رسالة إلى أعضاء مجلس الأمن
September 11, 2008

سيادة السفراء،  
 
نكتب إليكم بشأن أمر الاعتقال الذي طلب مدعي المحكمة الجنائية الدولية إصداره بحق الرئيس عمر البشير رئيس السودان. ونفهم أنه من المرجح أن يخضع هذا الطلب للفحص والتقييم الدوليين على مدار الأسابيع القليلة القادمة. وثمة صعوبات جمة تعترض طريق انتصاف ضحايا الأعمال الوحشية في دارفور، والجهود العالمية المبذولة من أجل الحد من الإفلات من العقاب جراء ارتكاب أكثر الجرائم جسامة. وندعو حكوماتكم إلى النظر في هذه الموضوعات على ضوء المبادئ الأساسية التي تم إبداءها بالفعل لمجلس الأمن. وللأسباب المُبينة في هذه الرسالة، نعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يرفض المجلس أي تدخل في مجريات عمل الملاحقة القضائية.  

وكما تعرفون، فإنه فور طلب ادعاء المحكمة الجنائية الدولية في 14 يوليو/تموز 2008 بإصدار أمر يخص الرئيس البشير، بدأت الحكومة السودانية في شن حملة دبلوماسية تسعى بواسطتها إلى استصدار تجميد لإجراءات التقاضي حسب المادة 16 من نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية. وتُمكن هذه المادة مجلس الأمن من تجميد مجريات عمل المحكمة لفترة قد تصل في أقصاها إلى 12 شهراً إذا تطلب الأمر، من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وهيومن رايتس ووتش قلقة أشد القلق إزاء هذه المحاولة من أجل التحايل على العدالة وإنصاف ضحايا الأعمال الوحشية في دارفور. وعلى أعضاء مجلس الأمن ألا يسمحوا لحكومة السودان بالإفلات من العقاب جراء ما ارتكبت من أعمال إبادة جماعية مزعومة، وكذلك ما يُزعم ارتكابها إياه من جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بدافع من التهديدات.  
 
وبعيداً عن العمل بفعالية من أجل الضغط لإلزام الخرطوم باتخاذ خطوات إيجابية، فإن تجميد عمل المحكمة لقاء وعود بحسن السلوك في المستقبل لن يسفر عن تغيرات ملموسة في سياسات الحكومة المسيئة أو في سلوكها في دارفور. كما أن هذا لن يؤدي إلى تحسين حماية المدنيين أو العدالة لسكان دارفور. وقد قطعت الخرطوم مراراً وتكراراً عهوداً لأعضاء مجلس الأمن والمجتمع الدولي ثم ثبت أنها وعود واهية. وبقبول المزيد من الوعود من الحكومة السودانية، فإن مجلس الأمن وكأنه ينبذ التزامه الواجب عليها بتحقيق العدالة في دارفور.  
 
وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة السودانية مستمرة في تنفيذ هجمات على المدنيين في دارفور. وتناقلت التقارير أن الحكومة أغارت بالقنابل على ثلاث قرى في شهر يوليو/تموز وحده، وعلى قريتين منهما أثناء زيارة الرئيس البشير لدارفور. وفي أواسط أغسطس/آب أطلقت الحكومة السودانية عملية هجومية جديدة على شمال دارفور، مع تعاون القوات الحكومية يداً بيد مع ميليشيا الجنجويد من أجل تنفيذ هجمات على قريتين مأهولتين على الأقل، مما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين على الأقل. فضلاً عن أنه لم يتم إجراء تحقيقات في الإغارة بالقنابل على القرى الثلاث في يوم واحد في فبراير/شباط 2008، وهي الواقعة التي قُتل فيها أكثر من 100 مدني.  
 
وقيل إن التجميد ضروري من أجل الوصول إلى اتفاق سلام بين الأطراف المتحاربة في دارفور. إلا أنه لا توجد صلة واضحة بين استمرار الفشل في محادثات السلام وطلب إصدار أمر الاعتقال. وتكمن المشكلة التي لا حل لها في غياب الإرادة السياسية من جانب كافة الأطراف من أجل الوصول إلى اتفاق، وهذه العوامل لا علاقة لها بالمرة بقضية المحكمة الجنائية الدولية.  
 
ومن الذرائع الأخرى لتجميد أمر الاعتقال هو درأ التهديدات الصريحة والضمنية بالهجمات الانتقامية من قبل القوات الحكومية السودانية ضد المدنيين، وضد عناصر حفظ السلام التابعين لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور، وضد العاملين بالإغاثة الإنسانية. ونظراً لسجل الخرطوم المعروف، فإن هيومن رايتس ووتش لا يسعها التقليل من شأن هذه التهديدات المحتملة، إلا أن حكومة السودان مُلزمة بموجب قرار مجلس الأمن بتيسير نشر عناصر بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور، وهي حسب القانون الدولي عليها واجب حماية مواطنيها وتوفير المساعدات الشخصية الكاملة والآمنة والتي لا تتعرض للإعاقة لكل من هم في حاجة إليها في دارفور. وطلب إصدار أمر الاعتقال بحق رئيس الحكومة السودانية لا يغير من هذه الالتزامات الحكومية، وهي الالتزامات التي تجاهلتها حكومة الخرطوم على كل حال. وتهديدات المسؤولين السودانيين بارتكاب المزيد من الجرائم يجب ألا تُكافأ بتجميد الجهود الرامية إلى وضع حد للإفلات من العقاب في المنطقة.  
 
وتعتقد هيومن رايتس ووتش أن على أعضاء مجلس الأمن فرادى وجماعة - بمن فيهم من تربطهم صلات وثيقة بالخرطوم - مسؤولية ومصلحة في الإعلان وبوضوح تام عن أن أي عنف انتقامي بحق المدنيين أو عناصر بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور أو العاملين بالإغاثة الإنسانية، سوف يُنظر إليه بجدية وحزم تامين ويلقى الرد الملائم. وعلى المجلس أن يعلن بوضوح أن مثل هذه الهجمات من شأنها أن تعزل الحكومة السودانية أشد العزلة على الصعيد الدولي، وسوف تجلب على الخرطوم المزيد من العقوبات. كما أننا نعتقد أن على مجلس الأمن أن يعلن بوضوح أن مثل هذه الهجمات يمكن أن ترقى إلى جرائم دولية ومن يقوم بارتكابها سوف يُستهدف بالملاحقة القضائية الجنائية.  
 
وفيما يقتصر التجميد بموجب المادة 16 من نظام روما على فترة 12 شهراً قابلة للتجديد، فإنه حالما تم التجميد، يصبح من الصعب للغاية وضع حد لهذا التجميد. ونعتقد أنه إذا منح مجلس الأمن هذا التجميد، فسوف تُمارس عليه ضغوطاً هائلة من أجل تجديده العام القادم، ثم كلما حان موعد تجديده كل عام. ويمكن أن يشجع تجميد مجلس الأمن السلطات السودانية على التهديد بمزيد من العنف لكي يتم تجديده، مما يجعل المجلس رهينة تهديدات العنف بحق الأشخاص غير المقاتلين. والتجميد بناء على وعود الخرطوم بالتحسن من شأنه على الأرجح أن يخلف مجلس الأمن في نفس الوضع الذي ستؤول إليه الأوضاع لدى التجديد بعد عام. وتعتقد هيومن رايتس ووتش أن على المجلس أن يقر بحقيقة أن تجميد مجريات القضية يمكن أن تؤدي إلى إفلات دائم من العقاب.  
 
وبالإضافة إلى هذه الموضوعات ذات الطبيعة المُلحة، فثمة مساءل أوسع تتعلق بالمبادئ وهي بدورها على المحك.  
 
تجميد الدور القضائي للمحكمة الجناية الدولية يعني حجب الإنصاف عن ضحايا إساءات مروعة ويجب ألا يتم الخوض فيه إلا بتوخي أشد الحذر والحرص. فضلاً عن أن التجميد للنشاط القضائي المستقل القائم من شأنه أن يمثل سابقة جد خطيرة وتداعياتها قد تتجاوز بكثير الوضع في دارفور والسودان. فبواسطة منع المساءلة عن أكثر الجرائم جسامة بموجب القانون الدولي، فإن المجلس هكذا يشجع كل المزعوم ارتكابهم للأعمال الوحشية الكبرى على مزج التهديدات بالتفاوض - حسب محاولة الخرطوم الجديدة - من أجل إفراغ سيادة القانون من مضمونها.  
 
وأخيراً، فإن مصداقية مجلس الأمن ذاتها على المحك هنا. فقد أحال المجلس الوضع في دارفور إلى ادعاء المحكمة الجنائية الدولية من أجل التحقيق والمقاضاة. وفي 16 يونيو/حزيران 2008، وبعد سماع تقرير المدعي العام الذي خلص فيه إلى أن الجهاز الحكومة بأكمله يتحرك لارتكاب الجرائم، تبنى المجلس بياناً رئاسياً يدعو حكومة الخرطوم إلى التعاون مع المحكمة. وتجميد إجراءات التقاضي الآن لأن الادعاء يطلب أمر اعتقال بحق الرئيس البشير يعني تحطيم التزام المجلس لسكان دارفور وكذلك أي ادعاء يتمتع بالمصداقية باتباع سياسة متماسكة وفعالة في دارفور. ورفض التجميد هو بدوره متسق مع الرأي الوجيه الذي يرى أن المادة 16 لم يكن الغرض منها تجميد تحقيق أمر به مجلس الأمن نفسه ويجري العمل فيه منذ سنوات.  
 
ولا نريد أن نوحي بأن على السودان أن تقف موقفاً سلبياً من إجراءات التقاضي الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية. فعن طريق إظهارها أنها مستعدة فعلاً وقادرة على النظر في هذه القضية في محاكمها الداخلية، فإن السلطات السودانية يمكنها الطعن في اختصاص النظر في الوضع أو أية قضية حسب المادة 19 من نظام روما. إذ يمكن لقضاة المحكمة الجنائية الدولية أن يحكموا ما إذا كانت السلطات السودانية مستعدة وقادرة على التحقيق أو المقاضاة. إلا أن هذا الإجراء القضائي لا يتصل برمته بسلطات مجلس الأمن الخاصة بتجميد التحقيقات بموجب المادة 16.  
 
من ثم، فإننا ندعو حكوماتكم، وفي أول فرصة سانحة، لأن توضح تماماً معارضتها لأي جهد يرمي إلى تجميد إجراءات التقاضي الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية. فضلاً عن أننا ندعو وفودكم المشاركة إلى التصويت ضد أي قرار يُعرض على المجلس من أجل تجميد تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في قضية الرئيس البشير أو الوضع في دارفور بشكل عام.  
 
ثم إن هيومن رايتس ووتش تعتقد أنه من الضروري أن يدعو المجلس الخرطوم إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية فيما يتعلق بالانتقام من المدنيين وعناصر حفظ السلام والعاملين بالإغاثة الإنسانية. ومن الأهمية بمكان إرسال رسالة واضحة إلى الحكومة السودانية مفادها رفض الإفلات من العقاب جراء ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.  
 
ويسرنا كثيراً الالتقاء بكم في الوقت الذي يناسبكم من أجل طرح الموضوع لمزيد من المناقشة.  
 
مع بالغ التقدير والاحترام،  
 
ريتشارد ديكر  
مدير برنامج العدل الدولي  
 
جورجيت غانيون  
مديرة قسم أفريقيا  
 
ستيف كراوشو  
مدير المتحدثين الإعلاميين المعني بالأمم المتحدة