VII . الالتفاف حول أصول المحاكمات الجزائية
الاستخدام الأكثر شيوعاً للاحتجاز الإداري على يد المحافظين والشرطة الغرض منه الالتفاف حول أصول المحاكمات الجزائية العادية. فالمحافظون يلجأون إلى الاحتجاز دون إشراف قضائي بدلاً من عرض المشتبهين الجنائيين على الادعاء خلال 24 ساعة لتوجيه اتهامات رسمية إليهم، حسب ما يتطلب القانون الأردني. [66] وفي حالات أخرى قام المحافظون باحتجاز الأشخاص إدارياً رغم وجود حُكم قضائي يضمن الكفالة للمدعى عليه. وفي مناسبات قليلة، احتجز المحافظون إدارياً الأشخاص لمدة تتجاوز مدد عقوباتهم الجزائية بالحبس.
وهذه الاستخدامات للاحتجاز الإداري من أجل الالتفاف حول أصول المحاكمات الجزائية تُفرغ ضمانات الحماية من الاعتقال والاحتجاز التعسفي من مضمونها، وتقوض بالأساس من سيادة القانون. ويضع المحافظون أنفسهم فوق القانون حين لا يقومون بالوفاء بأحكام القضاة الخاصة بالكفالة أو باحترام مدد الأحكام الجزائية الصادرة عن القضاة.
وتلقت هيومن رايتس ووتش مزاعم بالاحتجاز الإداري في خرق لأحكام أصول المحاكمات الجزائية، في حالة 13 محتجزاً تحدثت إليهم بالتفصيل. بالإضافة إلى أنه في أحد العنابر الخاصة بالمحتجزين الإداريين في سجن قفقفا، قال 20 من 24 محتجزاً قابلتهم هيومن رايتس ووتش لفترة موجزة، إنهم تم القبض عليهم بموجب أمر إداري قبل أن تنتهي المحكمة إلى أنهم غير مذنبين، وبعد أن دفعوا الكفالة القضائية، أو بعد انتهاء فترة عقوبتهم بالحبس. [67] ويشير هذا إلى وجود نسبة عالية من سوء استخدام الاحتجاز الإداري، ويستدعي إلى الأذهان مسألة ما إذا كان الأردن في حاجة فعلية إلى الاحتجاز الإداري. وتحسين وزيادة استيعاب خدمة الادعاء والمحاكم هو لمما من شأنه أن يفي باحتياجات العدالة.
قضايا
عنبر محمد، محتجز إداري في سجن الجويدة مشتبه بالقبض عليه مخمواً، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة قبضت عليه ونقلته إلى المحكمة:
ثم جلبوني للمثول أمام قاضي أخرجني إلى بيتي. لكن الشرطة أعادتني إلى النظارة التي أمضيت فيها الليل، ثم نقلوني إلى المحافظة. وتم احتجازي في الطابق العلوي في الزنازين. ثم تم اصطحابي للطابق السفلي إلى رجل شرطة سألني: هل كنت مخموراً؟ ودون أقوالي، وفيها أنكرت أنني كنت مخموراً. ثم أمر باحتجازي إدارياً بموجب كفالة بمبلغ 10 آلاف دينار. وحاولت زوجتي عرض مانة شخصية قبل يومين، ودفعت 35 ديناراً على سبيل الرسوم، لكن المحافظة رفضت. [68]
والقضايا الأكثر شيوعاً الخاصة بالاحتجاز الإداري هي تلك التي يتم فرضها رغم أحكام قضائية بالخروج بكفالة. وفي إحدى القضايا، نقل ضباط الشرطة عبد الحافظ السلايمة من مخفر شرطة إلى آخر رغم أن أحد القضاة حكم له بالخروج بكفالة بعد أن نسب إليه الاتهام باستخدام أوراق عملة مزورة. وخلال ثلاثة أسابيع، من 15 يوليو/تموز إلى 4 أغسطس/آب 2007، قال إنه كان محتجزاً في البداية في نظارة البيادر لمدة تسعة أيام، ثم كل يومين تنقله الشرطة ما بين مخفر شرطة العاصمة ومجموعة من مخافر الشرطة الأخرى: وتم احتجازه في وحدة التحقيق الجنائي، وفي مخفر شرطة شمال عمان، ومخفر شرطة أبو نصير، ومخفر شرطة جنوب عمان، والزرقا، والمفرق، وشرق عمان، ومهاجرون، مع إقامات موجزة في الوحدات وشميساني، مع النقل إلى مخفر شرطة العاصمة من الحين للآخر. وفي 4 أغسطس/آب حسب قوله: "قرر المحافظ في النهاية تحديد كفالة بمبلغ 10 آلاف دينار. وزوجتي وأمي وشقيقي جميعاً تقدموا بمبلغ العشرة آلاف دينار. ويمكنكم الاتصال بزوجتي أم رامي، للتأكد من هذا". ورفض المحافظ الكفالة وأمر بنقل السلايمة إلى سجن السلط. [69]
ورسم محتجزون إداريون آخرون نفس الصورة الخاصة بالشرطة والمحافظين الذين يتجاهلون أحكام القضاء. محمد أبو عيشة من العقبة، قال إنه سلم نفسه إلى الشرطة بعد شجار مع شقيقه في 1 أغسطس/آب 2007. واحتجزته الشرطة لمدة يومين ثم أخذوا أقواله إلى القاضي، الذي أمر ببقاءه رهن الاحتجاز سبعة أيام، وجدد القاضي هذه المدة مرتين. وقبل أربعة أيام من نهاية هذه الفترة، حدد القاضي كفالة لحين الجلسة وأفرج عنه مقابل 100 دينار (140 دولاراً)، ودفع أبو عيشة المبلغ. وقال لـ هيومن رايتس ووتش:
[الشرطة] نقلتني إلى السجن وجمعت متعلقاتي، ثم نقلوني إلى مخفر المدينة في العقبة، وهو نفسه الذي ذهبت إليه من قبل. احتجزوني هناك لمدة يوم، ولا أعرف بناء على أي أوامر. بحلول الساعة الثانية عشر والنصف من مساء اليوم التالي، نقلوني إلى المحافظة. لم أر المحافظ، فقط مساعده عاطف البطوش. الذي قام بإرسالي إلى سجن العقبة. [70]
وما تعرض له محمود موسى في إربد يكاد يكون مماثلاً للمذكور. فقد قبضت عليه الشرطة برفقة اثنين آخرين في 3 أغسطس/آب 2007، جراء التورط في شجار. وفي اليوم التالي قام قاضي المحكمة الابتدائية في إربد بـ "إرسالي إلى البيت"، حسب ما قال موسى لـ هيومن رايتس ووتش، لكن بدلاً من حدوث هذا "تم نقلي إلى مخفر الشرطة، ومن هناك إلى مديرية الأمن، ثم إلى مخفر شمالي، الذي مكثت فيه يوماً". وفي عصر اليوم التالي تم نقله إلى المحافظة، حيث وقع مراسل، وليس المحافظ، على أمر احتجازه "في اليوم نفسه نقلوني إلى سجن قفقفا". [71] وتجربة كل من عيشة وموسى موصوفة بقدر أكبر من التفصيل في الفصل الثامن.
أحمد فريحات، سائق حافلة عامة في عمان على وشك التقاعد، وقال إنه يلاحق بالكاد على إطعام أسرته المكونة من تسعة أفراد. وبعد أن اتهمه أحد الركاب بسرقة حقيبة يد، قبضت عليه الشرطة وأمر القاضي باحتجازه. وحين أخفق المشتكي والشهود في المثول في جلسة المحكمة الثانية، أفرج القاضي عن فريحات شريطة أن يوقع ورقة يذكر فيها أنه إذا لم يمثل أمام المحكمة كلما أمر في المستقبل، فسوف يدفع 100 دينار غرامة. وقال: "بدلاً من هذا، أعادتني الشرطة إلى المحافظة، [ثم] نقلوني إلى سجن الجويدة و... عرفت أن المحافظ احتجزني إدارياً.. وأن كفالتي حُددت بمبلغ عشرة آلاف دينار". [72]
هاشم عطوة وشقيقه الصغير رائد قالا إن ابن عمهما اتهمهما بسرقة 150 ديناراً في يوم كانا في مصر في عمل يخصهما. وأمر القاضي بإخلاء سبيلهما بكفالة، لكن الشرطة أعادتهما إلى مخفر شرطة قويسمة، بالقرب من عمان. وقال هاشم عطوة لـ هيومن رايتس ووتش:
من هناك نقلتنا الشرطة إلى المحافظة، حيث دون أحد المسؤولين أقوالنا، ثم وضعها في نهاية مجموعة أوراق تُشكل ملفنا، وحدد كفالة بمبلغ 10 آلاف دينار. وكل ما يفعلوه لدى القبض أو في المحافظة هو البحث في الكمبيوتر عما إذا كان قد سبق القبض أو الاحتجاز الإداري بحقك. [73]
خالد السيد قال إن القبض عليه كان بسبب تبادل لإطلاق النار بينه وبين الحراس الشخصيين لأمير قطري. نسبت السلطات الأردنية إليه الاتهام في محكمة الجنايات الكبرى في عمان، لكن القاضي أفرج عنه بكفالة. ودفعت أسرته الكفالة وحضرت إلى سجن الموقر، حيث هو محتجز، برسالة تأمر بإخلاء سبيله. وفي ذلك الحين، حسب قول السيد:
نقلتني الشرطة إلى مخفر [شرطة] العاصمة، حيث مكثت ثلاثة أيام دون مكالمات هاتفية. تمت إهانتي هناك. وقد نقلوني إلى محكمة الجنايات الكبرى ثم عادوا بي، ثم إلى مخفر شرطة زهران، ثم عادوا. ثم احتجزني المحافظ إدارياً. [74]
وتصور روايات كل من عزت الهراسين، المحتجز في سجن السلط، ويحيى بني فضل، المحتجز في بيرين، وفراس نور الدين، في بيرين بدوره، ولافي يوسف، في سجن العقبة، وعبد الله الحنيطي، في سواقة؛ تصور جميعاً احتجاز المحافظين للمشتبهين رغم وجود أحكام قضائية قال المحتجزون إنها تأمر بإخلاء سبيلهم. كما أن مثل هذه الحالات مذكورة بقدر أكبر من التفصيل في الفصل الثامن "انتهاكات الحق في إجراءات التقاضي السليمة".
ومثل بعض النساء رهن الحبس الوقائي اللاتي سبق أن أمضين عقوبات جزائية، فإن عبد الكريم محمود قال إنه أمضى خمسة أشهر في الحبس للتورط في شجار، لكن بعد انتهاء الحُكم الصادر بحقه "تم نقلي من سجن الموقر، إلى وحدة التحقيق الجزائي في منطقة الهاشمي الشمالية في عمان، وفي يوم السبت إلى متصرف منطقة مرقة في عمان، وقام سكرتيره باحتجازي، لأنه لا يوجد سواه يوم السبت. وتم احتجازي لمدة 25 يوماً. [75] وبالمثل فإن أحمد حسن من إربد قال لـ هيومن رايتس ووتش: "قبل عشرين يوماً انتهت عقوبتي بالحبس ثلاثة أشهر للتورط في شجار، ثم احتجزني المحافظ، وحدد كفالة بمبلغ 5 آلاف دينار". [76]
وروى وائل أحمد المحتجز إدارياً في سجن سواقة ما حدث له في عام 2006 عندما "صدر قرار عفو وخرج الكثير من النزلاء هنا في سجن سواقة، لكن اليوم التالي، عاد 40 منهم بموجب أوامر احتجاز إدارية". [77]
[66] يتطلب القانون الأردني من الادعاء نسب الاتهام للمشتبه خلال 24 ساعة من القبض عليه، قانون رقم 9 لسنة 1961 (قانون أصول المحاكمات الجزائية) الجريدة الرسمية عدد 1539، 1 يناير/كانون الثاني 1961، صفحة 311، مادة 100 (5)(ب).
[67] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمود موسى، محتجز إداري، سجن قفقفا، 25 أغسطس/آب 2007.
[68] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عنبر محمد، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2007.
[69] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عبد الحافظ السلايمة، محتجز إداري، سجن السلط، 23 أغسطس/آب 2007.
[70] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمد أبو عيشة، محتجز إداري، سجن العقبة، 27 أغسطس/آب 2007.
[71] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محمود موسى، 25 أغسطس/آب 2007.
[72] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أحمد فريحات، محتجز إداري، سجن الجويدة، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2007.
[73] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع هاشم عطوة، محتجز إداري، سجن الجويدة، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2007.
[74] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع خالد السيد، محتجز إداري، سجن الجويدة، 22 أكتوبر/تشرين الأول 2007.
[75] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عبد الكريم محمود، محتجز إداري، سجن قفقفا، 25 أغسطس/آب 2007.
[76] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أحمد حسن، محتجز إداري، سجن قفقفا، 25 أغسطس/آب 2007.
[77] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع وائل أحمد، محتجز إداري، سجن سواقة، 21 أغسطس/آب 2007.






