مشاركة الإسماعيليين في الشؤون العامة
تم استبعاد الإسماعيليين في نجران من المشاركة الفعالة في الشؤون العامة المحلية من جانبين هامين. فعامة لا يمكنهم الوصول إلى مناصب حكومية رفيعة أو إسماع أصواتهم في المجالس البلدية والإقليمية أو في الإمارة قوية النفوذ. كما أنهم يدركون وجود معاملة غير متساوية في مجال العمل الخيري. وعلى المستوى الوطني، يزعم الإسماعيليون بأن ممثليهم نادراً ما يُدعون للمشاركة في المبادرات الوطنية الهامة.
والرئيس المُعين للمجلس الإقليمي لنجران هو سُني من خارج نجران، وكذلك رئيس مجلس بلدي نجران. [152] كما أن أعضاء المجلس الإقليمي، المعينبن بدورهم، يشملون رؤساء الأقسام الحكومية وجميعهم من السنة، وليس بينهم إلا حوالي خمسة إسماعيليين. [153] ويشمل السنة في المجلس لاجئين يمنيين حصلوا على الجنسية مؤخراً. [154] وفي عام 2005 عندما عقدت المملكة انتخابات بلدية جزئية للمرة الأولى منذ 40 عاماً، كان المرشحون الرابحون الستة في مدينة نجران من الإسماعيليين المحليين، وكذلك الستة المعينين في المجلس. [155] وعلى خلاف المجلس الإقليمي المُعين أو البلديات، فإن المجالس البلدية تكاد لا تتمتع بأية سلطات.
وكان لرجل إسماعيلي، هو شيخ بن علي مسلم، تأثيراً بصفته مستشار الملك فهد، لكن الكثير من سكان نجران يعتبرونه "شيخا مُشترى" ومن بين الأسباب مصاهرته للعائلة المالكة. [156] ويوجد إسماعيلي آخر هو محمد فيصل أبو ساق، الذي يشغل حالياً منصب عضو معين بمجلس الشورى، ويرأس برامج للتدريب العسكري. [157] إلا أن نجرانيين كثيرين قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لا يعتبرونه مدافعاً قوياً عن حقوقهم في مجلس الشورى، البرلمان غير المنتخب الخاص بالملك.
ومن الأمثلة التوضيحية الأخرى تشكيل وتعيين مجلس إدارة هيئة حقوق الإنسان، وهي هيئة حكومية تم تشكيلها في عام 2005. إذ يوجد اثنان على الأقل من الأعضاء البارزين بالمجتمع الإسماعيلي ممن يدافعون عن حقوق الإنسان، تم اقتراحهما كأعضاء بمجلس الإدارة البالغ عدده 25 شخصاً . وإثر مراجعات متكررة من قبل وزارة الداخلية وجهات أخرى، لم يبق أي منهما على القائمة. وبدلاً من هذا قام الملك بتعيين محامي إسماعيلي بارز يقال إنه مقرب لحاكم نجران ضمن مجلس إدارة الهيئة.[158]
ويتلقى الإسماعيليون القليل من الاستفادة من الجمعيات الخيرية السنية التي تعمل في نجران. وتمول الجمعية الخيرية التعاونية في نجران، التي تسيطر على مجريات العمل فيها الحكومة، بناء المساكن والمساجد لليمنيين السنة الذين انتقلوا إلى نجران أثناء سنوات الاضطرابات في اليمن. وكل من الرئيس الحالي والسابق لمحاكم نجران هما رجلا دين من السنة من الناشطين في المجتمع، ورئيس القضاة هو رئيس الجمعية الخيرية التعاونية. [159] وتشرف وزارة الشؤون الاجتماعية على هذه الجمعية، حسب ما قال ساكن بنجران لـ هيومن رايتس ووتش.[160] وقال شاب إسماعيلي يعمل بوظيفة مهنية خارج نجران لـ هيومن رايتس ووتش إنه على الرغم من أن الطلاب الإسماعيليين يمثلون جزءاً كبيراً من المختارين للدراسات بالخارج، فإنه على حد علمه لم يتلق أي إسماعيلي الدعم من هذه الجمعية. وقال إنه على مدار خمسة أعوام حاول عدة إسماعيليين الحصول على الإذن بإنشاء جمعيتهم الخيرية تحت إشراف عدد من كبار القبائل من أجل إمداد الأشخاص الأفقر في مجتمعهم باحتياجات الحياة. [161] وما زالوا ينتظرون الإذن من الإمارة. والبديل المطروح أمامهم هو ضم الإسماعيليين إلى قائمة الجمعية السنية كأحد الأطراف المستفيدة منها، لكنهم لم يفلحوا في هذا حتى الآن.[162]
ومركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني هو مبادرة ظهرت عام 2003 من قبل ولي العهد في ذلك الحين الأمير عبد الله، من أجل التحاور بين ممثلي مختلف المذاهب حول القضايا الخلافية، وهذا في اجتماع نصف سنوي تقريباً. وفي 23 فبراير/ شباط 2004، كتب بعض قيادات الإسماعيلية إلى الأمين العام لمجلس الحوار الوطني للشكوى من ضعف تمثيل الإسماعيليين في المؤتمرات. وطلب الـ 12 شخصاً في الرسالة: "يجب أن نعرف بوضوح سبل التمثيل والاختيار وأن تكون متناسبة عددياً مع حجم هذه المنطقة وعدد سكانها".[163] ولم يصدر رد على الرسالة.
ما يترتب على التظلم
نتيجة للاحتجاج أو حتى الإبلاغ ببساطة عن أحداث هوليداي إن الموصوف في الفصل الخامس أعلاه، واجه الإسماعيليون القمع والمضايقات كلما أعلنوا تظلمهم بشأن قضايا أخرى.
وفي عام 2006 قام المجلس الوطني للحوار بدعوة امرأة إسماعيلية من نجران، هي فاطمة آل تيسان، رئيسة وحدة الإعلام التعليمي للمرأة في الإدارة التعليمية العامة في نجران، إلى الانضمام للحوار الوطني حول التعليم في تبوك. ووصفت في عرضها إحساسها بتجربة العزلة كإسماعيلية في مدارس يديرها السنة. وتحدثت عن كيف:
حين كبرنا أصبحنا نرى رفيقاتنا [من السنة] ممن كنا نعرف في الصغر من بعيد، دون أن يقتربن، لأن مصافحتنا والأكل معنا ملوثة حسب مذهبهم، تماماً مثلما حذرتهم من هذا مدرسة [سنية] ترتدي عباءة التقوى والورع... والدين يدعو إلى سلامة العقيدة، لكننا أثناء تعليمنا قيل لنا إننا بلا عقيدة لكي نستمر في تجرع القمع في غياب العدالة والانتصاف.[164]
وبعد أن ألقت آل تيسان بهذه الكلمة المؤثرة، قام مدير تعليم الفتيات في نجران، محمد عبد العزيز الناجم، في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2006 بإبعادها عن منصبها.[165]
وحين بدأ إسماعيلي من نجران، هو صالح عمير، إطلاق منتداه الثقافي في نجران عام 2006، سرعان ما أغلقته السلطات. وعقد فعاليات منتدى قيس بن سعيدة[166] في بيته فتحمل المسؤولون بعض الاجتماعات الأولية. وقام تحديداً بدعوة المسؤولين السنة إلى الانضام. وشمل الضيوف المُحدثون صحفيين سعوديين معروفين وعضو مجلس الشورى محمد الظلفة، ونشطاء حقوق الإنسان. لكن في مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2006، أمر نائب وزير الداخلية بإغلاق المنتدى الحضاري. وقال صالح عمير لـ هيومن رايتس ووتش:
اتصل بي [قسم] التحقيقات الجنائية يوم الأحد وقالوا: لديك موعد غداً في الإمارة، وذهبت وهناك وجدت وكيل الشؤون الأمنية ومدير مكتب الأمير وضابط مباحث. وقالوا: ليس لك الحق بعقد المنتدى فأغلقه. فقلت: لن أغلقه إلا حين أحصل على نسخة من قرار نائب وزير الداخلية... وحصلت على نسخة.[167]
والمظاهرات نادرة للغاية في السعودية لأن وزير الداخلية أمر بحظرها. وفي إحدى التظاهرات النادرة، تجمع الإسماعيليون في سبتمبر/ أيلول 2006 على مقربة من مطار نجران احتجاجاً على سياسة منح اللاجئين اليمنيين الجنسية وتفضيلهم في منح الأراضي والإسكان. وقال أحد المشاركين بالمظاهرة لـ هيومن رايتس ووتش:
يعاني الناس في نجران من عدم القدرة على فعل أي شيء. ولهذا خطر لنا أن ننظم احتجاجاً علنياً. وتجمعنا إلى جوار المباني التي سيعطونها لسكن اليمنيين الذين سيتم تطبيع تواجدهم، وهم من قبائل يافا وخليفة ومصعبين. 11 قبيلة إجمالاً، وجميعها من اليمن. وكانت هذه القبائل ضد الشيوعية، وقبلتهم السعودية في أوائل السبعينيات، وقد توافدوا ببطء، ويستمر التوافد حتى الآن.[168]
وقد احتج هؤلاء الإسماعيليون على السلطات المحلية "يلقبوننا بالكفرة ويصادرون أرضنا ويسجنون الأشخاص لسنوات دون أحكام، وكل هذا لأننا من الإسماعيليين المسلمين" حسب ما قال أحد الإسماعيليين لـ رويترز.[169] وقال مشاركون في مظاهرة ومُنظمها لـ هيومن رايتس ووتش إن حشداً من 200 إلى 300 شخص تجمعوا في خيام تم جلبها لهم. وأحاطهم الأمن. وبعد أن تحدث أحد المتظاهرين إلى الشرطة، تفرق المتظاهرون سلمياً.[170] لكن الإمارة في رسالة إلى وزارة الداخلية كُتبت فيما بعد، اتهمت ثلاثة من منظمي المظاهرة بـ "إيقاع الفتنة".[171]
وأكثر الطرق المتبعة شيوعاً في بث السعوديين للتظلمات والسعي للانتصاف هو الكتابة إلى الوزير المعني، أو المسؤول المحلي أو أحد أعضاء الأسرة المالكة. وعلى الرغم من ضعف الاهتمام الدولي والوطني بالوضع في نجران، فقد استمر الإسماعيليون في إرسال التظلمات إلى إمارة نجران والسلطات في الرياض. وتكرر الرد على تظلماتهم بالتزام الصمت، لكن بعض المتظلمين دفعوا ثمناً أغلى من تجاهل تظلماتهم.
صالح، ويعمل مهندساً، قال إنه أرسل 20 تلغراماً إلى أمير نجران وإلى وزارة الداخلية يشكو فيها من استيطان القبائل اليمنية في منطقة شرفا في نجران. وبين عامي 2001 و2002 تحدث مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية الأمير محمد بن نايف إلى آل يامي عدم مرات في الرياض، يطالبهم بمعرفة سبب كتابة "أشياء سيئة" بحق الحكومة. وأخيراً في مايو/ أيار 2003 اعتقل المسؤولون صالح في الرياض ونقلوه إلى نجران، حيث حكم عليه القاضي داوود من محاكم شريعة نجران بالحبس 18 شهراً و600 جلدة جراء انتقاد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتقاد الحكومة. وتم تنفيذ العقوبة.[172]
أما بئر عسكر، وهي قرية بنجران يسكنها زهاء 2500 شخص، فقد شهدت نمواً مذهلاً في العمل بمناجم الرخام من قبل شركات المساهمون فيها من خارج المنطقة ولا توظف إلا القليل من سكان القرية في مناصب الحراس. بالإضافة إلى أن العمل بالمناجم تسبب في مشكلات صحية وبيئية، حسب ما أكدت دراسة لوزارة الصحة. لكن حين اشتكى أحد سكان القرية للشرطة في 6 فبراير/ شباط 2006 اعتقلوا خمسة من السكان في أسبوع واحد. وقال أحد المُعتقلين لـ هيومن رايتس ووتش إن نقيبين (حجبت هيومن رايتس ووتش الأسماء)، أحدهما قادم من الطائف والآخر من أصل يمني "قالا لي إن الاعتقال جاء بناء على توجيه من الإمارة. وقيل لي أن أوقع على التعهد التالي "لن أطلب إزالة الضرر عني، ولن أزعج الشركات والمسؤولين بالتظلمات"، وأفرجوا عني رغم أنني لم أوقع. وقد وقع الأربعة الآخرون".[173]
واشتكى الشيخان مسعود الحيدر وأحمد الصعب في رسالة بتاريخ 17 مايو/أيار 2006 من أن الرد الرسمي الوحيد على تظلم "الوطن للجميع والجميع للوطن" الذي وقع عليه 1200 نجراني ويدعو إلى التحرك المدني من أجل تحسين أوضاع نجران، لم يكن إلا مضايقة الموقعين على التظلم.[174]
[152] بريد إلكتروني من إسماعيلي من نجران، إ.ن7، إلى هيومن رايتس ووتش، 1 فبراير/ شباط 2008. وهذا الترتيب مختلف عن مجلس بلدي الأحساء المختلط الذي يجمع بين سنة وشيعة الأحساء في المنطقة الشرقية، حيث يوجد توازن بين السنة المُعينين والشيعة المنتخبين في المجلس.
[153] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع الشيخ مسعود بن حيدر من المجلس البلدي المنتخب، نجران، 12 ديسمبر/ كانون الأول 2006.
[154] بريد إلكتروني من إسماعيلي من نجران، إ.ن3، إلى هيومن رايتس ووتش، 23 يناير/ كانون الثاني 2008.
[155] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع عضو بالمجلس (تم حجب الاسم)، نجران، 12 ديسمبر/ كانون الأول 2006، وعضو منتخب بمجلس الإحساء (تم حجب الاسم)، الحفوف، فبراير/ شباط 2006.
[156] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع إسماعيلي، إ.ن5، نجران، 14 ديسمبر/ كانون الأول 2006.
[157] أبرم قريب له، هو الشيخ أبو ساق، اتفاقاً مع الملك عبد العزيز في الثلاثينيات لضم نجران إلى المملكة العربية السعودية ومُنح الضمانات بحرية ممارسة الإسماعيليين الشعائر الدينية.
[158] خاضت هيومن رايتس ووتش في مناقشات موسعة مع الإسماعيليين البارزين الذين لم يحصلا على منصب في مجلس إدارة الهيئة، وكذلك غيرهما من العامين وأعضاء مجلس إدارة هيئة حقوق الإنسان، في عامي 2006 و2007.
[159] قامت الحكومة في أواسط عام 2008 بإبعاد هذا القاضي. مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع إ.ر4، الرياض، 26 أغسطس/آب 2008.
[160] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صالح عمير، المنامة، 5 يوليو/ تموز 2006.
[161]فض مسؤولو الجمعية الرد على محاولات هيومن رايتس ووتش المتكررة للوصول إليهم في أغسطس/آب 2008.
[162] مقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع صباح، الخُبر، 25 أبريل/ نيسان 2008.
[163] رسالة من 12 من ممثلي الإسماعيلية إلى الأمين العام لمركز الحوار الوطني، 23 فبراير/ شباط 2004.
[164] الناجم يصدر قراراً بإبعاد فاطمة آل تيسان من منصب مديرة العلاقات العامة، منتدى صوت الأخدود الإخباري، 5 ديسمبر/ كانون الأول 2006 ، على: http://www.okhdood.com/index.php?act=artc&id=1116&hl= ؛(تمت الزيارة في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007). ومقابلة هاتفية لـ هيومن رايتس ووتش مع فاطمة آل تيسان، الرياض، مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2006.
[165] الناجم يصدر قراراً بإبعاد فاطمة آل تيسان من منصب مديرة العلاقات العامة، منتدى صوت الأخدود الإخباري.
[166] قيس بن سعيدة اللوادي، كان شاعراً جاهلياً أثنى النبي محمد على شعره. وقائع مؤتمر الدوحة لعلماء الإسلام والميراث الحضاري، الدوحة، قطر، 30 و31 ديسمبر/ كانون الأول 2001، اليونسكو، أبريل/ نيسان 2005، على: http://unesdoc.unesco.org/images/0014/001408/140834m.pdf (تمت الزيارة في 25 أبريل/ نيسان 2008).
[167] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صالح عمير، نجران، 13 ديسمبر/ كانون الأول 2006.
[168] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع خالد، المنامة، 6 يوليو/ تموز 2006.
[169] انظر: "Saudi Shiites protest 'Wahhabi repression,'" Kuwait Times, 5 سبتمبر/ أيلول 2006.
[170] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع د. محمد وخالد العسكر، الرياض، 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006.
[171] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع خالد، المنامة، 6 يوليو/ تموز 2006. هيومن رايتس ووتش اطلعت على نسخة من الرسالة المعنية.
[172] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع صالح، نجران، 15 ديسمبر/ كانون الأول 2006.
[173] مقابلة هيومن رايتس ووتش مع منذر، نجران، 14 ديسمبر/ كانون الأول 2006.
[174] مسعود الحيدر وشيخ أحمد الصعب، العدل أساس الملك، صفحة 4.






