June 24, 2009

VIII . توفير الدفاع وجودته

على مدار العشرات من جلسات التحقيق وعدة محاكمات، لاحظت هيومن رايتس ووتش حالات قليلة من الدفاع النشط الفعال جيد التحضير. وفي حالات قليلة لم يكن الدفاع حاضراً أثناء جلسات التحقيق، فتم عقد الجلسات رغم غياب الدفاع. وفيما تواجد الدفاع الذي تعينه المحكمة والدفاع الخاص لأغلب المدعى عليهم، فإن الدفاع في كل الحالات تقريباً كان وفي أفضل الأحوال دفاعاً سطحياً. وفي أغلب جلسات التحقيق التي حضرتها هيومن رايتس ووتش لم يتحدث الدفاع الذي عينته المحكمة أو  يتدخل.

وفي جلسة تحقيق بفرع الرصافة من المحكمة الجنائية المركزية بتاريخ 11 مايو/أيار 2008، نُسبت اتهامات إلى ضابط شرطة يدعى عمار فيصل بالقتل وأعمال إرهابية بمساعدة أعضاء من القاعدة في منطقة الفهامة ببغداد. والاتهامات المستندة جزئياً إلى شهادة مخبر سري، وصفت فيصل بأنه عضو بوحدة قامت بنصب نقاط تفتيش مزيفة في الفهامة في عام 2006 من أجل تنفيذ عمليات قتل واختطاف طائفية. وفيصل، الذي احتجزته قوات الأمن العراقية في مارس/آذار 2008 كان قد وكل لنفسه دفاعاً، لكن في جلسته حضر معه محامٍ من المحكمة ولم يكن قد حصل على ملف القضية إلا قبل بدء الجلسة مباشرة.

وبعد الاستماع إلى الاتهامات، وأغلبها جرائم كبرى، طلب محاميه الذي وكلته المحكمة الإذن من قاضي التحقيق بإعفاءه، متذرعاً بالتزامه بالحضور في جلسة أخرى. ورفض القاضي الطلب وامتثل الدفاع لأمر القاضي بالبقاء، لكنه لم يتحدث طيلة المحاكمة. وإثر رواية فيصل لعملية القتل التي واجه بموجبها الاتهام بالقتل، نقل القاضي هذه التهمة إلى قسم التحقيق في محكمة محلية برفقة طلب بالسماح لفيصل باستدعاء شهود دفاع (وهو شيء لم يسع المحامي الذي عينته المحكمة لطلبه). وأوصى القاضي باستمرار احتجاز فيصل وبجلسة تحقيق إضافية تخص الاتهامات الخاصة بالإرهاب. [105]

وحضرت هيومن رايتس ووتش جلسات تحقيق في فرع الكرخ في قضايا ثلاثة رجال محتجزين من قبل الحرس الوطني العراقي في المحمودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2006. وكان اثنين من الرجال أشقاء ويواجهان اتهامات خطيرة تشمل الإرهاب والاختطاف والقتل والاغتصاب. والثالث وهو ليس قريباً للآخرين، وتم احتجازه معهما لأنه كان في نفس السيارة معهما أثناء القبض عليهما. وقالوا جميعاً للمحكمة إنهم حصلوا على جلسات محاكمة في أماكن أخرى دون حضور دفاع، وإنهم يمثلون لأول مرة أمام المحكمة الجنائية المركزية. وزعموا جميعاً أن ضباط الاحتجاز أساءوا إليهم أثناء الاحتجاز وأجبروهم على الاعتراف.

وأنكر أحد المدعى عليهم في هذه القضية – وهو ستار علي محمد العبيدي – جميع الاتهامات المنسوبة إليه وقال لقاضي التحقيق إن المحققين قاموا بتعذيبه وهددوه بالقتل وأجبروه على وضع بصمة إصبعه على نص الاعتراف وهو معصوب العينين. وقام شقيقه، قيصر علي محمد سالم العبيدي، بإظهار كدمات للقاضي وقال إنها نتيجة الإساءات التي تعرض لها أثناء احتجازه لدى الحرس الوطني. أما المدعى عليه الثالث، باسم محمد حسين، فقال للقاضي إنه أجبر بدوره على وضع بصمة إصبعه على اعتراف وهو معصوب العينين وأظهر كدمات على قدميه وزعم أنها نتيجة الإساءات أثناء احتجازه طرف الحرس الوطني. فيما أشار حسين إلى ندبات أخرى زعم أنها نتيجة التعذيب، فقال قاضي التحقيق له أن يظهرها. وقال جميع المحتجزين إنهم لا يعرفون بأي اتهامات أو أدلة ضدهم. ولم يطرح المحامي الذي عينته المحكمة أثناء الجلسة أي أسئلة ولم يحاول التشكيك في صدق الأقوال الأساسية ضمن أسانيد الادعاء. [106]

وفي مجموعة منفصلة من جلسات التحقيق حضرتها هيومن رايتس ووتش في نفس المحكمة في 5 مايو/أيار، تم احتجاز أربعة رجال في بغداد أثناء مداهمة من قبل القوات الأميركية، ووجهت إليهم الاتهامات بحيازة الأسلحة بصفة غير قانونية. وزعم المحتجزون أنهم أجبروا على الوقوف لالتقاط صورهم الفوتوغرافية ومعهم الأسلحة، وهذه الصور عُرضت فيما بعد كأدلة. وأثناء الجلسات التي حضرها أيضاً الممثل القضائي العسكري الأميركي ومترجم فوري، زعم أحد المحتجزين، وهو ناصر عبد الأمير عباس، أنه مُحتجز بناء على الخلط بين اسمه وبين "أبو ناصر"، وهو شخص تسعى القوة متعددة الجنسيات لاعتقاله بناء على تقارير استخباراتية. وفي هذه اللحظة من المحاكمة غادر القاعة الدفاع الذي وكلته المحكمة والذي حضر جلسات التحقيق، ولم يعد فيما بعد. [107]

وفي جلسة محاكمة 11 مايو/أيار 2008 بفرع الرصافة وحضرتها هيومن رايتس ووتش، وجهت الاتهامات إلى مدعى عليه محتجز في صلاح الدين منذ عام 2005، على صلة بهجمات مزعومة على قوات الأمن العراقية. وسمحت المحكمة بعرض الاتهامات دون حضور الدفاع، ثم أوقفت القضية لاستدعاء المحامي من تعيين المحكمة الذي لم يكن لديه سابق معرفة بالقضية. وروى المدعى عليه احتجازه في بيجي بناء على الاتهام بأن السيارة التي كان يستقلها مسروقة، وقالت الشرطة له فيما بعد أنه من المعتقد أن السيارة على صلة بهجمات على قوات الأمن. وأثناء الاستجواب بعد اعتقاله مباشرة، على حد قوله، قال له المحققون إنه أيضاً مشتبه به في جريمة قتل في مدينة تكريت القريبة، ثم تم نقله إلى الاحتجاز طرف الشرطة هناك. وعرض المدعى عليه ندبات على جسده قال إنها نتيجة للتعذيب أثناء الاستجواب، وإنه وافق على التصديق على الاعتراف ببصمة إصبعه بعد جلسة استجواب.

وفي جلسة المحاكمة أنكر المدعى عليه كل الاتهامات. وقال إنه يعتقد أنه مُحتجز جراء التشابه بين اسمه واسم رجل آخر تم اعتقاله على صلة بالهجمات على قوات أمنية، لكن أفرج عنه بعد أن قامت أسرته برشوة عناصر من الشرطة المحلية. وتشكل الدفاع في المحاكمة من تكرار طلب المدعى العام بإسقاط القضية لغياب شهود العيان أو الأدلة المادية، وأن الاعتراف منتزع بالإكراه. واعتبر القاضي الرئيس الندبات التي أظهرها المدعى عليه أساساً لاستنتاج تعرضه للتعذيب لانتزاع الاعترافات، وقامت هيئة القضاة بتبرئته. [108]

وبالإضافة إلى أوجه القصور الخاصة بعدم الطعن في الأدلة وتوفير الدفاع، فقد لاحظت هيومن رايتس ووتش وجود مثالب هيكلية أوسع في إتاحة الدفاع مما يجعل الدفاع القوي النشط غير مُرجح فعلياً. وقال محامٍ خاص لـ هيومن رايتس وتش إنه أتيح له إلى حد ما مقابلة موكليه في الاحتجاز على ذمة المحاكمة في بعض المقار الحكومية العراقية. [109] ويوكل للأغلبية العظمى من المدعى عليهم في المحكمة محامين من تعيين المحكمة ولم يسبق لهم مقابلتهم قط ولا يعرفون بقضيتهم قبل مرحلة جلسات التحقيق. وبالنتيجة فإن هؤلاء المدعى عليهم لا يعرفون ما يجب معرفته عن الاتهامات والأدلة القائمة ضدهم، أو حقوقهم في مراحل التحقيق والمحاكمة، وكذلك إجراءات الطعن في الأحكام. ويوفر المحامون من تعيين المحكمة المتطلبات الدنيا الخاصة بالتمثيل القانوني، كما ينص القانون العراقي، ويشمل الدستور، لكن لا يوفرون من الدفاع الفعال إلا القليل. وقال لـ هيومن رايتس ووتش قاضي تحقيق لدى سؤاله عن جودة التمثيل القانوني: "فعلياً وبشكل عام فهم لا يقومون بدور نشط في الدفاع". [110]

ويقلل من جودة الدفاع أيضاً عدم الاستمرارية في التمثيل من قبل المحامين من تعيين المحكمة في مرحلتي التحقيق والمحاكمة. وفي محاكمتين فقط من المحاكمات التي شهدتها هيومن رايتس ووتش كان للمدعى عليهم نفس المحامين الذين مثلوهم في مرحلة التحقيق. وفي واحدة من المحاكمتين تمكن محامٍ خاص من الاطلاع على المتهم أثناء احتجازه في سجن تسفيرات بغداد وفي جلسات محاكمة أخرى حضرتها هيومن رايتس ووتش قرأ الدفاع ملفات القضايا أثناء أو قبل بدء المحاكمة مباشرة، ومداخلاتهم – إن كان لهم مداخلات بالمرة – دارت حول التحفظات التي يبديها المدعون العامون أنفسهم حول الأدلة. [111]

كما يؤثر القصور في إتاحة الدفاع الفعال على المحتجزين طرف القوة متعددة الجنسيات المُحالين إلى المقاضاة في المحكمة الجنائية المركزية. وقال مسؤولون بالقوة متعددة الجنسيات لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يخطرون المحتجزين قبل أسبوعين من موعد إحالتهم للمحاكمة، ويعرضون على المحتجزين فرصة الاتصال بمحامي أو توكيله، لكن محامو الدفاع لا يسعون لزيارة المحتجزين. وطبقاً لما ذكر مستشار قانوني تابع للقوة متعددة الجنسيات:

أثناء التواجد في مركز الاحتجاز المؤقت، يُتاح للمحتجزين طلب مكالمة هاتفية لتوكيل محامي. وقد ثارت بعض المخاوف بشأن عدم استخدام المحتجزين للمكالمات لهذه الأغراض، وفي الماضي حين كان يتم الترتيب لعمل 40 إلى 50 مكالمة هاتفية، وجدنا أنهم يتحدثون إلى أسرهم، لذا قللنا عدد المكالمات. [112]

ويقول محامو الدفاع من تعيين المحكمة بأنهم نادراً ما يصلهم إخطار الجلسة قبل عقدها، وأن في غياب ترتيبات ضمان أمنهم أثناء الزيارات لمركز احتجاز القوة متعددة الجنسيات، فلا يُتاح لهم مقابلة المحتجزين. كما ذكروا المصاعب الخاصة بالاطلاع على الموكلين في زنازين الاحتجاز بالمحاكم قبل جلسات التحقيق. وقال أحد المحامين من تعيين المحكمة: "دائماً ما تكون الجلسة أول مقابلة مع المدعى عليه"، وأضاف أن قراءته الأولى لملفات القضايا تكون غالباً أثناء الجلسة نفسها. [113] وأقر مستشار القوة متعددة الجنسيات بأن "الحضور إلى كامب كروبر ليس سهلاً"، لكنه زعم بأن "الدفاع لا يريد الزيارة". [114]   وقال الميجور جنرال دوغلاس ستون، رئيس عمليات المحتجزين حتى يونيو/حزيران 2008: "لماذا تُعد هذه مشكلة لمحامي الدفاع بينما يتمكن المئات من الموظفين من الحضور يومياً؟" [115] وذكر الدفاع الصعوبات الخاصة بالتنقل والمخاطر على سلامتهم كمعوقات أساسية تحول دون مقابلتهم للموكلين في مراكز القوة متعددة الجنسيات.

وبغض النظر عن جسامة الاعتبارات الخاصة بالتنقل والأمن، فإن الأثر على مجريات المحكمة واضح. فالمدعى عليهم الذين يواجهون اتهامات على صلة بالإرهاب وغير ذلك من الجرائم، وبعضها قد تنتهي بعقوبة الإعدام، يدخلون إلى جلسات التحقيق والمحاكمة في ظل أضعف الفرص للطعن في الأدلة والشهود أو تقديم أدلة وشهود دفاع. [116]

[105] ملاحظات هيومن رايتس ووتش في جلسة تحقيق، فرع الرصافة، المحكمة الجنائية المركزية، 11 مايو/أيار 2008.

[106] ملاحظات هيومن رايتس ووتش في جلسة تحقيق، فرع الكرخ، المحكمة الجنائية المركزية، 6 مايو/أيار 2008.

[107] ملاحظات هيومن رايتس ووتش في جلسة تحقيق، فرع الكرخ، المحكمة الجنائية المركزية، 5 مايو/أيار 2008.

[108] ملاحظات هيومن رايتس ووتش في جلسة تحقيق، فرع الرصافة، المحكمة الجنائية المركزية، 11 مايو/أيار 2008.

[109] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محامي (تم حجب الاسم)، فرع الرصافة، المحكمة الجنائية المركزية، 14 مايو/أيار 2008.

[110] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع قاضي تحقيق (تم حجب الاسم)، فرع الرصافة، المحكمة الجنائية المركزية، 11 مايو/أيار 2008

[111] ملاحظات هيومن رايتس ووتش في جلسة تحقيق، فرع الرصافة، المحكمة الجنائية المركزية، 11 و14 مايو/أيار 2008.

[112] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع كابتن براين بيل، 12 مايو/ايار 2008.

[113] مقابلات هيومن رايتس ووتش مع محاميّ دفاع (تم حجب الأسماء)، فرع الكرخ، المحكمة الجنائية المركزية، 5 مايو/أيار 2008.

[114] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع كابتن براين بيل، 12 مايو/أيار 2008.

[115] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الميجور جنرال دوغلاس ستون، بغداد، 12 مايو/أيار 2008.

[116] الأرقام الواردة من قسم المحاكمات في فرع الكرخ بالمحكمة الجنائية المركزية تشير إلى أن هذا الفرع من المحكمة أصدر 175 حكماً بالإعدام في عام 2007.