالإعدام.

 

بناء على هذه الأدلة انتهت هيومن راتس ووتش إلى أنه إذا كانوا الخمسة الذين ذكرت أسماءهم "عراقي إل جي بي تي" قد أعدموا بالفعل، فإن ذلك قد حدث من ذي قبل أي عند القبض على نوري في فبراير/ شباط. ولكن البيان الصحفي الذي أصدرته "عراقي إل جي بي تي"، والذي زعم أن " الكثيرون" من الـ 128 صدر عليهم الحكم بتهمة "المثلية"، أدى بغير قصد إلى حالة من البلبلة ما بين الناشطين والمدونين في كل من أمريكا وأوروبا، حيث وبدأت حملة جمع توقيعات عبر الإنترنت على بيان يطالب بـ "إنقاذ حياة 128 معتقلاً محكوم عليهم بالإعدام لأنهم مثليين"،  والمزاعم الباطلة بأن جميع المحكوم عليهم بالإعدام من الـ "جاي" انتشرت انتشارًا واسعًا. أنظر:(Everyone Group, “Petition to save the lives of 128 homosexuals sentenced to death in Iraq,” April 3, 2009, http://www.everyonegroup.com/EveryOne/MainPage/Entries/2009/4/3_Petition_to_save_the_lives_of_128_homosexuals_sentenced_to_death_in_Iraq.html)

. واطلعنا عليه في 14 أبريل/نيسان 2009.وسرعان ما وضحت "عراقي إل جي بي تي" بأنها تعتقد إن خمسة فقط من الـ 128 هم "جاي".ولكن المعلومة الخاطئة ظلت تنتشر.

[70]Stanley Cohen, Folk Devils and Moral Panics (London: Routledge, 2002, third edition), p. 1.

[71] المصدر السابق ص XXXV

[72] حرب "الجراوي" و"الشيالة"   الأسبوعية 10 - 16  مايو / أيار 2009

[73] صباح محسن كاظم: "تخنيث الشباب: تشخيص وعلاج" الصباح ـ 7 مايو / ايار 2009

[74] لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع هيثم (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009.

[75] لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع وحيد (اسم مستعار)، العراق، 23 أبريل/نيسان 2009.

[76] لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع نوري (اسم مستعار)، بيروت، 15 أبريل/نيسان 2009.

[77] لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع سمير (اسم مستعار)، العراق، 24 أبريل/نيسان 2009.

[78] لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع هيثم (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009. ورد في صحيفة النيويورك تايمز في أبريل/نيسان إن "رجال الدين ذوي العلاقات بمقتضى الصدر... يكرسون جزءًا من خطبة الجمعة لإلقاء العرائض ضد المثلية الجنسية. وقال الشيخ جاسم المطيري في خطبته يوم الجمعة الماضية، "يجب تطهير المجتمع من السلوك المنحرف كالسرقة والكذب وظاهرة التخنيث بين الرجال". Timothy Williams and Tareq Maher, “Iraq’s Newly Open Gays Face Scorn and Murder,” New York Times, April 8, 2009

وبلغ من تلك المخاوف أن حتى الجوامع السنية شاركت فيها، وبصوت عالٍ: أخبر أحد الرجال (وكان مسيحيًا) هيومن رايتس ووتش أنه "أثناء سيري في الطريق سمعت خطيب الجمعة بجامع سني يلقي خطبته عن مسلسل اسمه نور والشيخ كان يصرخ بشأن بطل المسلسل ويقول، "جميع النساء يردن الوقوع في غرامه لكنه من الجنس الثالث؟" لقاء أجرته هيومن رايتس ووتش مع طارق (اسم مستعار)، العراق، 18 أبريل/نيسان 2009. والمعروف أن مسلسل نور هو نسخة مدبلجة من المسلسل الأجنبي Gümüşويعشقه معظم العالم العربي ويتابعون مواضيعه التي تتناول قضايا شائكة من أمثال ممارسة الجنس قبل الزواج والإجهاض. ومن الطريف أن مهند بطل المسلسل في الواقع يحب النساء ومتزوج ولكنه يساند استقلال زوجته ويشجعها في مستقبلها المهني ولذلك أصبح الممثل (ذو الشعر الطويل) الذي يمثل دوره، ليس فقط معبودًا للنساء، بل رمزًا لأدوار الجنس والنوع الاجتماعي غير التقليدية، وعلا صوت الكثيرون من الأصوليين والسلفيين الدينيين في دول كثيرة شجبًا للمسلسل.

[79]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طلال (اسم مستعار) ـ العراق ـ 21 أبريل/نيسان 2009.

[80]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار) ـ العراق ـ 23 أبريل/نيسان 2009.

[81]Patrick Cockburn, Muqtada: Muqtada al-Sadr, the Shia Revival, and the Struggle for Iraq (New York:Simon and Schuster, 2008), pp. 187-198.

[82]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع فادي (اسم مستعار) ـ العراق ـ 18 أبريل/نيسان 2009.

[83]Wisam Mohammed and Khalid al-Ansary, “Gays Killed in Baghdad as Clerics Urge Clampdown,” Reuters, April 4, 2009, http://uk.reuters.com/article/gc05/idUKTRE53312Q20090404,

اطلعنا عليه في 5 أبريل/نيسان 2009.

[84]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار) ـ العراق ـ 23 أبريل/نيسان 2009.

[85] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع سمير(اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[86]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حامد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[87]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع وحيد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 23 أبريل/نيسان 2009.

[88]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار) ـ العراق ـ 23 أبريل/نيسان 2009.

[89] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع إدريس (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 أبريل/نيسان 2009.

[90]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع ماجد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 23 أبريل/نيسان 2009.

[91]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع نديم (اسم مستعار) ـ العراق ـ 22 أبريل/نيسان 2009.

[92]أنظرFaleh A. Jabar, “Shaykhs and Ideologues: Detribalization and Retribalization in Iraq, 1968-1998,” Middle East Report 215 (2000).

[93]Ali A. Allawi, The Occupation of Iraq: Winning the War, Losing the Peace (New Haven: Yale University Press, 2007), pp. 267-70.

[94] ورد في Nizar Latif, “Iraqi ‘Executioner’ Defends Killing of Gay Men,” The National, May 2, 2009, http://www.thenational.ae/article/20090503/FOREIGN/705029847/1002

[95] قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: النسخة المنقحة الكاملة من الطبعة الثالثة لعام 1985 مع تعديلاتها التشريعية وما أصابها من قرارات سلطة الائتلاف المؤقتة 20032005، إعداد القاضي : نبيل عبد الرحمن حياوي. بغداد، المكتبة القانونية، 2008.

[96] ولكن في عام 2000 قام الاتحاد الوطني الكردستاني بإلغاء هذه المادة في الاراضي التي يحكمها، وفي عام 2002 فعل البرلمان الكردستاني نفس الشئ في جميع أراضي حكومة كردستان الإقليمية. ولكن بالرغم من ذلك لا تزال المخاوف قائمة من قصور عمليتي المحاكمة وإصدار الأحكام في أرض الواقع على الجناة الذين ارتكبوا جرائم الشرف في أراضي الحكومة الإقليمية الكردستانية. ففي تقريرصدر في عام 2009 عبرت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أنه "في بعض الحالات على الأقل، استمرت المحاكم الجنائية في أراضي الحكومة الإقليمية الكردستانية في إصدار أحكام متساهلة بشكل لا يتناسب مع الجريمة في حالات الرجال الذين تثبت عليهم تهمة قتل إحدى قريباتهم.Hope and Fear: Human Rights in the Kurdistan region of Iraq, an Amnesty International report, MDE 14/006/2009

بالإضافة إلى ذلك، كثيرًا ما تمثل بعض القضايا أمام المحاكم القبلية الكردستانية والمسماة "كومالياتي" ولا تصل هذه القضايا أبدًا إلى محاكم الحكومة الكردستانية؛ فمما يحد من تأثير التعديلات القانونية بشكل أكبر هو أن تنفيذ العدالة يقع في أيدي الشيوخ الأبويين.

[97] ولكن انظرTrapped by Violence: Women in Iraq, an Amnesty International report, MDE 14/005/2009حاول العديد من الكتاب العراقيين والغربيين في كتابتهم لفت الأنظار إلى العنف ضد المرأة بالعراق، سواءًا أثناء حكم صدام أو اثناء الاحتلال. أنظرمثلاًNadje Sadig al-Ali, Iraqi Women: Untold Stories from 1948 to the Present (London: Zed Books, 2007); Nadje Sadig al-Ali and Nicola Pratt, What Kind of Liberation? Women and the Occupation of Iraq (Berkeley: University of California Press, 2009); Haifa Zangana, City of Widows: An Iraqi Woman's Account of War and Resistance (New York: Seven Stories, 2007).

 

[98]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع مشعل (اسم مستعار) ـ العراق ـ 20 أبريل/نيسان 2009.

[99]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طيب (اسم مستعار) ـ العراق ـ 25 أبريل/نيسان 2009.

[100] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع رامز (اسم مستعار) ـ بيروت، لبنان ـ 28 أبريل/نيسان 2009.

[101]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع مؤيد (اسم مستعار) أبريل/نيسان 2009.

[102] أنظر مثلاً Doug Ireland, “Iraqi Gay Murders Surge; World Finally Takes Note,” Gay City News (New York), April 16, 2009, http://www.gaycitynews.com/site/news.cfm?newsid=20299642&BRD=2729&PAG=461&dept_id=568864&rfi=6,

وقد اطلعنا عليه في 2 مايو/ آيار2009: "كتائب الإعدام التي تحارب المثليين والتابعة لفرقة بدر... [كانوا] مسئولين عن أغلبية كبرى من جرائم قتل المثليين" بالعراق.

[103] قام المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق بتأسيس فريق بدر بالمنفى في إيران في ثمانينيات القرن العشرين. أما بعد احتلال 2003، أعادت هذه المجموعة تسمية نفسها فأطلقت على نفسها : عنوان منظمة بدر لإعادة البناء التنمية. وحنثت بوعودها بنزع السلاح، وأصبحت لها روابط وثيقة بوزارة الداخلية العراقية؛ ومن غير المؤكد، ولكنه أمر يرتاب فيه الكثيرون أن اختراق المنظمة للوزارة للوزارة ظل قائمًا حتى بعد المحاولات التي تمت أثناء الطفرة الأمريكية والتي هدفت إلى تطهير المكاتب الحكومية من أعضاء الميليشيات. انظر:Edward Wong, "Leaders of Iraq Support Militias and Widen Rift," New York Times, June 9, 2005, و Council on  Foreign Relations, Iraq: Militia Groups, في  http://www.cfr.org/pub8175/lionel_beehner/iraqmilitia_groups.php

اطلعنا عليه في 10  أبريل/نيسان 2009.

[104] اختفى هذا النص من موقع آية الله السستاني، ولكن هيومن رايتس ووتش لديها نسخة منها في ملفاتها.

[105]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع عمر (اسم مستعار) ـ العراق ـ 25 أبريل/نيسان 2009.

[106]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع نير روزين ـ بيروت، لبنان ـ 29 أبريل/نيسان 2009.

[107] تتكون القاعدة ما بين النهرين من مجموعة فضفاضة من المتمردين (وأسسها المتمرد أبو مصعب الزرقاوي تحت اسم جماعة التوحيد والكفاح) والتي حاربت فوصلت مكانة بارزة بهجماتها على قوى الاحتلال في عام 2004.

[108] مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع منير (اسم مستعار) ـ العراق ـ 20 أبريل/نيسان 2009. تعاون الجيش المهدي وغيره من الميليشيات السنية، على الأقل بشكل محدود مع القاعدة في منطقة ما بين النهرين في أوائل حملةالمقاومة ضد الاحتلال في عام 2004. ولكن هذه الاتحادات انهارت بحلول عام 2005 وانتشار الحرب الأهلية الطائفية عبر العراق.

[109]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع مصطفى (اسم مستعار) ـ بيروت، لبنان، 10 يوليو / تموز 2009. سينما سندباد بشارع سعدون، وتدمرت بعد ذلك، اشتهرت بعرضها للأفلام الغربية التي اعتبرها الإسلامييون السلفيون "مخلة". نشر الإعلام الغربي خبر الهجوم على هذه السينما بالقنابل اليدوية في مايو 2003: أنظرPhilip Sherwell, “Baghdad's Cinemas and Shops Attacked by Islamic 'Enforcers,’” Telegraph, June  1, 2003, http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/middleeast/iraq/1431686/Baghdads-cinemas-and-shops-attacked-by-Islamic-enforcers.html

أطلعنا عليه في 10 يونيو/حزيران 2009.

[110] كانت العراق ما بعد الحرب شأنها من شأن دول كثيرة حول العالم في أن مواقع الإعلانات الشخصية وغرف الدردشة على الإنترنت كانت تجمع بين فرصة تكوين العلاقات الاجتماعية بتوفير الأمان (فيما يبدو) بالنسبة للرجال المثليين. فأخبرنا أحدهم:

 

الإنترنت مهم جدًا بالنسبة "للجاي" في العراق لأنها توفر الأمان، فيما يبدو فقبل ذلك، ان عليك اللقاء بشكل مستتر جدًا في الأماكن العامة: كنت ترى رجلاً وتذهب فتتحدث معه ولم تكن تعرف إذا ما كان "جاي" أم يهوى النساء ويدعي فقط أنه "جاي"، إذا كان سيضربك أو يسرقك. أما من خلال الإنترنت، فيتاح لك إلى حد ما تفحص الناس قبل تكوين العلاقات معهم أو إعطائهم المعلومات الشخصية. 

مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حنيف (اسم مستعار) ـ العراق، 25 أبريل/نيسان 2009.

[111]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع سمير (اسم مستعار) ـ العراق، 24 أبريل/نيسان 2009. أما بلال فأخبرنا أنه "منذ سنتين تعرض أحد أصدقائي للاختطاف من خلال برنامج ياهوو [ماسنجر] كان يدردش مع شخصٍ، قال: "أرغب أن القاء". عندما ذهب إلى مكان اللقاء، كان في رجلان واختطفاه. سرقوا تليفونه المحمول وعليه كل أرقامه، ووضعوا على عينيه غمامة وضربوه وركلوه واقتلعوا أظافره. كانوا من الجيش المهدي وأخبروه وبذلك، وقالوا: "نحن نطهر المجتمع من أمثالك". كانوا يريدون فدية من أسرته؛ في كل مرة يطلبون 20 أو 30 ألف دولارًا أمريكيًا، إلا أنهم أخبروه أنهم سيقتلونه في اليوم التالي على أية حال. ولما كانوا يحتجزونه في الدور الأول، ألقى بنفسه من النافذة وتمكن من الهروب". مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع بلال (اسم مستعار) ـ العراق، 20 أبريل/نيسان 2009.

[112]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع وحيد (اسم مستعار) ـ العراق، 23 ابريل نيسان 2009.

[113]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع عمر (اسم مستعار) ـ العراق، 25 أبريل/نيسان 2009.

[114]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع يحيى (اسم مستعار) ـ بيروت، لبنان، 10 يوليو/تموز 2009.

[115]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع نوري (اسم مستعار) ـ بيروت، 27 أبريل/نيسان 2009.

[116]مفوض الأمم المتحدة السامي لشئون اللاجئين “Iraq: Country Operations Profile, 2009,”

http://www.unhcr.org/cgi-bin/texis/vtx/page?page=49e486426,

واطلعنا عليه في 2 مايو/ آيار 2009.

[117]مفوض الأمم المتحدة السامي لشئون اللاجئين “Iraq Situation Update,” May 2009.

[118] المصدر السابق.

[119]We Need a Law for Liberation”: Gender, Sexuality, and Human Rights in a Changing Turkey, a Human Rights Watch report, 2008, http://www.hrw.org/en/reports/2008/05/21/we-need-law-liberation-0.

[120] أجرت هيومن رايتس وتش أبحاث مستفيضة مع اللاجئين الإيرانيين من الأقليات الجنسية بتركيا في عامى 2007 و 2008.

[121]مفوض الأمم المتحدة السامي لشئون اللاجئين, “Iraq Situation Update,” May 2009.

[122]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع حسين (اسم مستعار) ـ العراق، 23 نيسان/ابريل 2009.

[123] لقاء لهيومن رايتس ووتش مع عمر (اسم مستعار)، العراق، 25 أبريل/نيسان 2009.

[124] لقاء لهيومن رايتس ووتش مع منير (اسم مستعار)، العراق، 20 أبريل/نيسان 2009. وأخبرنا اثنان من العراقيين المثليين غير منير كانوا قد عاشوا في سوريا دون التقدم لمكتب المفوض السامي لإعطائهم وضعهم كلاجئين، رواية القبض عليهم في شوارع دمشق في ديسمبر 2006 على يد الشرطة السورية، وتعد روايتهم خير دليل على المخاطر التي قد يواجهها الأجانب "الناعمين". أوقفهم رجال الشرطة وسألوهم "هل أنتم شباب أم بنات؟"

 

أنزلوا سراويلنا لكي يرون ما هو جنسنا، ثم أبرحونا ضربًا في الطريق العام أمام الكل. ثم اقتادونا إلى قسم شرطة باب موصلة. بعد يوم تقريبًا، أخذونا لمستشفى بشار الأسد لإجراء اختبارات تثبت إذا ما كنا "جاي". أمرنا الطبيب بإنزال سراويلنا و كشف عورتنا ثم كان علينا أن نركع أمامه. طلب من كل منا أن يعدّ من 1 إلى 10 ثم أدخل إبهامه في فتح شرج كل منا. ثم قال : "إنهم مثليون".

 

بعد ذلك كانت العودة لقسم الشرطة، حيث وضعوا كلاً منا في زنزانة انفرادية لا يزيد حجمها على حجم دورة المياه الصغيرة. تلا ذلك ثلاثة أيام من التعذيب. في الصباح، كانوا يضربوننا ويعرضوننا للصدمات الكهربائية من 10 صباحًا إلى 12 ظهرًا. و ليلا من العاشرة مساءً حتى الثانية عشرة في منتصف الليل، كانوا يعطونا أدشاشًا من الماء البارد ويشدون أجسامنا عن طريق ربط أيدينا وأرجلنا ثم جذب الحبال، ثم يجلدوننا.

 

بعد ذلك أخذونا إلى المحكمة دون محامٍ واتهمونا بالفجور. قال المدعي أننا قد ما رسنا الجنس مع المارينز الأمريكيين ورجال الميليشيات العراقية في العراق موطننا. أما القاضي فقال: "نحن لا نحبكم يا أهل العراق: لماذا تأتون إلى بلدنا؟" وحكم علينا بالسجن ستة أشهر. تمكنّا من توكيل محامٍ من داخل السجن وجعلهم يطلقون سراحنا، لكنهم طردونا من البلاد. طردونا في فبراير/شباط 2007 ونحن ممنوعون من العودة لمدة خمسة سنوات. أخذونا إلى حدود العراق وتركونا هناك.

 

لقاء لهيومن رايتس ووتش مع يحيى وعباس (اسماء مستعارة)، بيروت، لبنان ، 10 يوليو/ تموز 2009. قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق إجراء الكشوف الشرجية الباطلة في تقريرها على دولٍ أخرى، ويعد هذا الإجراء تعدٍ على البشر وإساءة لها والغرض منه "إثبات" ممارسة السلوك المثلي: أنظر  في زمن التعذيب: إهدار العدالة في حملة مصر ضد السلوك المثلي، تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش لعام 2004، وكماعرضنا في ذلك التقرير، فعندما تمارس هذه الكشوف في ظروف الحبس أو السجن وبدون موافقة المكشوف عليهم، تعد ضربًا من ضروب التعذيب.

[125] المفوضية السامية لشئون اللاجئين بالأمم المتحدة، Eligibility Guidelines for Assessing the International Protection Needs of Iraqi Asylum-Seekers, April 2009, “Sexual Orientation,” pp. 193-195, http://www.unhcr.org/refworld/docid/49f569cf2.html,  

واطلعنا عليه في 2 مايو/ آيار 2009

[126]لقاء لهيومن رايتس ووتش مع حامد (اسم مستعار) ـ العراق ـ 24 ابريل/نيسان 2009.

 

[127]"لا جديد تحت ظلام الصدريين" ــ مهدي قاسم. صوت العراق - 11-05-2009http://www.sotaliraq.com/printerfriendly-articles.php?id=39044

اطلعنا عليه في 15 مايو/آيار2009.

[128]مقابلة لهيومن رايتس ووتش مع طارق (اسم مستعار) ـ العراق، 18 نيسان/ابريل 2009.

[129] تنص اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات، والذي اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام ابتداء من23 مايو/أيار 1969، 115U.N.T.S. 331، على ان واجبات الدول بمقتضى الإتفاقيات الدولية التي صدقت عليها لا تسقط ولا يبطل سريانها مع تغيرنظام الحكم.

[130] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:G.A. Res. 2200A (XXI), 21 U.N. GAOR Supp. (No. 16) at 52, U.N. Doc. A/6316, 999 U.N.T.S. 171, December 16, 1966.

[131]انظر مثلا:Communications nos. 195/1985, Delgado Páez v. Colombia, adopted July 12, 1990; 314/1988, Bwalya v. Zambia, adopted July 14, 1993; 468/1991, Oló Bahamonde v. Equatorial Guinea, adopted October 20, 1993; 449/1991, Mojica v. Dominican Republic, adopted August 10, 1994; 916/2000, Jayalath Jayawardena v. Sri Lanka, adopted July 26, 2002; 859/1999, Vaca v.Colombia, adopted April 1,  2002; 821/1998, Chongwe v. Zambia, adopted November 9, 2000; and 1250/2004, Arachchige Lalith Rajapakse v. Sri Lanka, adopted September 5, 2006.

[132] المصدر السابق، وHuman Rights Committee, “Concluding Observations: El Salvador,” CCPR/CO/78/SLV, July 22, 2003, para. 16.

[133]Report of the Special Rapporteur on Extrajudicial, Summary or Arbitrary Executions, Mission to Guatemala,” A/HRC/4/20/Add.2, February 19, 2007.

[134] اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة - اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984. تاريخ بدء النفاذ: 26 حزيران/يونيه 1987، وفقا لأحكام المادة 27 (1). في 17 أغسطس/آب 2008 اعتمد مجلس الرئاسة العراقي قرار البرلمان بالتصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب. انظرhttp://www.iraqipresidency.net/news_detial.php?language=arabic&id=6067&type=news

واطلعنا عليه في 10 يوليو/تموز2009.

[135] انظر مثلا Communication no. 322/1988, Rodriguez v Uruguay, adopted July 14, 1994; 328/1988, Blanco v Nicaragua, adopted July 20, 1994; 1096/2002, Kurbanov v Tajikistan, adopted November 6, 2003.

[136]Human Rights Committee, “General Comment 20, Article 7” (Forty-fourth session, 1992), Compilation of General Comments and General Recommendations Adopted by Human Rights Treaty Bodies, U.N. Doc. HRI/GEN/1/Rev.1 at 30 (1994).

[137] انظر Toonen v  Australia, Communication no. 488/1992, adopted April 4, 1994; Young v Australia, Communication no. 941/2000, adopted September 18, 2003. كما ألحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على الدول بسن قوانين مناهضة للتمييز تذكر الميول الجنسية صراحة، وأن يعدّلوا الدستورالخاص بكل منهم ليحظر أي نوع من أنواع التمييز على أساس الميول الجنسية  والهوية من حيث النوع الاجتماعي.Human Rights Committee, “Concluding Observations: Slovakia,” CRC/C/SVK/CO/2, June 8, 2007, para. 28; “Concluding Observations: Namibia,” CCPR/CO/81/NAM, July 30, 2004, para. 22; Concluding Observations: Trinidad and Tobago, CCPR/CO/70/TTO, November 3, 2000, para. 11; “Concluding Observations: Poland,” 66th Session, CCPR/C/79/Add.110, para. 23.

[138]General Comment 16/32, in ICCPR/C/SR.749, March 23, 1988, para. 4. See Toonen v. Australia, para. 8.3.

[139]Report of the Special Representative to the Secretary General on Human Rights Defenders,” UN Doc. E/CN.4/2001/94 (2001), at para. 89g;مذكور في “Report of the Special Rapporteur on the Question of Torture and other Cruel, Inhuman and Degrading Treatment or Punishment,” UN General Assembly, A/56/156, July 3, 2001.

Region / Country