I . الملخص
نشب نزاع مسلح منذ يونيو/حزيران 2004 في شمال اليمن، ورغم تجاهل العالم الخارجي له إلا أنه تسبب في تشرد 130000 شخص، ما زال الكثير منهم بعيداً عن متناول المنظمات الإنسانية، وهذا حتى أكتوبر/تشرين الأول 2008. وهؤلاء المدنيون المشردون – الذين علقوا بين الحكومة والجماعات المسلحة المعروفة باسم الحوثيين – هم من بين ضحايا الحرب الخافين عن الأعين.
ومنذ عام 2007 على الأخص، عندما سعت منظمات المساعدة الدولية إلى الوصول إلى كافة أجزاء محافظة صعدة الشمالية، قيدت السلطات اليمنية كثيراً من قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى عشرات الآلاف من المدنيين المحتاجين للمساعدة. وبعد الجولة الخامسة من القتال التي اندلعت في مايو/أيار 2008، منعت الحكومة حركة كل السلع التجارية، بما في ذلك أغلب الأغذية والمحروقات، فيما يبدو أنه يُشكل عقاباً جماعياً غير قانوني.
وبحلول أواسط يوليو/تموز 2008، حين أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح انتهاء القتال، عثر 60 ألف شخصاً مشرداً على الملجأ في بلدة صعدة، حيث تلقوا مساعدات محدودة في سبعة مخيمات تخدمها المنظمات الإنسانية الوطنية والدولية. إلا أن عشرات الآلاف من الأشخاص الآخرين – وربما يبلغ عددهم 70 ألفاً – تعرضوا للتشرد في مناطق نائية أو حضرية بخلاف بلدة صعدة، حيث تسببت القيود الحكومية في منع أغلب المساعدات من الوصول إليهم.
فضلاً عن أنه بين فبراير/شباط 2007 ويوليو/تموز 2008 فرضت الحكومة حظراً كاملاً على تسرب المعلومات على محافظة صعدة. وشنت حملة قوية على التغطية الإعلامية؛ إذ منعت الصحفيين المحليين والأجانب من السفر إلى أي مكان في المحافظة، وهددت الصحفيين الذين يغطون النزاع، واعتقلت تعسفاً أصحاب مواقع إنترنت وغيرهم ممن لديهم معلومات عن أعداد الخسائر في صفوف المدنيين. وقطعت الحكومة الخدمة عن أغلب مشتركي شبكات الهواتف النقالة، ولم تسمح بعمل هواتف إلا بعض الأشخاص المختارين والمقبولين من قِبل الحكومة.
ونتيجة سياسة الحكومة المنهجية والمستدامة وغير المتمتعة بالشفافية والخاصة بتقييد المعلومات، تأثر عشرات الآلاف من المدنيين بشكل مباشر بالحرب ثم تُركوا ليكابدوا المعاناة وحدهم، مع اختباء بلواهم ومعاناتهم عن أعين باقي اليمن والعالم الخارجي. والحرمان من الحصول على المساعدات يخالف القانون الإنساني الدولي الذي نص على حق السكان المدنيين في تلقي المساعدات الإنسانية الضرورية لاستمرارهم في الحياة.
ومنذ الإعلان عن انتهاء القتال في يوليو/تموز 2008 قالت الحكومة للمنظمات الإنسانية الدولية إنها يمكنها وبلا استثناءات دخول محافظة صعدة بالكامل. إلا أن الواقع يختلف؛ فالكثير من المنظمات الإنسانية يتعين عليها أن تطلب إذن وزارة الداخلية على كل رحلة تقوم بها إلى صعدة، وهو مطلب مستحيل من الناحية العملياتية. ومع انتهاء سبتمبر/أيلول 2008 سمحت الحكومة للمنظمات الإنسانية بدخول عدد محدود من البلدات في محافظة صعدة، لكن مع الدخول في شهر أكتوبر/تشرين الأول كانت هذه الإتاحة المحدودة للدخول غير كافية لبلوغ الكثيرين ممن مكثوا لفترة طويلة بمعزل عن المساعدات وممن ما زالوا عرضة للمخاطر.
وقيود الحكومة المُشددة على المنظمات الإنسانية والصحفيين، حتى بعد انتهاء القتال، تعني أنه لا تتوافر إلا معلومات محدودة عن أعداد المدنيين المشردين، ومعدلات عدم الأمان التي تواجه السكان، ومجريات القتال. وتؤكد الحكومة أن انعدام الأمان تطلب منها أن تفرض القيود على دخول المساعدات الإنسانية، لكن القيود في حد ذاتها صعبت من تأكيد هذا الموقف المُعلن أو الطعن في مصداقيته. إلا أن القانون الإنساني الدولي واضح، إذ ورد فيه أن "الضرورة العسكرية القصوى" فقط هي التي تبرر تقييد المساعدات الإنسانية، على أن تكون قيوداً مؤقتة فقط.
كما لم يقم المتمردون الحوثيون بتيسير دخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وخشية فقدان القدرة المحدودة على دخول المساعدات، ترددت المنظمات الإنسانية غير الحكومية – كما هو مفهوم – في فرض ضغوط من وراء الستار – دعك من فرض ضغوط علنية – على الحكومة أو المتمردين من أجل التراجع عن القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية.
وبذلت منظمات الأمم المتحدة في اليمن بعض الجهود لدفع الحكومة لتخفيف القيود على دخول المساعدات الإنسانية، ولم تلق إلا نجاحاً جد محدود في مساعيها هذه. ويبدو أن الأمم المتحدة لم تبذل إلا القليل، وبتكتم، من أجل الضغط على الحكومة والمتمردين الحوثيين لاحترام التزاماتهم الخاصة بالقانون الدولي وقانون حقوق الإنسان من أجل حماية المدنيين المتأثرين بالحرب، بما في ذلك عشرات الآلاف من الأشخاص المشردين.
وبالمثل، فإن المانحين الدوليين، ومنهم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، لم يهتم كثيراً بالنزاع منذ بدأ في عام 2004. ويبدو أن تردد المانحين في الضغط على الحكومة بشأن سلوكها في القتال وقضية دخول المساعدات الإنسانية، مرجعه في الأغلب إلى القلق على الاستقرار السياسي في دولة فيها تواجد عريض للقاعدة وكذلك تحديات تنموية واسعة. وفي يوليو/تموز 2008 حاولت دول الاتحاد الأوروبي صياغة منهج موحد لمخاطبة الحكومة بموجبه بشأن قضية دخول المساعدات إلى مستحقيها، لكن لم يتسن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.
ورغم أن الرئيس علي عبد الله صالح أعلن في 17 يوليو/تموز 2008 عن انتهاء الجولة الخامسة من القتال – والنزاع المسلح بالكامل بالتبعية – فإن الكثيرين ممن شهدوا انتهاء الجولات السابقة من القتال يخشون أنه دون وجود اتفاق سلام مُدون وخاضع للمراقبة بناء على اتفاقية توسطت فيها قطر في عام 2007، فقد يندلع القتال ثانية ليغشى محافظة صعدة بالكامل في المستقبل القريب.
حتى إذا لم يتجدد النزاع المسلح، فإن القانون الإنساني الدولي يتطلب توفير المساعدة في إدخال المساعدات الإنسانية القادمة للتصدي لآثار النزاعات، ويكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان الحق في حرية التنقل، بما في ذلك حرية تنقل القائمين على المساعدات الإنسانية.
وتدعو هيومن رايتس ووتش حكومة اليمن والحوثيين إلى اتخاذ خطوات فورية من أجل ضمان أن المنظمات الإنسانية المُحايدة تتمتع بقدرة دخول سالمة وموثوقة ومستدامة لمحافظة صعدة، من أجل مساعدة مدنيين كثيرين بأمس الحاجة للمساعدات.
كما تدعو هيومن رايتس ووتش منسق الأمم المتحدة باليمن إلى دعوة الحكومة والحوثيين إلى احترام التزاماتهم بموجب القانون الدولي، وأن يلعب المانحون الدوليون دوراً فعالاً ومُنسقاً في الضغط على الحكومة والحوثيين من أجل منح الحق للمنظمات الإنسانية في الوصول إلى جميع المدنيين المتأثرين بالحرب.
Delicious
Digg
StumbleUpon
Reddit
Ma.gnolia
Facebook
Google
Yahoo
Technorati