ملخص
فر ستون ألف نسمة أثناء وبعد القتال بين القوات المسلحة السودانية والجيش/الحركة الشعبية لتحرير السودان في البلدة المُتنازع عليها سياسياً؛ بلدة أبيي، في مايو/أيار 2008، وأثناء القتال قتلت القوات المسلحة السودانية مصحوبة بالميليشيات الموالية لها متعمدةً بعض المدنيين ونفذت عمليات نهب وتدمير موسعة في البلدة. و تم إحراق أكثر من نصف بيوت بلدة أبيي ودُمرت منطقة السوق بالكامل. ووصل أطراف النزاع إلى اتفاق باسترجاع الأمن في 7 يونيو/حزيران، لكنهم تباطئوا في تنفيذه. وفي الوقت نفسه ما زال يوجد عشرات الآلاف من المدنيين النازحين داخلياً، وما زال التوتر يغمر المنطقة.
وبعد شهرين من القتال ما زالت أعداد الإصابات في صفوف المدنيين والظروف المؤدية إلى مقتلهم غير معروفة. ولم يتسن بعد إجراء تحقيق شامل ومستقل في مزاعم الانتهاكات؛ لأن عناصر القوات المسلحة السودانية منعت الدخول إلى أبيي طيلة الأسابيع التالية على القتال. فضلاً عن أن حزب المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان وهما الطرفان الأساسيان في الحكومة المركزية وحكومة جنوب السودان على التوالي لم يبذلا أي جهود فعلية لإرساء سبل المحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان وخرق القانون الإنساني الدولي في أبيي. إلا أن الأشخاص النازحين تعلو أصواتهم مطالبين بالمحاسبة.
والوضع السياسي والإداري لمنطقة أبيي الغنية بالنفط هو أحد الموضوعات المتأخرة عن المعالجة ضمن اتفاق السلام الشامل، وهو الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2005 بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، والذي وضع حداً لحرب أهلية استمرت 20 عاماً. ومنطقة أبيي نفسها التي يشغلها سكان من قبائل النغوك دنكا والقاعدة الموسمية لقبائل المسيرية العربية البدوية الراعية للماشية ما زالت محط اهتمام بالغ، مع استعداد كل من الخرطوم وحكومة جنوب السودان والمجتمعات السكانية المحلية لإجراء الاستفتاء المحلي المزمع عقده في عام 2011. وسوف يقرر الاستفتاء ما إذا كانت أبيي ستنضم إلى جنوب السودان أو ستبقى جزءاً من ولاية جنوب كردفان (وهي إدارياً تتبع الشمال). والمشكلات القائمة في أبيي من شأنها أن تضفي الاضطراب على اتفاق السلام بين شمال وجنوب السودان.
وقد قابلت هيومن رايتس ووتش مجموعة كبيرة من الشهود التابعين لإثنية الدنكا الذين فروا جنوباً من أبيي، لكنها لم تتمكن من مقابلة السكان شماليّ أبيي. وشهادات شهود العيان التي جمعتها هيومن رايتس ووتش هي إذن تعكس إلى حد كبير ما كابده الدنكا نغوك. وقال الشهود الذين فروا من أبيي لـ هيومن رايتس ووتش إن جنود القوات المسلحة السودانية أطلقوا النار على المدنيين وهم يفرون واحتجزوا ثم قتلوا تعسفاً أشخاص آخرين. ويبدو من شهاداتهم أن 18 مدنياً على الأقل قد لاقوا حتفهم أثناء القتال. وفي الأيام التالية على القتال نهب جنود الحكومة وميليشيات المسيرية وأحرقوا السوق والمنازل الخاصة بالمدنيين في بلدة أبيي. وبحلول 17 مايو/أيار كان السوق بالكامل وأكثر من نصف بيوت أبيي قد أحرقت، إلا أن التدمير والنهب استمرا حتى أواخر شهر يونيو/حزيران. كما سرق الجنود وعناصر الميليشيات وألحقوا الضرر البالغ بالمنشآت والممتلكات الخاصة بوكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي كانت تدعم إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية في أبيي في فترة ما بعد انتهاء النزاع.
وقد فر كل سكان أبيي تقريباً. وفيما فر عشرة آلاف شخص إلى الشمال، فإن المتبقين ويقدرون بخمسين ألفاً فروا جنوباً إلى منطقة تويك في جنوب السودان. وفي أواسط يوليو/تموز كانوا ما زالوا يعيشون في أكواخ مؤقتة أو في منازل مكتظة بشاغليها مع عائلات أخرى. وقال كثيرون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم غير مستعدون للعودة ما لم تسحب حكومة الخرطوم بالكامل قواتها المسلحة من البلدة.
وفي أعقاب القتال وقّع ممثلون سياسيون من شمال وجنوب السودان على اتفاقية خارطة طريق أبيي التي من شأنها استعادة الأمن في أبيي. إلا أن تنفيذ الاتفاق كان بطيئاً. ويهدد تأخر الطرفين في سحب القوات والاتفاق على إدارة جديدة لـ أبيي بتقويض التوازن الدقيق لاستعادة السلام والأمن في أبيي. وفي 7 يوليو/تموز 2008 سقط قتيلاً جندي تابع للجيش الشعبي لتحرير السودان، وأصيب مراقب عسكري بالأمم المتحدة ومراقب تابع للجيش السوداني في أغوك بمنطقة تويك، مما أثار التوقعات بتجدد العنف.
وفي الفترة السابقة على القتال وأثناءه، تعرضت بعثة الأمم المتحدة في السودان لإعاقة بالغة في قدراتها الخاصة بحماية المدنيين ودعم تنفيذ اتفاق السلام الشامل. وجاء هذا نتيجة لاقتصار ولاية البعثة بالأساس، وغياب ما يكفي من عاملين وموارد، والقيود المفروضة على التنقل التي فرضها كل من الجيش السوداني والجيش الشعبي لتحرير السودان. وقال المدنيون النازحون لـ هيومن رايتس ووتش إنهم فقدوا الثقة في قدرة قوات حفظ السلام بالأمم المتحدة على إمدادهم بالحماية.
أما الأمم المتحدة والحكومات صاحبة النفوذ، التي تحركت سريعاً وبحزم إزاء نشوب القتال في أبيي، فعليها الآن أن تبقي على ضغطها على الطرفين من أجل تطبيق خارطة طريق أبيي بالكامل. وعلى بعثة الأمم المتحدة في السودان أن تنشر على وجه السرعة قوات مشتركة مُعززة في أبيي للمساعدة على تنفيذ خارطة الطريق ولتوفير الحماية للمدنيين استناداً إلى تفسير إيجابي لتكليف بعثة الأمم المتحدة في السودان.






