IX . المعايير الدولية
القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يحظر بشكل صريح جميع أشكال الاحتجاز الإداري، أي الحرمان من الحرية جراء قرار إداري وليس قضائي. والاحتجاز الإداري المشروع في أوضاع غير الطوارئ يمكن أن يشمل الحرمان من الحرية للتعليم الاستعاضي أو لأسباب متعلقة بالصحة النفسية أو للترحيل أو التسليم لدولة أخرى. [134]
وينظم قانون منع الجرائم الأردني الاحتجاز الإداري لفئة من الأسباب مثيرة للجدل كثيراً، وفي بعض الأحيان تتذرع بها الحكومة كتبرير للاحتجاز، وهي الحفاظ على النظام العام (أي الاحتجاز الوقائي). والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحظر بشكل واضح مثل هذا الاحتجاز دون إعلان حالة الطوارئ في الدولة. ورغم أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أقل وضوحاً في هذه النقطة، [135] فإن فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي انتهى إلى أن الاحتجاز الوقائي لفترات مطولة في الولايات المتحدة بحق الأفراد دون اتهام جنائي أو مراجعة جنائية هو احتجاز تعسفي. [136]
والدول التي تستخدم الاحتجاز الوقائي فعلت هذا في واقع الأمر في سياق العنف المُنظم أو الشامل، وعادة بموجب قوانين طوارئ، مثلما حدث في كشمير في الهند، وفي ماليزيا، أو مصر أو سوريا. وبلدان أخرى، مثل كوبا وروسيا وبيلاروسيا وأرمينيا وأوزبكستان تستخدم الاحتجاز الإداري بحق المعارضين السياسيين. وليس هذا هو ما يحدث في الأردن. فالاحتجاز الإداري يتم لأغراض الحفاظ على النظام العام خارج سياق العنف المنظم أو الموسع، ويوجه بالأساس لضحايا الجرائم أو ضد الأشخاص غير المرغوبين اجتماعياً. كما تستخدمه السلطات بحق الأشخاص المُشتبه في انخراطهم في أنشطة إجرامية للالتفاف حول أصول المحاكمات الجزائية واجبة الاتباع. وحالة الطوارئ ليست مُعلنة، كما لا توجد محاولات للتنصل من الالتزام بمبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ولكي يكون الاحتجاز الإداري قانونياً، فيجب أن تفي قراراته بعدة معايير. المادة 9 من العهد الدولي، الذي أصبح قانوناً نافذاً في الأردن بعد 21 عاماً من التصديق عليه، إثر نشره في الجريدة الرسمية الأردنية في يونيو/حزيران 2006، ورد فيه:
لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه . .. لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني. [137]
ويعكس الدستور الأردني القانون الدولي في مادتيه 7 و8، وورد فيهما على التوالي "الحرية الشخصية مصونة" و"لا يجوز أن يوقف أحد أو يُحبس إلا وفق أحكام القانون". [138]
ويستند الاحتجاز الإداري في الأردن إلى إجراءات "بموجب القانون"، أي قانون منع الجرائم لعام 1954، و – من الناحية النظرية – يمكن للمحتجزين الإداريين الطعن في قانونية احتجازهم أمام محكمة العدل العليا. إلا أنه من حيث الممارسة، فإن قدرة المحتجز على الطعن في قانونية احتجازه أمام المحكمة مُحاطة بمعوقات كثيرة تجعلها غير متوّفرة.
وورد في القانون الحالات التي يمكن للمحافظ فيها أن يصدر أوامر بالاحتجاز (أن يمثل "خطراً على الناس" ومن "اعتاد" اللصوصية" ومن "على وشك ارتكاب جريمة"). ومن الصعب اعتبار أي من هذه المبررات ضرورية، إذ يغطي أغلبها نظام العدالة الجنائية، أي يمكن معالجتها عبر المقاضاة العادية، بما في ذلك إجراء الاحتجاز على ذمة المحاكمة لدى الضرورة. وحتى إذا كانت ثمة أسباب خاصة مُبررة للاحتجاز الإداري في أوضاع معينة، فكل قرار فردي يخص إدخال أحد الأشخاص الحبس الإداري يجب أن يكون متناسباً مع ظروف حالته، أي أن يتم تنفيذه كملاذ أخير، وفي حالة الضرورة فقط. [139] وقد ذكر مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في دليل توجيهي للقضاة والادعاء والمحامين "بواعث قلق خاصة" في حالات الاحتجاز الوقائي "نظراً للصعوبة المتأصلة في تعريف المصطلحات [مثل النظام العام] بالوضوح الكافي". [140]
والفقرة الأكثر إشكالية والأكثر تطبيقاً في القانون، والتي تبرر الاحتجاز الإداري في الأردن، هي الفقرة 3 من مادة 3 من قانون منع الجرائم، والتي تسمح للمحافظ بفرض التعهد أو الكفالة المالية والأمر بالاحتجاز إذا لم يتم تقديم كفالة، بحق الأشخاص "كل من كان في حالة تجعل وجوده طليقاً بلا كفالة خطراً على الناس". ولا توجد أحكام قانونية إضافية لتضييق فهم أي أنواع من الخطر هي المقصودة. وهذه المادة مبهمة وفضفاضة بحيث تستدعي التطبيق غير العقلاني والتعسفي لاستخدام الكفالات والاحتجاز.
كما تدعو بعض أجزاء القانون الأخرى إلى التطبيق المتعسف للاحتجاز. وسلطة المحافظ في تحديد الكفالات المالية والشخصية بدورها، وأن يرفض الأشخاص الذين يتقدمون بدور الكفلاء، يحل المحافظ من أي اعتبارات تخص المتطلبات القانونية الخاصة بالتناسب، وتجعل قراراته عرضة للممارسة المتعسفة غير المتسقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وحين تحتجز السلطات المحتجزين لفترات غير محددة، فإن هذا الاحتجاز يُعد متعسفاً، حتى لو كان التوقيف متفقاً مع المعايير القانونية المُطبقة. كما يُعتبر المحتجز الذي أنهى حكمه القضائي لكن ظل محتجزاً، يعتبر عرضة للاحتجاز التعسفي. [141] وحين تحتجز الحكومة الأردنية الأشخاص الذين لم تنسب إليهم الاتهام أو أدانتهم، أو من انتهت محكومياتهم، فهي تنتهك حق هؤلاء الأشخاص في الحرية.
وبصفة عامة، فإن الاحتجاز الإداري لا يشمل الأفعال التي تدخل ضمن القانون الجنائي المتبع، الذي يكفل للمتهمين الإجراءات القانونية السليمة الغائبة عن قانون الاحتجاز الإداري الأردني. وقانون منع الجرائم الأردني يشمل في أحكامه الاحتجاز الإداري جراء أعمال إجرامية مثل "اللصوصية وإيواء اللصوص والمساعدة على إخفاء الأموال المسروقة أو التصرف فيها"). وفي الوقت نفسه، فإنه يفرض الاحتجاز والعقوبات الجنائية جراء أعمال غير جنائية، مثل عدم تقديم الكفالة أو خرق القيود المفروضة على التنقلات. ويوضح القانون تمام الوضوح هذا باستخدام مصطلحات مثل "العقاب" و"الحبس" بحق من يخرقون هذه الأحكام. [142]
وعنوان القانون – منع الجرائم – يفترض مسبقاً الطبيعة الإجرامية للأعمال الموجبة للاحتجاز الإداري. وقال لـ هيومن رايتس ووتش مسؤول سابق رفيع المستوى، خدم في منصب المحافظ في أربع مناطق على الأقل وفي مناصب أخرى بوزارة الداخلية: "للتعامل مع الجريمة يجب ردعها لبث الخوف من ارتكابها". [143]
وقال سعد الوادي المناصر، محافظ العاصمة، لـ هيومن رايتس ووتش، إن قانون منع الجرائم ضروري "لأننا بحاجة للقدرة على توقيف واحتجاز الأشخاص كي تجري الشرطة تحقيقاتها". [144] وأوضح نائب محافظ الزرقا، عادل العزام، منطق الحكومة في استخدام قانون مكافحة الجرائم للالتفاف حول أصول المحاكمات الجزائية:
يُستخدم الاحتجاز الإداري بحق الأشخاص من ذوي السجل الجنائي في أعمال كالسرقة والمخدرات والشجار أو حمل السكاكين. ونستخدم قانون منع الجرائم لتوقيف الأشخاص المقبوض عليهم في جريمة لكنهم خرجوا بعد مرور 24 ساعة وقبل تحديد موعد المحاكمة، أو في الحالات التي قد يتبين فيها أن المجرم غير مذنب. وأحياناً نسجن الأشخاص قبل تقديمهم لكفالتهم العدلية. نحن في هذه الحالة نعرف أن الشخص خطير لكن لا يمكننا [بخلاف ذلك] وضعه في الحبس. ونحتجز الشخص إدارياً طيلة الفترة التي نراها ضرورية. [145]
ووافقه أحمد عثمان، محامي الدفاع، وأضاف موضحاً:
إذا أوقف المحافظ الشخص، فيجب أن يذهب إلى المحكمة خلال أسبوع. وبناء على ما هو متهم به، إذا كانت الجريمة شراء أغراض مسروقة على سبيل المثال، فهي تتبع اختصاص محكمة الصلح. وإذا كانت سرقة، بناء على كونها جنحة أم جريمة، فإن محكمة الصلح أو الجنايات هي التي تتولاها، أو إذا كان هناك اتفاق جنائي على زعزعة أمن الدولة، فتذهب القضية إلى محكمة أمن الدولة. [146]
وعنوان ومحتوى القانون، وهذه التفسيرات التي قدمها مسؤولون ومحامون، تجعل من الواضح تمام الوضوح أن السلطات الأردنية تُطبق عمداً الاحتجاز الإداري في أمور جنائية للالتفاف حول المتطلبات القانونية، بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، ولتفادي تدقيق نظام العدالة الكفؤ والمستقل في أسباب الاحتجاز.
[134] الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لا تسمح بالاحتجاز الإداري إلا في حالة وجود أسباب تعليمية أو بحق من يمثلون خطراً على الصحة العامة أو للترحيل. الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، 213، U.N.T.S. 222, دخلت حيز النفاذ في 3 سبتمبر/أيلول 1953، بتعديل من بروتوكولات رقم 3 و5 و8 و11، ودخلت حيز النفاذ في 21 سبتمبر/أيلول 1970، و20 ديسمبر/كانون الأول 1971، و1 يناير/كانون الثاني 1990، و1 نوفمبر/تشرين الثاني 1998، على التوالي، مادة 5.
[135] على العكس من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لا يعرض العهد الدولي قائمة شاملة بالأسس المسموح بها للاحتجاز.
[136] انظر، الرأي القانوني بشأن الحرمان من الحرية لأشخاص محتجزين في خليج غوانتانامو. مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تقرير الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، E/CN.4/2003/8 16 ديسمبر/كانون الأول 2002، الفقرات 61 و64.
[137] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مادة 9.
[138] دستور المملكة الأردنية الهاشمية، 1 يناير/كانون الثاني 1952، مادة 7 و8
[139] انظر: Manfred Nowak, U.N. Covenant on Civil and Political Rights. CCPR Commentary (Kehl/Strasbourg/Arlington: N.P.Engel, 2005) صفحة 225.
[140] انظر: United Nations Office of the High Commissioner for Human Rights, Human Rights in the Administration of Justice: A Manual on Human Rights for Judges, Prosecutors and lawyers (New York and Geneva: United Nations, 2003) صفحة 180.
[141] الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، صحيفة حقائق رقم 26، على: http://www.ohchr.org/english/about/publications/docs/fs26.htm (تمت الزيارة في 26 مارس/آذار 2006).
[142] قانون منع الجرائم، مواد 9 و11 و14.
[143] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع محافظ سابق، 24 يناير/كانون الثاني 2009.
[144] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع د. سعد الوادي المناصر، 21 سبتمبر/أيلول 2005.
[145] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عادل العظم، نائب محافظ الزرقا، 19 سبتمبر/أيلول 2005.
[146] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع أحمد عثمان، 22 أبريل/نيسان 2006.






