I . الملخص
أثناء جولة القتال الأخيرة في غزة، من 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 إلى 18 يناير/كانون الثاني 2009، قتل الجيش الإسرائيلي عشرات المدنيين الفلسطينيين بأحد أدق الأجهزة التي تشملها ترسانة أسلحته: وهي الصواريخ التي يتم إطلاقها من طائرات قتالية آلية تطير بلا طيارين، والمعروفة بالاسم الدارج "الزنانة". وإلى جانب استخدام الجيش الإسرائيلي لأسلحة تصيب مساحات واسعة، مثل المدفعية شديدة التفجير والفسفور الأبيض المُطلق بواسطة المدفعية، فقد استخدم أيضاً في قطاع غزة طائرات الاستطلاع (الزنانة) لشن هجمات تتمتع بقدر كبير من الدقة في التوجيه لكنها أسفرت عن مقتل وإصابة المدنيين.
وما أنفك الخبراء العسكريون في شتى أرجاء العالم يشيدون بالصواريخ التي تطلقها طائرات الزنانة بصفتها أسلحة ذات دقة متناهية في التوجيه، مما يقلل كثيراً من الخسائر في صفوف المدنيين. واستخدامها آخذ في الانتشار والتوسع، على سبيل المثال تستخدمها الولايات المتحدة في أفغانستان وباكستان، جزئياً لأن استخدام طائرات الاستطلاع (الزنانة) في الاستهداف لا يُعرض أي قوات موالية لأي خطر مباشر.
لكن وبناء على ما انتهت إليه تحقيقات هيومن رايتس ووتش في غزة، فإن الزنانة، مثل بندقية القناص، لا تجدي نفعاً في إعفاء المدنيين من المخاطر إلا بقدر اهتمام من يشغلونها بهذا الأمر. إن دقة ونصف قطر انفجار الصواريخ التي تطلقها تلك الطائرات يمكن أن تقلل من خسائر المدنيين، لكن في غزة، فإن خيارات إسرائيل في الاستهداف أدت إلى خسائر كثيرة في أرواح المدنيين.
وإجمالي سكان غزة المدنيين الذين قتلتهم صواريخ أطلقتها طائرات استطلاع (الزنانة) ما زال غير واضح. ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية – مثل بتسيلم والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز الميزان لحقوق الإنسان – أفادت مجتمعة وقوع 42 هجمة لطائرات الزنانة أسفرت عن مقتل 87 مدنياً. [1] وقالت منظمة العفو الدولية لوسائل الإعلام إنها وثقت 48 حالة لمقتل مدنيين من الزنانة، وأن هذا العدد ليس العدد الإجمالي. [2]
يركز هذا التقرير على ست هجمات إسرائيلية باستخدام طائرة الاستطلاع (الزنانة)، وأسفرت مجتمعة عن مقتل 29 مدنياً، ثمانية منهم أطفال. وهو يستند إلى مقابلات مع ضحايا وشهود عيان، وتحقيقات في مواقع الهجمات، وتقارير صادرة عن الجيش الإسرائيلي ووسائل الإعلام بشأن مجريات القتال، وفي إحدى الحالات، بناء على تغطية بالفيديو صادرة عن الجيش الإسرائيلي لأحد الهجمات. وانتهت هيومن رايتس ووتش إلى أن جميع هجمات الجيش الإسرائيلي استهدفت أفراداً تبين أنهم جميعاً من المدنيين. ولم تعثر هيومن رايتس ووتش في أي من الحالات على دليل على تواجد مقاتلين فلسطينيين في المنطقة المحيطة بالهجوم في وقت الهجوم. ولم يكن أي من الأهداف يتحركون بسرعة أو يفرون من المنطقة، من ثم كان بإمكان القائمون على تشغيل الطائرة الزنانة أن يحظوا بالوقت الكافي لتحديد ما إذا كانوا مقاتلين أم مدنيين، وأن يمتنعوا عن إطلاق الصواريخ إذا لم يتسن لهم تحديد ما إذا كانوا مدنيين أو مقاتلين.
وفي جميع الوقائع التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش، إما فشلت القوات الإسرائيلية في اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة للتحقق من أن الأهداف مقاتلين، مما يعني فرض معيار متدني للغاية للمبادرة بشن الهجمات، من حيث مراعاة أرواح المدنيين؛ أو هي فشلت في التمييز بين المقاتلين والمدنيين واستهدفت المدنيين فقط. وبالنتيجة، فإن هذه الهجمات انتهكت القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب).
إن القدرات التكنولوجية للطائرات الزنانة والصواريخ التي تطلقها تلك الطائرات تجعل الانتهاكات أكثر جسامة. فطائرات الاستطلاع الإسرائيلية (الزنانة) مزودة بكاميرات متطورة ومجسات متقدمة، تسمح لمن يشغلون الطائرات عن بعد بمشاهدة الأهداف على الأرض بشكل تفصيلي واضح ليلاً أو نهاراً. وقال تقني تشغيل طائرة زنانة إسرائيلي شن هجمات في غزة أثناء جولة القتال الأخيرة، لصحيفة عسكرية إسرائيلية إنه كان قادراً على تمييز ألوان الثياب ووجود راديو كبير وسلاح مع أخد الأشخاص على الأرض. بالإضافة إلى إلى أن الصاروخ الذي تطلقه الزنانة يحمل كاميراته الخاصة به التي تسمح لمُشغل الطائرة والصاروخ بمراقبة الهدف من لحظة الإطلاق وحتى الارتطام. وإذا أحس بالشك في طبيعة الهدف بعد إطلاق الصاروخ، فيمكنه أن يحول مساره إلى أي مكان آخر. وبالاستعانة بهذه القدرات البصرية المتقدمة، فإن مُشغلي الطائرات الزنانة الذين راعوا الحد الكافي من الاهتمام، كان بإمكانهم التمييز بين الأهداف المشروعة والمدنيين.
ومما درجت عليه الجيوش الحديثة أن يكون للطائرة الزنانة طيار أرضي واحد يتولى تحريك الطائرة عن بعد، وتقني تشغيل يستخدم المجسات لمسح الأهداف التي تظهر على شاشته. ويمكن مشاورة المحامين العسكريين للمساعدة في تحديد كون الأهداف التي تظهر مشروعة من عدمه. وبسبب بطء حركة هذه الطائرات ومدد طيرانها المطولة (تصل إلى 24 ساعة)، فإن بإمكانها التحليق فوق ميدان المعركة لساعات دون خطر على الطيار أو تقني التشغيل، مما يسمح لهما باتخاذ قرارات استهداف بناء على الملاحظة والمراقبة من بُعد. ورغم أن هيومن رايتس ووتش لا تعرف إجراءات تشغيل الزنانة على وجه الدقة طرف الجيش الإسرائيلي، فإن المذكور هو الممارسات الفضلى المقبولة في عموم الأحوال.
ورغم هذه القدرات التكنولوجية المتطورة، فإن ست حالات موثقة هنا يتبين منها فشل الجيش الإسرائيلي المتكرر في التحقق مما إذا كانت أهدافه عسكرية أم مدنية. ورغم أنه من المعروف أن الصواريخ التي أطلقتها طائرات الاستطلاع (الزنانة) قد قتلت مقاتلين في هجمات أخرى (في بعض الأحيان رافق هذا وقوع ضحايا كُثر من المدنيين)، فإن الهجمات التي تم التحقيق فيها في هذا التقرير وقعت جميعاً على مسافة بعيدة من منطقة القتال الدائر بين القوات الإسرائيلية والفلسطينية، وقال عدة شهود عيان إنه لم يكن هنالك أي مقاتلين فلسطينيين في الجوار وقت وقوع الهجمات. [3] من ثم، فإن مُشغل طائرة الزنانة كان لديه الوقت لتقييم مشروعية الأهداف دون تعريض الجنود الإسرائيليين على الأرض لخطر أكبر.
وفي هجمة وقعت نهار 27 ديسمبر/كانون الأول، وهو اليوم الأول للحملة الإسرائيلية، أصاب صاروخ أطلقته طائرة زنانة مجموعة طلاب كانوا ينتظرون الحافلة في وسط مدينة غزة، على الجانب المقابل من مقر الأونروا، مما أسفر عن مقتل تسعة طلاب، واثنتان منهم من النساء، وثلاثة مدنيين آخرين. وقد أخفق الجيش الإسرائيلي في إبداء أسباب استهدافه لمجموعة في وسط شارع في وسط المدينة في غياب أي نشاط عسكري في المنطقة في ذلك التوقيت.
وبعد يومين، أصاب صاروخ أطلقته طائرة زنانة شاحنة متوقفة أمام متجر حداد شرقي مخيم جباليا في شمال غزة، مما أسفر عن مقتل تسعة مدنيين، وثلاثة منهم أطفال. وسرعان ما وزع الجيش الإسرائيلي تغطية بالفيديو للهجوم (الأرجح أن التصوير تم بواسطة كاميرا على متن الطائرة) وزعم أن الرجال كانوا يحملون صواريخ غراد في الشاحنة. ويثير تسجيل فيديو الجيش الإسرائيلي الشكوك من كون الهدف الذي تم ضربه يشكل هدفاً عسكرياً، وهي شكوك كان يجب أن يراعيها مُشغل الطائرة وقت إطلاقه الصاروخ. وعلى الأخص يظهر من التسجيل رجالاً يحملون أغراضاً أسطوانية في مؤخر الشاحنة المفتوحة وهي أقصر بشكل واضح من صواريخ الغراد (والتي تفوق طول قامة الرجل، لكونها تبلغ من الطول ثلاثة أمتار، وهي كذلك أطول من عرض الشاحنة المرسيدس بنز 410 التي كان يتم تحميل الأغراض الأسطوانية تلك عليها عرضياً وليس طولياً). وتبين من الأبحاث الميدانية أن تلك الأغراض كانت أسطوانات أوكسجين. بعدها أقر الجيش الإسرائيلي بتلك الحقيقة قائلاً إن أربعة من الرجال الثمانية الذين قُتلوا كانوا من "المنتمين لحماس" – وهو زعم لا يدعمه أي دليل.
وفي واقعة أخرى، ليلة 5 يناير/كانون الثاني، أصاب صاروخ أطلقته طائرة زنانة مدرسة أسماء الابتدائية في مدينة غزة، وتديرها الأمم المتحدة، وكانت في ذلك التوقيت تضيف نحو 400 شخص مُشرد. وأسفر الصاروخ عن مقتل ثلاثة شباب من عائلة سلطان أثناء استخدامهم دورات مياه المدرسة، دون أي دليل على وجود نشاط عسكري في المنطقة في ذلك التوقيت. وكان على المدرسة لافتات مضاءة، وأمدت الأمم المتحدة الجيش الإسرائيلي بالإحداثيات الدقيقة (جي بي إس) لجميع مدارسها ومنشآتها.
والهجمات الثلاث المتبقية المذكورة في هذا التقرير أصابت أطفالاً، تتراوح أعمارهم بين ثمانية إلى 16 عاماً، وكانوا يلعبون على أسطح المنازل في أحياء سكنية، مما أسفر عن مقتل ستة وإصابة ستة. ولم تعثر هيومن رايتس ووتش على أي دليل على أن الأطفال كانوا يشاركون في أعمال القتال، كالمساعدة مثلاً في حمل معدات مدفعية لحماس، أو استطلاع مواقع القوات الإسرائيلية لصالح حماس كي تهاجمها، أو محاولة إطلاق صاروخ من فوق سطح المنزل. بل إن هذه الهجمات وقعت جميعاً في الأيام الأولى لعملية الجيش الإسرائيلي البرية، قبل أن تصل القوات الإسرائيلية إلى الأحياء السكنية الواقعة وسط مدينة غزة، من ثم فلم تكن هنالك حاجة – في ذلك التوقيت – لعناصر استطلاع لكشف المواقع التي يمكن أن تستهدفها مدفعية حماس. كما لم تعثر هيومن رايتس ووتش على أدلة على وجود أي نشاط عسكري في تلك المناطق، ومنها بقايا إطلاق صواريخ من فوق الأسطح، وقت وقوع الهجمات. ومجدداً، فإن القدرات البصرية المتطورة لطائرات الزنانة وصواريخها كان بالأحرى أن تبين غياب أي أسلحة فوق أسطح المنازل، وأن الأهداف كانت لا تزيد عن أطفال يلعبون. وفي غياب أي هدف عسكري مشروع، كان يجب على مُشغل الطائرة الزنانة أن يمتنع عن إطلاق الصواريخ.
وقد فحصت هيومن رايتس ووتش جميع مواقع الهجمات التي تمت تغطيتها في هذا التقرير. وفي جميع الحالات، تبين من فحص موقع ارتطام الصاروخ ونسق تشظي الصاروخ لدى انفجاره أن الصواريخ التي تم إطلاقها هي من طراز سبايك الإسرائيلي الصنع، ويتسم بانفجار مُركز وانتشار شظايا مكعبة الشكل صغيرة الحجم لمسافة 20 متراً حول الانفجار. [4] والأسلحة المألوف استخدامها أيضاً في طائرات الزنانة، مثل الصواريخ المضادة للدبابات (هيل فاير) و(تو) التي تم إطلاقها بدورها من مروحيات هجومية، لا تتسم بنفس هذا النسق في الانفجار وانتشار الشظايا. كما عثرت هيومن رايتس ووتش على بقايا دوائر إلكترونية وقطع أخرى من الصواريخ تتسق لدى تحليلها مع قطع ودوائر الصاروخ السبايك الإلكترونية. وبعض المدنيين المصابين ظهرت عليهم جروح تنجم لدى الإصابة بشظايا مكعبة الشكل، وفي إحدى الحالات ظهر من فحص بالأشعة السينية وجود مكعبات معدنية داخل ساق وصدر أحد الضحايا. كما تحدث الضحايا والشهود عن سماع صوت طنين الطائرة الزنانة المعروف قبيل وقوع الهجوم مباشرة.
ووقعت جميع الهجمات الست في مناطق مزدحمة بالمدنيين، منها وسط مدينة غزة. وخمس من الهجمات وقعت أثناء النهار، حين كان المدنيون يتسوقون، أو عائدون من المدارس، أو في نشاطهم اليومي المعتاد، وما كانوا ليؤدونه لو كان المقاتلين الفلسطينيين في الجوار في ذلك التوقيت، سواء في إطلاقهم الصواريخ على إسرائيل أو في اشتباك مع القوات الإسرائيلية.
ولم يتم التحقيق في هذا التقرير في هجمة طائرات الاستطلاع (الزنانة) ذات أعلى معدل خسائر أثناء الهجوم الإسرائيلي، وهي هجمة 27 ديسمبر/كانون الأول على مقر الشرطة في مدينة غزة، والتي أسفرت عن مقتل 40 شخصاً، منهم العشرات من خريجي الشرطة في حفل تخرجهم. وحال اقتصار الوقت المتاح لـ هيومن رايتس ووتش في غزة دون إجراء تحقيق شامل لتحديد كم من القتلى كانوا رجال شرطة يؤدون مهامهم المدنية، من ثم لا يعتبرون أهدافاً عسكرية، وكم منهم كانوا يشاركون في العمليات العسكرية، أو ما إذا كان لأكاديمية الشرطة وظيفة عسكرية تجعلها هدفاً عسكرياً مشروعاً. [5]
وفي 12 مارس/آذار 2009، قدمت هيومن رايتس ووتش إلى الجيش الإسرائيلي قائمة بأسئلة تفصيلية عن استخدام إسرائيل للطائرات الزنانة والصواريخ التي تطلقها تلك الطائرات، بما في ذلك أسئلة تفصيلية عن الحالات الواردة في هذا التقرير. وحتى 3 يونيو/حزيران، لم يكن الجيش الإسرائيلي قد رد. وترد الأسئلة المقدمة للجيش الإسرائيلي في ملحق بهذا التقرير. كما تكرر رفض الجيش الإسرائيلي مقابلة هيومن رايتس ووتش لمناقشة الحالات الواردة في التقرير، وكذلك مناقشة أمور أخرى على صلة بسلوك كل من القوات الإسرائيلية والتابعة لحماس أثناء القتال، وهي العملية التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي عملية "الرصاص المصبوب".
وفي البيانات العلنية، رفض المسؤولون الإسرائيليون مزاعم مقتل مدنيين بشكل غير مشروع، بزعم أن الجيش الإسرائيلي حذر السكان المدنيين في غزة قبيل العمليات بإسقاط منشورات من الجو، وبإجراء مكالمات هاتفية، وبالدخول على موجة الإذاعة المحلية والبث التلفازي المحلي. [6] والقانون الإنساني الدولي يُشجع القوات المسلحة على تقديم تحذيرات مسبقة قبيل الهجوم حين تسمح الظروف بهذا، لكن التحذيرات يجب أن تكون "فعالة". وفي غزة، كانت تحذيرات الجيش الإسرائيلي جد مبهمة، وتتناول عادة بشكل عام "سكان المنطقة". وتم إسقاط المنشورات من ارتفاعات شاهقة وتوزعت على مناطق واسعة، وقال العديد من سكان غزة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم ينتبهوا للمنشورات لأنها كانت تُنشر على نطاق واسع دون أي خصوصية لمناطق بعينها. بالإضافة إلى أن التحذيرات لم توجه المدنيين إلى الخطوات الواجب اتخاذها أو أين يجدون الملاذ الآمن بعد أن يفروا من بيوتهم. ومع بدء الهجوم البري في 3 يناير/كانون الثاني، حذر الجيش الإسرائيلي السكان ووجههم إلى "التوجه لمراكز المدن"، لكن بعض مراكز المدن، مثل غزة، وبيت لاهيا وجباليا، تعرضت للهجمات، وواقعتان من الوارد في التقرير كانتا في مراكز مدن. وفي نهاية المطاف، فإن سكان غزة ليس متاحاً لهم ملاذاً آمناً يفرون إليه، نظراً لحصار حدود غزة، الذي تطبقه إسرائيل وتشارك فيه مصر من الجنوب. وأخيراً، فحتى بعد إصدار التحذيرات، فإن القانون الإنساني الدولي يطالب القوات القائمة بالهجوم باتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتفادي إلحاق الخسائر بأرواح المدنيين وممتلكاتهم. وإصدار القوات المهاجمة تحذيرات فعالة لا تبرر إهمالها لالتزاماتها إزاء المدنيين، ولا يمكن للقوات المُهاجمة افتراض أن جميع الأشخاص المتبقين في المنطقة بعد التحذير هم أهداف مشروعة يمكن استهدافها.
وتلتزم الحكومة الإسرائيلية بموجب القانون الدولي بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب. والأشخاص الذين يرتكبون انتهاكات لقوانين الحرب بنية إجرامية – أي عمداً أو بإهمال منهم – مسؤولين عن وقوع جرائم حرب. وقوانين الحرب الحاكمة لطائرات الاستطلاع (الزنانة) التي يتم التحكم فيها عن بعد، مثل التي استخدمها الجيش الإسرائيلي، تعاملها بنفس معاملة نظم الأسلحة الأخرى. فالأشخاص العسكريين أو المدنيين الذين يتبين مسؤوليتهم عن شن هجمات بالطائرات الزنانة أو هم أمروا بها، يجب أن يتعرضوا للتأديب أو المقاضاة حسب ما يقتضي الأمر.
فضلاً عن أنه ونظراً لتكرر وقوع إصابات في صفوف المدنيين من هجمات صواريخ الطائرات الزنانة أثناء جولة القتال الأخيرة، فعلى الجيش الإسرائيلي أن يجري تحقيقاً عاماً في استخدام هذا السلاح وأن يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة لضمان أن العوامل المتصلة بطائرات الزنانة أو صواريخها ونشرها ميدانياً لا تسهم في إلحاق الإصابات بالمدنيين أو التسبب في وقوع خروقات لقوانين الحرب. وأخذاً في الاعتبار الطبيعية التمييزية للغاية لهذا السلاح، فيجب أن ينظر التحقيق في كل من المهام التي تضمنت استخدام صواريخ تطلقها طائرات استطلاع (زنانة) والتي لحقت فيها الإصابات بالمدنيين أو وقعت خسائر في أرواحهم، بما في ذلك مراجعة وتحليل تسجيلات فيديو كاميرا الصاروخ في كل هجمة على حدة.
وحتى الآن، لم يظهر الجيش الإسرائيلي الاستعداد للنظر بموضوعية في أعماله أثناء عملية الرصاص المصبوب. وفي 22 أبريل/نيسان أصدر نتائج تحقيقه الداخلي، والذي انتهى إلى أن الجيش الإسرائيلي "عمل وفقاً للقانون الدولي" طيلة القتال وأن "قلة قليلة" من الحوادث "التي لم يكن بالإمكان تفادي وقوعها" وقعت جراء "أخطاء استخباراتية أو عملياتية".
وجراء إخفاق إسرائيل وحركة حماس المتكرر في التحقيق بشكل محايد ونزيه في مزاعم انتهاكات قوانين الحرب على يد قوات كل من الطرفين، فإن هيومن رايتس ووتش دعت إلى إجراء تحقيق دولي مستقل ونزيه في انتهاكات الطرفين أثناء القتال في غزة وجنوب إسرائيل. وفي 12 يناير/كانون الثاني صوت مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على التحقيق في مزاعم إسرائيل ضد الفلسطينيين – وهو القرار الذي انتقدته هيومن رايتس ووتش كونه يتحيز لجانب ضد الآخر. [7] لكن أسفرت المفاوضات التي تلت ذلك القرار عن تشكيل فريق تحقيق يحظى باحترام بالغ ولديه ولاية متوازنة تتلخص في "التحقيق في كافة انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي ربما تم ارتكابها في أي وقت في سياق العمليات العسكرية التي تمت في غزة أثناء الفترة من 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 وحتى 18 يناير/كانون الثاني 2009، سواء قبل أو أثناء أو بعد تلك الفترة". [8] ومن المقرر أن يرأس التحقيق القاضي ريتشارد غولدستون من جنوب أفريقيا، وهو المدعي السابق لمحاكم جرائم حرب يوغسلافيا السابقة ورواندا. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إن إسرائيل لن تتعاون مع تحقيق غولدستون لأن مجلس حقوق الإنسان متحيز ضد إسرائيل. وقالت حركة حماس إنها ستتعاون.
وعلى كل من إسرائيل وحركة حماس التعاون التام مع بعثة غولدستون. وبشأن صواريخ طائرات الاستطلاع (الزنانة)، فعلى إسرائيل أن توفر تغطية الفيديو وكافة أشكال التوثيق الأخرى لهجماتها التي لحقت فيها الإصابات بالمدنيين وقُتلوا. وطائرتا هرمز وهيرون للاستطلاع إسرائيليتا الصنع اللتين تم استخدامهما في غزة فيهما أجهزة تُسجل كل شيء يراه مُشغل الطائرة، وهذا من شأنه أن يلقي الضوء على مدى التزام الجيش الإسرائيلي بقوانين الحرب في الهجمات التي أسفرت عن وقوع قتلى في صفوف المدنيين.
منهج التقرير
أثناء العمليات العسكرية الموسعة في غزة من 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 إلى 18 يناير/كانون الثاني 2009، منعت إسرائيل دخول كافة وسائل الإعلام ومراقبي حقوق الإنسان إلى غزة. كما منعت مصر الدخول إلى القطاع عبر الحدود بين مصر وغزة من رفح. ومع عدم قدرة هيومن رايتس ووتش على دخول القطاع، أمضى الباحثون بعض الوقت على الجانب الإسرائيلي لدى خط هدنة 1948 مع شمال غزة. وفي 9 و10 و15 يناير/كانون الثاني، شاهد الباحثون طائرات استطلاع إسرائيلية (زنانة) يتم نشرها على شمال غزة.
ودخل باحثو هيومن رايتس ووتش غزة عبر معبر رفح في 21 يناير/كانون الثاني وأمضوا فترة الـ 14 يوماً التالية يحققون في مجريات القتال من الجانبين، والضرر اللاحق بالمدنيين والأعيان المدنية أثناء القتال. وأثناء تلك الفترة، بالإضافة إلى أعمال بحثية أخرى، وثقوا ست هحمات بالصواريخ شنتها طائرات الزنانة الإسرائيلية وهي واردة هنا تفصيلاً، وأسفرت مجتمعة عن مقتل 29 مدنياً. وأجرى باحثو هيومن رايتس ووتش 25 مقابلة مع ضحايا وشهود عيان في تلك الهجمات، وكذلك مع أطباء عالجوا الضحايا.
وكلما أمكن، قامت هيومن رايتس ووتش بمقابلة الضحايا وشهود العيان الفلسطينيين فرادى وبشكل يوفر الخصوصية، لجمع معلومات تفصيلية منهم تدعم مزاعمهم، ثم تم مقارنة المعلومات الواردة من مختلف الضحايا وشهود العيان، ومقارنتها بالتعليقات الخاصة بالقتال التي وردت على لسان الجيش الإسرائيلي أو في وسائل الإعلام. كما تمت مقارنة أسماء الضحايا بقائمة أسماء منشورة لقتلى حماس للمساعدة على تحديد ما إذا كان القتلى مقاتلين أو مدنيين. [9]
[1] انظر موقع بتسيلم (http://www.btselem.org/English/) والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (http://www.pchrgaza.org) ومركز الميزان لحقوق الإنسان ((http://www.mezan.org/en
[2] تم اقتباس العفو الدولية في تسجيل فيديو أذاعته صحيفة الغارديان، انظر: “Cut to Pieces: the Family Drinking Tea in a Compound,” http://www.guardian.co.uk/world/series/gaza-war-crimes-investigation (تمت الزيارة في 26 أبريل/نيسان 2009) كما نشرت العفو الدولية تدوينة في مدونة لها عن استخدام إسرائيل للصواريخ التي تطلقها طائرات الزنانة، انظر العفو الدولية Livewire، “Faulty Intelligence, Wanton Recklessness, or a Combination of the Two,” February 1, 2009, http://livewire.amnesty.org/2009/02/02/faulty-intelligence-wanton-recklessness-or-a-combination-of-the-two/ (تمت الزيارة في 29 أبريل/نيسان 2009). فيما بعد أرسلت العفو الدولية لـ هيومن رايتس ووتش أسماء 58 مدنياً تعتقد أنهم قُتلوا جراء صواريخ طائرة الزنانة.
[3] في إحدى الحالات التي بحثت فيها هيومن رايتس ووتش، أصاب صاروخ أطلقته طائرة استطلاع (زنانة) مسجد إبراهيم المقدمة في جباليا أثناء صلاة العصر يوم 3 يناير/كانون الثاني، مما أسفر عن مقتل اثنين من عناصر جناح حماس المسلح و13 مدنياً، وأربعة منهم أطفال. وأصيب 25 مدنياً على الأقل.
[4] يُرجح أن الجيش الإسرائيلي استخدم أيضاً صواريخ نمرود أو أيه جي إم 114 كيه 2 أيه (هيل فاير 2). إلا أن صاروخ نمرود – ما لم يكن قد تم إدخال تعديلات كثيفة عليه – ثقيل في الوزن على بعض طائرات الزنانة الإسرائيلية. كما أن هيومن رايتس ووتش لم تعثر على شظايا صواريخ هيل فاير في أي من المواقع التي تم التحقيق فيها لهذا التقرير.
[5] بموجب قوانين الحرب، فإن الشرطة ومراكز الشرطة تعتبر مدنية ما لم تكن الشرطة تشارك بشكل منتظم في القتال أو لها دور مباشر في أعمال القتال، أو إذا كانت مراكز الشرطة تستخدم لأغراض عسكرية، مثل تخزين أسلحة القتال. وحتى الآن، لم تخرج إسرائيل بأي دليل لتبرير هذا الهجوم.
[6] للاطلاع على والاستماع إلى مختلف التحذيرات التي أصدرها الجيش الإسرائيلي، انظر موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية:http://www.mfa.gov.il/MFA/Government/Communiques/2009/IDF_warns_Gaza_population_7-Jan-2009.htm (تمت الزيارة في 6 أبريل/نيسان 2009).
[7] هيومن رايتس ووتش، “UN Human Rights Council Approves Gaza Inquiry,” January 13, 2009, http://www.hrw.org/en/news/2009/01/13/un-human-rights-council-approves-gaza-inquiry
[8] بعثة تقصي حقائق الأمم المتحدة المعنية بنزاع غزة "بيان علني مبدئي"، 25 مايو/أيار 2009، على: http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/specialsession/9/docs/Public_Advance_Notice.pdf (تمت الزيارة في 31 مايو/أيار 2009).
[9] قائمة قتلى كتائب القسام متوفرة على رابط: http://www.alqassam.ps/arabic/statistics2.php?id=2009-01 (تمت الزيارة في 14 مايو/أيار 2009).






