![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Libya Libya ![]() |
<< الصفحة السابقة | الصفحة الرئيسية | الصفحة السابقة >> VI. الإيذاء في الحجز
إلى جانب أشكال الإيذاء التي تحدث وقت القبض على المهاجرين واللاجئين، فقد أفاد بعض هؤلاء بوقوع عديد من الانتهاكات أثناء احتجازهم في منشآت شتى في ليبيا، بما في ذلك الضرب وتردي الأوضاع، والحرمان من الاستعانة بالمحامين. وفي ثلاثة من الحالات، أفاد الشهود بوقوع إيذاء بدني من جانب الحراس مما أفضى إلى وفاة أحد الأشخاص. وأفاد ثلاثة ممن التقت بهم هيومن رايتس ووتش أن مسئولي الأمن هددوا المحتجزات بإيذائهن جنسياً، ورأى أحد الشهود ما يعتقد أنه واقعة اغتصاب. وإذا كانت الأنباء تفيد بتحسن أوضاع احتجاز المهاجرين واللاجئين في السنوات الأخيرة، فإن الدلائل توحي بأن كثيراً من أشكال الإيذاء هذه لا تزال مستمرة.
وفي سياق جهودها لمواكبة التدفق الكبير في أعداد المهاجرين واللاجئين، تستخدم السلطات الليبية مجموعة مختلفة من المنشآت بغرض الاحتجاز. فقد أفاد الأشخاص الذين التقت بهم المنظمة أنهم احتُجزوا في مراكز الشرطة، وفي سجون عادية (وأحياناً مع المجرمين العاديين)، وفي قواعد عسكرية ومعسكرات صحراوية ذات خيام. وقد استعلمت هيومن رايتس ووتش من الحكومة الليبية عما إذا كان لديها معايير لاحتجاز الأجانب، ولكن حتى أغسطس/آب 2006 لم تكن الحكومة قد ردت عليها بعد. وتحدث المهاجرون واللاجئون عن التكدس وقلة الرعاية الصحية وشدة القيود المفروضة على الالتقاء بالزوار والمحامين.
وقد زارت بعثة فنية من المفوضية الأوروبية مواقع الاحتجاز في شتى أنحاء ليبيا في أواخر عام 2004، وأفادت أنها وجدت تفاوتاً في الظروف "من الظروف المقبولة نسبياً إلى الظروف شديدة الرداءة".94 وقالت البعثة إن هناك مراكز احتجاز قصير الأجل وأخرى للاحتجاز طويل الأجل، وإن المراكز المخصصة للاحتجاز لأجل طويل تشبه السجون. كما تحدثت البعثة عن التكدس وعن زعم المحتجزين أنهم لا يتناولون سوى الخبز والماء، وعن حبس المحتجزين لمدة تصل إلى سبعة أشهر أو أكثر بلا مراجعة قانونية، وعن احتجاز الأطفال دون مرافق، وعن حالات يبدو فيها أن المحتجزين لديهم وثائق إقامة سليمة بليبيا.
كما لاحظت هيومن رايتس ووتش وجود مشكلة أخرى، وهي الفساد المزمن في نظام الهجرة. حيث أفاد المهاجرون واللاجئون دوماً أن المحتجزين يمكنهم شراء حريتهم بدفع رشوة للحراس أو لقادتهم.
وتدعي الحكومة الليبية، كما سبق الإشارة، أن السلطات تعامل الأجانب في حدود القانون، وأنها تحرك الدعوى القضائية ضد المسئولين الذين يتجاوزون حدودهم باستخدام القوة المفرطة أو غيرها من صور سوء المعاملة في أثناء الاحتجاز. وقد اعترفت الحكومة بأن بعض منشآت الاحتجاز بها تكدس، لكنها عزت ذلك إلى ارتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين، وقلة التمويل، وبطء استجابة بعض السفارات والقنصليات التي يجب أن تؤكد هوية رعاياها قبل البدء في ترحيلهم. وقالت الحكومة إنه "من الصعب إيجاد حل سريع لمسألة التكدس نظراً لارتفاع أعداد المهاجرين غير الشرعيين الذين يدخلون إلى الجماهيرية الليبية"، حيث أن هذه الأعداد تتطلب "أموالاً طائلة تفوق طاقة الجماهيرية الليبية".95
وقالت الحكومة إن الرشوة جريمة يعاقب عليها القانون رقم 2 لسنة 1979، وفي حالة فساد أحد العاملين بالدولة أو ضباط الشرطة "فمن المؤكد أن الفروع المختصة ستتخذ الإجراءات القانونية في أية حالة معينة تُبلغ بها". ولم تشر الحكومة إلى عدد حالات الرشوة أو الفساد التي فتحت فيها تحقيقاً أو حركت فيها الدعوى القضائية.
وتُعد ليبيا من الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تنص المادة التاسعة منه على أنه "لا يجوز توقيف أي أحد أو اعتقاله تعسفاً. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه". ويُعتبر الاحتجاز "تعسفياً" إذا لم يكن القانون يجيزه أو إذا لم يتم طبقاً للإجراء المقرر فيه، كما يُعتبر تعسفياً إذا كان عشوائياً أو قائماً على الأهواء أو غير مصحوب بإجراءات منصفة للمراجعة القانونية.96
كما يُعرف الاحتجاز التعسفي باعتباره منافياً للقانون، وكذلك باعتبار أنه ينطوي على عنصري الظلم وعدم إمكانية التنبؤ. ونظراً لاشتداد ظاهرة احتجاز المهاجرين واللاجئين إلى أجل غير مسمى، فقد وضع فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة معايير لتحديد ما إذا كان حرمان المهاجرين وطالبي اللجوء من الحرية تعسفياً أم لا. وينص المبدأ الثالث من هذه المعايير على ضرورة "مثول [المهاجر أو طالب اللجوء الموضوع في الحجز] فوراً أمام قاض أو سلطة أخرى"، بينما ينص المبدأ السابع على "ضرورة أن يضع القانون حداً أقصى للمدة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يستمر الاحتجاز إلى أجل غير مسمى أو أن يمتد لفترة بالغة الطول".97
ظروف الاحتجاز في الكفرةيُحتجز معظم المهاجرين أو اللاجئين، الذي يتم اعتراضهم في أثناء دخولهم من الجنوب الشرقي من السودان أو تشاد، في مدينة الكفرة الصحراوية أو على مقربة منها، ويبدو أن الحكومة تحتجز المهاجرين واللاجئين في عديد من المخيمات في تلك المنطقة. وقد تحدث الأشخاص الذين التقت بهم هيومن رايتس ووتش عن عدد من أشكال الإيذاء هناك، من بينها الإيذاء البدني الشديد.
وقد اعترف علي امدورد، وهو أحد كبار المسئولين الليبيين المختصين بالهجرة، بأن ظروف الاحتجاز في الكفرة تكون أحياناً سيئة، وأشار إلى وفاة امرأة حامل دون أن يوضح ظروف وفاتها. وقال إن الحكومة أعدت، في أعقاب ذلك، لإعادة 130 من البالغين المحتجزين بتلك المنشأة، وهم من إريتريا والسودان والصومال، بمساعدة سفارة كل فئة والمنظمة الدولية للهجرة، التي قدمت مائة دولار أمريكي لكل شخص. (أنكرت المنظمة الدولية للهجرة تقديم المال إلى الأشخاص الذين أعادتهم ليبيا إلى بلادهم.)98 وقال امدورد إن إحضار مسئولي السفارات إلى الأشخاص الموجودين في ليبيا الذين قد يتعرضون للاضطهاد من جانب حكوماتهم لا يمثل أية مشكلة لأن "أحداً منهم لم يقل إنه يخشى ذلك".99
وفي لقاءات مع هيومن رايتس ووتش، تحدث ثمانية أفراد كانوا محتجزين في الكفرة وعلى مقربة منها، ومنهم ثلاثة مُنحوا لاحقاً حق اللجوء في إيطاليا، عن سوء المعاملة التي شهدوها ومروا بها في مختلف منشات الاحتجاز. فذكر أبرهه، وهو لاجئ إريتري فر من موطنه عام 2002 بعد امتناعه عن تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، أن سلطات الأمن الليبية قبضت عليه لعدم حمله الوثائق اللازمة، واقتادته إلى أحد مراكز الشرطة بالكفرة في عام 2002. وقال إن المهربين اللذين أحضراه إلى ليبيا مقابل 200 دولار أمريكي كانا بالمركز، وكانت الشرطة تضرب أحدهما. وقالت الشرطة إنها لا تريد سوى المهربين، وإنها ستطلق سراح أبرهه والآخرين وعددهم 25 تقريباً، لكنها أبقتهم في المركز ثلاثة أيام. وكان المحتجزون ينامون بدون حشايا على الأرض في فناء، لكنهم كانوا يتلقون الطعام والماء، وكانت النساء والأطفال ينامون في الجانب الآخر من الفناء.
وبعد ثلاثة أيام، نقلت السلطات المجموعة إلى سجن خارج الكفرة، حيث كانت الظروف أسوأ بدرجة ملحوظة. ولم يكن بالسجن طبيب على حد علم أبرهه، ولم يكن الحراس يأخذون أحداً أبدا إلى أي مكان بغرض الرعاية الطبية. وظل أبرهه في زنزانة بها مرحاض واحد مع أربعين رجلا تقريباً، ولم يسمح لهم الحراس بالخروج لمدة شهر. وعلى مدى الشهرين التاليين كانوا يسمحون لهم بالخروج حسب الأهواء، حيث قال أبرهه "إن المسألة تتوقف على مزاج الحارس". ولم يكن يُسمح للمحتجزين بإجراء مكالمات هاتفية، أو الاتصال بمحامين أو استقبال زوار، حيث قال أبرهه لهيومن رايتس ووتش:
ما كان لأحد أن يعرف إن كنا أحياء أم أمواتاً لأننا لم نكن نستطيع الاتصال بأحد... وقد طلبنا التحدث إلى مدير السجن لنطلب معلومات، لكن الحراس ظلوا يقولون "غداً، غداً". ثم حضر مدير السجن وأخبرنا أن علينا الانتظار حتى يتم تحديد موعد إعادتنا لبلادنا. وفي أحد الأيام حضر السفير الإريتري، وقال إنه جاء لمساعدتنا على الخروج، لكنه في الحقيقة كان قد جاء لإعادتنا للوطن.100
وأضرب أبرهه وآخرون عن الطعام احتجاجاً على ظروف الاحتجاز، لكنهم استسلموا بعد 15 يوماً عندما خارت قواهم، فقد مرض أبرهه واثنان آخران، فوضعهم الحراس في الفناء على الأرض. وقال أبرهه إن مدير السجن جاء وضرب ثلاثتهم بعصا مطاطية، فثار المحتجزون المضربون عن الطعام لكن الحراس تمكنوا من إرجاعهم إلى زنازينهم. وأضاف أبرهه قائلاً إن "اثنين منهم أُصيبا إصابة شديدة، فجاء طبيب في اليوم التالي لفحصهما".
وبعد ثلاثة أشهر، أخبر مدير السجن المحتجزين أن الحكومة الليبية ليس لديها المال الكافي لإرسالهم إلى إريتريا، لكنهم يمكنهم الذهاب إلى السودان. ثم أخذ المدير جميع السجناء وعددهم حوالي 100 شخص واقتادهم باتجاه السودان في أربع مركبات. وعندما توقف الركب في منتصف الطريق، دفع كل سجين 100 دولار إلى مدير السجن، من أجل إعادتهم إلى الكفرة، حيث تُركوا على جانب الطريق. وفي الكفرة دفع أبرهه 200 دولار للوصول إلى طرابلس، حيث قضى حوالي ستة أسابيع، ثم دفع 1000 دولار لأحد المهربين ليستقل سفينة بها أكثر من 150 راكباً إلى إيطاليا، ووصل إليها في مارس/آذار 2003 بعد يومين في عرض البحر، وهناك حصل على صفة اللاجئ في مايو/أيار 2005.
وحكى لاجئ اريتري آخر لهيومن رايتس ووتش، واسمه "تيكلو" وقد مُنح حق اللجوء في إيطاليا، عن تجربته في الاحتجاز ثلاثة أشهر في الكفرة، حيث يقوم الحراس بضرب المحتجزين بصورة منتظمة، فقال إن السلطات اعتقلته في عام 2002، مع حوالي 100 من النزلاء، من الجنائيين والمهاجرين. وكان محتجزاً في زنزانة مشتركة بلا نوافذ أو أسرّة مع أربعة رجال آخرين. وأضاف تيكلو أن المسئولين الليبيين كانوا يستجوبونه "صباحاً ومساءاً" بعد القبض عليه، وأنهم ضربوه مراراً بأسلاك الكهرباء وبسوط، مطالبين إياه بالكشف عن مكان وأسماء المهاجرين الآخرين الذين أفلتوا من الشرطة وعن تفاصيل دخولهم البلاد دون إذن. واستمر الاستجواب والضرب حوالي 20 يوماً، ثم أصبح يجري بين الفينة والفينة. وقال تيكلو إنه لم يكن مسموحاً له بإجراء أية مكالمات هاتفية أو بالاتصال بمحام.101
وقال إسكندر، وهو لاجئ إثيوبي، إنه دفع 300 دولار لأحد المهربين للذهاب من السودان إلى الكفرة في يناير/كانون الثاني 2002، لكن قوات الأمن الليبية ألقت القبض على المجموعة التي كان مسافراً معها عند وصولهم. وأضاف أنه قضى سنة في السجن في إحدى القواعد العسكرية على مشارف الكفرة مع حوالي 170 شخصاً، منهم 70 امرأة. وقال "لم أستطع الاتصال بأحد هاتفياً أو الكتابة إلى أحد طيلة عام كامل. كل ما قالوه لنا إنهم يحاولون الاتصال ببلادنا لإعادتنا إليها". وقال إن اثنين من الرجال تُوفيا خلال وجوده هناك، لكنه لا يعرف السبب وراء موتهما. وأوضح قائلاً إنهما "كانا مريضين، ولم يتلقيا الرعاية اللازمة؛ كنا ننام على الأرض ولذلك أُصيبا بالبرد، كما كانا يعانيان من الاكتئاب الشديد".
وقال إسكندر إن الحراس لم يسمحوا للمحتجزين مطلقاً بالخروج من زنازينهم. وفي أحد الأيام (وهو لا يعرف تاريخه) احتج المحتجزون بأن أضربوا عن الطعام. وحكى لهيومن رايتس ووتش كيف تعاملت السلطات الليبية مع الموقف:
وقعنا في مصيدة هناك، ولم يعيدونا لبلادنا. كنا محبوسين كالحيوانات؛ فأضربنا جميعاً عن الطعام لخمسة أيام. فجاء العقيد مع حرس كثيرين أحاطوا بالفناء وأخرجونا جميعاً من الزنازين. فأخبرنا العقيد إننا لا نعرف سبب وجودنا هناك، ولا نعرف إن كنا متهمين بأية تهم. فقال إنه سيتصل ببلادنا، فقلنا إننا سننتظر رده جالسين هناك في الفناء. وعندئذ بدأ الحراس يضربون الجميع بالعصي ويطلقون النار في الهواء لإرغامنا على العودة إلى الزنازين.102
وقال إسكندر إنه دفع رشوة، أثناء ترحيله بعد حوالي ثلاثة أشهر، وهرب إلى طرابلس حيث قضى ستة أشهر. وفي يونيو/حزيران 2003، دفع 1000 دولار ليتم تهريبه على متن سفينة إلى إيطاليا. وأضاف قائلاً "كان هناك حوالي 110 أشخاص في سفينة الصيد الصغيرة. نزلنا في لامبيدوزا عند الفجر، ولم يكن هناك أحد حيث رسونا، فما كان منا إلا أن انتظرنا في السفينة حتى تأتي الشرطة". وعندما وصلت السلطات الإيطالية، طلب إسكندر حق اللجوء السياسي. وفي مايو/أيار 2005، حصل على الإقامة لمدة عام لأسباب إنسانية.103
وفي حادثة أخرى وقعت مؤخراً، تعرض ولدمريم - وهو إريتري كان يسعى للجوء في إيطاليا في مايو/أيار 2005 - للقبض عليه خارج الكفرة في مارس/آذار 2004 لعدم حيازته للوثائق اللازمة، وذلك بمجرد دخوله ليبيا قادماً من السودان. وقال إن السلطات الليبية احتجزته مع 46 آخرين، منهم طفلان، لمدة ثلاثة أسابيع في مخيم صحراوي على بعد حوالي 40 كيلومتراً من المدينة. وكان ولدمريم يقيم في خيمة مع حوالي 15 رجلاً، بينما ظل النساء والأطفال في خيمة مخصصة لهم.
وذكر ولدمريم أن الحراس كانوا يضربون المحتجزين في كثير من الأحيان، حيث قال لهيومن رايتس ووتش:
كان الحراس يدخنون الحشيش طوال الليل ثم يأتون بضوء كشاف ليختاروا منا البعض ليضربوهم. وفي إحدى الليالي جاءوا، فرفعت رأسي، فسألوني ما ديانتي فأجبتهم بأنني مسيحي، فأخذوني إلى الخارج وضربوني. وقال رجلان آخران إنهما مسلمان فلم يأخذهما الحراس للخارج.104
وأضاف ولدمريم أن الحراس كثيراً ما كانوا يجعلون الرجال يقولون إنهم يهود وهم يضربونهم. وفي مرات أخرى كانوا يأمرون الرجال بالبقاء في وضع تمرين الضغط مدة طويلة وقد ارتكزوا على قبضات أيديهم وهي مضمومة وعلى أطراف أصابع أرجلهم. وقال ولدمريم "بعد فترة يبدأ الجسم في الارتعاش، وإذا سقط أحد كان الحراس يضربونه".
وفي إحدى الليالي هرب أحد الرجال، ثم عُثر عليه بعد أربع ساعات وقد خارت قواه في الصحراء. وقال ولدمريم إن الحراس في تلك الليلة أجبروا كل الرجال في المخيم على خلع ملابسهم والاستلقاء على الأرض، وقام حوالي عشرة حراس بضرب الرجال على رءوسهم وأجسادهم بعصي مطاطية.
وذكر ولدمريم أن الحراس كانوا يذهبون أحياناً إلى خيمة النساء ليلاً، لكن قائد المعسكر أمرهم بالكف عن ذلك. فقال "كان الحراس يذهبون إلى الخيمة ليلاً لمضايقة الفتيات. كنا مستعدين أن نفديهن بأرواحنا، وعندما تحدثنا إلى قائد المعسكر أمر الحراس بالكف عن ذلك".
وبعد ثلاثة أسابيع في المخيم، نقلت السلطات المحتجزين إلى سجن بالكفرة، وهو سجن عادي به حوالي 600 سجين، على حد قول ولدمريم. وقد وضعته السلطات في زنزانة بها 150 من المهاجرين الذين لا يحملون وثائق وينتمون إلى جنسيات مختلفة. وكانت هناك زنزانة منفصلة بها حوالي 15 من النساء والأطفال. وذات مرة، أخذ الحراس امرأة حامل إلى المستشفى ثم أخلوا سبيلها.
وكان هناك مرحاض واحد في زنزانة ولدمريم، وكان المحتجزون يستخدمونه أيضا لتنظيف أنفسهم باستخدام دلاء الماء، وهي وسيلة الاستحمام المتاحة لهم. ولم تتح لهم الفرصة مطلقاً لتغيير ملابسهم أو الوسادات أو البطاطين أو الملاءات، ولم يكن هناك أسرّة بالزنزانة. وكان بالزنزانة شباك واحد ذي قضبان، وكان الحراس يخرجون الرجال من الزنزانة ثلاث مرات في اليوم لعدّهم. وكان المحتجزون يتناولون الأرز أو المعجنات المسلوقة مرة في اليوم. ولم يكن يُسمح لهم بإجراء مكالمات هاتفية أو باستقبال الزوار. وفي إحدى المرات جاء السفير الإريتري لتحديد الإريتريين الذين سيتم ترحيلهم، وقال ولدمريم "معظمنا قال إننا إثيوبيون لنتحاشى إعادتنا لإريتريا".
وفي يونيو/حزيران 2004، تمرد كثير من الإريتريين والإثيوبيين بسبب نقص الطعام، حيث قال ولدمريم "قررنا التمرد فكنا نلقي عليهم بأي شيء في متناول أيدينا، كالأكواب والأطباق". وبعد التمرد أخذ مسئولو الأمن كل الإثيوبيين والإريتريين إلى المخيم الصحراوي ثانية، وهناك دفع ولدمريم رشوة لأحد الحراس ليخلي سبيله. وتمكن في آخر الأمر من الوصول إلى طرابلس حيث دفع 1400 دولار للسفر بحراً إلى إيطاليا، فوصل إليها في سبتمبر/أيلول بعد ثلاثة أيام في عرض البحر، وهناك قدم طلباً للحصول على اللجوء.
الظروف السائدة في منشآت الاحتجاز الأخرىتحتجز السلطات الليبية المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين في منشآت شتى في مختلف أنحاء البلاد. وفي سبتمبر/أيلول 2004، تحدث بعض الصوماليين الذين تم ترحيلهم من ليبيا إلى صحفيين في مقديشو قائلين إن الشرطة الليبية كانت قد احتجزتهم في مخزن للكيماويات، وهو الأمر الذي تسبب في إصابتهم بمشاكل جلدية.105
وفي سبتمبر/أيلول 2003، حاولت اللاجئة الإريترية أنابيسا لأول مرة الذهاب من ليبيا إلى إيطاليا على متن سفينة لأحد المهربين، تحمل 47 آخرين. وكما سبقت الإشارة في الفصل الخامس، "الانتهاكات أثناء القبض على الأشخاص"، فقد غرقت السفينة بأربعة من ركابها قبل أن يتمكن طاقم سفينة فرنسية من إنقاذ بقية الناجين، وتسليمهم إلى السلطات الليبية.
وقالت أنابيسا إن الليبيين احتجزوا هذه المجموعة في سجن على مسيرة حوالي ساعة ونصف الساعة بالسيارة من الساحل، وكانت تعتقد أنه مركز احتجاز "للمهاجرين واللاجئين فقط". وكان بالمجموعة أربع نساء حوامل، وضعت إحداهن مولودها على الفور، بينما أطلقت السلطات سراح الثلاث الأخريات قبيل موعد وضع كل منهن. كما كان هناك طفل عمره أربع سنوات، كانت أمه قد غرقت أثناء محاولة السفر بحراً، فجاء أبوه وأخذه عائداً إلى إريتريا.
وقالت أنابيسا إن الحراس في المعسكر دأبوا على ضرب المحتجزين باستخدام أنابيب من البلاستيك. وبعد حوالي ستة أسابيع، حاولت السلطات نقل النساء الموجودات في المجموعة، مما كان يعني فصل الأزواج عن الزوجات. فاحتج الرجال المحتجزون بشدة؛ مما أدى إلى المزيد من الضرب، بما في ذلك الضرب بالعصي التي تولد صدمات كهربية.
وعلى الرغم من الاحتجاج، فقد نقلت السلطات النساء إلى منشأة أخرى في مصراتة. وظلت أنابيسا مع 12 امرأة أخرى في زنزانة صغيرة ليس بها دش للاستحمام، فكانت النساء يستخدمن المياه التي تجلب إليهن في زجاجات من البلاستيك بغرض الاستحمام، ولم يكن يُسمح لهن بالذهاب إلى الحمام إلا مرة واحدة يومياً. وكن يتلقين الخبز والشاي في الصباح، ووجبة واحدة من الأرز يومياً. وكانت أوضاع المرافق الصحية شديدة السوء؛ فمرضت نسوة كثيرات، على حد قول أنابيسا. كما قالت إن امرأة إثيوبية تُوفيت بعد أن أضربت عن الطعام احتجاجاً على هذه الظروف، لكنها لا تتذكر اسمها.
وقالت أنابيسا إن الحراس الرجال كانوا يهددون المحتجزات بالاعتداء عليهن جنسياً. ووصفت الخوف الذي كانت النساء يعشن فيه بقولها:
عندما كنا نحتاج لأخذ الطعام كنا نذهب سوياً، وعددنا 13 امرأة، كي لا نترك واحدة منا في الغرفة وحدها أبداً. وكانت هذه وسيلة ناجحة في درء الاعتداء. والأمر نفسه عندما كان الحراس الرجال يأتون ليلاً بمجموعة من المفاتيح ويدخلون إلى زنزانتنا، فكنا نوقظ بعضنا البعض متى حدث ذلك ونتجمع معا جالسات ونبدأ في البكاء والصراخ حتى ييأسوا ويخرجوا.106
وادعت أنابيسا أنها رأت الحراس في مصراتة يضربون رجلاً نيجيريا حتى الموت بعد أن حاول الهرب، لكنها لا تعرف اسمه. كما قالت إنهم عذبوا رجلاً من غانا بأن كبلوا قدميه ويديه خلف ظهره وتركوه في العراء في الشمس وقد غطوا جسده بشراب مُحلى بالسكر يجتذب الذباب.
وأمضت أنابيسا ثلاثة أشهر في مصراتة ثم دفعت رشوة لأحد الحراس ليتركها تهرب هي وثلاث نسوة أخريات. ثم استقلت سفينة ثانية إلى إيطاليا ووصلت إليها في ديسمبر/كانون الأول 2003، وبعدها تمكنت من الحصول على حق اللجوء. وقالت إن بعض من اعتُقلوا معها ظلوا في مصراتة لمدد بلغت تسعة أشهر.
كما احتُجز شخصان آخران التقت بهما هيومن رايتس ووتش، وهما إريتريان، في أوقات مختلفة في إحدى المنشآت في مصراتة، وزعم كلاهما أن الحراس دأبوا على ضرب المحتجزين بصورة منتظمة.107
وذكر أحد اللاجئين الإثيوبيين، ويُدعى غيتاشيو، أن السلطات احتجزته في مركز احتجاز يبدو أنه مخصص للأجانب قرب طرابلس لمدة 29 يوماً في أواخر عام 2003. وقال إن الحراس كانوا يجبرون المحتجزين على حمل كتل من الأسمنت في موقع بناء وكانوا يضربون بالعصا من لا يستطيع حمل الكتل الثقيلة. وادعى أن الحراس ضربوا ذات مرة إثيوبيا آخر ضرباً مبرحاً حتى انكسر عاموده الفقري ومات، لكنه لا يعرف اسم هذا الرجل.108
وتمكن غيتاشيو من الهرب عن طريق رشوة أحد الحراس، وبدأ يعمل بدون تصريح حتى يكسب بعض المال ليدفعه ثمنا للسفر إلى إيطاليا، التي نجح في الوصول إليها في أكتوبر/تشرين الأول 2004. وفي مايو/أيار 2005، كان طلبه للحصول على اللجوء لا يزال قيد الفحص.
أما الصحفي واللاجئ الإريتري يوهانيس، الذي فر إلى ليبيا في عام 2002 لأنه لم يجد الحماية اللازمة في السودان، فقد قبض عليه بعد أن حاول الانحراف بسيارته لتفادي نقاط التفتيش قرب الكفرة في عام 2002. وقال لهيومن رايتس ووتش إنه قضى بعض الوقت في أربعة سجون في مناطق مختلفة بليبيا.
وأول هذه السجون مكان أطلق عليه اسم "أوجيلا"، حيث وضعته السلطات في الحبس الانفرادي وكانت تعتدي عليه بالضرب على مدار فترة احتجازه التي امتدت شهرين. وقال إنهم في الساعة السادسة من مساء كل يوم كانوا يضربونه بالعصي ويركلونه ويقولون له إنه يجب أن يعتنق الإسلام. وفي إحدى المرات ضربوه بشدة بعصا على رأسه حتى غاب عن الوعي. وأضاف "قالوا لي إني جاسوس، وكانوا يضحكون وهم يعذبونني".
وفي منشأة أطلق عليها اسم "جالو" حبسته السلطات وحده في زنزانة لمدة شهرين تقريباً. وقال إن الحراس كانوا يضربونه في محاولة لإجباره على نبذ عقيدته المسيحية وتأدية صلاة المسلمين. ثم نُقل إلى مكان أطلق عليه اسم "الجدابية" حيث أقام في زنزانة بها حوالي 50 من اللاجئين والمهاجرين من تشاد. وقال إن الحراس ضربوه هناك أيضاً وأجبروه على أداء صلاة المسلمين. وفي هذه المنشأة مرض يوهانيس مرضاً شديداً. وفي أحد الأيام اشتد عليه المرض حتى أعجزه عن الحركة بينما كان الحراس ينادون على السجناء للخروج إلى الفناء، وهو الأمر الذي أثار غضب الحراس. وقال إنهم قاموا بإطفاء السجائر في رجله لإجباره على التحرك، وقد لاحظت هيومن رايتس ووتش آثار حرقين على إحدى رجليه، قال إنهما بسبب هذا الاعتداء. وبعد حوالي شهرين في هذا السجن، نقلته السلطات إلى سجن في بني غازي. وأدعى يوهانيس أن الحراس هناك كانوا يضربون السجناء في الممرات. وقال إنهم في إحدى المرات ضربوا سجيناً تشادياً ضرباً شديداً حتى فارق الحياة، لكنه لم يعط تفاصيل عن هذه الواقعة. وبعد ذلك بفترة قصيرة، دفع يوهانيس رشوة لبعض الحراس وتمكن من الفرار وتوجه إلى إيطاليا حيث قدم طلباً للحصول على اللجوء.109
وأمضى إفريم س.، وهو لاجئ إثيوبي من أب إثيوبي وأم إريترية، بعض الوقت في مارس/آذار 2001 في منشأة في طرابلس، حيث كانت الأوضاع الصحية رديئة إلى حد خطير. وقال إفريم إنه اعتُقل عندما واجهت سفينة المهرب التي استقلها إلى إيطاليا بعض المصاعب وتمكن صياد إيطالي من إنقاذ ركابها وسلمهم إلى السلطات الليبية. وقضى إفريم 12 يوماً في ما كان يعتقد أنه سجن عادي في طرابلس. وقال إن المسلمين كانوا بمعزل عن المسيحيين، وكان يقيم في غرفة كبيرة بها حوالي 30 رجلاً. وأضاف أنهم كانوا يتناولون طعاماً "مقرفاً" من إناء واحد للجميع. ولم يكن هناك دش أو تجهيزات أخرى للاستحمام، وكان هناك مرحاض واحد للرجال الثلاثين. ولم يكن أحد يستطيع أن يتحدث إلى الحراس، ولم يكن يُسمح لهم بالخروج. وقال إفريم لهيومن رايتس ووتش "كان الكثيرون منا يخشون على أرواحهم، فكنا نعتقد أنهم سيرحلوننا أو سيقتلوننا. ولم تسنح لي الفرصة لأخبر أحداً بأنني لاجئ وأنني كنت خائفاً".110 ثم تمكن إفريم من الهرب من السجن ونجح في الوصول إلى إيطاليا في عام 2002، حيث مُنح حق اللجوء.
أما تيكلو، وهو اللاجئ الإريتري البالغ من العمر 23 عاماً الذي سبقت الإشارة إليه، فقد حكى لهيومن رايتس ووتش ما حدث بعد أن قُبض عليه في أثناء محاولته مغادرة ليبيا متجهاً إلى إيطاليا، والإيذاء الذي تعرض له في مقر الاحتجاز بما في ذلك احتمال تعرضه للإيذاء الجنسي. فقال إن الشرطة قبضت عليه هو ومجموعة من الأجانب في مايو/أيار 2003، بينما كانوا ينتظرون وصول سفينة أحد المهربين. وأضاف أنه قضى ثلاثة أشهر في قاعدة بحرية في زلطن، ووصف الظروف التي كانت سائدة فيها بقوله:
كنا نقيم في الفناء، مقسمين بحسب الجنسية والجنس في الأقسام المختلفة للفناء. كان الجنود شباباً ويدخنون الحشيش كثيراً. وكانوا يجبروننا على الجري حول الفناء في الصباح وهم يلقون علينا بأشياء، بأي شيء في متناول أيديهم.111
وذكر تيكلو أن كل الرجال المحتجزين كانوا ينامون في العراء، ولم يتم توفير أيا حشيات لهم. أما النساء والأطفال فكانوا يقيمون في بناء يشبه المرأب في نهاية الفناء. وقال تيكلو "كان الحراس يذهبون إليه ليلاً وكانت النساء يصرخن، فيذهب الرجال ليروا ما يحدث لكن الحراس كانوا يضربونهم. لست متأكداً، فل |