V . تصريحات إسرائيل المتغيرة بشأن الفسفور الأبيض
منذ تغطية وسائل الإعلام لأول مرة استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض في غزة، في اليوم العاشر للعمليات العسكرية، راحت مواقف الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي المُعلنة تتغير إزاء الموضوع، بدءاً من الإنكار التام، إلى تبرير الاستخدام، ثم إعلان فتح التحقيق الداخلي.
وكتبت صحيفة "التايمز" اللندنية لأول مرة عن استخدام الفسفور الأبيض في 5 يناير/كانون الثاني. وفي اليوم التالي، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي اتصلت به هيومن رايتس ووتش، في بادئ الأمر، إن الجيش الإسرائيلي كان يستخدم الفسفور الأبيض لتحديد مواقع الأهداف، ثم أنكر أن الفسفور الأبيض قد تم استخدامه.[65] وزعم أن وسائل الإعلام ذكرت بالخطأ أن القذيفة المستخدمة لتعليم الأهداف هي قذيفة فسفور أبيض. واستمر الإنكار والنفي لوسائل الإعلام. وفي 7 يناير/كانون الثاني قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لشبكة سي إن إن: "يمكنني أن أخبرك عن يقين بأن الفسفور الأبيض لا يُستخدم على الإطلاق".[66]
وسرعان ما عارض المراسلون من داخل غزة وإسرائيل ما ورد من مزاعم الجيش الإسرائيلي. ففي 8 يناير/كانون الثاني، نشرت التايمز صوراً لذخائر الفسفور الأبيض وهي مصفوفة إلى جوار منصات مدفعية الجيش الإسرائيلي خارج قطاع غزة.[67] وبناء على هذه الصور، تعرفت هيومن رايتس ووتش على قذائف مدفعية فسفور أبيض طراز إم 825 أيه 1. وفي 9 و10 يناير/كانون الثاني 2009، لاحظ باحثو هيومن رايتس ووتش من خط الهدنة بين إسرائيل وغزة جنوب سديروت عدة قذائف فسفور أبيض تنفجر جواً فوق ما يبدو أنه مدينة غزة أو منطقة جباليا. وفي 10 يناير/كانون الثاني، أصدرت هيومن رايتس ووتش بياناً صحفياً تدعو فيه إسرائيل إلى "وقف استخدام الفسفور الأبيض في العمليات العسكرية في المناطق كثيفة السكان في غزة".[68]
ومما زاد من عدم مصداقية مزاعم الجيش الإسرائيلي ونفيه لاستخدام الفسفور الأبيض، الصور الإعلامية التي تظهر فيها قذائف الفسفور الأبيض وهي تنفجر في الجو. لكن في 13 يناير/كانون الثاني، قال أركان الحرب الجنرال غابي أشكينازي للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست: "لا يعمل الجيش الإسرائيلي إلا بما يتفق مع المسموح به في القانون الدولي ولا يستخدم الفسفور الأبيض".[69] إلا أنه في اليوم نفسه بدأ مسؤولون آخرون في الجيش الإسرائيلي يتراجعون عن موقفهم، إذ كفوا عن إنكار استخدام الفسفور الأبيض، وزعموا أن الجيش "يستخدم الأسلحة بما ينسجم مع القانون الدولي".[70]
أيضاً في 13 يناير/كانون الثاني، اقتبست أسوشيتد برس بيتر هربي، رئيس وحدة الأسلحة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو يقول إن استخدام الفسفور الأبيض لعمل سحابة دخانية أو للتعليم على هدف ليس أمراً محظوراً في القانون الدولي، وإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر "لا دليل لديها يوحي بأنه قد تم استخدامه بأية طريقة".[71] وفي 15 يناير/كانون الثاني، بعد يومين، وإثر تقارير إخبارية عن إصابة الجيش الإسرائيلي لمجمع الأونروا في مدينة غزة بقذائف الفسفور الابيض، استخدم المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، مارك ريغيف، تصريح اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتبرير هجوم الجيش الإسرائيلي، وقال لشبكة سي إن إن: "أحيلكم إلى تصريح صدر بالأمس عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر. فبعد النظر في الموضوع [استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض]، لم يتم اكتشاف وقوع أي خطأ من جانب إسرائيل".[72]
إلا أنه في 17 يناير/كانون الثاني، خالف الصليب الأحمر هذا التفسير لموقفه، إذ قالت اللجنة: "لم نعلق علناً على مشروعية الاستخدام الحالي للأسلحة الفسفورية التي تستخدمها إسرائيل، على عكس ما يُنسب إلينا في التقارير الإعلامية الأخيرة"، حسب ما قال هربي في تصريح رسمي.[73] إلا أن الحكومة الإسرائيلية استمرت في ذكر موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالخطأ في تبريرها – إسرائيل – استخدام الفسفور الأبيض.[74]
ورداً على أسئلة وسائل الإعلام، زادت اللجنة الدولية من توضيح موقفها، إذ قال بيتر هربي لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور في مطلع فبراير/شباط: "حقيقة أن القانون الإنساني الدولي لا يحظر تحديداً الأسلحة الفسفورية لا يعني أن أي استخدام لأسلحة تحوي هذه المادة يُعد قانونياً. إن مشروعية كل استخدام في كل واقعة يجب النظر فيها على ضوء كافة القواعد الأساسية التي ذكرتها. وربما تكون قانونية أو لا، بناء على مجموعة من العوامل".[75]
وطبقاً للصحف، فقد قال هربي أيضاً: "إن استخدام أسلحة الفسفور الأبيض ضد أي هدف عسكري يقع في منطقة تركز لمدنيين هو أمر محظور ما لم يكن الهدف العسكري منفصل بوضوح عن المدنيين. واستخدام الأسلحة المحرقة المحمولة جواً ضد الأهداف العسكرية في مكان فيه كثافة مدنية هو ببساطة أمر محظور. وهذا الحظر وارد في البروتوكول الثالث الخاص بالاتفاقية الخاصة ببعض الأسلحة التقليدية".
وفي مواجهة الانتقاد الجاري بشأن استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض، ففي 19 يناير/كانون الثاني أعلن رئيس الأركان أشكينازي أنه طلب من المحامي العام للجيش التحقيق في مزاعم استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض في غزة. وورد في بيان للجيش: "رداً على مزاعم المنظمات غير الحكومية ومزاعم الصحافة الأجنبية إزاء استخدام الأسلحة الفسفورية، ومن أجل إزالة أي التباس، فقد تم تشكيل فريق للتحقيق من القيادة الجنوبية للنظر في الموضوع".[76] وطبقاً لصحيفة هاآرتس، فإن الجيش قام بتعيين ضابط المدفعية الكولونيل شاي آلكالاي، للتحقيق مع فرقة جنود احتياطيين ربما أطلقت الفسفور الأبيض على مناطق فيها سكان في بيت لاهيا. وقد أطلقت الفرقة نحو 20 قذيفة على منطقة كثيفة السكان في شمال غزة، حسب ما ذكرت الصحيفة.[77]
وفي 23 يناير/كانون الثاني، اقتبست صحيفة تايمز يغال بالمور، متحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، وهو يقول: "نعم، تم استخدام الفسفور الأبيض لكن ليس بشكل غير قانوني. بعض الممارسات يمكن أن تكون غير قانونية لكننا سننظر في هذا. إن الجيش الإسرائيلي يجري تحقيقاً بشأن واقعة محددة".[78] وقال مسؤول بوزارة الدفاع الإسرائيلية لم يتم ذكر اسمه للصحيفة: "قبل شهر على الأقل من استخدامه [الفسفور الأبيض] تمت مشاورة فريق دفاع قانوني بشأن تداعيات الاستخدام".[79]
ورداً على أسئلة مكتوبة بشأن استخدام الفسفور الابيض في غزة، أرسلتها هيومن رايتس ووتش؛ قال الجيش الإسرائيلي في 15 فبراير/شباط إنه "شكل فريق للتحقيق من القيادة الجنوبية للنظر في الموضوعات التي أثرتموها، وسوف يكون ردنا مستنداً إلى نتائج التحقيق".
[65] مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، 6 يناير/كانون الثاني 2009.
[66] انظر: CNN, "Group Accuses Israel of Firing White Phosphorus into Gaza," January 12, 2009, http://edition.cnn.com/2009/WORLD/meast/01/12/white.phosphorus/index.html (تمت الزيارة في 28 يناير/كانون الثاني 2009).
[67] انظر: Michael Evans and Sheera Frenkel, "Victims' Strange Burns Increase Concern Over Phosphorus Shells," The Times, January 8, 2009, http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/middle_east/article5470047.ece (تمت الزيارة في 2 مارس/آذار 2009).
[68] إسرائيل: ينبغي الكف عن استخدام الفسفور الأبيض في غزة، بيان صحفي بتاريخ 10 يناير/كانون الثاني 2009، على: http://www.hrw.org/en/news/2009/01/12-0
[69] Robert Marquand and Nicholas Blanford, "Gaza: Israel Under Fire for Alleged White Phosphorus Use," Christian Science Monitor,14 يناير/كانون الثاني 2009.
[70] Bradley S. Klapper, "Red Cross Says Israel Firing White Phosphorus in Gaza, But No Evidence of Improper Use," Associated Press 13 يناير/كانون الثاني 2009.
[71] المرجع السابق
[72] يمكن الاطلاع على مقابلة شبكة سي إن إن مع ريغيف على: http://www.youtube.com/watch?v=9KXlv-FGDa4 (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2009). وإحالته لتصريح اللجنة الدولية للصليب الأحمر واردة أيضاً لمدة دقيقتين في المقابلة.
[73] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "الأسلحة الفسفورية: رأي اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، 17 يناير/كانون الثاني 2009، على: http://www.icrc.org/Web/Eng/siteeng0.nsf/html/weapons-interview-170109 (تمت الزيارة في 28 يناير/كانون الثاني 2009).
[74] انظر: "FAQ - Answers and Questions on the Operation in Gaza," موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، على: http://www.mfa.gov.il/MFA/Terrorism-+Obstacle+to+Peace/Hamas+war+against+Israel/FAQ_Operation_Gaza_Jan_2009.htm (تمت الزيارة في 29 يناير/كانون الثاني 2009).
[75] Ilene R. Prusher, "After the War, Gazans Seek Answers on White Phosphorus," Christian Science Monitor, February 5, http://www.csmonitor.com/2009/0205/p04s01-wogn.html, (تمت الزيارة في 24 فبراير/شباط 2009).
[76] Luke Baker, "Amnesty Accuses Israel of Crimes Over White Phosphorus," Reuters, 18 يناير/,كانون الثاني 2009.
[77] Amos Harel, "IDF Probes Improper Use of Phosphorus Shells in Gaza Strip," Haaretz, January 21, 2009, http://haaretz.com/hasen/spages/1057361.html, (تمت الزيارة في 6 مارس/آذار 2009). وطبقاً لمصادر بالجيش الإسرائيلي تم اقتباسها في المقال، فإلى جانب هذا الاستخدام، استخدم الجيش الإسرائيلي الفسفور الأبيض بشكل مقتصد وبما يتفق مع القانون الدولي.
[78] James Hider and Sheera Frenkel, "Israel Admits Using White Phosphorus in Attacks on Gaza," The Times, January 24, 2009, http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/middle_east/article5575070.ece تمت الزيارة في 24 فبراير/شباط 2009.
[79] المرجع السابق.






