أعمال ضرب وإطلاق نار... وقتلى في صفوف معتقلي بلدة تاورغاء
October 30, 2011
إن عمليات الثأر ضد سكان تاورغاء، مهما كانت الاتهامات الموجهة إليهم، تقوّض أهداف الثورة الليبية. في ليبيا الجديدة، يجب مقاضاة المتهمين من سكان تاورغاء باقتراف مخالفات بموجب القانون وليس باعتماد عدالة القصاص.
سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن مليشيات من مدينة مصراتة تقوم بترهيب السكان النازحين من مدينة تاورغاء المجاورة، وتتهمهم بأنهم ارتكبوا أعمال وحشية صحبة قوات القذافي في مصراتة. هُجرت مدينة كاملة يسكنها 30 ألف نسمة – وتم نهب وإحراق بعض البيوت – ويقول قادة كتائب مصراتة إنه يجب ألا يعود سكان تاورغاء إليها.

قابلت هيومن رايتس ووتش العشرات من تاورغاء في شتى أنحاء ليبيا، بما في ذلك 26 شخصًا معتقلين داخل وقرب مصراتة و35 نازحًا يسكنون في طرابلس والهيشة وهون. وقدم هؤلاء شهادات قوية على أن بعض مليشيات مصراتة تقوم بإطلاق النار على أشخاص غير مسلحين من تاورغاء، وتشن حملة اعتقالات تعسفية وضرب في حق المعتقلين من تاورغاء، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى وفاة هؤلاء المعتقلين.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش "إن عمليات الثأر ضد سكان تاورغاء، مهما كانت الاتهامات الموجهة إليهم، تقوّض أهداف الثورة الليبية. في ليبيا الجديدة، يجب مقاضاة المتهمين من سكان تاورغاء باقتراف مخالفات بموجب القانون وليس باعتماد عدالة القصاص".

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي على المجلس الوطني الانتقالي وضع قيادة مركزية تراقب وتسائل ما يفوق مائة مجموعة مسلحة من مصراتة. إن كل اعتداء على سكان تاورغاء أو منعهم من العودة إلى مدينتهم يعتبر عملا إجراميا.

 وطبقاً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي قدرت عدد السكان النازحين من تاورغاء بخمسة عشر ألفاً، فإن أغلب سكان هذه المدينة فرّوا منها خلال شهر أغسطس/آب نحو منطقة الجفرة جنوبي مصراتة. كما قال مسؤولون من هون، إحدى مدن منطقة الجفرة، إن أربعة آلاف من سكان تاورغاء بحثوا عن ملجأ في ثلاث مخيمات هناك حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول، وأن عددا آخر غير محدد قاموا باللجوء إلى مدينة سُكنة وتجمعات سكانية ريفية مجاورة. ومن بعد ذلك، انتقل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص من سكان تاورغاء من الجفرة إلى بنغازي وطرابلس، وتوجد مجموعات أخرى في ترهونة والخمس وأقصى الجنوب.


ولاحظت هيومن رايتس ووتش، لما زارت تاورغاء أوائل أكتوبر/تشرين الأول، أن المدينة بدت خالية من سكانها وأن أغلب المباني تم نهبها. وخلال الأيام الثلاثة الممتدة من 3 إلى 5 أكتوبر/تشرين الأول، شاهدت هيومن رايتس ووتش مليشيات وأشخاص من مصراتة يضرمون النار في 12 منزلا في تاورغاء.

في 25 أكتوبر/تشرين الأول تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى كتيبة من مصراتة زعمت أنها "تحرس" تاورغاء. نائب قائد الكتيبة قال إن قواته "تحمي المكان من الإحراق والنهب". وفي الوقت نفسه مرت شاحنات تحمل الأثاث والأبسطة – يبدو أنها منهوبة من البيوت – وكان فيها رجال يطلقون نفيرها ويلوحون بأيديهم. لم يتدخل أعضاء الكتيبة، قائلين بأن يجب على سكان تاورغاء ألا يعودوا أبداً "بعد ما فعلوه في مصراتة".

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول رأت هيومن رايتس ووتش أربعة بيوت تحترق في البلدة، وحريق جديد في مربع شقق سكنية مجاور لقاعدة الكتيبة.

وقال أغلب سكان تاورغاء الذين قامت هيومن رايتس ووتش بمقابلتهم إنهم فرّوا خلال الفترة من 10 إلى 12 أكتوبر/تشرين الأول عندما تمكنت قوات المعارضة التي يقودها مقاتلون من مصراتة على وشك الاقتراب من تاورغاء ودخولها. كما قالوا إنه بقي ما يقارب مائة مدني داخل تاورغاء بعد ذلك التاريخ، ولكن المليشيات سرعان ما أجبرتهم على مغادرتها. وقال محمد غرايرة التاورغي، الذي يبلغ من العمر 80 سنة وهو مزارع متقاعد عمل في مجال جني التمور "لقد جاؤوا إلى منزلي وأمرونا بمغادرته ولم نكن مسلّحين".

ويتهم سكان مصراتة وسلطاتها المحلية سكان تاورغاء، الذين ينحدر أغلبهم من أصول تعود إلى العبيد الأفارقة، بارتكاب جرائم خطيرة في مصراتة، مثل القتل والاغتصاب.

وكانت القوات الموالية للقذافي قد اتخذت من تاورغاء قاعدة لشن هجمات على مصراتة والمناطق المحيطة بها منذ مارس/آذار، إلى أن فروا من هناك في أغسطس/آب. وساند الكثير من سكان تاورغاء نظام القذافي الذي زعم أن المقاتلين في صفوف المعارضة سوف يستعبدون سكان تاورغاء إذا وصلوا إلى السلطة.  وقال بعض السكان من مصراتة وتاورغاء إن المئات من سكان تاورغاء التحقوا بالجيش خلال أعنف الهجمات على مصراتة بين مارس/آذار ومايو/أيار، عندما تمت محاصرة المدينة وقصفها عشوائيا بالصواريخ والقذائف، ولكن مقاتلي مصراتة دافعوا عن المدينة بنجاح وبدؤوا في دحر القوات الموالية للقذافي بمساعدة غارات حلف الناتو.

ومنذ انهزام القوات الموالية للقذافي، أفاد سكان تاورغاء بوقوع انتهاكات خطيرة في حقهم من قبيل الاعتقال التعسفي والضرب وبعض عمليات القتل. وقال شخصان، وهما أبناء عم، لـ هيومن رايتس ووتش إنهما كانا بصدد جمع بعض الحطب منتصف سبتمبر/أيلول قرب مكان كانوا قد لجؤوا إليه في لود، في منطقة الجفرة، فتم اعتقالهم على أيدي ستة مسلحين من كتيبة من مصراتة. وقام عناصر الكتيبة بتقييد أيدي الرجلين وضربهما وإطلاق النار عليهما ثم تركاهما على جانب الطريق. 

وقال أحد الرجلين: "أصابتني الرصاصة الأولى في ساقي، وبعد ذلك شرعوا في إطلاق النار في كل مكان وأصابتني رصاصة أخرى في جانبي وأخرى أصابت ابن عمي في ساقه أيضا. وأمرونا برفع أيدينا لفك الأغلال فرأيت عظم رجلي وفقدت الوعي". وأفاد الرجل الثاني برواية متطابقة أثناء مقابلته على انفراد (أنظر أدناه)، وأكد أنه وابن عمه لم يكونا مسلحين، وأنهما كانا رهن الاعتقال عندما تم إطلاق النار عليهما.

وفي بعص الحالات، تعرض المعتقلون من سكان تاورغاء للتعذيب والضرب المفضي إلى الموت. وقال شاهدان آخران لـ هيومن رايتس ووتش إنهما شاهدا يوم 20 أغسطس/آب حراسا في مركز اعتقال يقع في شارع البلدية في مصراتة وهم يضربون حتى الموت امحمد محمد شتيوي من تاورغاء، ويُعرف باسم فرج ويبلغ من العمر 42 عاماً ويعمل سائقًا لشاحنة رفع النفايات، وكان قد تعرض للتعذيب كي يعترف بعملية اغتصاب. وقال أحد الشهود على عملية الضرب: " قاموا بضربه بضراوة على كل أجزاء جسمه: بخرطوم وحزام جلد وهراوة، كما قاموا بضربه على صدره. وكان مستلقيا على ظهره وقاموا بضربه بكل قسوة". 

كما قال شاهدان آخران إن حراسًا في مركز اعتقال بمدرسة زرّوق قاموا يوم 20 أو 21 أغسطس/آب بضرب شخص مختلّ عقليا من تاورغاء إلى أن توفي، وهو أشرف صالح محمد، لأنهم كانوا يبحثون عن كلمة السر الخاصة بجهاز لاسلكي (ووكي توكي). وقال أحد الشاهدين: "شرعوا في ضربه بسوط جياد منذ العاشرة صباحًا وتواصل ذلك لمدة 45 دقيقة، وتوفي في منتصف النهار".

وفي 25 سبتمبر/أيلول، شهدت هيومن رايتس ووتش على حصول اعتداء على معتقلين في مركز اعتقال الوحدة في مصراتة. وحوالي منتصف الليل، أجبرت مجموعة الحرّاس أربعة معتقلين جرحى على الجري في الساحة والمشي على رُكبهم وهم يضعون أيديهم فوق رؤوسهم. وقال أحد الحرّاس "نقوم بذلك كلّ يوم. إنه تمرين رياضي قبل النوم. لقد ارتكبوا جرائم اغتصاب".

وأدان سليمان فورتية، أحد الممثلين الثلاثة عن مصراتة في المجلس الوطني الانتقالي، وفاة وسوء معاملة سكان تاورغاء في سجون مصراتة، وقال لـ هيومن رايتس ووتش: "هذا عمل خاطئ وكان يجب ألا يحدث".

كما قال سليمان فورتية إن المشكلة مصدرها عدم وجود مراقبة مدنية على مئات الكتائب والمليشيات العاملة في مصراتة وطرابلس وسرت حتى وقت قريب.

وقال إبراهيم يوسف بن غشير، وهو عضو آخر في المجلس الوطني الانتقالي عن مصراتة، إن المشاعر التي تثيرها الأعمال الوحشية المزعومة، وخاصة الاغتصاب، تصعّب من عودة سكان تاورغاء الى مدينتهم. وأضاف: "نعتقد أنه من الأفضل ترحيلهم إلى مكان آخر، إلى طرابلس أو بنغازي أو الجنوب، وتمكينهم من السكن وتقديم تعويض لهم على كلّ خسائرهم في تاورغاء. لا يمكن التسامح مع ما قاموا به ويُستحسن نقلهم إلى مكان بعيد".


وقالت هيومن رايتس ووتش إن القوات الموالية للقذافي ارتكبت انتهاكات جسيمة في حق سكان مصراتة المدنيين أثناء الحرب، وخاصة أثناء الحصار الذي امتد من مارس/آذار إلى مايو/أيار. وقامت قوات القذافي بإطلاق قذائف عشوائية وشن هجمات بصواريخ غراد على المدينة، وهو ما تسبب في مقتل مدنيين. كما قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق استعمال الحكومة للذخائر العنقوديةفي مصراتة.

لكن، وعلى حد قول هيومن رايتس ووتش، إرغام سكان تاورغاء على الانتقال بشكل نهائي إلى مكان آخر في ليبيا يرقى إلى مستوى العقوبة الجماعية ويمثل ذلك جريمة ضد الانسانية، ناجمة عن الترحيل القسري. ويجب على المجلس الوطني الانتقالي ومجلس مدينة مصراتة ضمان التحقيق ومحاكمة سكان تاورغاء المتهمين بارتكاب جرائم والسماح للآخرين بالعودة إلى ديارهم والعيش بأمان.

كما قالت هيومن رايتس ووتش إنه  يجب على المجلس الوطني الانتقالي الاحتفاظ بالمعتقلين من تاورغاء خارج مصراتة، وذلك للاعتداءات التي تعرضوا لها داخل هذه المدينة.

وقالت سارة ليا ويتسن: "يجب ألا يُعاقب كل سكان مدينة تاورغاء على الجرائم التي ارتكبها بعض الأشخاص. إن محاكمة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم جسيمة هي السبيل الوحيد نحو المستقبل، مع احترام حق الضحايا في الخصوصية، وليس طرد مدينة بأكملها".

حالات وفاة لأشخاص رهن الاحتجاز

أفاد شاهدان تمت مقابلة كل منهما على انفراد بوفاة امحمد محمد شتيوي أثناء احتجازه، وهو من تاورغاء ويُعرف باسم بفرج، وعمره 42 سنة ويعمل سائقًا لشاحنة نقل نفايات، وذلك في معتقل تابع للجنة مصراتة الأمنية في شارع البلدية يوم 20 أغسطس/آب، حوالي الساعة الثامنة مساءً. وقال الشاهدان إن الحراس قاموا بضربه حتى الموت. كما أضاف أحد الشاهدين أن الحراس والزوار قاموا بضرب فرج طوال اليوم في مركز الاعتقال الواقع في شارع البلدية.

لقد ضربوه بكل شيء، في كامل أنحاء جسمه، واستعملوا خرطومًا وحزامًا من الجلد وهراوة، وقاموا بركله في صدره. كان مستلقيا على ظهره وقاموا بضربه بشدّة. وكان ثلاثة أو أربعة رجال يدخلون المكان كل نصف ساعة ويضربونه... اعترف بأنه قام بعملية اغتصاب. سألته "لماذا قلت لهم ذلك؟" فأجابني "لقد جعلوني أقول ذلك". فقلت "كيف تقول ذلك يا رجل؟ ثلاثون فتاة، وأصغرهن تبلغ من العمر ثماني سنوات؟" فقال "كان يجب أن أقول ذلك ليكفوا عن ضربي...". كانوا يشتمونه ويلعنونه "يا مغتصب، أنت مع القذافي"، ولكنه لم يكن يجب ولم يكن يتحرك. وقالوا له "أفق، أفق"، ولكني رأيت صدره، كف عن الحركة.

وقال الشاهد الثاني إنه شاهد امحمد شتيوي يُضرب ضربًا مبرحا وكان لا يزال على قيد الحياة، ولكنه بعد ذلك رآه جثة هامدة. وقال الرجل: "وضعوه في ردهة المبنى. وكان ميتًا... قام الحراس بلمسه وقالوا إنه توفي".

ووصف شاهدان آخران تمت مقابلة كل منهما على انفراد حالة وفاة أخرى أثناء الاعتقال لأحد سكان تاورغاء يوم 20 أو 21 أغسطس/آب داخل قبو في مدرسة زرّوق التي أصبحت مركز اعتقال مؤقت في مصراتة. وقال أحد الشاهدين إن ذلك المركز تم إغلاقه منذ ذلك الوقت. وقال الشاهد الآخر إنه سمع عملية الضرب من بعيد ولكنه شاهد الجثة بعد ذلك. كما قال الشاهدان إن الضحية، أشرف صالح محمد، كان في أول الثلاثينان، وكان مختلا عقليا، وتعرض للضرب المتكرر داخل زنزانته حتى يكشف عن كلمة السر الخاصة بجهاز لاسلكي. وقال أحد الشاهدين:

ضربوه بسوط للجياد في العاشرة صباحًا وتوفي حوالي منتصف النهار... ضربوه بالسوط على ظهره ورقبته... وقام حارسان بشد عصابة غليظة حول معصميه وعلى فمه، وسألوه عن كلمة السر الخاصة بجهاز اللاسلكي الذي كان معه. كان ذلك السؤال الوحيد الذي وجهوه له وكان هو يستجديهم "ارحموني وسوف أقبل أيديكم لتتركوني". وتكرر ذلك مرارًا ولا أدري لماذا كانوا يسألونه ذلك السؤال. وبعد أن انتهوا من تعذيبه، ذهبنا إلى النوم بسبب الإرهاق من الصوم في رمضان، وبعد ساعة ونصف استيقظنا لنجده قد فارق الحياة. قمنا بجسّ نبضه ولكنه لم يكن ينبض فطرقنا الباب وقلنا لهم إنه توفى فقام الحراس بتغطيته ببطانية وأبعدوه. ولم يقل لنا الحراس أي شيء عما حدث، وقاموا بسحبه إلى الخارج، وكان ذلك كل شيئ.

حالات إطلاق نار

تمثلت بعض المضايقات التي مارستها كتائب مصراتة في حق سكان تاورغاء أيضا في عمليات إطلاق نار على رجال غير مسلحين، وكانوا أحيانًا رهن الاحتجاز. وفي إحدى الحالات، قام رجال مسلحون من مصراتة بقتل شخص نازح من تاورغاء كان قد لجأ إلى أحد المخيمات. وفي حالتين أخريين، قام عناصر من كتيبة مصراتة بإطلاق النار على أشخاص من تاورغاء وهم رهن الاحتجاز وتركوهم على جانب طريق مهجورة.

وقال ثلاثة شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد عناصر من كتيبة من مصراتة قام أواخر سبتمبر/أيلول بقتل شخص غير مسلح من تاورغاء اسمه إحسان عمر سعد. وقالوا إن إحسان سعد، ويعمل ممرضًا في مستشفى تاورغاء، تعرض لإطلاق نار في ظهره ورجله في مبنى عسكري تم استعماله كمخيم لما يقارب 1800 نازح من تاورغاء.

وقال أحد الشهود إنه دخل إلى المخيم مع إحسان سعد كعناصر من كتائب العديات وكانوا يفصلون شباب تاورغاء عن شيوخها ونسائها وأطفالها. كما قال:

جاء [أحد مقاتلي مصراتة] بسلاحه وأمرني بالعودة [إلى الساحة حيث تم جمع سكان المخيم الآخرين]. كان يضربنا بعقب بندقية كلاشنيكوف، وقام بضربي على مستوى الصدر. وبينما كنا نمشي، أطلق أحد مقاتلي مصراتة رصاصتين، فأصابت إحداهما ظهر إحسان وأصابت الأخرى رجله. وانطلقت رصاصات أخرى، ولما نظرت إلى الخلف، رأيت إحسان وقد سقط على الأرض.

وقال أحد أبناء عم إحسان سعد إنه كان يسير معه نحو المجمّع وأنه شاهد عملية إطلاق النار. كما قال إن إحدى الرصاصات التي أصابت إحسان سعد اخترقت سترة كان يحملها ابن عمه على ذراعه. وقام بعرض ثقب الرصاصة في السترة على هيومن رايتس ووتش وتحديد المكان الذي قال إنه تم فيه إطلاق النار على إحسان داخل المجمع. كما قال ابن عم إحسان سعد إنه حضر لدفنه في اليوم التالي.   

ويبدو أن كتيبة من مصراتة قامت في منتصف سبتمبر/أيلول، بإطلاق النار وجرح رجلين غير مسلحين من تاورغاء. وقال الرجلان، وهما أبناء عم، إنهما كانا يجمعان الحطب بين التلال على بعد بعض الكيلومترات من لود حيث كانا يسكنان. وقال الرجلان، اللذان تمت مقابلة كل منهما على انفراد، إنه عند اقترابهما من الطريق، أوقفهما ستة رجال مسلحين وقاموا بربط يد كل منهما بالآخر. ثم قام المقاتلون بضرب الرجلين وسألوهما إذا كانا من القوات الموالية للقذافي، كجنود أو متطوعين، أو إذا كانا يمتلكان أسلحة. وقام أحد الرجلين بوصف إطلاق النار عليهما من طرف المقاتلين وتركهما على جانب الطريق:

وضعونا في سيارة ولكنهم بعد ذلك غيروا رأيهم وجعلونا نقف على رُكبنا. قام أحد الثوار بركل ابن عمي على أنفه بحذائه، وقام أحدهم بتوجيه سلاحه إليّ فركضت نحوه كي لا يطلق النار عليّ. وقال أحدهم إنه يجب وضعنا تحت السيارة ودهسنا. كنا واقفين في زاوية وكان واحد من المتمردين يوجه سلاحا من عيار 14.5 ملليمتر نحونا والآخرون أيضا يوجهون أسلحة كلاشنيكوف صوبنا... كان ابن عمي يبكي لأنهم كسروا أنفه، بينما استسلمت أنا لهم. ولما نظرت إلى الجانب الآخر، أصابتني الرصاصة الأولى في رجلي. وبعد ذلك شرعوا في إطلاق النار في كل مكان فأصابتني رصاصة في جنبي وأصابت رصاصة أخرى ساق ابن عمي. وطلبوا منا رفع أيدينا ليرفعوا الأغلال عنها، وتمكنت حينئذ من رؤية عظم ساقي ففقدت الوعي. لم يكن ابن عمي قد فقد الوعي، وقاموا بسحبي من رقبتي ثم قاموا بسحبنا معًا إلى جانب الطريق... كنت أرتدي سروالاً قصيراً وقميصًا رمادي اللون وكان ابن عمي يرتدي سروالا وسترة حمراء، وقاموا بتمزيق قميصه.

تركونا على جانب الطريق ووضعوا فوقنا بطانية وبدؤوا يشتموننا: "أنتم كلاب ونتمنى لكم الموت". كانت هناك مزرعة في الجوار فشرع ابن عمي يسحبني لكي نتمكن من الاختباء داخلها... وطلب مني ابن عمي أن أتشبث بكتفيه... ولكني جرحي كان عميقًا جدا، فسقطت مرة أخرى. قلت له "أتركني، سوف أموت"، وأصبح كل شيئ أبيض أمامي، ولم أتمكن من رؤية أي شيء. كنت فقط أسمع صوته دون أن أفهم ما يقوله.

وقال الرجل صاحب الإصابة الأخف إنه تمكن من الزحف إلى مكان آمن لمدة عشرة أيام وكان يعيش على مياه الري في المزارع المجاورة. وقال ابن عمه إنه تم إنقاذه بعد ذلك بأسبوعين، وكان بدوره يشرب مياه الري، وقد تعفنت إصابته بشكل كبير. وقامت هيومن رايتس ووتش بمقابلة هذا الرجل بينما كان في المستشفى، وقامت أيضا بمقابلة الطبيب المشرف عليه. ويوجد تطابق بين آثار الرصاص في جسد الرجلين ورواية كل منهما للأحداث. كما تشير التقارير الطبية في المستشفى إلى أن الرجلين قد تم قبولهما في المستشفى يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول بسبب الإصابة بطلقات نارية. 

وفي حالة أخرى، قامت هيومن رايتس ووتش بمقابلة رجل من تاورغاء قال إن مقاتلي مصراتة قاموا بإطلاق النار عليه وعلى صديقه عبد المجيد فرج علي، فيما كانا يبحثان عن الحطب، وقد أصيب الأخير في رقبته. وقال الرجل إنه وصديقه فرّا من تاورغاء واحتميا في مزرعة قرب لود. وأضاف أنه في 22 أغسطس/آب، ذهبا لجمع بعض الحطب. ولما اقتربا من الطريق السريع، جاءهم خمسة رجال مجهولين في شاحنتي نقل وأوقفاهما وأمراهما بالاقتراب. فرّ عبد المجيد علي وقام الرجال بإطلاق النار في الهواء من بنادق كلاشينكوف، وهو ما أجبره على التوقف. قام الرجال المسلحون بعد ذلك بسحب رجل معتقل من تاورغاء من إحدى الشاحنتين وقد تم ضربه ضرباً مبرحاً. وقال الرجل المعتقل إنه يعرف عبد المجيد علي، "فشعرت أنا وعلي بالخوف. وشرعنا نجري داخل غابات النخيل وبدؤوا يصرخون: يا عبيد، يا عبيد، وأطلقوا النار علينا فأصابوا عبد المجيد في ظهره وسقط أرضًا". وقال الرجل إنه تمكن من الهروب رغم إطلاق النار عليه واختبأ في إحدى المزارع ولكنه لا يعلم مصير عبد المجيد علي.  

الإساءة للسجناء

وثقت هيومن رايتس ووتش الاعتداء على محتجزين من تاورغاء ومحتجزين آخرين لدى مقاتلي الميليشيات، سواء في طرابلس أو في مصراتة. وتضمنت الإساءة استخدام الصدمات الكهربائية والضرب، بما في ذلك الضرب على باطن القدمين (الفلقة).

وقال العديد من الضحايا والشهود إن كتائب مصراتة انتقت أبناء تاورغاء لانتزاع اعترافات منهم. وقال أحد المعتقلين من تاورغاء لـ هيومن رايتس ووتش إن السؤال الأول الذي طرحه المحتجزون من مصراتة هو "من أين أنت؟ وعندما يُجيبون بأنهم من تاورغاء، يسأل المصراتي فورا ’هل اغتصبتم؟ هل قتلتم؟ هل سرقتم؟‘".

وفقا للتعداد الذي أجرته هيومن رايتس ووتش خلال زيارات لأربعة مراكز اعتقال في مصراتة في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، تحتجز السلطات المدنية والعسكرية في المدينة ما يزيد عن 1300 معتقلا. ولم يظهر أن التاورغيون رهن الاحتجاز من قبل الكتائب من مدن أخرى قد أسيئت معاملتهم دون غيرهم.

أجرت هيومن رايتس ووتش في أواخر سبتمبر/أيلول مقابلات مع 50 سجينا في أربعة سجون بمدينة مصراتة، بمن فيهم 22 من تاورغاء و10 من غير الليبيين. وقابلت هيومن رايتس ووتش أيضا ثلاثة أشخاص من تاورغاء تم الإفراج عنهم. وعثرت هيومن رايتس ووتش على أدلة لسوء المعاملة في ثلاثة من المرافق الأربعة. ولم يزعم أي من المعقلين بالتعرض لسوء المعاملة في مدرسة سعدون منذ مايو/أيار عندما قام مدير المنشأة، الشيخ أبو عبد الحفيظ  غرين، بإطلاق النار على الذين ارتكبوا الانتهاكات، وفقا لأحد المعتقلين الذي قال إنه تعرض للصعق بالكهرباء هناك.

وجدت هيومن رايتس ووتش معتقلين من تاورغاء في كل مراكز الاحتجاز الأربعة التي زارتها. ويشكل أبناء تاورغاء في اثنين من المرافق غالبية المعتقلين. وذكر معظم المعتقلين أبناء تاورغاء تعرضهم للضرب أثناء إلقاء القبض عليهم، سواء في طرابلس أو في مصراتة. وذكر معظهم تعرضهم للضرب في كل مراكز الاحتجاز الانتقالية وفي السجون. وبسبب احتمال الانتقام من المعتقلين فإن هيومن رايتس ووتش لن تذكر أسمائهم.

وقال أحد أهالي تاورغاء بأن أعضاء كتيبة مرداز، في مركز احتجاز في السكت قرب مصراتة، حاولوا في أغسطس/آب انتزاع اعترافات بالاغتصاب:

أرادوا أن أخبرهم بأنني قمت بالاغتصاب. كانوا يطلبون من معظم الناس من تاورغاء أن يقولوا إنهم اغتصبوا. ضربوني. استخدموا عصا كهربائية على ظهري وبطني... فعلوا ذلك مرارا وتكرارا. وقام بعضهم بضربنا على أقدامنا مرتين... وضعوني وحدي في إحدى الغرف، وسألوني إذا كنت اغتصبت؛ قلت لا. سألوني من أين جاءت الأوامر تاورغاء. "أين الأسلحة؟" قلت: "أنا مدني... لا أعلم شيئا عن الجيش". قالوا لي أن أعترف بأنني اغتصبت خمسة أشخاص. ولا أعرف لماذا خمسة أشخاص. علقوني مع وضع قضيب معدني بين ساقيّ وذراعيّ. ضربوني. استخدموا سوط للخيول وطلبوا مني أن أعترف... استمروا في ذلك خمس ساعات. جلدوني على قدميّ، وساقيّ، ويديّ. كان هناك الكثير من الناس في ملابس مدنية. كانوا يتناوبون. وكان المحقق يعطي الأوامر. بعد ضربي، فقدت الوعي لمدة خمسة دقائق. عندما استيقظت كانوا يقفون فوقي، ويبصقون علي ويشتموني، ويقولون: " سنعيدك إلى أفريقيا".

وأظهر الرجل لـ هيومن رايتس ووتش ندوبا واضحة في جميع أنحاء جسده، بما يتفق مع روايته.

ووصف محتجز آخر من تاورغاء الروتين الليلي الذي قال إنه عانى منه:

كانوا يضربوني على قدمي كل ليلة لمدة 15 دقيقة، وضربني بعض الناس على مؤخرتي وعلى ظهري. ولم أتمكن من الجلوس لمدة أربعة أيام. سكبوا الماء البارد على رأسي، ثم أخذوا عصا كهربائية ووضعوها على كتفي، وظهري، وذراعيّ، وتكرر هذا في كل ليلة لمدة عشر دقائق. لقد زلزلتني. لا أستطيع أن أصف إحساسها... ضربوني بسير المُحرك، وبخرطوم من البلاستيك، وعصا خشبية، وسوط الجياد.... أصبت بنزيف الدم في البول لمدة أربعة أو خمسة أيام.

وأظهر الرجل لـ هيومن رايتس ووتش الندوب على جسده التي كانت لا تزال حمراء وبارزة بعد شهر من الاعتداء.

قال اثنان من المعتقلين أبناء تاورغاء اعتقلا معا في 11 أغسطس/آب، ويحملان إصابات واضحة بعد شهرين من تاريخ الاعتقال، إن مقاتلي مصراتة كسروا عظامهما في مصراتة. وقالا إن خاطفيهما ضربوهما مرارا بكابلات مطاطية ثقيلة وأجبروهما على الاعتراف بالاغتصاب. وقال رجل ثالث إن المحققين استخدموا الصدمات الكهربائية على فخذيه أثناء الاستجواب في 11 أغسطس/آب، بعد أن عثروا على أسلحة في منزله في تاورغاء.

وقال معتقل آخر من تاورغاء إن آسريه ضربوه مرارا على رأسه حتى فقد الوعي بعد أن تم نقله من تاورغاء في 12 أغسطس/آب إلى مكان مجهول في مصراتة. وقال إن الرجال يتهمون سكان تاورغاء بالاغتصاب، رغم أنهم لم يتهموه شخصياً بارتكاب مخالفات. وأظهر خلال مقابلة مع هيومن رايتس ووتش في أكتوبر/تشرين الأول، بقعا على الجزء العلوي من رأسه قال إنها نتيجة الضرب.

وقال معتقل آخر من تاورغاء إن مقاتلي مصراتة ألقوا القبض عليه في الزاوية، غربي طرابلس، في 20 سبتمبر/أيلول، واقتادوه إلى مزرعة حيث وضعه معتقلوه مرتين لصق الجدار وأطلقوا الرصاص بالقرب من جسده وقالوا له أن يعترف بقتل ثلاثة أشخاص في مصراتة. وقال إن آسريه نقلوه ليلا بواسطة شاحنة إلى طرابلس، حيث تم عرضه لفترة وجيزة في ساحة الشهداء بينما هو مكبل بالسلاسل إلى الشاحنة.

وقال عدة شهود عيان في منشأة احتجاز في مصراتة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شاهدوا حراسا يضربون بالسياط أحد المعتقلين من أبناء تاورغاء ذوي البشرة الداكنة فيما كانوا يجبرونه على الركض حول الفناء، ثم قالوا له أن يتسلق عمودا وهو يصيح "قرد يريد الموز".

وقال أحد المعتقلين من تاورغاء إن مقاتلي مصراتة الذين ألقوا القبض عليه في طرابلس اقتادوه إلى مبنى خاص هناك وانهالوا عليه بالضرب بالسياط وبأعقاب البنادق. وقال: "اعترفت باغتصاب النساء لأنني اعتقدت أن ذلك سيؤدي إلى الإفراج عني". وأضاف "لكن استمر الضرب [في مصراتة]". وقال الرجل إن محتجزيه قالوا إنهم سيأحذونه إلى "فندق جنات" [فندق الجحيم]، وهو ما يعني في عامية مصراتة المقبرة المحلية. وعرض الرجل جروحا بالغة وجديدة على وجهه وذراعيه، والدم كان واضحا داخل فمه. وفقد الرجل خلال المقابلة وعيه لمدة دقيقة واحدة.

فيما كانت هيومن رايتس ووتش تقابل معتقلين في مركز الاعتقال الوحدة في مصراتة حوالي منتصف الليل من يوم 25 سبتمبر/أيلول، أجبرت مجموعة من الحراس أربعة معتقلين، جميعهم مصابين بجروح، على الركض في الفناء والسير على ركبهم مع وضع أيديهم خلف رؤوسهم. وقال أحد الحراس عندما واجهه الباحث بسوء معاملة الحراس: "نحن نفعل ذلك كل يوم. إنها رياضة قبل النوم. لقد اغتصبوا الناس". وتحدثت هيومن رايتس ووتش إلى الشهود الذين قالوا إن الحراس تعرضوا للضرب على يد معتقلين آخرين. وادعى المشرف على السجون، علي قرمان، أن ليس على علم بأن هذا الاعتداء كان يحدث كل ليلة هناك، على الرغم من أنه كان موجودا عندما تم إجبار الشهود على الركض والسير على ركبهم.

وقال الصديق بشير بادي، نائب رئيس مجلس مصراتة، لـ هيومن رايتس ووتش إن المجلس أمر حراس السجن والمقاتلين بوقف المعاملة السيئة للسجناء، إلا أن الحراس والمقاتلين تجاهلوا الطلب. وقال: "لقد قلنا بالواضح أنه يجب أن لا يكون هناك أي انتهاكات". وأضاف: "إنهم لا يحترمون الأوامر. إنهم يفعلون ما يريدون".

وقال عمر حسن قايد، وهو عضو في المجلس العسكري في مصراتة، لـ هيومن رايتس ووتش بأن الضباط الكبار "لا يعطون ترخيصا" بالاعتداء على السجناء أو أبناء تاورغاء. وأضاف: "لكن حتى في ساحة المعركة، من الصعب السيطرة على الثوار".

النزوح القسري

فر سكان تاورغاء، ويقارب عددهم 30000 شخص، إلى أجزاء أخرى من ليبيا. رحل معظمهم حينما اقتربت القوات المناهضة للقذافي من البلدة في منتصف أغسطس/آب؛ وطُرد قسرا ما لا يقل عن 140 شخصا كانوا قد مكثوا ولم يغادروا، وذلك على يد أفراد من الميليشيات.

واتخذت أكبر جماعة معروفة من النازحين من الجفرة ملجأ لها، وهي منطقة على بعد 200 ميل إلى الجنوب من مدينة سرت. وفي هون حتى بداية أكتوبر/تشرين الأول، وهي بلدة في الجفرة، تقوم وحدات من كتيبة الجزيرة من شرق ليبيا بحراسة حوالي 4 آلاف نازح في ثلاثة مجمعات، ولأهالي تاورغاء حرية الدخول والخروج كما شاءوا في هذه التجمعات. بدأت الكتيبة في نقل بعض العائلات من تاورغاء طوعا إلى بنغازي من أجل حمايتهم. وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول، زارت هيومن رايتس ووتش مجمعات اللاجئين الثلاثة في هون وتحدثت دون عوائق مع 22 من النازحين أبناء تاورغاء. بحلول 27 أكتوبر/تشرين الأول  كان 5000 شخص من تاورغاء تقريباً قد ذهبوا إلى بنغازي.

وقال ضباط كتيبة الجزيرة لـ هيومن رايتس ووتش إن أعضاء كتيبة من مصراتة حاولوا دخول المخيمات في الجفرة بهدف جمع الذكور أبناء تاورغاء. قال أحد الضباط في 5 أكتوبر/تشرين الأول: "قبل بضعة أيام، جاءت مجموعة من مصراتة إلى هذه البوابة وطلبوا الدخول". وأضاف: "قلت لا، أطلق أحدهم النار على الأرض قرب قدمي. صعد الجميع إلى السيارة، وانتهت المواجهة. ولكنهم قد يعودون". وقال الضابط إن المصراتيين قد عادوا أربع مرات في غضون أسبوعين للمطالبة بالدخول. وقال:"إنهم يبحثون في المقام الأول عن رجال تاورغاء الضالين في الشوارع". وقال: "إنهم يمارسون الصيد". وأعطت لجنة من أبناء تاورغاء في واحدة من المجمعات الثلاثة هيومن رايتس ووتش قائمة بأسماء أكثر من 50 شابا مفقودا من المنطقة خلال الشهر السابق.

وتعيش العائلات النازحة في مخيمات هون في ازدحام وفي ظروف غير صحية. سلطات تاورغاء في المخيم تقول إن مياه الصرف الصحي تتسرب إلى الفناء، وأن العديد من الأطفال يعانون من الإسهال. لاحظت هيومن رايتس ووتش وجود رائحة عفنة في منطقة الفناء. ويبدو أن الرجال لا يستطيعون استخدام المراحيض المغلقة.

وقالت عائلات من تاورغاء لـ هيومن رايتس ووتش إن المال ينفد منهم. على الرغم من أن السكان المحليين يساعدونهم بالطعام، فإنهم يشترون الكثير من إمداداتهم من المتاجر المحلية ويتم الطهي على النار في الهواء الطلق. هناك نقص في الأغطية، وأحذية الأطفال، وملابس لفصلي الخريف والشتاء. وتقول سلطات تاورغاء في المخيم إن شاحنة مدنية من مصراتة ملأت مؤخرا مخزن عيادة المخيم بالأدوية.

وفي مناطق أخرى بالقرب من هون، لجأ بعض أهالي تاورغاء إلى مستوطنات زراعية، ورفضوا دعوات من كتيبة الجزيرة الى التجمع في هون. وفي مكان آخر انتقلوا أيضا للإقامة مع الأقارب أو هم يعيشون في مخيمات مؤقتة، وخصوصا في طرابلس.

وقال تاورغيون كثيرون إنهم يترددون في الخروج إلى الشوارع في أجزاء كثيرة من ليبيا خوفا من الاعتقال وسوء المعاملة على يد كتائب مصراتة. وقد ظلت وحدات مصراتة في طرابلس ومناطق أخرى تعتقل الرجال أبناء تاورغاء، وكثيرا ما تنقلهم إلى مصراتة.

في 22 سبتمبر/أيلول، قام مقاتلون من كتيبة من مصراتة باحتجاز خمسة على الأقل من المجلس المحلي لتاورغاء، وهو جهة من 10 أعضاء أقر المجلس الانتقالي بأنهم يمثلون تاورغاء. تم الإفراج عنهم في 2 أو 3 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي 30 سبتمبر/أيلول، زارت هيومن رايتس ووتش هيشة، وهي مجموعة من المستوطنات الريفية على بعد حوالي 60 ميلا إلى الجنوب من مصراتة. وكانت مجموعتان من العائلات التاورغية النازحة قد لجأت إلى مساكن غير مكتملة البناء وبعض البيوت الزراعية المهجورة. وقالت المجموعة الأولى، حوالي 700 شخص، إنهم فروا من منازلهم في 12 أغسطس/آب، عندما وصلت قوات مصراتة. وقالوا إنهم لم يشاركوا في القتال، وكانوا في الواقع يعارضون القذافي. وقالوا إن مؤيدي القذافي التاورغيين هددوهم بالاعتداء عليهم عندما انتهت الحرب.

في المقابلات التي أجريت في هيشة، قالت مجموعة من ستة رجال إنهم انتقلوا في البداية إلى جفرة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الجنوب من مدينة سرت، في 11 أغسطس/آب، ثم إلى هيشة، بالقرب إلى مسقط رأسهم، يوم 26 سبتمبر/أيلول. وقالوا إن ثواراً عند نقطة تفتيش قريبة رفضوا السماح لهم بالمرور إلى تاورغاء أو خارجها إلى طرابلس.

وقال محمد إدريس، وهو طبيب، إن الحراس في 2 أكتوبر/تشرين الأول، رفضوا السماح لامرأة على وشك الولادة بالمرور لمدة أربع ساعات، حتى هدأوا وسمحوا لها بالمواصلة إلى مستشفى مصراتة. وقال لـ هيومن رايتس ووتش: "ينادينا الثوار بالجرذان ويقولون إننا لن نعود أبدا".

وقال ثلاثة من العاملين الطبيين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إن المدير بحكم الأمر الواقع لمستشفى مؤقت بين سرت وهيشة، في مكان يعرف باسم الكيلومتر 50، قال للموظفين بأن يعالجوا مقاتلي مصراتة قبل أي شخص آخر، بما في ذلك قبل " التاورغيين، الذين هم سود البشرة، والمدنيين من سرت، وجنود القذافي، والنساء. في الأساس أي شخص ليس من مصراتة ".

في بلدة قريبة من هيشة، كانت ثلاث عائلات من تاورغاء قوامها حوالي 32 امرأة وطفلاً قد لجأوا إلى مزرعة مهجورة. قالوا أيضا إنهم فروا من تاورغاء في 12 أغسطس/آب عندما اقتربت قوات مصراتة، ولكنهم لم يذهبوا أبعد من هيشة، حيث اعتقل عناصر من القوات خمسة من رجالهم. النساء لا يعرفن مكان الرجال، ولا يستطعن العودة إلى تاورغاء. وقالوا إن عائلة قريبة من مدينة سبها الجنوبية تطعمهم.

مضايقات في مصراتة

إن العقاب الجماعي الذي تطبقه الميليشيات على سكان تاورغاء يشمل التاورغيين المقيمين في مصراتة. يقول هؤلاء الناس إنهم يكرهون القذافي ويدعمون التمرد عليه. قابلت هيومن رايتس ووتش أربعة من هؤلاء التاورغيين. وقال واحد إنه طرد من عمله لدى الدولة، وآخر قال إن الصراف منعه من سحب المال من أحد البنوك، وقالت أخرى إن الممرضات حرموها من الرعاية الطبية في المستشفى. وفي جميع الحالات فإن الأشخاص الذين قيل لهم ذلك، كان ذلك بسبب كونهم من تاورغاء. وقال رابع إن مجموعة من الرجال المسلحين من مصراتة نهبوا منزله وسرقوا كاميرا تخصه. طلب جميع هؤلاء الرجال ألا تُذكر أسمائهم، وقالوا جميعا إن المصراتيين قالوا لهم مرارا وتكرارا إن التاورغيين لن يكونوا ممنوعين فقط من العودة إلى تاورغاء، ولكن أيضا من البقاء في مصراتة.

وقال أحد أبناء تاورغاء، الذي أكد أنه يعيش في مصراتة منذ 20 عاما، إنه اند قوات المعارضة كمتطوع من خلال تقديم مواد غذائية خلال الحصار. في 11 يوليو/تموز، قال إنه وصل في يوم الحصول على الراتب إلى مكان عمله، وهو المكان الذي لم يرد الكشف عنه، فقال له حارس في المنشأة "انسى". وقال إن الحارس قال له: " سنقضي على التاورغيين".

قال الرجل لـ هيومن رايتس ووتش:"أنا لا أعرف من هم هؤلاء الناس وهم لا يعرفون أنني كنت مع الثورة". وأضاف: "إنهم لا يراعون ذلك إطلاقاً. يكفيهم أنني تاورغي".

وقال الرجل إنه اشتكى إلى لجنة الأمن في مصراتة، والتي بدلا من أن تساعده طلبت منه تسليم سيارته التي وفرتها له الحكومة. وقال الرجل أنه وجد سيارته مسروقة لما عاد إلى بيته.

وقالت تاورغية أخرى مقيمة في مصراتة إنها مُنعت من تلقي العلاج في مستشفى تديره الحكومة في مصراتة، حيث ذهبت في شهر أغسطس/آب لإجراء فحوص الحمل. وقالت الممرضات لها: "نحن لا نعالج التاورغيين هنا". اتصلت السيدة بطبيب ليبي صديق أجرى لها فحصا في منزلها. وقالت إنها عندما ذهبت إلى السوق، أهانها سكان مصراتة وقالوا لها أن تُغادر البلدة.

وقال رجل مسن من تاورغاء، ذكر أنه يعيش في مصراتة منذ 10 أعوام، بما في ذلك أثناء القتال، إن صرافا رفض خدمته في البنك حتى يمحي تاورغاء من بطاقة هويته. وقال إن الصراف قال له بأن التاورغيين "خونة" ويجب ألا يبقوا في مصراتة.

وقال تاورغي آخر من مصراتة، وهو صاحب متجر لبيع الملابس، إنه شارك خلال الثورة ضد القذافي في مظاهرات في الشوارع وساعد في حمل الذخيرة إلى المتمردين. وقال إنه في منتصف شهر يوليو/تموز، جاءت إلى منزله مجموعة من الرجال في سيارات وشاحنات صغيرة مزودة ببنادق عديمة الارتداد، وطرق الرجال الباب، وطلبوا إجراء تفتيتش. وقال إنه عندما فتح الباب، قفز الرجال من فوق جدار الفناء، ودخلوا المنزل، قائلين "لا مزيد من التاورغيين". وقلبوا الأرفف والأدراج وسرقوا كاميرا وهاتف جوال. وقال الرجل إنه اشتكى للجنة الأمن في مصراتة، لكنها لم تجر تحقيقا.

التوصيات

ينبغي على قادة مصراتة المدنيين والعسكريين المساعدة في تعزيز العدالة على الانتهاكات الخطيرة الواقعة أثناء النزاع، ودعم سيادة القانون، من خلال:

  • الإدانة العلنية للهجمات الانتقامية ضد التاورغيين ومعاقبة أولئك الذين يُضايقون أو يعتدون على أهالي تاورغاء، أو يحتجزونهم بدون سبب؛
  • إصدار أوامر قوية وواضحة إلى جميع القادة العسكريين ومسؤولي منشآة الاحتجاز بأن الإساءة البدنية أو لنفسية في وقت إلقاء القبض أو أثناء الاحتجاز ممنوعة منعا باتا، وسيتم توقيع العقوبات المناسبة، وأن القادة سيُحاسبون.
  • الإسراع في الجهود الرامية لضم العديد من كتائب الجيش والميليشيات المحلية في مصراتة إلى قيادة مدنية موحدة؛
  • توضيح الجهة ذات السلطة القانونية المسؤولة عن توقيف الناس، واعتبار الاحتجاز من قبل أي شخص آخر جريمة؛
  • ترحيل المعتقلين التاورغيين من مصراتة  إلى المنشآت التي يديرها المجلس الوطني الاتنقالي في طرابلس أو بنغازي، حيث سيكونون أقل عرضة لسوء المعاملة؛
  • العمل على إعادة تأسيس نظام العدالة الجنائية، بحيث يمكن التحقيق مع ومقاضاة المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة في محاكمات عادلة.
More reporting on: