V . الإطار القانوني
ورد في القانون العراقي – بما فيه الدستور وقانون أصول المحاكمات الجزائية – معايير الإنصاف في مجريات التقاضي بالمحاكم وورد فيه تدابير الحماية الأساسية للمدعى عليهم الجنائيين. وبعض هذه المعايير تكررت ضمن التزامات العراق كدولة طرف في مختلف المواثيق القانونية الدولية. وهذا الإطار القانوني المنطبق على المحكمة الجنائية المركزية العراقية معروض أدناه. والعناصر الأساسية التي تُعتبر المهام العملية للمحكمة بعيدة فيها كثيراً عن القوانين والمعايير المنطبقة، مذكورة هنا بدورها، وموضحة تفصيلاً في الفصول التالية من التقرير.
القانون العراقي
يحكم قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي مجريات التقاضي في المحكمة الجنائية المركزية. بالإضافة إلى أن الدستور الذي تم تبنيه في أكتوبر/تشرين الأول 2005 بناء على استفتاء شعبي، يوفر تدابير الحماية الأساسية للمدعى عليهم في جرائم جنائية. ويؤكد الدستور على مبدأ المساواة أمام القانون ويكفل للمدعى عليهم في الجرائم الجنائية جملة من الحقوق، منها: الحق في عدم الحرمان من الحرية إلا بناء على قرار من السلطة القضائية المختصة، والحق في عدم التعرض للاحتجاز غير القانوني، والحق في تقديم وثائق التحقيق الأولية إلى القاضي المختص خلال 24 ساعة من الاعتقال (ويمكن تمديد هذه المهلة مرة واحدة لمدة 24 ساعة إضافية)، والحق في عدم تفتيش السكن الخاص إلا بموجب قرار من السلطة القضائية المختصة، والحق في افتراض البراءة حتى ثبوت الذنب بموجب القانون، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في توكيل الدفاع أثناء كافة مراحل التحقيق والمحاكمة، والحق في توفير المحكمة لدفاع من تعيينها لمن لا يمكنهم توكيل دفاع خاص، والحق في التزام الصمت، والحق في عدم التعرض لأي من ضروب التعذيب والمعاملة اللاإنسانية. [31] ويحظر الدستور استخدام أي اعترافات تم انتزاعها بالإكراه أو بالتهديد أو التعذيب. [32] كما يشمل الدستور حقاً محدوداً في نيل جلسة علنية، إذ يحق للمحاكم الأمر بعقد الجلسات السرية. [33]
وقال مسؤولون قضائيون لـ هيومن رايتس ووتش إن المتطلبات الدستورية الخاصة بوثائق التحقيق الأولية والتي يجب تقديمها لقاضي مختص ضمن 24 ساعة من الاعتقال تُشكل الإطار القانوني للاعتقالات. [34] إلا أن المتطلبات الأكثر صرامة الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية ما زالت معمولاً بها وتمثل حماية أوسع ضمن الإطار القانوني. المادة 123 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ورد فيها مثول المدعى عليه أمام قاضي تحقيق أو محقق عدلي خلال 24 ساعة من الاعتقال. [35] وفي الجلسة الأولية يجب إخطار المدعى عليه بالجرائم المنسوب إليه ارتكابها. وينص قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه يحق للسلطات تجديد الاحتجاز لمدة 15 يوماً بعد كل تحقيق عدلي، بحد أقصى ستة أشهر في الجرائم الأكثر خطورة. [36] وإذا اقتضى الحال تمديد التوقيف أكثر من ستة أشهر، فعلى محكمة الجزاء المختصة أن تأذن بتمديد التوقيف. [37]
وقد حضرت هيومن رايتس ووتش جلسات تحقيق مع 71 مدعى عليهم أمام المحكمة الجنائية المركزية، والكثير منها خالفت هذه الضمانات القانونية المذكورة. ففي العديد من الحالات مثل المحتجزون أمام حاكم تحقيق بعد شهور وفي بعض الحالات بعد سنوات من التوقيف المبدئي أو الجلسات القضائية. وفيما يستحق الكثير من المحتجزين المذكورين التمديد للسماح باستمرار التحقيقات، فإن الإجراءات القضائية السابقة الخاصة بتمديد التوقيف لم يتم اتباعها بشكل عام.
وينص قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي بشكل عام على إجراءات واضحة لا لبس فيها حول الاحتجاز والتحقيق ومقاضاة المدعى عليهم في جرائم جنائية. ولا يمكن إجراء الاعتقال إلا بموجب أمر صادر عن السلطة القضائية المختصة، باستثناء حين يكون الاعتقال بناء على جريمة مشهودة من قبل السلطات التي قامت بالاعتقال. [38] كما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية هو الحاكم لعمليات التفتيش ويتطلب أن يتم تفتيش الفرد أو المسكن الخاص بناء على أمر من السلطة المختصة قانوناً. [39] وينص القانون على أن قاضي التحقيق يرأس التحقيق في الجريمة المزعومة كما يجري جلسات التحقيق. [40] ويمكن لقاضي التحقيق أن يكلف المحققين تحت إشرافه بفحص مكان وقوع الحادثة وجمع الأدلة أو أن يفعل هذا بنفسه. [41] وباستثناء مصادرة الأسلحة من قبل القوة متعددة الجنسيات، والتي عرضت صوراً فوتوغرافية لها أثناء الجلسات في المحكمة الجنائية المركزية، فلم تر هيومن رايتس ووتش أي عرض لأدلة مادية من أي نوع. وغياب الأدلة المادية يفرض المزيد من الضغط والاعتماد على الاستجواب والمخبرين السريين (انظر أدناه) في إجراءات المقاضاة والإدانة.
ويمكن لقاضي التحقيق أو المحقق الجنائي أو يدون شهادة الشهود. [42] باستثناء المخبرين السريين، فقد كانت مجريات التقاضي التي حضرتها هيومن رايتس ووتش في المحكمة الجنائية المركزية خالية من أي شهود غير العاملين العسكريين بالقوة متعددة الجنسيات، في حالات إحالة القوة متعددة الجنسيات للمدعى عليهم.
وإثر إتمام التحقيق، يقوم قاضي التحقيق باتخاذ القرار بشأن القضية. فإذا كان الفعل معاقبا عليه ووجد القاضي أن الادلة تكفي لمحاكمة المتهم فيصدر قرارا بإحالته على المحكمة المختصة.[43] ولدى الإحالة للمحاكمة، وإذا كان المتهمون متورطون في مُخالفة مشتركة، تتخذ المحكمة الإجراءات اللازمة لتنسيق قضاياهم في إطار دعوى واحدة، ولو تعدد المتهمون المشمولون بالدعوى.[44] ويتطلب قانون أصول المحاكمات الجزائية أن يحرر القاضي تهمة رسمية وتتضمن قدراً كبيراً من التحديد قبل البدء في إجراءات التقاضي.[45] وينظر في القضية بالمحكمة الجنائية المركزية هيئة من ثلاثة قضاة.
ومثل الدستور فإن قانون أصول المحاكمات الجزائية يحظر استخدام "أية وسيلة غير مشروعة للتاثير على المتهم للحصول على اقراره".[46] كما ينص القانون على المسؤولية الجنائية جراء القيام بالتعذيب والإساءة إلى الأشخاص رهن الاحتجاز.[47] كما أن المادة 333 من قانون العقوبات تُجرم قيام أي مسؤول عام بالتعذيب أو الأمر بالتعذيب، بحق المتهمين والشهود والمخبرين للحصول على إقرارهم.[48] وفيما أخذ القضاة بالمحكمة الجنائية المركزية مسائل التعذيب والإساءات على محمل الجد في الجلسات التي حضرتها هيومن رايتس ووتش فإن الكثير من المحتجزين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش تقدموا بمزاعم قابلة للتصديق بشأن المعاملة السيئة، مما يشير إلى استمرار كون استخدام أساليب استجواب قاسية مشكلة جدية في نظام العدالة الجنائية العراقي.
والمادة 136 (ب) من قانون أصول المحاكمات الجزائية تمثل عقبة قانونية جسيمة تحول دون مقاضاة المسؤولين الحكوميين الذين تورطوا في الإساءات بحق المحتجزين أو صرحوا بها.[49] وهذه المادة تتطلب أنه لدى وقوع جرائم مزعومة في سياق أداء الواجب الرسمي أو بسببه فإن "الوزير اتابع " (مثلاً، وزير الداخلية في حالة تورط الشرطة) يجب أن يسمح أولاً بإحالة الضابط المسؤول إلى المحاكمة.[50] وقد جمدت سلطة الائتلاف المؤقتة العمل بالمادة 136 بالكامل في مذكرة تنفيذية التمست إعداد إجراءات لتطبيق قانون أصول المحاكمات الجزائية،[51] وبموجب الدستور فإن جميع قوانين سلطة الائتلاف المؤقتة تظل سارية ما لم تلغ أو تعدل بصدور قوانين جديدة.[52] إلا أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الانتهاء الرسمي للاحتلال في أواسط عام 2004 استعملت المادة 136 لمنع مقاضاة المسؤولين المزعوم تورطهم في أعمال الفساد.[53] وأبدت السلطات القضائية إحباطها إزاء هذه المادة أثناء مقابلة مع هيومن رايتس ووتش. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2007 عدل مجلس النواب قانون أصول المحاكمات الجزائية، فقام بإلغاء المادة 136 (ب)، حتى رغم أنها بالفعل لاغية بناء على أحكام الدستور.[54] ومجلس الرئاسة، المخول سلطة مراجعة التشريعات ثم التصديق عليها أو الاعتراض، لم يتحرك في هذا الصدد.[55] وأعيد التشريع إلى مجلس النواب، ولم يتم اتخاذ أية إجراءات أخرى بصدده.
ويؤكد الدستور العراقي على أن "حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة".[56] وهذه المادة، الغائبة عن قانون أصول المحاكمات الجزائية، تم تبنيها من تعديل سلطة الائتلاف المؤقتة للتشريع.[57] ومن حيث الممارسة، فإن الحق في الدفاع يُنتهك في أحيان كثيرة أثناء التحقيق والمحاكمة في المحكمة الجنائية المركزية. وأسباب هذا الخرق عديدة، وتشمل: المصاعب الخاصة بالاطلاع على المحتجزين جراء الوضع الأمني، وغياب ثقافة الدفاع القانوني، ونقص الإشراف القضائي. والأثر العملي لهذه الإعاقة هو اقتصار الحق في التمثيل القانوني.[58] ورغم أن الدفاع كان حاضراً في كل الجلسات التي حضرتها هيومن رايتس ووتش تقريباً بحضور قضاة التحقيق، وفي كل مجريات التقاضي أمام المحكمة الجنائية المركزية، فإن هذه الجلسات كانت في الأغلب هي الجلسات الأولى واللقاء الوحيد بين الدفاع والمتهم، ولم يتمتع المدعى عليهم بأي شكل من الأشكال ب"ما يكفي من الوقت والتسهيلات لتحضير دفاع فعال".[59]
وجلسات التحقيق والمحاكمة التي حضرتها هيومن رايتس ووتش شملت قضايا اعتمدت حصراً أو بشكل شبه حصري على المخبرين السريين. والمادة 47 (2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية تسمح للمخبرين بطلب السرية في القضايا التي تمس الأمن الوطني أو غير ذلك من الجرائم الجنائية الجسيمة.[60] ففي مثل هذه الحالات، وكما يرد في المادة، فإن المخبر يحق له أن يطلب من المحكمة "عدم الكشف عن هويته وعدم اعتباره شاهداً".[61] ويترك القانون للقاضي أن يمضي في القضية بناء على مثل هذه المعلومات، بعد المزيد من التحقيق والتثبت.[62] وينص القانون على ضمانة أخرى بشأن استخدام المخبرين السريين إذ يذكر أن شهادة واحدة لا تكفي كسند للحكم إذا لم يؤيد هذه الشهادة دليل مقنع آخر، أو بإقرار من المتهم.[63] ويمكن للمحكمة أن ترفض الاعترافات بصفتها تأييد كافي للشهادة.[64]
وشهدت هيومن رايتس ووتش على قضايا أسقطتها المحكمة الجنائية المركزية لأنها كانت مستندة حصراً على شهادة من مخبرين سريين. ومثل هذا الرفض، فيما يبدو ملائماً وبوضوح، فإنه عادة ما لا يتم إلا بعد شهور وفي بعض الحالات سنوات من الاحتجاز على ذمة المحاكمة، وهذا جراء نقص الإشراف القضائي على استخدام المخبرين السريين. وهذه المشكلة تعكس جزئياً وجود نقص في القدرة القضائية على التعامل مع عدد هائل من المحتجزين. وفيما يمكن أن يتطلب الوضع الأمني الصعب في كافة أرجاء العراق اللجوء للترتيبات السرية لضمان سلامة الشهود، فمن المهم أيضاً حماية حق المتهم في الطعن في أدلة الثبوت بحقه. واستخدام هؤلاء المخبرين في المحكمة الجنائية المركزية، حسب ما رأت هيومن رايتس ووتش، يتضارب مع المفاهيم الأساسية لإجراءات التقاضي السليمة والعدالة المذكورة في الدستور والقانون الدولي لحقوق الإنسان.[65]
وبموجب المادة 4(1) من قانون مكافحة الإرهاب، فإن عقوبة الإعدام يمكن تطبيقها بحق كل من المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الارهابيين من القيام بالجرائم الواردة في القانون.[66] بالإضافة إلى تعديل وتجميد العديد من الأحكام في قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإن سلطة الائتلاف المؤقتة جمدت أجزاء من قانون العقوبات، بما في ذلك تطبيق عقوبة الإعدام.[67] وإثر الانتهاء الرسمي للاحتلال وإحالة السلطة إلى حكومة عراقية في 28 يونيو/حزيران 2004، أعادت حكومة رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي عقوبة الإعدام على طيف واسع من الجرائم.[68]
القانون الدولي لحقوق الإنسان
يترتب على الحكومة العراقية التزامات قانونية بموجب معاهدات حقوق الإنسان الدولية والقانون الدولي العرفي. وهي مُلزمة بموجب الالتزامات التعاهدية للحكومات العراقية السابقة.[69] والأبرز بين الالتزامات التعاهدية على العراق هي الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تؤسس للمتطلبات الأساسية للمعايير الدولية لتدابير الحماية وإجراءات التقاضي السليمة المكفولة للمحتجزين.[70]
وبالإضافة إلى المتطلبات القانونية العراقية الحاكمة للاعتقال المبدئي وإجراءات الاحتجاز، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يتطلب أن: "يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه".[71] وكما هو مذكور أعلاه، توجد حالات كثيرة تم فيها عرض المتهمين في بادئ الأمر على السلطة القضائية بعد انقضاء شهور أو سنوات في بعض الحالات.
كما يحكم القانون الدولي لحقوق الإنسان معاملة المحتجزين. فالحظر على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة هو معيار سائد وقائم في القانون الدولي العرفي.[72] ويتطلب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن يُعامل المحتجزين باحترام لـ "كرامتهم الأصيلة"،[73] ويقضي بأنه " لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة".[74] ويوجد حظر مماثل في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب)، والتي صدق عليها العراق في أغسطس/آب 2008،[75] وعلى معاهدات أخرى.[76]
وتحظر اتفاقية مناهضة التعذيب تحديداً أن يُستخدم كأدلة في المحاكمة "أية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب".[77] وحسب المذكور أعلاه، ففي الجلسات التي أثار فيها المحتجزون التعذيب، انتبه القضاة للأقوال واستجابوا لها. إلا أن عدداً من المحتجزين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش أدلوا بمزاعم قابلة للتصديق بشأن الإساءات أثناء الاحتجاز المبدئي، مما يشير إلى استمرارية هذه المشكلة. وغياب الأدلة المادية في حالات كثيرة يُعلي من الاعتماد والاستناد إلى الاعترافات، مما يفرض المزيد من الضغوط على طبيعة عمليات الاستجواب.
ويتطلب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منح المدعى عليه الجنائي الحق في "أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره، وأن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام".[78] ولجنة حقوق الإنسان، وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة الالتزام بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لاحظت أن المدعى عليهم الجنائيين لا يحصلون على "الحق غير المحدود في طلب حضور أي شاهد يطلبه المتهم أو دفاعه، بل مجرد الحق في إشراك شهود على صلة بالدفاع، ومنحهم فرصة طرح الأسئلة والطعن في الشهادات بحقهم في مرحلة من مراحل المحاكمة".[79] ولا ينسجم ما لوحظ من استخدام للمخبرين السريين في المحكمة الجنائية المركزية مع المعايير الدولية لإجراءات التقاضي السليمة والعدالة، بما أن المدعى عليهم يُودعون الاحتجاز لفترات مطولة قبل جلسات التحقيق ودون اللجوء إجرائياً إلى الطعن في استخدام المخبرين السريين.
وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فالحق في إجراءات التقاضي السليمة والمحاكمة العادلة يشملان حق إشراك الدفاع في تحديد أية اتهامات بحق المحتجز.[80] ويشير هذا المعيار إلى أن الحق في الدفاع لصيق بكل مراحل مجريات التقاضي والمحاكمة. وما لوحظ من حالات أثناء جلسات التحقيق التي أجريت دون إفادة الدفاع، وثبوتها بالنظر إلى سجلات التحقيق إثر الاعتقال أو الاحتجاز دون إفادة الدفاع، هو انتهاك لهذا المطلب. وحق الدفاع يشمل أيضاً القدرة على المشاورة على النحو الملائم مع الدفاع.[81] ومصاعب الاطلاع على المحتجزين، وغياب الاستمرارية فيما يتعلق بالدفاع المعين من قبل المحكمة، لهو مما يخرق هذا الحق ويحد من فعالية الدفاع.
ومادة قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي (مادة 136 (ب)) التي تتطلب إذن الرؤساء في توجيه الاتهامات الجنائية للمسؤولين، بمن فيهم المتورطين في التعذيب والمعاملة السيئة للمحتجزين، تقوض من حق ضحايا حقوق الإنسان في التعويض الفعال، كما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.[82] وقد انتقدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان القوانين التي تعرقل من تحديد المسؤولية القانونية.[83]
المُحتجزون الأحداث
بموجب قانون رعاية الأحداث العراقي، فإن الأطفال بين سن 9 و18 عاماً يُعتبرون أحداثاً،[84] ويمكن القبض عليهم واحتجازهم جراء المخالفات الجنائية ولمخالفات متعلقة بالوضع مثل كونهم من المشردين أو المتسولين. وورد في القانون أن المُدانين بمخالفات جنائية يجب احتجازهم بمعزل عن البالغين.[85] ولدى الاعتقال، يجب نقل الأطفال فوراً إلى شرطة الأحداث.[86] كما ينص القانون على أن استجواب الطفل يتم من قبل قاضي تحقيق أحداث متخصص.[87] وإذا رأى قاضي تحقيق أنه توجد أدلة كافية لإحالة القضية على محكمة الأحداث، يرسل الحدث إلى مكتب دراسة الشخصية.[88] ولا يفرض القانون أي حدود على مدة احتجاز الطفل على ذمة المحاكمة، أو إجراءات تحديد العمر، أو اختبارات نفسية بأمر من المحكمة.
وفي الحالات التي لا توجد فيها وثائق ثبوتية أو يبدو أنها تتعارض مع مظهر الحدث، أو حين لا يعرف المحتجزون بتواريخ ولادتهم على وجه الدقة، يمكن احتجاز المحتجزين برفقة البالغين قبل عقد جلسة قضائية، ويُرجح أن تكون هذه الجلسة هي أول فرصة لتحديد أنهم أحداث. ويمكن لمحكمة الأحداث أن تحيل المحتجز للفحص الطبي والاستجواب لتحديد العمر.[89] إلا أن قانون رعاية الأحداث غامض في هذه النقطة ولا يعرض معايير واضحة، بل يطالب فحسب بـ "إحالته للفحص الطبي لتقدير عمره بالوسائل العلمية".[90]
واتفاقية حقوق الطفل التي صدق عليها العراق في عام 1994 تطالب بأنه "يجب أن يجرى اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه وفقا للقانون ولا يجوز ممارسته إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة".[91] ومثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فهي تطالب بأن يتم احتجاز الأطفال المتهمين بمخالفات جنائية بعيداً عن البالغين.[92] إلا أن المعايير الدولية لعدالة الأحداث تتجاوز تدابير الحماية الأساسية التي ينص عليها القانون العراقي، إذ توفر معايير حازمة للمقابلة الفورية للدفاع والمزيد من حقوق مقابلة الآباء للأحداث. وفيما يتعلق باستجواب الأحداث والتحقيق معهم، ركزت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي تراقب التزام الدول باتفاقية حقوق الطفل، على أن الطفل "أثناء استجوابه يجب أن يتاح له مقابلة الدفاع أو غير ذلك من الممثلين المناسبين، ويجب أن يتُاح له حضور أبويه أثناء الاستجواب".[93] وتركز اللجنة أيضاً على أن المحكمة أو أية جهة قضائية مختصة، حين "تنظر في طوعية ودرجة الثقة في أقوال أو اعترافات واردة من طفل، يجب أن تأخذ في الاعتبار عمر الطفل وطول مدة الاحتجاز والاستجواب، وحضور الممثل القانوني والأبوين أو ممثل مستقل عن الطفل".[94] وفيما يطالب قانون رعاية الأحداث العراقي بمنح الأبوين أو غيرهما من الأقارب حق حضور جلسات المحاكمة، فإن القانون قاصر في هذا المعيار بما أنه لا يوجد مطلب خاص بموجب القانون العراقي بحضور الدفاع أو الأبوين أثناء الاستجواب أو جلسات التحقيق، كما أن الظروف الأمنية تمثل عائقاً إضافياً يحول دون ضمان زيارات الأقارب.
ونتائج هذا التقرير تخص المحتجزين البالغين، رغم أن مجريات المحاكمة القليلة التي تخص الأطفال وحضرتها هيومن رايتس ووتش تعزز من القلق من احتجاز الأحداث في مراكز احتجاز البالغين. ففي إحدى الحالات تم احتجاز طفل طرف السلطات العراقية قبل جلسة التحقيق معه في مركز للجيش لا يوجد فيه أماكن منعزلة للأطفال. وفي حالة أخرى لم يكن محتجزاً تابعاً للقوة متعددة الجنسيات – وبلغ 18 عاماً تقريباً قبل ثلاثة أشهر من مثوله أمام المحكمة – قد تم نقله إلى خارج مكان لاحتجاز الأحداث.
[31] دستور جمهورية العراق، مادة 19 (عن حقوق المدعى عليهم وافتراض البراءة)، 17 (عن التفتيش) و37 (3) (عن حظر التعذيب).
[32] هذا الحظر ورد في تعديل على القانون بادرت به سلطة الائتلاف المؤقتة وأدى لاعتبار المادة 218 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي لاغية. المادة 218 كانت تسمح بقبول الاعترافات بالإكراه في ظروف خاصة.
[33] الحقوق والواجبات المذكورة في الدستور تتبع إلى حد كبير تلك الواردة في قانون إدارة دولة العراق أثناء الفترة الانتقالية، ويُشار إليه اختصاراً باسم TAL (وخدم هذا القانون كدستور مؤقت، رغم أن العراقيين كانوا حريصين على تفادي هذا المسمى بما أن الوثيقة لم تصدر عن حكومة منتخبة شعبياً). إلا أنه توجد أوجه اختلاف عديدة تميزه عن الدستور العراقي. شمل TAL الحق في التماس مساعدة الدفاع المختص والمستقل، وهو الحق الأوسع من مثيله الوارد في الدستور "حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة"، مادة 19 (4). كما شمل TAL الحق في التزام الصمت دون الإلزام بالشهادة، والحق في الإخطار بمختلف الحقوق لدى الاعتقال، وذكر تحديداً الحق في المحاكمة السريعة والعلنية.
[34] اتخذ قضاة من فرعي الكرخ والرصافة بالمحكمة الجنائية المركزية هذا الموقف أمام باحثي هيومن رايتس ووتش أثناء المقابلات في المحكمة الجنائية المركزية.
[35] قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، مادة 123.
[36] المرجع السابق، مادة 109 (أ) و(ج).
[37] المرجع السابق، مادة 109 (ج). وتوجد حدود صريحة على مدة مثل هذا التمديد، وهي حصراً ألا تزيد المدة الزائدة عن ربع العقوبة القصوى المنطبقة على الجرم المزعوم. ويمكن للمحكمة أيضاً أن تأمر بإخلاء سبيل المدعى عليه في مثل هذه الظروف.
[38] المرجع السابق، مادة 102 (1) (أ).
[39] المرجع السابق. مادة 73. ويجوز تفتيش الأشخاص أو المساكن الخاصة بدون أمر إذا كان المسؤول المختص قد شهد على الجريمة. المرجع السابق مادة 79.
[40] يتولى التحقيق الابتدائي قضاة التحقيق وكذلك المحققون تحت اشراف قضاة التحقيق، المرجع السابق، مادة 51 (أ).
[41] المرجع السابق، مادة 43 و52 (ب).
[42] المرجع السابق، مادة 58.
[43] المرجع السابق، مادة 130 (ب). وإلا يصدر القاضي قراراً بالإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة.
[44] انظر المرجع السابق، مادة 133.
[45] المرجع السابق، مادة 187.
[46] المرجع السابق، مادة 127. "ويعتبر من الوسائل غير المشروعة اساءة المعاملة والتهديد بالايذاءوالاغراء والوعد والوعيد والتاثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكراتوالعقاقير".
[47] قانون العقوبات العراقي، مادة 25 و26.
[48] قانون العقوبات العراقي، مادة 333. التعذيب يشمل استخدام القوة والتهديد باستخدامها.
[49] قانون أصول المحاكمات الجزائية، مادة 136 (ب).
[50] المرجع السابق.
[51] مذكرة سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 3 (مراجعة)، CPA/MEM/27 June 2004/03, 27 يونيو/حزيران 2004.
[52] الدستور، مادة 130.
[53] انظر: Walter Pincus, "There is Corruption in Iraq," Washington Post, 25 يونيو/حزيران 2007 (مع ملاحظة العودة لاستخدام المادة من قبل رؤساء الوزراء المتعاقبين، إياد علاوي وإبراهيم الجعفري واستمرار استخدامها أثناء حكم رئيس الوزراء نوري المالكي).
[54] قانون تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل، 2007، مادة 1.
[55] الدستور، مادة 73 ومادة 138.
[56] الدستور العراقي، مادة 19(4).
[57] مذكرة سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 3 (مراجعة)، CPA/MEM/27 June 2004/03 27 يونيو/حزيران 2004.
[58] بالإضافة إلى الدستور العراقي، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ينص على حق المتهم في الدفاع، أثناء تحديد الاتهامات الجنائية بحق المتهم. العهد الدولي، مادة 14 (3)(د).
[59] المرجع السابق، مادة 14 (3)(ب).
[60] قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، مادة 47 (2).
[61] المرجع السابق.
[62] المرجع السابق.
[63] المرجع السابق، مادة 213 (ب).
[64] المرج السابق، مادة 213 (ج). ورد في المادة أن " للمحكمة ان تاخذ بالاقرار وحده اذا ما اطمانت اليه ولم يثبت كذبه بدليل اخر". راجعت مذكرة رقم 3 الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة هذه المادة بحيث أصبحت "للمحكمة أن تأخذ بالإقرار وحده إذا ما اطمأنت إليه".
[65] الدستور، المادة 19 (5) و(6)، والمادة 14 (3)(هـ) " لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظرفي قضيته... أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره، وأن يحصل علىالموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهودالاتهام".
[66] قانون مكافحة الإرهاب، مادة 4(1).
[67] أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 7، CPA/ORD/10 June 2003/7 10 يونيو/حزيران 2003.
[68] أمر بإعادة العمل بعقوبة الإعدام، رقم 3 لسنة 2004. عقوبة الإعدام قائمة منذ فترة طويلة في نظام العدالة الجنائية العراقي. انظر قانون العقوبات العراقي، مادة 85 (1) و86. تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في كل الظروف بسبب طبيعتها القاسية والتي لا يمكن التراجع عنها.
[69] انظر اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، مفتوحة للتوقيع في 23 مايو/أيار 1969، 115 U.N.T.S. 331, http://untreaty.un.org/ilc/texts/instruments/english/conventions/1_1_1969.pdf (تمت الزيارة في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2008)، الجزء 3 (لا تفسح الاتفاقات الدولية بتغيير الحكومات).
[70] صدق العراق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 25 يناير/كانون الثاني 1971.
[71] العهد الدولي، مادة 9(3).
[72] انظر على سبيل المثال: Manfred Nowak, U.N. Covenant on Civil and Political Rights: CCPR Commentary (Kehl: NP Engel, 2nd ed., 2005) صفحات 157 و158.
[73] العهد الدولي، مادة 10(1).
[74] المرجع السابق، مادة 7.
[75] اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب)، أقرت في 10 ديسمبر/كانون الأول 1984، G.A. res. 39/46, annex, 39 U.N. GAOR Supp. (No. 51) at 197, U.N. Doc. A/39/51 (1984), دخلت حيز النفاذ في 26 يونيو/حزيران 1987. وافق المجلس الرئاسي العراقي في 17 أغسطس/آب 2008 على قرار برلماني بالتصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب. انظر: http://www.iraqipresidency.net/news_detial.php?language=arabic&id=6067&type=news (تمت الزيارة في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2008).
[76] انظر على سبيل المثال، اتفاقية حقوق الطفل، مادة 37 (أ).
[77] اتفاقية مناهضة التعذيب، مادة 15. الاستثناء الوحيد هو إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال.
[78] العهد الدولي، مادة 14 (3)(هـ).
[79] لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 32، مادة 14: الحق في المساواة أمام المحاكم وفي المحاكمة العادلة، U.N. Doc. CCPR/C/GC/32 (2007)
[80] العهد الدولي، مادة 14 (3)(ب).
[81] المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين ورد فيها: " توفر لجميع المقبوض عليهم أو المحتجزين أو المسجونين فرص وأوقاتوتسهيلات تكفى لأن يزورهم محام ويتحدثوا معه ويستشيروه، دونما إبطاء ولاتدخل ولا مراقبة، وبسرية كاملة. ويجوز أن تتم هذه الاستشارات تحت نظرالموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، ولكن ليس تحت سمعهم". المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، أقره المؤتمر العام الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، هافانا، 27 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول 1990، , U.N. Doc. A/CONF.144/28/Rev.1 at 118 (1990) المبدأ رقم 8
[82] العهد الدولي، مادة 2(3)(أ) (تتعهد كلدولةطرف في هذا العهد... بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخصانتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عنأشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية).
[83] لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31، بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المترتب على الدول الأطراف في العهد، U.N. Doc. CCPR/C/21/Rev.1/Add.13 (2004) فقرة 17، (مظاهر عرقلة تحديد المسؤولية القانونية... يجب إزالتها).
[84] قانون رعاية الأحداث العراقي، مادة 3 (2)، 24-26, 52, , 73(3), 76
[85] المرجع السابق، مادة 10. المادة 52 (3) ينص على أنه في حالة عدم توافر أماكن احتجاز للأحداث، تتخذ تدابير لمنع اختلاط الحدث مع الموقوفين من بالغي سن الرشد.
[86] المرجع السابق، مادة 48.
[87] المرجع السابق، مادة 49 (1).
[88] المرجع السابق، مادة 51(1).
[89] المرجع السابق، مادة 4.
[90] المرجع السابق.
[91] اتفاقية حقوق الطفل، أقرت في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، G.A. Res. 44/25, U.N. Doc. A/RES/44/25 (دخلت حيز النفاذ في 2 سبتمبر/أيلول 1990)، مادة 37 (ب).
[92] اتفاقية حقوق الطفل، صدق عليها العراق في 15 يونيو/حزيران 1994، مادة 37 (ج)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مادة 10 (ب). الأخير يضع استثناءً محدوداً في الحالات التي لا يكون فيها هذا الفصل في "المصلحة الفضلى" للحدث.
[93] لجنة حقوق الطفل، 9 فبراير/شباط 2007، U.N. Doc. CRC/C/GC/10 فقرة 23.
[94] المرجع السابق.
Delicious
Digg
StumbleUpon
Reddit
Ma.gnolia
Facebook
Google
Yahoo
Technorati