هجمات القوات المسلحة السودانية والميليشيات المدعومة منها على المدنيين والانتهاكات الأخرى للقانون الدولي في أبيي
قتل المدنيين
أفاد شهود العيان هيومن رايتس ووتش بمقتل 18 مدنياً على الأقل في الفترة بين 14 إلى 21 مايو/أيار، و15 منهم على الأقل قيل إنهم قُتلوا عمداً على يد القوات المسلحة السودانية أو الميليشيات الموالية للحكومة.
وقالت شاهدة عيان، هي امرأة فرت من القتال في 14 مايو/أيار، لـ هيومن رايتس ووتش:
رأيت جاري يسقط قتيلاً بعيار ناري أمام بيته. لهذا ركضت. كان قد هرع لفك عنزاته لكن جندياً تقدم منه وأرداه قتيلاً وسرق العنزات. لم يكن جاري جندياً، ولم يكن يرتدي زياً رسمياً. ومع ركضنا للخارج رأينا جثثاً لأشخاص موتى على الأرض. [21]
وقال رجل فر من القتال في السوق يوم 14 مايو/أيار:
جاءوا [الرجال المسلحون] على ظهر الجياد، وراحوا يطلقون النيران علينا ونحن نركض مبتعدين. كان هناك شخصان أو ثلاثة أشخاص على ظهر كل جواد، فيقفز اثنان ويبدآن في إطلاق النار. كانوا جميعاً يرتدون الزي الرسمي، ورأيت خمسة مدنيين يُقتلون. [22]
وقال رجل ظل في أبيي لعدة أيام بعد اندلاع القتال لـ هيومن رايتس ووتش إن زوجته شاهدت مُدرساً من أبيي يمسك به جنود القوات المسلحة السودانية ويوثقون يديه. وبعد أيام تم العثور على جثة المُدرس إلى جانب النهر، مع جثث ثمانية مدنيين آخرين. [23]
وقال تجار دارفوريون فروا من القتال في سوق أبيي لـ هيومن رايتس ووتش إنه بينما فر الكثير من التجار العرب إلى الشمال أو لجأوا إلى مقار القوات المسلحة السودانية، اختار الكثير من سكان دارفور الفرار جنوباً إلى منطقة تويل بمساعدة الجيش الشعبي لتحرير السودان. وأوضح تاجر دارفوري لـ هيومن رايتس ووتش كيف حضر جنود من القوات المسلحة السودانية إلى سوق أبيي في 17 مايو/أيار وقاموا بجمع التجار الدارفوريين الذين يطالبون بنقودهم وفيما بعد أحرقوا متاجرهم. وقال إنه شاهد بعينه الجنود يصطحبون مجموعة من ستة دارفوريين إلى مقرهم، وقيل له من جانب تجار آخرين إن من تم اصطحابهم هؤلاء قد قُتلوا بالداخل. [24] لكن لا يمكن تأكيد هذه الواقعة بما أنه لم يطلع أي طرف مستقل على مقار القوات المسلحة السودانية.
ولأن القوات المسلحة السودانية قيدت الدخول إلى البلدة في الأسابيع التالية على القتال، فلم تتمكن أية جهة مستقلة من إجراء تحقيقات مستفيضة عن إجمالي عدد المدنيين القتلى أو الظروف المحيطة بمقتلهم. وفي المرات القليلة التي سمحت فيها القوات المسلحة لدبلوماسيين دوليين وهيئات أممية بزيارة البلدة، جعلت تحركاتهم تقتصر على مناطق بعينها. [25]
ولم تتمكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر من البدء في إزالة الجثث من البلدة حتى منتصف شهر يونيو/حزيران، أي بعد شهر من اندلاع القتال. وقال مدنيون تمكنوا من دخول أبيي في الوقت نفسه لـ هيومن رايتس ووتش إنهم عثروا على جثث 18 مدنياً على الأقل. ونظراً لاقتصار القدرة على دخول أبيي في الأيام الأولى التالية على القتال، فإن هذا الرقم يُعد جزءاً من العدد الإجمالي المتوقع. وطبقاً لزعماء ثلاثة من القبائل الفرعية التسعة التي تشكل النجوك دنكا في أبيي، فأكثر من 100 مدني لم يكن مصيرهم معروفاً بعد شهر من القتال. [26]
والقانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) المنطبق على النزاعات الداخلية المسلحة [27] يحظر الهجمات المباشرة أو العشوائية على المدنيين. [28] وعلى الأطراف، وهي في هذه الحالة القوات المسلحة السودانية والميليشيات التي تدعمها، وقوات الجيش الشعبي لتحرير السودان، أن تتخذ إجراءات احتياطية لتقليل الخسارة غير المقصودة في أرواح المدنيين. كما يحظر القانون الإنساني الدولي إجراء عمليات إعدام بمعزل عن القضاء. [29] وقوانين حقوق الإنسان تحظر الحرمان التعسفي من الحياة. [30]
النهب والإحراق وتدمير الممتلكات
قال شهود عيان لـ هيومن رايتس ووتش إنه في الأيام التالية على المصادمات الأولية التي اندلعت في 14 مايو/أيار، قامت قوات الجيش السوداني وميليشيا الميسرية التي يساندها الجيش بجلب الدمار على أبيي، فقاموا بإحراق السوق ونصف المنازل على الأقل، وقاموا بنهب الممتلكات منهجياً من منازل المدنيين ومقار المنظمات غير الحكومية.
وقالت امرأة قضت ليلة 14 مايو/أيار في بيتها في أبيي لـ هيومن رايتس ووتش كيف دخل جنود الجيش السوداني إلى بيتها في الصباح التالي:
حين هدأ القتال عدت إلى بيتي. وحوالي الساعة العاشرة صباح اليوم التالي جاء رجال وأمرونا بالمغادرة، وقالوا لنا: سنأخذ كل شيء وسنحرق بيتكم... وحاولت أخذ حقيبة واحدة لكنهم لم يسمحوا لي. وكانوا يرتدون زياً بنياً مموهاً. [31]
وروى تاجر من سوق أبيي لـ هيومن رايتس ووتش كيف شهد بيته يتعرض للتدمير:
تركت كل شيء في أبيي حين بدأ القتال. ورأيت بعض الناس يقاتلون فهربت... رأيت بيتي يحترق... وقد أحرقه جنود من الفرقة 31 في زيهم الرسمي المموه. لدي زوجتان وثمانية أطفال، وقد جئنا سيراً على الأقدام في يوم واحد... حتى رغم أن الأطفال صغار السن. وحين بدأ القتال هربنا. [32]
وقال شهود عيان كانوا في السوق حين بدأ القتال في 14 مايو/أيار لـ هيومن رايتس ووتش إن التجار الذين رفضوا إعطاء النقود لمن كانوا يقومون بالنهب، هدد جنود الجيش السوداني والميليشيا بإطلاق النار عليهم:
[حين بدأ القتال] كنا في المسجد وخرجنا وذهبنا إلى متاجرنا. وجاء عناصر الفرقة 31 ونادوا علينا لكي نخرج. خرجنا فقالوا هاتوا نقودكم. ومن رفض الانصياع للأوامر هددوه بإطلاق النار عليه، لكن حتى من سلموا النقود تم احتجازهم. وقد تركت نقودي في المتجر ففتحوه عنوة بعد أن عالجوا رتاجه بالبندقية. ودخلوا وأخذوا النقود. وتحفظوا عليّ أنا والآخرين في السوق. واستخدموا أعواد الثقاب والعشب لإحراق المتاجر، فوقفت أشاهد متجري يحترق. [33]
وقد ظلت امرأة لم تتمكن من الفرار من أبيي مع نشوب القتال بما أنها مريضة في كوخها على مدار الأسبوعين التاليين. وتكررت سرقتها وتعرضها للتهديدات:
كنت مريضة في بيتي، وسمعت أصوات طلقات البنادق لكن لم أتمكن من الحركة. دخل الجنود إلى بيتي واستعد أحدهم لإطلاق النار لكن هناك من أمره بألا يفعل. وبدلاً من هذا طرحوني أرضاً وأخذوا سريري وأغراض أخرى. وأخذوا المياه وهددوني بإحراق بيتي. وذات مرة جاء رجلان فأخذوا ما عندي من مياه. وفي يوم لاحق دخلت امرأة وقالت لا تخافي لن يقتلوك فأخرجي. لكنني لم أرغب في التحرك، وكنت أشرب مياه الأمطار، وعشت على الطعام الذي كان مخزناً في بيتي. [34]
وقال عدة شهود عيان ظلوا في أبيي بعد 14 مايو/أيار لـ هيومن رايتس ووتش إنهم رأوا الجنود والميليشيا التابعة للحكومة يحرقون المنازل. ورأى شاهد عيان الجنود يتنقلون في أنحاء المدينة وفي أيديهم المدافع الرشاشة طراز AK47 يحرقون ويدمرون الأكواخ والممتلكات. وقال لـ هيومن رايتس ووتش إنه أثناء سيره من مقر الجيش نحو مقر بعثة الأمم المتحدة في السودان:
رأيت بعض عناصر الميسرية، وبعضهم في الزي الرسمي، وبعضهم في ثياب مدنية، يحرقون البيوت. استخدموا المشاعل المصنوعة من العشب الذي أشعلوا فيه النيران بأعواد الثقاب. ورأيت مباني وأكواخ محترقة بالكامل قرب السوق. [35]
وبحلول 17 مايو/أيار، حسب قوله، كان السوق بالكامل وأكثر من نصف المنازل في أبيي قد سويت بالأرض. [36]
كما قام عناصر الجيش السوداني والميليشيا المتحالفة بنهب وإلحاق الأضرار الواسعة بمقار هيئات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، وأخذوا الأثاث ومكيفات الهواء ونزعوا حتى الأسلاك الكهربية من على الجدران. [37] واستمر النهب لستة أسابيع بعد بدء القتال. [38]
وبموجب القانون الإنساني الدولي فإن "الأهداف المدنية" التي تشمل المنازل والممتلكات (بما في ذلك ممتلكات الهيئات الإنسانية)، خاضعة للحماية، والتدمير أو النهب المباشر أو العشوائي للأهداف المدنية أمر محظور. وعلى الأطراف أن تتخذ احتياطاتها من أجل تقليل الضرر اللاحق بالأهداف المدنية. [39] والنهب، طبقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية، جريمة حرب في النزاعات المسلحة غير الدولية. [40]
وتدمير المنازل هو بدوره انتهاك لحقوق الإنسان، وينتهك الحق الأساسي في السكن وفي حماية ممتلكات الأفراد. [41]
النزوح
قالت امرأة فرت مع أسرتها من بيتهم في أبيي إلى أباتوك لـ هيومن رايتس ووتش:
هربنا إلى الشرق ورحنا نركض حتى وصلنا إلى ماجاك التي قضينا فيها الليل. وفي الصباح التالي سمعنا بعض طلقات المدفعية... أصوات مرتفعة.. بوم بوم... فرحنا نركض ثانية. ورأينا الدخان يتصاعد من أبيي. [42]
ويقدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن زهاء 60000 مدني فروا من القتال في أبيي. ويقدر المكتب أن 50000 شخص ما زالوا يعيشون مؤقتاً في أكواخ أو في منازل مكتظة بشاغليها مع أسر أخرى في منطقة تويك، الواقعة جنوب أبيي، مع فرار الباقين إلى الشمال. [43]
وقال مدنيون في أجوك وتورالي وأباتوك لـ هيومن رايتس ووتش إنهم غير مستعدين للعودة حتى تقوم حكومة الخرطوم بسحب كامل قواتها وحتى يتم نشر قوة عسكرية وشرطية مشتركة في أبيي بدلاً من القوات السودانية.
وقالت لـ هيومن رايتس ووتش امرأة فرت من أبيي وقضت الأسبوعين التاليين في منطقة تويك في كوخ واحد مع سبعة بالغين آخرين وتسعة أطفال، إنه على الرغم من الاضطرار للعيش في مثل هذه الظروف، فإنهم لن يفكروا في العودة إلى أبيي حتى تنسحب الفرقة 31: "نريد العودة وسوف نعود، لكن لن نتمكن من هذا إلى أن تغادر الفرقة 31". [44]
وبعد النزاع يحق للمدنيين العودة إلى منازلهم الأصلية في أمان وبشكل طوعي، بناء على الموافقة المستنيرة. [45] وعلى كل من القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان ضمان أن المدنيين يمكنهم العودة إلى أبيي لتقييم الوضع القائم قبل الموافقة على العودة النهائية، وألا يتعرضوا لأي ضغوط من أجل العودة وألا يعودوا إلا إذا وافقوا بمحض إرادت هم على هذا.
[21]مقابلة مع امرأة نازحة، تورالي، منطقة تويك، 17 يونيو/حزيران 2008.
[22]مقابلة مع رجل نازح، أباثوك، 20 يونيو/حزيران 2008.
[23]مقابلة مع رجل نازح، أجوك، 21 يونيو/حزيران 2008. وتم تأكيد العثور على الجثث بصفة مستقلة من جانب اثنين من العاملين بلجنة الإغاثة وإعادة التأهيل بجنوب السودان، في مقابلة معهما في أجوك، 21 يونيو/حزيران 2008.
[24]مقابلة مع تجار من دارفور نازحين من أبيي، تورالي، 18 يونيو/حزيران 2008.
[25]مقابلات مع العاملين بلجنة الإغاثة وإعادة التأهيل السودانية وزعماء الدنكا نجوك الذين زاروا البلدة وتعرضوا لتقييد في الحركة فرضه عليهم عناصر القوات المسلحة السودانية، أجوك، 22 يونيو/حزيران 2008.
[26]المرجع السابق.
[27]بموجب القانون الدولي فإن نزاع أبيي يُعتبر نزاعاً مسلحاً غير دولي (داخلي)، وتُشتق القوانين المطبقة فيه بالأساس من المادة 3 المتكررة في اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 لاتفاقيات جنيف (البروتوكول الثاني) والقانون الدولي العرفي.
[28]البروتوكول الإضافي لاتفاقيت جنيف الموقع في 12 أغسطس/آب 1949 والبروتوكول الخاص بضحايا النزاعات غير الدولية المسلحة (البروتوكول الثاني)، 1125 U.N.T.S. 609دخل حيز النفاذ في 7 ديسمبر/كانون الأول 1978، المادة 13. صدقت عليه السودان في 13 يوليو/تموز 2006، ودخل البروتوكول حيز النفاذ في السودان في 13 يناير/كانون الثاني 2007.
[29]البروتوكول الثاني مادة 4.
[30]العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تم تبنيه في 16 ديسمبر/كانون الأول 1966، G.A. Res. 2200A (XXI), 21 U.N. GAOR Supp. (No.16) at 52, U.N. Doc A/6316 (1966), 999 U.N.T.S. 171 ودخل حيز النفاذ في 23 مارس/آذار 1976، وصدقت عليه السودان في 18 مارس/آذار 1989، مادة 6. الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، تم تبنيه في 27 يونيو/حزيران 1981، OAU Doc. CAB/LEG/67/3 rev. 5, 21 I.L.M. 58 (1982) دخل حيز النفاذ في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1986، وصدقت عليه السودان في 3 سبتمبر/أيلول 1982، مادة 4.
[31]مقابلة مع امرأة نازحة من أبيي، تورالي، 16 يونيو/حزيران 2008.
[32]مقابلة مع تاجر نازح من أبيي، تورالي، 16 يونيو/حزيران 2008.
[33]مقابلة مع تاجر نازح من أبيي، تورالي، 18 يونيو/حزيران 2008.
[34]مقابلة مع امرأة نازحة من أبيي، أجوك، 22 يونيو/حزيران 2008.
[35]مقابلة مع رجل نازح من أبيي، أجوك، 21 يونيو/حزيران 2008.
[36]المرجع السابق.
[37]مقابلة مع ممثل عن منظمة SSRRC قام بزيارة أبيي في يونيو/حزيران. واطلعت هيومن رايتس ووتش على صور فوتوغرافية دالة على الدمار الحادث.
[38]مقابلة هاتفية مع مراقب عسكري من بعثة الأمم المتحدة في السودان في أبيي، 29 يونيو/حزيران 2008.
[39]البروتوكول الثاني، مادة 4.
[40]نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما)، U.N. Doc. A/CONF.183/9, 17 يوليو/تموز 1998، دخل حيز النفاذ في 1 يوليو/تموز 2002، مادة 8(2)(هـ)(v)
[41]الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، مادة 14. والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تم تبنيه في 16 ديسمبر/كانون الأول 1966،G.A. Res. 2200A (XXI), 21 U.N. GAOR Supp. (No. 16) at 49, U.N. Doc. A/6316 (1966),
993 U.N.T.S. 3ودخل حيز النفاذ في 3 يناير/كانون الثاني 1976، وصدقت عليه السودان في 18 مارس/آذار 1986، مادة 11.
[42]مقابلة مع امرأة نازحة من أبيي، أباتوك، 21 يونيو/حزيران 2008.
[43]انظر: South Sudan Abyei Displacement, OCHA situation report No 20 for reporting period 28 June to 4 July 2008 - http://www.reliefweb.int/rw/rwb.nsf/db900sid/KKAA-7GB7HR?OpenDocument&rc=1&emid=ACOS-635PJQ(تمت الزيارة في 16 يوليو/تموز 2008).
[44]مقابلة مع امرأة نازحة من أبيي، تورالي، 16 يونيو/حزيران 2008.
[45]لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مبادئ توجيهية عن النزوح الداخلي، UN Doc. E/CN.4/1998/53/Add.2 (1998)مذكورة في قرار 1998/50، مبدأ 28.






