February 24, 2009

I . ملخص

إنها ليست عملية قضائية فعلياً. بل هي عملية سياسية، ويُحكم عليك إذا كان فكرك السياسي "خاطئاً".

- دبلوماسي غربي يحضر بانتظام محاكمات محكمة أمن الدولة العليا، أبريل/نيسان 2008.[1]

بعد أربعين عاماً من تشكيل محكمة أمن الدولة العليا ما زالت إحدى بؤر القمع في سوريا. وهي من ركائز حالة الطوارئ التي أعلنتها السلطات السورية في 8 مارس/آذار 1963، وقامت الحكومة بتشكيل محكمة أمن الدولة العليا لمقاضاة من ترى فيهم تهديداً لأمن الدولة. ودور المحكمة يتركز بالأساس على مقاضاة الأشخاص الذين لا ترتضي السلطات سلوكهم في محاكمات تعوزها الضمانات الأساسية لإجراءات التقاضي السليمة. وتتجاهل محكمة أمن الدولة العليا على طول الخط مزاعم المدعى عليهم بأن اعترافاتهم مُنتزعة تحت التعذيب وتكررت إدانتها لهم بناء على اتهامات فضفاضة ومبهمة تُجرم بالأساس حرية التعبير وتكوين الجمعيات.

ومنذ عام 1992 حاكمت محكمة أمن الدولة العليا آلاف الأشخاص. ومع مرور الزمن، ومع تغير إدراك الحكومة لمن تعتبرهم أعداءً لها، تغيرت فئات المدعى عليهم في المحكمة. وأثناء التسعينات، كانت الأهداف المفضلة للمحكمة هي العناصر الشيوعية والقوميين الناصريين والبعثيين العراقيين ونشطاء حقوق الإنسان وعناصر الإخوان المسلمين. أما الآن فأغلب المدعى عليهم المشتبهين هم من الإسلاميين، وعادة ما يُتهمون بأنهم من السلفيين – أي أتباع الفكر الإسلامي الأصولي – أو يُتهمون بالرغبة في القتال في العراق، إضافة للنشطاء الأكراد الذين يطالبون بالإعتراف بحقوق الأقلية الكردية والهوية الثقافية الكردية، ونشطاء مستقلين ينتقدون النظام.

ومن بين من حوكموا مؤخراً من قبل محكمة أمن الدولة العليا بعض المدونين الذين كتبوا مقالات تنتقد السلطات، وطالب جامعي كردي قام بتصوير تفريق الشرطة الحشود باستخدام العنف في مظاهرة سلمية قوامها أطفال أكراد، في عام 2003، وعضو بجماعة الإخوان المسلمين عاد من المنفى إلى سوريا.

وأثناء تحضير هذا التقرير، قامت هيومن رايتس ووتش بجمع معلومات عن 237 قضية، تُمثل مجتمعة كل المعروف بأن محكمة أمن الدولة العليا نظرت فيه من قضايا بين يناير/كانون الثاني 2007 ويونيو/حزيران 2008 (الملحق 1 يضم قوائم بهذه القضايا). وأوقفت محكمة أمن الدولية العليا عملها في يوليو/تموز 2008 إثر اندلاع أعمال شغب في سجن صيدنايا، على مسافة 30 كيلومتراً شمالي دمشق، والذي يديره الجيش، ويستضيف أغلب المدعى عليهم في محكمة أمن الدولة العليا. ووقف المحاكمات يُرجح أنه على صلة بتعتيم الحكومة الكامل على المعلومات بشأن مصائر المحتجزين في سجن صيدنايا.

وبما أن محكمة أمن الدولة العليا لا تُتيح للمراقبين المستقلين الحضور أو هي تنشر مجريات عملها، فقد جمعنا معلوماتنا ممن أتيح لهم الاطلاع على العمل في المحكمة: المدعى عليهم الذين انتهت فترات محكومياتهم، ومحامو الدفاع، ودبلوماسيون أجانب تمكنوا من دخول قاعة محكمة أمن الدولة العليا بدءاً من عام 2004.

والصورة التي ترسمها الأدلة المتراكمة لدينا هي صورة موحشة. فبين يناير/كانون الثاني 2007 ويونيو/حزيران 2008 زعم 33 مدعى عليهم على الأقل مثلوا أمام محكمة أمن الدولة العليا أن الأجهزة الأمنية السورية قامت بتعذيبهم لانتزاع الاعترافات منهم. وعلى حد علم هيومن رايتس ووتش فإن المحكمة لم تتخذ أي خطوات للتحقيق في هذه المزاعم. وحكمت المحكمة على 153 مدعى عليهم على الأقل بناء على اتهامات فضفاضة أو مبهمة تُجرم حرية التعبير وتكوين الجمعيات. وحكمت على 10 مدعى عليهم على الأقل بنشر معلومات على الإنترنت تنتقد السلطات. وأتهمت نيابة عامة محكمة أمن الدولة العليا ثمانية مدعى عليهم على الأقل بتهمة إهانة الرئيس السوري.  كما حكمت المحكمة على 16 ناشطاً كردياً جراء المطالبة بزيادة حقوقهم السياسية كأقلية والاعتراف بهويتهم الثقافية.

وبما أن المحكمة نشأت كمحكمة استثنائية فهي ليست ضمن نظام العدالة الجنائية العادي وليست خاضعة للمحاسبة إلا أمام وزير الداخلية، الذي يتخذ صفة الحاكم العرفي المفوض. وبموجب مرسوم تشكيلها فهي مُعفاة من اتباع قواعد الإجراءات الجنائية المتبعة في المحاكم الجنائية السورية. من ثم فإن عدم التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ليس بالأمر المدهش أو المستغرب.

وفي القضايا التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش، وجدنا أن قوات الأمن تحتجز المدعى عليهم المقرر عرضهم على محكمة أمن الدولة العليا لفترات طويلة – عادة لشهور – قبل إخطارهم بالاتهامات المنسوبة إليهم. وفترات الانتظار هذه تُعد انتهاكاً لحق المدعى عليه في إخطاره على وجه السرعة بالاتهامات المنسوبة إليه وتنتهك حقه في المحاكمة العاجلة. وحتى بعد بدء المحاكمة، يظهر من أبحاث هيومن رايتس ووتش أن نصف القضايا تستغرق ثلاث سنوات على الأقل قبل الحُكم فيها، بالرغم من أن معظم المحاكمات لا تزيد عن أربع جلسات في محكمة أمن الدولة العليا، وكل جلسة تستغرق في أغلب الأحوال أقل من 30 دقيقة.

ويلعب المحامون دوراً شكلياً في الأغلب أثناء المحاكمة. وفي القضايا التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، كانت المحكمة والأجهزة الأمنية عادة ما تمنع المحامين من مقابلة موكليهم قبل المحاكمة، وتبدأ مجريات المحاكمة قبل أن يحظى المحامي بفرصة الاطلاع على ملف موكله. وحتى بعد بدء المحاكمة، لا يُتاح للمدعى عليهم إلا أقل الفرص لمقابلة محاميهم، ويكون اللقاء في أغلب الأحيان لخمس دقائق لا أكثر، وهذا قبل بدء جلسة المحاكمة أو بعدها مباشرة. كما تحرم المحكمة المحامين من فرصة عرض المرافعات الشفهية بالنيابة عن موكليهم، ولا تسمح لهم إلا بتقديم مذكرة الدفاع المكتوبة.

ولا يحق للمدعى عليهم الطعن في الأحكام الصادرة ضدهم، وهو ما يُعد انتهاكاً للمادة 14 (5) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُعد سوريا دولة طرف فيه. وبموجب مرسوم إنشاء المحكمة تُعد أحكام محكمة أمن الدولة العليا نهائية لكن لا تُنفذ إلى أن يصادق عليها رئيس الجمهورية. إلا أن من حيث الممارسة يقوم وزير الداخلية بالتصديق على الأحكام.

تجريم حرية التعبير

من بين القضايا الـ 237 المعروف أن المحكمة نظرت فيها منذ يناير/كانون الثاني 2007، حكمت المحكمة على 153 على الأقل من المدعى عليهم بناء على اتهامات مبهمة وفضفاضة مثل "إطلاق دعوات من شأنها إثارة النعرات المذهبية" أو نشر "أنباء كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن تضعف الشعور القومي" أو القيام بـ "أفعال من شأنها... تعكير العلاقات السورية بالدول الأجنبية". وكثيراًما اعتمدت الحكومة السورية على مثل هذه الأحكام "الأمنية" الفضفاضة الواردة في قانونها الجنائي، بالأساس ما يتعلق منها بالكلام أو الكتابة، كأداتها الأساسية لإسكات المنتقدين أو من تراهم السلطات منتقدين.

الجدول 1. الاتهامات التي دُرج على نسبها للمدعى عليهم في قضايا محكمة أمن الدولة العليا (من 237 قضية نظرت فيها المحكمة بين يناير/كانون الثاني 2007 ويونيو/حزيران 2008)

أحكام القانون

وصف الحُكم القانوني

عدد القضايا التي استخدمت فيها هذه المادة

مادة 278 من قانون العقوبات

"من أقدم على أعمال أو كتابات أو خطب لم تجزها الحكومة تعرض سورية لخطر أعمال عدائية أو عكر صلاتها بدولة أجنبية".

34

مادة 285 من قانون العقوبات

من قام في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاوة "ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالاعتقال الموقت".

104

مادة 286 من قانون العقوبات

"من نقل في سورية أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها".

6

مادة 307 من قانون العقوبات

" كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية".

9

وقد طبقت محكمة أمن الدولة العليا هذه الأحكام على نحو ينتهك الحق في حرية التعبير، وعلى الأخص إدانتها لأشخاص جراء الإبداء سلمياً لآراء سياسية. ومنذ يناير/كانون الثاني 2007 حكمت محكمة أمن الدولة العليا على 10 كُتاب ومدونين على الأقل لأن كتاباتهم تؤدي لـ "إضعاف الشعور القومي" أو "تُعرض سورية لخطر أعمال عدائية" وحاكمت 8 أفراد آخرين بتهمة "إهانة الرئيس السوري" في محادثات خاصة. على سبيل المثال في 15 أبريل/نيسان 2007 حكمت محكمة أمن الدولة العليا على محمد وليد الحسيني، 67 عاماً، بالسجن ثلاثة أعوام لأن عضواً من الأجهزة الأمنية سمعه يهين الرئيس السوري وينتقد الفساد في سوريا وهو جالس في مقهى الروضة في دمشق. وبعد شهر، في 11 مايو/أيار 2008، أصدرت المحكمة حُكما بثلاثة أعوام ضد المدون طارق بياسي، 23 عاماً، لأنه "أهان الأجهزة الأمنية" على الإنترنت.

ومقاضاة مواطنين سوريين عاديين جراء إبداء الانتقاد للرئاسة أو الحكومة، وأحياناً ما يحدث هذا على انفراد في منازلهم أو في أماكن عملهم، هو مؤشر على مدى استخدام الحكومة لمحكمة أمن الدولة العليا في منع إبداء المعارضة. واتهامات الجيران والأصدقاء وأفراد الأسرة قد تكون كافية أحياناً للزج بالمرء في السجن.

الاتهامات الفضفاضة المنسوبة إلى المشتبهين الإسلاميين

أكبر مجموعة من المدعى عليهم الذين مثلوا أمام محكمة أمن الدولة العليا أثناء الأعوام الثلاثة الأخيرة يُصنفون ضمن فئة واسعة تُدعى "الإسلاميين" – أي المؤيدين للدولة الإسلامية التي تُنفذ فيها الشريعة الإسلامية. وملاحظات مراقبة المحاكمات التي دونها الدبلوماسيون الذين حضروا جلسات محكمة أمن الدولة العليا والبيانات الصادرة عن المحامين السوريين ومنظمات حقوق الإنسان يظهر منها أن المحكمة وصفت بـ "السلفيين" مجموعة من 106 شخصاً على الأقل من بين 237 مدعى عليهم مثلوا أمام محكمة أمن الدولة العليا بين يناير/كانون الثاني 2007 ويونيو/حزيران 2008. وتستخدم المحكمة هذا الوصف حين تتبين في المدعى عليهم إبداء آراء "متطرفة"، مثل تأسيس دولة إسلامية في سوريا أو إبداء رغبة في القتال في العراق. واتهمت 22 آخرين بالانتماء بالعضوية إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

ومراجعة ملاحظات المحاكمات يتبين منها أن الادعاء عادة ما ينسب الاتهام للمدعى عليهم بـ "إيقاظ النعرات المذهبية" (مادة 285 من قانون العقوبات) و"الانتماء بالعضوية إلى جمعية أنشئت بقصد تغيير كيان الدولة الاقتصادي أو الاجتماعي" عبر "أعمال إرهابية" (مادة 306 من قانون العقوبات). واستندت محكمة أمن الدولة العليا إلى هذا الحُكم القانوني الأخير في إدانة 106 مدعى عليهم على الأقل منذ يناير/كانون الثاني 2007.

إلا أن تحقيقات هيومن رايتس ووتش يتبين منها أن في الحالات المذكورة، فإن الادعاء في أغلب الأحيان أخفق في التوصل إلى أدلة على انتماء المدعى عليهم فعلياً إلى جمعية تخطط لاستخدام "أعمال إرهابية" كما ورد في القانون السوري. وانتهت هيومن رايتس ووتش إلى أن محكمة أمن الدولة العليا في 15 قضية استندت فقط إلى حيازة المدعى عليهم لأقراص مدمجة (سي دي) وكتب لرجال دين أصوليين كـ "دليل" للانتماء إلى جمعيات تخطط لأعمال إرهابية. وفي هذه القضايا لم يعرض الادعاء في المحكمة ما يظهر منه أن هؤلاء الافراد، أو الجماعات المتهمين بالانتماء إليها، خططوا لاستخدام العنف أو الإرهاب. ووجدنا عدداً محدوداً فقط من القضايا التي عرض فيها ادعاء المحكمة أدلة إضافية ضد من يُفترض أنهم سلفيون، مثل حيازة متفجرات وأسلحة نارية أو خطط محددة. لكن بشكل عام، لم يُعرض على المحكمة أي أدلة إضافية قبل إدانة المدعى عليهم. وعلى حد قول دبلوماسي يعمل في دمشق ويراقب مجريات عمل المحكمة منذ فترة طويلة فإن "الدليل الوحيد ضد الكثير من المفترض كونهم إسلاميين هو حيازتهم أقراص مدمجة وكتيبات ومثل هذه الوسائط لأئمة متطرفين على ما يبدو".[2]

وقد توسعت محكمة أمن الدولة كثيراً في محاكمتها للإسلاميين وغابت عنها الخطوط الفاصلة بين اعتناق وإبداء آراء دينية أصولية (وهو ما تحميه أحكام القانون الدولي) والقيام بأعمال فعلية يجب تجريمها، مثل التورط في أعمال العنف. والأفراد الذين لا يزيد نشاطهم عن اعتناق آراء سلفية ولا يحرضون على العنف ويلتزمون بقوانين الدولة يجب ألا يتعرضوا للملاحقة القضائية.

تجريم النشطاء الأكراد

اعتقال ومحاكمة النشطاء الأكراد كان جزءاً من سياسة سورية أوسع متعلقة بقمع مطالب الحقوق السياسية والثقافية للأقلية الكردية في سوريا. والحملة على النشطاء الأكراد تصاعدت بعد مارس/آذار 2004 إبان وقوع مصادمات بين المتظاهرين الأكراد وقوات الأمن في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا وخلفت 30 قتيلاً وأغلبهم من الأكراد.

والاتهام الأكثر استخداماً بحق النشطاء الأكراد هو المحاولة بـ "أعمال أو خطب أو كتابات أو بغير ذلك إقتطاع جزء من الأرض السورية لضمه إلى دولة أجنبية" (مادة 267 من قانون العقوبات). واستخدمت محكمة أمن الدولة العليا هذه المادة ضد 16 مدعى عليهم على الأقل بين يناير/كانون الثاني 2007 ويونيو/حزيران 2008، والأغلبية العظمى منهم شاركوا في الأنشطة السلمية لا أكثر. والأمثلة تشمل الحُكم على نشطاء جراء عرض طلب على مجلس الشعب بإزالة "المعوقات المفروضة على اللغة والثقافة الكردية" أو جراء المشاركة في مظاهرة سلمية لمطالبة السلطات السورية بالسماح للأطفال الأكراد بتعلم لغتهم.

الانتقادات السابقة الموجهة لمحكمة أمن الدولة العليا واستشراف مستقبلها

خروقات محكمة أمن الدولة العليا المتكررة للمعايير الأساسية لحقوق الإنسان لم تمر دون أن تلحظها الأعين. فالأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان السورية والدولية والمحامون السوريون في الماضي تكرر منهم جميعاً انتقاد محكمة أمن الدولة العليا. مثلاً ذكرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان – وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة التزام الدول بتنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – ذكرت في عام 2005 أن إجراءات عمل المحكمة لا تتسق مع أحكام العهد الدولي. وكتبت هيومن رايتس ووتش قبل 13 عاماً عن محكمة أمن الدولة العليا وذكرت أن "المدعى عليهم الذين يُحاكمون في محكمة أمن الدولة يُحرمون من حقوقهم المكفولة لهم بموجب القانون الدولي في المحاكمة النزيهة والعلنية من قبل هيئة تقاضي تتمتع بالصلاحية والاستقلال والحياد".[3]

والدبلوماسيون الغربيون الذين شرعوا يراقبون المحاكمات في محكمة أمن الدولة العليا منذ 2004 انتقدوا كثيراً المحكمة ورئيسها فايز النوري، في المحادثات الخاصة مع هيومن رايتس ووتش. وقال لـ هيومن رايتس ووتش دبلوماسي غربي اعتاد حضور جلسات محكمة أمن الدولة العليا على مدار السنوات الثلاث السابقة:

لم أر النوري يطالع أحد الملفات قط. فهو يقول للمدعى عليه: هذا هو الاتهام، فما قولك؟ وحين يتحدث المدعى عليه يقول فجأة: كفى! لا يطرح النائب العام الأسئلة أبداً. وربما يضيف تعليقاً أو يروي نكتة للنوري.[4]

وحسب قول دبلوماسي آخر: "لا يمكن تحسين أحوال هذه المحكمة التي يُعد وجودها في حد ذاته معاكساً لحقوق الإنسان، إلا بحلها بالكامل".[5]

وتوافق هيومن رايتس ووتش هذا التقييم. فحجم الانتهاكات المقترفة من محكمة أمن الدولة العليا واستمرار رفض السلطات السورية إصلاحها يعني أنه يجب حل هذه المؤسسة. وعلى السلطات السورية أن تخلي سبيل المدعى عليهم الذين يواجهون المحاكمة لمجرد تعبيرهم عن آرائهم بشكل سلمي أو المشاركة في جمعيات سلمية. كما يجب عليها نقل القضايا التي يوجد فيها أدلة على ارتكاب المدعى عليهم لجرائم إلى محاكم جنائية عادية وضمان أن هؤلاء المدعى عليهم يلقون المحاكمة العادلة بما يتفق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فضلاً عن أن على القضاء السوري أن يحقق في المزاعم الكثيرة المطروحة بالتعذيب على أيدي أجهزة الأمن ورفض أية اعترافات منتزعة بالإكراه.

وقد سنحت الفرصة لحل محكمة أمن الدولة العليا بما أن السلطات أوقفت المحاكمات في المحكمة منذ يوليو/تموز 2008. وعلى الحكومة أن تجعل هذا الوقف المؤقت دائماً، وعليها أيضاً أن تكشف فوراً عن المعلومات الخاصة بمصير المحتجزين في صيدنايا.

ولم تُظهر السلطات السورية أي التزام بوضع حد لاستخدام محكمة أمن الدولة العليا كأداة قمعية ويجب أن يلعب المجتمع الدولي – لا سيما الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء – دوراً في الدفع في هذا الاتجاه. وتُعد العلاقات التي تحسنت مؤخراً بين الدول الأوروبية وسوريا فرصة هامة لتعزيز ودعم الدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات القائمة لحقوق الإنسان في سوريا. وعلى الأخص على الاتحاد الأوروبي أن يشرط أي تقدم في المستقبل على مسار علاقاته مع سوريا – وبالأخص سريان الدخول في اتفاق الشراكة – بحل محكمة أمن الدولة العليا وإخلاء سبيل المدعى عليهم الذين يمثلون للمحاكمة لمجرد تعبيرهم سلمياً عن الآراء أو المشاركة في جمعيات سلمية، وكذلك الاشتراط بأن تتخذ سوريا خطوات ملموسة وقابلة للقياس للكف عن استخدام التعذيب والمعاملة السيئة أثناء الاستجواب والتحقيق.

[1] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع دبلوماسي غربي مقيم في دمشق، س. د. بيروت، 14 أبريل/نيسان 2008.

[2] بريد إلكتروني إلى هيومن رايتس ووتش من دبلوماسي غربي يعمل من دمشق، ن. ر.، 28 أغسطس/آب 2008.

[3] انظر: Human Rights Watch/Middle East, Syria –The Price of Dissent, vol. 7, no. 4, يوليو/تموز 1995، صفحة 4.

[4] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع دبلوماسي غربي يعمل من دمشق، س. د.، بيروت، 14 أبريل/نيسان 2008.

[5] بريد إلكتروني لـ هيومن رايتس ووتش من دبلوماسي غربي يعمل من دمشق، أ. هـ.، 15 أغسطس/آب 2008.