March 25, 2009

III . ما هو الفسفور الأبيض؟

الفسفور الأبيض هو مادة كيماوية تشتعل وتحترق لدى اتصالها بالأوكسجين، وتولد دخاناً أبيض كثيفاً يدوم لمدة سبع دقائق، وله رائحة مميزة تشبه رائحة الثوم.

ويستخدم العسكريون ذخائر الفسفور الأبيض بالأساس بصفته "مادة تمويه" لتغطية التحركات الخاصة بالعمليات البرية، من قوات ومدرعات ومركبات. ويمكن أيضاً استخدامه كسلاح حارق لإحراق أو "إخراج العدو بالنار" من مكمنه، أو لإشعال النار في الأهداف العسكرية. ويمكن استخدام الفسفور الأبيض في قذائف المدفعية أو القنابل أو الصواريخ أو القنابل اليدوية.

وليس الفسفور الأبيض محظوراً بموجب معاهدة دولية، مثل غاز الخردل أو الألغام المضادة للأفراد. ولا يُعتبر سلاحاً كيماوياً، لكنه من الذخائر المحرقة، إذ أنه يتسبب في اشتعال الحرائق.

وحين يتم استخدامه بحيث يشتعل في الجو، يمكن أن تسقط 116 شظية مغلفة بالفسفور من القذيفة المدفعية 155 ملم العادية، وتنتشر الشظايا المذكورة على مساحة تصل إلى 250 متراً (قطر الدائرة). وإجمالاً فإن القذيفة المتفجرة جواً تُطلق ما هو مجموعه 12.74 رطلاً (5.7 كيلوغرام) من الفسفور الأبيض المحترق.

وحين يلامس الفسفور الأبيض الأشخاص أو الأشياء، فهو يؤدي إلى حروق كثيفة ودائمة الأثر، ويبعث بحرارة مرتفعة ويمتص السوائل. وهو قابل للذوبان في المواد العضوية والدهون لكن ليس في الماء، التي تعادل أثره بأن تقطع عنه إمداد الأوكسجين.

وبالإضافة إلى التسبب في حروق جسيمة، فإن الفسفور الأبيض يمكنه أيضاً اختراق الأجساد وإصابة الأعضاء الداخلية بالتسمم. وطبقاً لتقرير تم تحضيره أثناء القتال الأخير من قبل مكتب المسؤول الطبي بالجيش الإسرائيلي فإن "من نتائج الفسفور الأبيض طويلة الأمد الفشل الكلوي والإصابة في الكلى". وانتهى التقرير إلى أن "الجرح الذي تتسبب فيه متفجرات تحوي الفسفور مدمر للغاية للأنسجة العضوية".[2]

وصدر تقرير من وزارة الصحة الإسرائيلية وهو بدوره يجري تقييماً مروعاً للمخاطر الطبية للفسفور الأبيض. والتقرير بعنوان "التعرض للفسفور الأبيض" ورد فيه أن "الفسفور الأبيض قد يسبب إصابات جسيمة والوفاة حين يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه أو ابتلاعه". وورد أيضاً: "بسبب كونه قابل للذوبان للغاية في الدهون، فسرعان ما يخترق الجلد من السطح أو من الشظية المغروسة في الجلد. وأغلب الدمار اللاحق بالأنسجة سببه الحرارة المصاحبة لاستمرار تأكسد الفسفور ومن تأكسد حمض الفسفوريك" كما ورد في التقرير أن "التسمم النظامي" يمكن أن يؤدي إلى:

بالإضافة إلى الآثار المحرقة "المألوفة"، فإن الفسفور الأبيض سام، وله آثار خطيرة تكثف من أثر الإصابات. والكثير من الدراسات المعملية أظهرت أن الحروق التي تغطي نسبة قليلة من الجسد، نحو 12 إلى 15 في المائة من الجسم، في حيوانات التجارب وأقل من 10 في المائة في البشر، يمكن أن تكون قاتلة بسبب آثارها على الكبد والقلب والكليتين. وبالإضافة إلى وجود آثار أخرى منها النقص الحاد في الكالسيوم والتأخر في التئام الجروح والحروق.[3]

استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض

استخدمت القوات الإسرائيلية الفسفور الأبيض في الماضي، ويُلاحظ استخدامه على نحو خاص في حربي 1982 و2006 في لبنان.[4] ويستخدم الجيش الإسرائيلي نظم إطلاق غير مباشرة لقصف ذخائر الفسفور الأبيض، مما يعني أن وحدة الإطلاق لا ترى الهدف، بل تعتمد على أجهزة تحديد مواقع توفر لها معلومات عن النقطة المستهدفة. ولإطلاق الفسفور الأبيض على غزة، استخدم الجيش الإسرائيلي قذائف مدفعية عيار 155 ملم وقذائف هاون عيار 120 ملم. وعثر باحثو هيومن رايتس ووتش على بقايا نوعي القذائف في غزة، بالأساس في المناطق السكنية. واستخدام الفسفور الأبيض المتفجر جواً بواسطة قذائف مدفعية عيار 155 ملم في مناطق مأهولة بالمدنيين، مما أدى إلى وقوع إصابات ودمار، هو بؤرة تركيز هذا التقرير.

وكل قذيفة عيار 155 ملم تحتوي على عبوة خضراء فاتحة اللون عليها حروف "WP CANISTER" وداخلها أربعة خانات معدنية مقسمة. والخانات تضم 116 شظية مغمسة في الفسفور. وحين تنفجر العبوة جواً، تنبعث منها الشظايا، من داخل العبوة الخارجية للقذيفة، وتنتشر على مساحة واسعة، مما يخلف القذائف الفارغة على الأرض. وحين تنكشف الشظايا على الأوكسجين فهي تشتعل. وقد عثر باحثو هيومن رايتس ووتش على قذائف فارغة، وعبوات فسفور أبيض غير مشتعلة، وبقايا العبوات الداخلية وشظايا فسفور أبيض من داخل العبوات في مناطق متعددة من قطاع غزة. ورأى الباحثون الشظايا تشتعل حين يتم تحريكها أو كشفها للأوكسجين، لمدة أسبوعين بعد سقوطها.

وجميع قذائف الفسفور الأبيض التي عثرت عليها هيومن رايتس ووتش في غزة من نفس المجموعة، إذ صُنعت جميعاً في الولايات المتحدة، وعليها حروف: THS89D112-003 155MM M825E1 . الحروف: THS89D ترمز إلى كود الجهة المُصنعة، وتعني أن القذائف وما داخلها مصنوع في أبريل/نيسان 1989 في شركة "ثايوكول أيروسبايس"، وهي الشركة التي كانت تدير مصنع ذخائر الجيش الأميركي في لويزيانا في ذلك الحين، والرموز 112-003 تشير إلى الرمز الوسيط ثم الرقم التتابعي على التوالي، مما يشير إلى أن عدة مجموعات من نفس نوع الذخيرة هذا قد صُنعت في وقت واحد. والرمز 155 mm يشير إلى عيار القذيفة. والجزء: M825E1 هو الكود العسكري الأميركي لقذائف عيار إم 825 فيها فسفور أبيض أعيد تصنيعها لتصبح مستوفية لمعيار إم 825 أيه 1، وهو الطراز الحالي.[5]

بالإضافة إلى أن وكالة رويترز للأنباء صورت وحدة المدفعية بالجيش الإسرائيلي بالقرب من غزة، والجنود يستخدمون مقذوفات طراز إم 825 أيه 1، في 4 يناير/كانون الثاني 2009، وعلى هذه المقذوفات الكثير من أرقام: PB-91J011-002A وترمز إلى أن هذه القذائف مصنوعة في الولايات المتحدة، طرف ترسانة باين بلاف للأسلحة بتاريخ سبتمبر/أيلول 1991.

ومن بدائل الفسفور الأبيض كمادة للتمويه، مقذوفات الدخان عيار 155 ملم، التي تُحدث أثراً تمويهياً موازياً دون الآثار المحرقة أو المدمرة.[6] فضلاً عن أن الستار الدخاني المتولد عن القذائف الدخانية يمكن أن ينتشر بيسر على مساحة أكبر من مساحة انتشار الفسفور الأبيض. ولدى الجيش الإسرائيلي قذائف دخانية، وتصنع شركة "الصناعات العسكرية الإسرائيلية – IMI " القذيفة عيار 155 ملم طراز إم 11 6 أيه 1.[7]

وفي بعض الحالات الموثقة في هذا التقرير، يبدو من القرائن أن الجيش الإسرائيلي استخدم الفسفور الأبيض المتفجر جواً لآثاره المحرقة، وربما لتفجير مخابئ أسلحة حماس أو الأجهزة المتفجرة يدوية الصنع.

وقابلت هيومن رايتس ووتش جندي إسرائيلي شارك في عملية الرصاص المصبوب كعامل طبي احتياطي وخدم في غزة لأكثر من عامين قبل فك الاشتباك في عام 2005. وقد أمضى الأيام الأخيرة من العملية في غزة، حسب قوله، بالقرب من زيتون، جنوب شرق مدينة غزة.

وفيما يخص الفسفور الأبيض، فإن الجندي – الذي طلب عدم ذكر اسمه – قال إنه رأى الجيش الإسرائيلي يفجره جواً بزاوية 30 درجة من مدفعية 155 ملم فوق المنازل التي اشتبهوا في أن داخلها كمائن، بناء على معلومات استخباراتية.

وقال: "لا أعرف لماذا الزاوية منخفضة، لكنها مستخدمة بغرض حرق المنزل". وأضاف: "قيل لنا أنه منزل خاو، وكنا نعرف أنه مفخخ بالألغام. وقد انفجر [بعد إصابته بالفسفور الأبيض] ووقعت عدة تفجيرات أخرى [ربما بسبب أسلحة مُخزنة في المنزل]".[8]

وأضاف: "كما رأيت مجندون يستخدمون الفسفور الأبيض في زيتون. وقد تم إطلاقه على ارتفاعات منخفضة للغاية. ولم تصدر تعليمات خاصة بشأنه. لكن ضمن تدريبنا الطبي مررنا بسيناريو حول كيفية التعامل معه".

واستخدام الفسفور الأبيض المتفجر جواً لتدمير البيوت المشتبه في أن داخلها أسلحة أو أنها كمائن هو مسألة تثور حولها تساؤلات كثيرة، حين يكون لدى الجيش الإسرائيلي أسلحة أكثر دقة مصممة لتقليل الأضرار الجانبية، مثل القنبلة طراز جي بي يو – 39، وهي قنبلة موجهة زنة 250 رطلاً (113 كغم).

استخدام حماس المزعوم للفسفور الأبيض

في 14 يناير/كانون الثاني زعمت الشرطة الإسرائيلية أن حماس أطلقت قذيفة هاون واحدة فيها فسفور أبيض من غزة على إسرائيل. وقال المتحدث باسم الشرطة ميكي روزنفيلد إن القذيفة سقطت في حقل قريب من سديروت ذلك الصباح، ولم تسفر عن أية إصابات أو أضرار.[9] وأفادت صحيفة هاآرتس أنها أصابت حقلاً مفتوحاً في منطقة إشكول في غرب النقب.[10]

وذهب باحث لـ هيومن رايتس ووتش إلى سديروت اليوم التالي للزعم بوقوع الانفجار للتحقيق، لكن السلطات المحلية قالت إنها لا علم لها بوقوع هجوم. وقال أحد سكان سديروت إنه سمع بشأن قذيفة هاون، وربما كانت محملة بالفسفور الأبيض، وأنها سقطت في حقل على مشارف البلدة، لكنه لا يعرف أين تحديداً. وحين طُلب من المتحدث باسم الشرطة ميكي روزنفيلد التفاصيل قال لـ هيومن رايتس ووتش: "كل ما لدي وارد في البيان الصحفي".[11]

[2]  "Identification of Explosive White Phosphorus Injury and Its Treatment," توقيع د. غيل هيرشورن، كولونيل ورئيس وحدة الإصابات، مقر القيادة العسكرية الطبية. عملية الرصاص المصبوب، رقم: SH9 01293409

[3] "التعرض للفسفور الأبيض" توقيع د. ليون فولز، مكتب الحرب بوزارة الصحة، 15 يناير/كانون الثاني 2009. بشأن: عملية الرصاص المصبوب، رقم: SH9 01393109

[4] في حرب 2006، قالت إسرائيل إنها استخدمت قذائف فسفورية "ضد أهداف عسكرية في مناطق مفتوحة"، رغم أن القوات اللبنانية زعمت أن الإصابات لحقت بالمدنيين جراء استخدامها، انظر: Meron Rapoport, "Israel Admits to Using Phosphorus Bombs in Recent Lebanon War," Haaretz, October 22, 2006, http://www.haaretz.com/hasen/objects/pages/PrintArticleEn.jhtml?itemNo=777560 (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2009). وفي حرب 1982، قال أطباء لبنانيون ومراسلون غربيون إن قذائف الفسفور الأبيض قتلت وجرحت المدنيين، لا سيما في بيروت. انظر: William E. Farrell, "Battered Beirut Burying Its Dead as Latest Truce Appears to Hold," New York Times, June 27, 1982,  http://query.nytimes.com/gst/fullpage.html?sec=health&res=9C0CE1D7153BF934A15755C0A964948260 (تمت الزيارة في 4 فبراير/شباط 2009)، وانظر: Robert Fisk, Pity the Nation (New York: Atheneum, 1990) صفحات 282 إلى 285.

[5] انظر: Jane's Ammunition Handbook 2007-2008,Leland S. Ness and Anthony g. Williams, eds., (Surrey, UK: Jane's Information Group Limited, 2007) صفحة 44، انظر: http://www.janes.com/extracts/extract/jah/jah_0461.html (تمت الزيارة في 6 مارس/آذار 2009). الطراز إم 825 الأصلي كان فيه مشكلة تخص عدم الاتزان أثناء الطيران، مما استدعى استحداث الطراز أيه 1 الجديد. وإيه 1 تعني القذائف القديمة التي تم تجديدها لتصبح مستوفية لمعايير الطراز أيه 1.

[6] الفائدة الوحيدة اللصيقة بالفسفور الأبيض التي تميزه عن الدخان هي القدرة على مقاطعة الأشعة تحت الحمراء، مما يعني تعطيل استخدام أجهزة الرؤية الليلية المستخدمة في الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات (نظام ATGMs). إلا أن الجيش الإسرائيلي استخدم الفسفور الأبيض بشكل موسع للغاية بالنهار، مما ينفي نية استخدامه لمنع الرؤية الليلية، ولم تعثر هيومن رايتس ووتش على أي دليل على أن حماس أطلقت صواريخ موجهة مضادة للدبابات.

[7] انظر: Jane's Ammunition Handbook 2007-2008, Leland S. Ness and Anthony g. Williams, eds., (Surrey, UK: Jane's Information Group Limited, 2007), صفحة 644. انظر: http://www.janes.com/extracts/extract/jah/jah_0462.html (تمت الزيارة في 6 مارس/آذار 2009).

[8] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع جندي احتياطي إسرائيلي، القدس، 11 فبراير/شباط 2009.

[9] "Israel: Hamas Fires Phosphorus Shell," Associated Press 14 يناير/كانون الثاني 2009.

[10] Yanir Yagna, "For the First Time, Gaza Militants Fire Phosphorus Shells at Israel," Haaretz, January 14, 2009, http://www.haaretz.com/hasen/spages/1055472.html, (تمت الزيارة في 6 مارس/آذار 2009).

[11] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية ميكي روزنفيلد، سديروت، 15 يناير/كانون الثاني 2009.