December 16, 2008

ملخص

يتكون هذا التقرير من جزئين، الجزء الأول منه يناقش أوضاع حقوق الإنسان في الوقت الحالي في الصحراء الغربية، ويناقش الجزء الثاني أوضاع حقوق الإنسان في الوقت الحالي في مخيمات اللاجئين الصحراويين التي تديرها الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)، المنظمة الاستقلالية الصحراوية، بالقرب من تندوف في الجزائر.

وعن الصحراء الغربية، تركزت تحقيقات هيومن رايتس ووتش على حق الأشخاص في التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات ضمن جهود تحديد المصير للشعب الصحراوي وفي سياق حقوقهم الإنسانية. وقد خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن السلطات المغربية تقمع هذا الحق عبر القوانين التي تُجرم المس بـ "وحدة الأراضي" المغربية، وعبر الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة والقيود على الحق في تكوين الجمعيات والتجمع، وعنف ومضايقات الشرطة التي تمر دون عقاب.

أما مخيمات اللاجئين في تندوف فقد تركزت الأبحاث فيها على حرية التعبير والتنقل. وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أنه في الوقت الحالي تقوم البوليساريو فعلياً بتهميش من يتحدون قيادتها أو توجهها السياسي العام بشكل مباشر، لكنها لا تقوم بحبسهم. كما تسمح للسكان بانتقاد الإدارة اليومية لشؤون المخيم. ومن حيث الممارسة يتمكن السكان من مغادرة المخيمات إذا أرادوا ذلك بالعبور من موريتانيا. إلا أن الخوف والضغوط الاجتماعية تدفع من يعتزمون الانتقال للسكنى بالصحراء الغربية إلى عدم الكشف عن مقصدهم هذا قبل مغادرة المخيمات.

وما زالت حقوق سكان مخيمات تندوف عرضة للانتهاكات بسبب عزلة المخيمات وعدم وجود حركة مراقبة ميدانية لحقوق الإنسان، وغياب الإشراف من قبل الدولة المضيفة (الجزائر) من أجل ضمان احترام حقوق الإنسان الخاصة بالصحراويين الذين يعيشون داخل مخيمات البوليساريو على الأراضي الجزائرية. وقد أعد مجلس الأمن بالأمم المتحدة آلية للمراقبة الدورية والكتابة عن أوضاع حقوق الإنسان في كل من الصحراء الغربية ومخيمات تندوف للاجئين.

ولا يغطي هذا التقرير الإساءات التي وقعت في السابق، وهو موضوع هام في حد ذاته يسترعي الاهتمام. ورغم أن أوضاع الحقوق المدنية والسياسية قد تحسنت في مخيمات تندوف والصحراء الغربية منذ أن توقف النزاع بين جبهة البوليساريو والمغرب إبان اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين في 1991؛ فلم يقدم أي من الطرفين للعدالة – أو هما حاسبا – الجناة المسؤولين عن الأعمال الوحشية التي تم ارتكابها أثناء تلك الفترة السابقة.

ولا تتخذ هيومن رايتس ووتش أي موقف بشأن قضية استقلال الصحراء الغربية أو بشأن العرض المغربي بالحكم الذاتي تحت لواء السيادة المغربية. إلا أن كل الأشخاص – سواء من يعيشون في المنطقة المتنازع عليها تحت السيطرة المغربية الفعلية أو في مخيمات اللاجئين بإدارة جبهة البوليساريو – يحق لهم احترام حقوقهم الإنسانية الأساسية. ولا يمكن للإساءات التي يرتكبها الجانب المغربي أن تبرر أو تقلل من جسامة الإساءات التي ترتكبها جبهة البوليساريو، والعكس صحيح.

الصحراء الغربية

تقدم المغرب بخطى ثابتة على مسار تحقيق المكاسب في مجال الأداء الخاص بحقوق الإنسان على مدار السنوات الـ 15 الماضية. وسمح بقدر أكبر من حرية التعبير ومراقبة حقوق الإنسان من قبل أطراف مستقلة، وتشكلت هيئة المصالحة والإنصاف للتحقيق في الإساءات الماضية والإقرار بوقوعها ولتعويض ضحاياها. ووضع حداً لبعض الممارسات الأكثر جسامة، مثل "الاختفاء" لفترات مطولة، وهي من الممارسات التي كانت شائعة في الماضي.

إلا أن الحدود التي تحيط بتقدم المغرب على طريق حقوق الإنسان تتجسد في الأسلوب الذي تقمع به السلطاتُ المعارضة للموقف الرسمي إزاء الصحراء الغربية، بصفتها جزء لا يتجزأ من المغرب. وتحظر الحكومة التظاهرات السلمية وترفض الاعتراف القانوني بمنظمات حقوق الإنسان، وتعتقل القوات الأمنية تعسفاً المتظاهرين والمشتبهين بكونهم نشطاء صحراويين، وتقوم بضربهم وتعذيبهم، وتجبرهم على توقيع بيانات يُجرمون فيها أنفسهم، وكل هذا في ظل إفلات فعلي من العقاب، وتقوم المحاكم بإدانتهم وحبسهم إثر محاكمات غير مُنصفة.

وتعتبر السلطات المغربية "المحافظات الجنوبية" (المصطلح الذي تستخدمه إشارة إلى المنطقة المتنازع عليها) جزءاً من المغرب، وتسري فيها نفس القوانين والأنظمة الإدارية المُتبعة في باقي البلاد. من ثم فإن معاملتها للمعارضة في هذه المنطقة، رغم ما يحيط بها من سمات خاصة، يجب ألا يُعتبر خروجاً على المألوف، بل مثالاً دالاً على مدى استمرار السلطات المغربية في انتهاك حقوق الإنسان من أجل قمع المعارضة السياسية في قضايا تراها ذات طبيعة حرجة.

ولأن هيومن رايتس ووتش لم تجر أبحاثاً مقارنة في عدة مناطق بالمغرب؛ فلا يمكنها أن تجزم بأن ممارسات حقوق الإنسان المغربية في الصحراء الغربية أفضل أو أسوأ من ممارستها في المناطق الأخرى. ويوجد بالطبع مشكلة خاصة، هي القوانين المغربية التي تحظر المس بوحدة المغرب – ويتم تفسيرها بحيث تعني جهود الترويج لاستقلال الصحراء الغربية. لكن باستثناء هذا الموضوع فثمة حاجة لمزيد من الأبحاث للفصل فيما إذا كان المعارضين أو المُحتجين الذين يروجون لقضايا ذات حساسية سياسية أخرى في طنجة أو فاس مثلاً، يتمتعون بقدر أكبر من حرية تكوين الجمعيات والتجمع، أو يُرجح أن ينالوا محاكمات عادلة، أو يواجهون احتمالاً أقل بالتعرض للعنف البدني على أيدي عناصر الشرطة، مقارنة بما يواجه النشطاء الصحراويون في العيون أو السمارة.

وفي معرض قياس وفاء المغرب بالتزامات حقوق الإنسان الدولية في الصحراء الغربية، لا تتخذ هيومن رايتس ووتش أي موقف بشأن الوضع المستقبلي للمنطقة. وبغض النظر عن الوضع القائم أو المصير النهائي لهذه المنطقة، فإن كل سكانها يستحقون حقوق الإنسان التي يتعين على السلطة الفعلية المسيطرة على الأرض أن تكفلها لهم وتحترمها بموجب القانون. وأي ترتيبات سياسية تحرم السكان من حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي بشأن قضية سياسية أساسية في حياتهم؛ تُعد عدواناً على حقوق الإنسان.

خطة الحكم الذاتي المغربية

في أبريل/نيسان 2007 عرض المغرب على الأمم المتحدة عرضاً بخطة للحكم الذاتي للصحراء الغربية، وهي الخطة التي يزعم المغرب أنها سترضي تطلعات الصحراويين الخاصة بالحكم الذاتي مع استمرار السيادة المغربية على المنطقة. وبموجب العرض، ينقل المغرب جزءاً من السلطات، من السلطة المركزية، إلى هيئات ومسؤولين مُنتخبين محلياً. وعرض المغرب خطة الحكم الذاتي كأساس للمفاوضات مع جبهة البوليساريو.

إلا أن السلطات المغربية – وعلى حد علمنا – لم تشر إلى أن خطة الحكم الذاتي التي طرحتها تشمل تغييراً في البيئة الحاكمة لحرية التعبير بشأن قضية الصحراء الغربية. ويحق للأشخاص التحدث عن خطوات وعناصر تنفيذ خطة الحكم الذاتي، لكن اقتراح أي مسار – ويشمل الاستفتاء – يمكن أن يؤدي إلى الاستقلال، يستمر في كونه بمثابة المس بـ"وحدة الأراضي" المغربية (انظر الرسالة الواردة من الحكومة المغربية في الملحق 2 من هذا التقرير)، مما قد يستتبعه عقوبات جنائية.

القوانين التي تُجرم المس بـ "وحدة الأراضي" المغربية

أحد أسباب انتهاكات حقوق الإنسان الموصوفة في التقرير هي أن التشريعات المغربية تحظر المس بـ "وحدة أراضي" المملكة. ومن حيث الممارسة يتم تطبيق هذه العبارة لقمع الطعن في الموقف الرسمي القاضي بأن الصحراء الغربية جزء من المغرب. وهذا أحد ثلاثة خطوط حمراء في القانون المغربي تقيد من حرية التعبير، بالإضافة إلى "المس" بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي.

وورد في دستور المغرب لعام 1996، في الفصل 19: "الملك... هو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة". وقانون تكوين الجمعيات، فيما يُعد ليبرالياً في بعض أوجهه، فهو يسمح بحظر الجمعيات التي، وبناء على تفسير المحاكم، تسعى للمس بـ "وحدة الأراضي" المغربية. وقانون الصحافة لعام 2002، الأكثر تقدماً من سابقه، يشمل عقوبات بالحبس وغرامات كبيرة والوقف المؤقت أو حظر النشر، كعقوبات على الخطاب الذي من شأنه أن مس "وحدة الأراضي".

والاستنتاج واضح لا لبس فيه: أوجه الحظر على التعبير والأنشطة التي يُنظر إليها على أنها تمس "بوحدة بالأراضي" المعربية تخالف التزامات المغرب بصفته دولة موقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والخاصة باحترام الحق في التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع. وتزعم السلطات المغربية أنها تحترم فقط أوجه التعبير والأنشطة التي يسمح بتجميدها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما أنها تهدد الأمن والنظام العام (انظر الرسالة الواردة من الحكومة المغربية في الملحق 2 من هذا التقرير). ومن حيث الممارسة يستخدمون مصطلح "المس بوحدة الأراضي" الواسع والفضفاض لقمع كافة أشكال النشاط السياسي السلمي والتعبير التي تتعارض مع الرؤية الرسمية لقضية الصحراء الغربية.

الحاجة لاحترام الحقوق من حيث الممارسة، وكفالة المحاكمات العادلة ووضع حد للإفلات من العقاب

حتى إذا أراد المغرب تعديل أو إلغاء أو تفسير القوانين بشكل أكثر تحديداً فيما يتعلق بـ "المس بوحدة الأراضي"، فإن أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية لن تتغير إلى أن تحترم السلطات المغربية حقوق الصحراويين الراغبين في التحدث والترويج السلمي لحق تقرير المصير. ويجب أن تُظهر السلطات المغربية الإرادة السياسية الكافية لتحميل قوات الأمن المسؤولية على الاعتقالات التعسفية والمضايقات بحق النشطاء الصحراويين، واستخدام القوة المفرطة في وقف المظاهرات والاحتجاجات العامة، وحالات تعذيب الأشخاص المُحتجزين. ويجب أن تضع حداً للإدانات السياسية الدوافع بواسطة ضمان احترام المحاكم لكافة الضمانات الخاصة بالمحاكمة العادلة وأن تصل إلى أحكام مبنية على النظر في كافة الأدلة المتصلة بالقضية وبصورة نزيهة ومحايدة.

وفي العيون أكبر مدن الصحراء الغربية، ذكر الكثير من ضحايا عنف الشرطة الصحراويين أثناء سنوات 2005 و2006 و2007 نفس المجموعة من ضباط الشرطة، وقالوا أنهم ممن شاركوا في أعمال ضرب وإساءات بحقهم. والثلاثة الذين ذكروهم أكثر من غيرهم هم الضابط إشي أبو الحسن ومصطفى كمور والضابط رفيع الرتبة عزيز أنوش المعروف باللقب "التوحيمة". وتعرف السلطات المغربية بأن هؤلاء الضباط ذُكروا في شكاوى كثيرة للمدنيين تم تقديمها إلى مكتب الوكيل في محكمة استئناف العيون (انظر الملحق 2). وفي الحالات التي عرضتها هيومن رايتس ووتش على السلطات، أجابت هذه بأن لا أساس من الصحة لهذه الشكاوى.

وتم نقل الضابط أبو الحسن وكمور من العيون بعد الفترة الزمنية التي يغطيها هذا التقرير، وأفادت التقارير أن الضابط أنوش ما زال يشغل وظيفته في تلك المدينة. ولا تعرف هيومن رايتس ووتش بأية معلومات يبدو منها أن أي منهم قد حُمل مسؤولية الإساءات التي ارتكبها بحق سكان العيون.

مضايقة نشطاء حقوق الإنسان

يوثق هذا التقرير العديد من أشكال الاضطهاد والمضايقات من قبل السلطات المغربية بحق نشطاء حقوق الإنسان الصحراويين. وتسعى السلطات لنزع المصداقية عن هؤلاء النشطاء، وتتهم الكثيرين منهم باستخدام حقوق الإنسان كغطاء لأجندة البوليساريو "الانفصالية"، وفي بعض الأحيان باستخدام العنف. وفيما ينفي هؤلاء النشطاء أية صلة بأعمال العنف، فهم يعتنقون بلا مواربة أعمال الترويج للاستقلال كجزء من نشاطهم في مجال حقوق الإنسان، إذ أن الحرمان من الحق في تقرير المصير في نظرهم هو انتهاك لحقوق الإنسان ويكمن في صميم ما تعرض له سكان الصحراء الغربية من خبرات. ويضعهم هذا على خط صدامي مع القانون المغربي. وفيما لا تتخذ هيومن رايتس ووتش أي موقف بشأن استقلال الصحراء، فهي تدافع عن حقوق الآخرين، سواء أطلقوا على أنفسهم مدافعين عن حقوق الإنسان أم لا، في الترويج سلمياً للاستقلال أو لأي طروحات  أخرى ذات صلة بالنزاع.

وتبرر السلطات قمعها ليس فقط بدعوى تفادي المس بـ "وحدة الأراضي" المغربية، بل أيضاً أحياناً بدعوى تفادي العنف. إذ أن بعض المسيرات وفي حوادث منفصلة أخرى شهدت إلقاء أشخاص للحجارة، وفي بعض الحالات قنابل المولوتوف المصنوعة يدوياً. وهذه الأعمال الخطيرة وغير القانونية تسببت في إلحاق الإصابات بكل من عناصر إنفاذ القانون والمدنيين، كما يبين من الحالات المعروضة في هذا التقرير. ومن حق ومسؤولية السلطات المغربية أن تمنع مثل هذه الأعمال وتعاقب مرتكبيها. إلا أن السلطات المغربية تحظر تقريباً جميع التجمعات – بغض النظر عن موضوعها – حين تشتبه في أن المنظمين يتعاطفون مع الاستقلال، وتقوم بشكل متكرر بفض التجمعات العمومية "غير المصرح بها" حتى عندما تكون سلمية تماماً.

استمرار الانتهاكات الحقوقية الجسيمة رغم التحسن الذي يطرأ بمرور الزمن

يركز هذا التقرير على أوضاع حقوق الإنسان منذ عام 2006 حتى الوقت الحالي. وهذه الصورة المعروضة، رغم كونها موحشة، إلا أنها تمثل تحسناً في الأوضاع منذ السبعينات والثمانينات، حين كان المغرب في حرب مع البوليساريو. وقامت السلطات المغربية باختطاف و"إخفاء" المئات من الصحراويين وحكمت على المئات غيرهم بالسجن لفترات طويلة في محاكمات غير عادلة. وجميع المناطق الخاضعة للحكم المغربي، بما فيها الصحراء الغربية، طرأ عليها بعض التحسن في مجال حقوق الإنسان منذ أواسط التسعينات.

وعلى الرغم من قمع الترويج للاستقلال الصحراوي في معرِض تنفيذ القوانين، إلا أن المغرب فتح الباب بالتدريج وبتواتر غير متساوي لمزيد من النقاش حول القضية. على سبيل المثال اعترف المغرب قانوناً بحزب سياسي مغربي صغير، وهو النهج الديمقراطي، ويشمل نظامه الأساسي السماح للشعب الصحراوي بالتصويت على الاستقلال. وينتقد النشطاء الصحراويون الآن الحكم المغربي للمناطق المتنازع عليها، ويشكلون الجمعيات، وإن كانت غير معترف بها، للكشف عن خروقات حقوق الإنسان المغربية وللترويج لآرائهم المناصرة للاستقلال. ويطلع هؤلاء النشطاء زوار الصحراء الغربية على الأوضاع ويرافقونهم إليها ويسافرون إلى الخارج لعرض آرائهم على وسائل الإعلام الدولية، ويعرضونها أيضاً في بعض الصحف اليومية المغربية المستقلة، مثل المساء والجريدة الأولى، وصحف أسبوعية مثل "تيل كيل" و"لو جورنال"، حتى مع استمرار السلطات المغربية والإعلام الموالي للحكومة في منع التعبير عن مثل هذه الآراء.

وعلى النقيض من الوضع قبل عشرين عاماً، يضطلع النشطاء الصحراويون بهذه الأنشطة ويعودون إلى بيوتهم أغلب الليالي دون أن يتعرض لهم أحد. إلا أنه عاجلاً أم آجلاً يواجه أغلبهم مختلف صنوف المضايقات التي قد تشمل القيود على السفر والاعتقال التعسفي والضرب أو المحاكمة والسجن بناء على اتهامات مُلفقة. وفي الأعوام الماضية فرضت المحاكم بالتدريج على النشطاء الصحراويين أحكاماً بالسجن ثلاثة أعوام أو أقل، وهي أحكام أقل بكثير من تلك التي فُرضت في فترة سابقة. والنتيجة هي أنه في أية لحظة مُعطاة، فإن أغلب النشطاء المناصرين لاستقلال الصحراء يتمتعون بحريتهم لكن القليل منهم يقبعون وراء القضبان جراء السعي سلمياً لتحقيق أهدافهم.

وفيما يتوجب ذكر التحسن الذي طرأ في الأوضاع، فإن المقياس الذي يجب النظر من خلاله لسجل المغرب الحقوقي هو ليس فقط المضاهاة بسجل المغرب في العقود السابقة، أو بسجل جبهة البوليساريو (الذي يُكرس هذا التقرير جزءاً منفصلاً يخصه)؛ بل هو المضاهاة أيضاً بالتوقيع والمصادقة على الصكوك والاتفاقيات التي تُشكل قوام القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتي صادق المغرب عليها وتعهد بكفالتها. وبموجب هذا المقياس ذاته تطلب السلطات المغربية أن يُحكم على أدائها. وتبعاً لهذا المقياس، فإن معاملة المغرب للصحراويين الذين يعارضون استمرار الحكم المغربي للصحراء الغربية هي معاملة أقل مما يستوجب المقياس المذكور.

مخيمات اللاجئين قرب تندوف، الجزائر

يشغل مخيمات لاجئين تندوف – وتقع في منطقة صحراوية قاحلة في الجزائر – زهاء 125 ألف نسمة. وتم إنشاء هذه المخيمات قبل ثلاثين عاماً من قبل اللاجئين الذين فروا من القوات المغربية التي تقدمت إلى داخل الصحراء الغربية. وأغلب السكان ما زالوا يعيشون في خيام أو أكواخ متواضعة ولا تُتاح لهم مياه جارية، ويعتمدون كثيراً على المساعدات الإنسانية الدولية.

وفي عام 1976 أعلنت جبهة البوليساريو عن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بمساعدة الجزائر، وقامت بإدارة مخيمات اللاجئين حول تندوف بالإضافة إلى منطقة محدودة للغاية مأهولة بعدد قليل من السكان في الصحراء الغربية، وتقع إلى جنوب وشرق الجزء الذي تفرض السلطات المغربية سلطتها عليه من الصحراء.

ومن السمات المُقلقة لأوضاع حقوق الإنسان في مخيمات تندوف عزلة السكان وغياب المراقبة المنتظمة الميدانية لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من مجاهرة البوليساريو بالانفتاح للمراقبة، والتراجع الظاهر في القمع خلال السنوات الأخيرة، وتواجد أجانب يعملون لصالح منظمات تنموية وإنسانية، إلا أن حقوق السكان اللاجئين ما زالت عرضة للانتهاك بسبب عزلة المخيمات والوضع القانوني غير الواضح للمخيمات. فحكومة الدولة المضيفة، الجزائر، المسؤولة بموجب القانون الدولي عن حماية حقوق جميع الأشخاص داخل إقليمها، منحت الإدارة الفعلية للمخيمات لحركة التحرير التي لا تُعتبر مسؤولة رسمياً في النظام الدولي عن ممارساتها الخاصة بحقوق الإنسان.

وتحكم البوليساريو المخيمات منذ أكثر من جيل. ويتبع سكان المخيمات دستور وقوانين الجمهورية الصحراوية. وتنفذ البوليساريو سياسات وتتخذ قرارات تؤثر على حقوق الإنسان الخاصة بسكان المخيم يوماً بعد يوم. وتدير المحاكم والسجون وقوة الشرطة الداخلية، وتسيطر على حدود المخيمات، وهي السلطة الوحيدة التي يتصل بها سكان المخيمات بصورة مستديمة. وقد يستمر هذا الوضع لسنوات. ولهذا السبب ورغم مسؤولية الجزائر الشاملة عن الوضع، يجب تحميل البوليساريو مسؤولية أسلوبها في معاملة الأشخاص الخاضعين لإدارتها.

وقد تنصلت الجزائر فعلياً من مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها البوليساريو على الأراضي الجزائرية. وهذا مستحيل، إذ أن على المجتمع الدولي أن يُحمّل الحكومة الجزائرية المسؤولية عن أي انتهاكات ترتكبها جبهة البوليساريو في الجزائر، بالإضافة إلى مسؤولية البوليساريو عنها.

حرية التعبير

أصبحت الاعتقالات السياسية في الفترة الحالية نادرة أو لا وجود لها في مخيمات اللاجئين. ويمكن للصحراويين أن ينتقدوا قيادة جبهة البوليساريو بشأن الإدارة اليومية للمخيمات وما يتعلق بـ "القضية الوطنية".

إلا أن جبهة البوليساريو تحتكر الخطاب السياسي وتُهمِّش من يشككون في استمرار قيادتها أو يعارضونها في القضايا الأساسية. ولا يوجد في المخيمات معارضين أو مظاهرات أو وسائل إعلام أو منظمات ذات أهمية حقيقية تنتقد جهاراً شرعية جبهة البوليساريو بصفتها تجسيداً للقضية الوطنية، أو تضغط لصالح قبول العرض المغربي بالحكم الذاتي الصحراوي تحت سلطة المغرب. وتوجد صحيفة مستقلة صغيرة وفصيل منشق عن البوليساريو، لكن لا أثر واسع لهما على الحياة العامة. ومنظمة حقوق الإنسان غير الحكومية الوحيدة الناشطة بالمخيمات، وهي جمعية أسر السجناء والمختفين الصحراويين، لا تراقب الانتهاكات داخل المخيمات، بل تعمل فقط لصالح ضحايا الانتهاكات المغربية من الصحراويين.

ويرجع غياب أي معارضة سياسية ذات أثر بالأساس إلى الدور المهيمن للبوليساريو في تخصيص الموارد والوظائف في المخيمات المحرومة من الموارد، والتي يتم تنظيم سكانها في منظمات جماعية على صلة بالبوليساريو (مثلاً، الاتحاد الوطني للنساء الصحراويات، واتحاد الشباب، واتحاد العمال العام). ومن يعارضون البوليساريو في قضايا جوهرية يجدون مشقة في الحياة، حتى رغم غياب أي حظر رسمي أو قمع مباشر لأنشطتهم، وكثيراً ما يغادرون ببساطة. وكما أوضح أحد سكان المخيم المتعلمين، ويناصر خطة الحكم الذاتي المغربية وقد غادر المخيم: "من يريدون معارضة البوليساريو من داخل المخيمات لا يمكنهم الإفلات بفعلتهم، فيقومون ببساطة بمغادرة المخيمات".

حرية التنقل

تصور حركة البوليساريو – والكثير من سكان المخيمات – من يغادرون المخيمات للعيش في الصحراء الغربية الخاضعة لسيطرة المغرب بصفتهم "خونة" أو ما هو أسوأ. إلا أن هيومن رايتس ووتش لم تجد إلا أقل الأدلة على وجود قيود رسمية أو فعلية على من يرغب من اللاجئين في مغادرة المخيمات.

إلا أن من غادروا المخيمات متوجهين إلى الصحراء الغربية اتفقوا في القول على أنهم أخفوا مستقرهم النهائي، خشية محاولة البوليساريو منعهم من السفر إذا عرفت الجبهة بمقصدهم. وهذا الخوف تسبب في مغادرة الكثيرين دون اصطحاب أمتعتهم أو أقاربهم ممن كانوا ليصطحبونهم معهم لولا هذا الخوف؛ مما يسفر عن ضغوط ومشقة لا ضرورة لها. إلا أن أغلب من غادروا خرجوا عبر الطريق الرئيسية على الحدود الجزائرية الموريتانية، مما يشير إلى درجة من الثقة في أن السلطات لن تقوم بإعادتهم. ومن يرغب من الصحراويين في مغادرة المخيمات يفعل ذلك، رغم وجود ثقافة وأجواء من السرية من قبل من يخرجون وتظاهر البوليساريو بعدم المعرفة بخروجهم.

مزاعم الاسترقاق

يتضح من سجل البوليساريو أنها تعارض الاسترقاق بحزم بكافة أشكاله. إلا أن عليها أن تفعل المزيد للقضاء على بقايا ممارسات الاسترقاق المستمرة في التأثير على حياة بعض السكان من السود في مخيمات تندوف.[1]

والسود، الذين يشكلون أقلية ضمن السكان المغاربة، قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن قضية الاسترقاق في المخيمات في الوقت الحالي تتعلق بممارسة واحدة على الأخص: رفض بعض القضاة المحليين أداء مراسم زواج النساء السود المعروفات بصفة غير رسمية على أنهن "عبدات" ما لم يوافق "السادة" على الزواج. و"السيد" يمكنه إذن حصر اختيار المرأة للزوج.

وتشبه هذه الممارسة الممارسات التاريخية الموثقة بشكل أفضل في مالي، والمستمرة في موريتانيا، والتي يرتبط سكانها حضارياً وعرقياً بالصحراويين. وفي الصحراء الغربية قال لـ هيومن رايتس ووتش صحراويون إن بعض ممارسات الاسترقاق القديمة الباقية مستمرة في الصحراء الغربية بدورها.

ويصدق مسؤولو البوليساريو على أنه بينما تُجرم قوانين الجمهورية الصحراوية الاسترقاق، فإن بعض ممارسات الاسترقاق التاريخية متواجدة في المجتمع الصحراوي وأن المسؤولين الذين عينهم البوليساريو ربما عززوا من هذه الممارسات، كما هو مذكور أعلاه. وقاموا بتوثيق جهودهم من أجل معاقبة هؤلاء المسؤولين، ويبدو أنهم يعارضون هذه الممارسات وبصدق. وأقر السود الذين تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش بأن جبهة البوليساريو تعارض الاسترقاق لكنهم ركزوا على أنه ما زال يجب بذل المزيد من الجهد من أجل القضاء على الاسترقاق بكافة صوره

[1] الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في المخيمات بشأن هذا الموضوع عرّفوا أنفسهم باستخدام اللفظة العربية "أسود".