June 24, 2009

I . ملخص

تُعد المحكمة الجنائية المركزية العراقية المؤسسة الأساسية في نظام العدالة الجنائية في العراق. إلا أنها مؤسسة مشوبة بأوجه قصور جسيمة تحول دون وفاء مجريات العمل فيها بالمعايير الدولية لإجراءات التقاضي السليمة والمحاكمة العادلة. وعادة ما يعاني المدعى عليهم من فترات مطولة من الاحتجاز على ذمة المحاكمة دون مراجعة قضائية لأوضاعهم، ولا يتمكنون من الاستعانة بدفاع فعال أو الطعن في أدلة الثبوت بحقهم. ويبدو أن الإساءات أثناء الاحتجازمنتشرة، وعادة ما تكون بهدف انتزاع الاعترافات، مما يسفر عن إلحاق القصور بمجريات المحاكمة في هذه القضايا.

ومما يفاقم من جسامة أوجه قصور المحكمة، السياق المرتبط بها. فالمحكمة الجنائية المركزية العراقية، التي شكلتها سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة عام 2003، تتحكم في موارد أكبر وسلطات أوسع من أي مؤسسة عدالة جنائية أخرى في العراق. وولايتها تشمل المهمة الحرجة المتمثلة في مواكبة النظر في القضايا الجنائية المتعلقة بالأمن في إطار التشريعات العراقية، ومن هذه التشريعات الدستور وقانون العقوبات.

وقرار سلطة الائتلاف المؤقتة المنشئ للمحكمة ورد فيه أهمية "تطوير نظام قضائي في العراق يستحق ثقة واحترام الشعب العراقي". [1] ومع بُعد المحكمة تماماً عن كونها مؤسسة عدالة جنائية نموذجية؛ فقد فشلت أيضاً في توفير الضمانات الأساسية الخاصة بالعدالة والإنصاف؛ مما يقوض من مفهوم نظام العدالة الوطني الذي يخدم سيادة القانون.

وقد راقبت هيومن رايتس ووتش مجريات العمل بالمحكمة وقابلت القضاة ومحاميّ الدفاع والمدعى عليهم وآخرين. وخلصت التحقيقات إلى أن أغلب المدعى عليهم كابدوا الاحتجاز لفترات مطولة على ذمة القضايا دون مراجعة قضائية لأوضاعهم، وأنهم أوكلوا إلى دفاع غير فعال، واعتمدت المحكمة كثيراً على شهادات من مخبرين سريين واعترافات يُرجح أنها انتُزعت بالإكراه. وأقر القضاة في حالات كثيرة بهذه العلل فأغلقوا القضايا، لاسيما تلك التي يوجد فيها مزاعم بالتعذيب، لكن عدد القضايا التي تشمل مثل هذه المزاعم يوحي بإهدار العدالة بشكل متكرر وعلى نحو جسيم. كما راقبت هيومن رايتس ووتش عدداً محدوداً من القضايا المتورط فيها أحداث، وخلصت إلى أن السلطات لم تتحفظ عليهم بمعزل عن المحتجزين البالغين، وأن إتاحة مقابلتهم للمحامين وعقد جلسات محاكمة سريعة لم تكن أفضل حالاً بالنسبة إليهم مقارنة بالبالغين.

كما لعبت المشكلات المؤسسية – وترجع جزئياً إلى التشرذم السياسي وعدم الكفاءة في عمل المؤسسات العراقية – دوراً في تقويض مجريات العمل في المحكمة الجنائية المركزية العراقية. وقد وافق البرلمان العراقي على قانون العفو العام الصادر في فبراير/شباط 2008، جزئياً لتقليل عدد المحتجزين وتخفيف العبء عن نظام العدالة. والأشخاص المتهمين بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغير ذلك من الجرائم التي تم ارتكابها بين يوليو/تموز 1968 ومايو/أيار 2003 كما هو وارد في نظام المحكمة الجنائية المركزية العراقية، لن يستحقوا العفو المذكور. والعفو حسب ما صدر يفيد الأشخاص المحتجزين لأكثر من ستة أشهر دون جلسة تحقيق، أو لأكثر من عام دون الإحالة إلى محكمة. إلا أن تنفيذ القانون تأخر كثيراً. وقد فرض العدد الكبير للأشخاص المحتجزين في مراكز الاحتجاز ضغوطاً هائلة على المحكمة الجنائية المركزية، التي ينظر فيها عشرات القضاة في آلاف القضايا شهرياً، مع المزيد من التأخير في المراجعة القضائية للمحتجزين.

ومن بواعث القلق ذات الصلة مشكلة إفلات المسؤولين عن التعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة السيئة بحق المحتجزين، من العقاب. ولم يوافق مجلس الرئاسة – الذي يتعين أن يوافق على كل التشريعات الصادرة عن مجلس النواب قبل أن تأخذ صفة القوانين – لم يوافق في أواخر 2007 على إجراء من شأنه إحداث نقلة في القانون الحالي والسماح بمقاضاة المسؤولين العراقيين الذين تورطوا في الإساءة للمحتجزين.

وتعكس أوجه القصور الأخرى حقيقة أن نظام العدالة العراقي، والمحكمة الجنائية المركزية بالتبعية، لا يتمتع بالاختصاص القضائي على الأشخاص الذين تم احتجازهم من قبل القوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة في العراق. وتحيل القوة متعددة الجنسيات عدداً قليلاً من الأشخاص الذين تحتجزهم إلى المحكمة الجنائية المركزية لمقاضاتهم، وفي تلك القضايا تبين ما للقوة متعددة الجنسيات من نفوذ واسع على مجريات التقاضي، بما أنها توفر الحماية الأمنية للمحكمة وتلعب دوراً استشارياً غالباً، برغم أن هذا التأثير أقل بروزاً عن مثيله لدى بدء المحكمة العمل. وقد أدى على الأخص رفض المسؤولين الأميركيين العسكريين المنخرطين في أعمال الاحتجاز تنفيذ مئات من القرارات الصادرة عن المحكمة بإخلاء سبيل محتجزين في عهدة احتجاز الجيش الأميركي، إلى المزيد من التقويض لاحترام نظام العدالة العراقي. (ولا يتناول هذا التقرير أوضاع المحتجزين في عهدة الجيش الأميركي بصفة المحتجزين الأمنيين، باستثناء ما يرد في سياق إحالتهم إلى المحكمة الجنائية المركزية من أجل ملاحقتهم قضائياً).

والهيكل التنظيمي الحالي الذي يفرض قيوداً على اختصاص المحكمة القضائي وعلى استقلالها وقدرتها على العمل يجب ألا يشتت الانتباه عن التزام السلطات القضائية العراقية بالوفاء بالمعايير الأساسية للعدالة في مجريات المحكمة. وهذه المعايير مطلوبة بموجب القانون الدولي والقوانين  العراقية.

ويعتمد مستقبل العراق كمجتمع يعول على سيادة القانون واحترام الحقوق الأساسية، وإلى حد كبير، على إرساء نظام عدالة جنائية وطني عراقي مستديم، يجسد معايير العدالة الدولية. وهذه الفكرة تكمن في صميم كل مشروعات المصالحة الوطنية. والعدالة، لدى توفيرها بلا تفرقة لكل العراقيين وعلى أيدي العراقيين، ستكون علامة فارقة على انتهاء الإساءات التي وقعت في عهد صدام حسين. ومن المؤسف أن بعض أوجه القصورفي مجريات عمل المحكمة تُظهر استمرارية باعثة على القلق لمجريات الأمور في تلك الفترة. فالثقافة القانونية التي لم تقبل مفاهيم مثل الحق في دفاع موثوق عن المدعى عليهم أو تفي بالمعايير الأساسية لإجراءات التقاضي السليمة؛ تربط حاضر العدالة الجنائية بماضي من القمع، والصلة بين ذلك الماضي وهذا الحاضر هي الممارسة المتعسفة للسلطة.

[1] انظر: CPA/ORD/11 July 2003/13 بتعديلاته.