Human Rights Watch منظمة هيومان رايتس ووتش
   الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم PortuguesFrancaisRussianGerman
EspanolChineseEnglishOther Languages

Libya



Libya Libya
  

<<   الصفحة السابقة  |  الصفحة الرئيسية  |  الصفحة السابقة  >>

X. دور الاتحاد الأوروبي وإيطاليا

يركز هذا الفصل على البعد الأوروبي، وبخاصة البعد الإيطالي، للهجرة واللجوء في ليبيا. وهو ينظر في الأسلوب الذي اتبعه الاتحاد الأوروبي في الارتباط بليبيا كشريك له في البرنامج الذي وضعه لما يسمى "الإخراج"، ويُقصد به سعي الاتحاد الأوروبي إلى منع الكثيرين من طالبي اللجوء من الوصول إلى الأراضي الأوروبية أو إعادة من ينجحون في ذلك فور وصولهم. وهو يفحص أيضاً كيف تسبق إيطاليا الاتحاد الأوروبي في تعاونها الثنائي مع ليبيا، إذ تعمل على تدعيم قدرات ليبيا على اعتراض طريق الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى السواحل الإيطالية.

وتقوم الحكومة بتنفيذ سياسة احتجاز إلزامية للمهاجرين وطالبي اللجوء الذين لا يحملون وثائق، كما قامت بعمليات طرد جماعية أعادت بها الأشخاص إلى ليبيا، منتهكة بذلك التزامات إيطاليا في مجالي حقوق الإنسان واللجوء. وتتضمن الانتهاكات المرتكبة في المعتقل الإيطالي بجزيرة لامبيدوزا سوء أحوال المعتقل ومسلسل الطرد الجماعي إلى ليبيا دون النظر في طلبات اللجوء.

برنامج الاتحاد الأوروبي "للإخراج"

بدأ بعض راسمي السياسات في أوروبا منذ منتصف الثمانينيات في إتباع فكرة "إخراج" استضافة طالبي اللجوء الذين يصلون إلى أراضي الاتحاد الأوروبي أو الموجودين سلفاً فيها273. وتتخذ فكرة الإخراج ثلاث صور أساسية تتداخل فيما بينها:

1. مفهوم البلد الثالث المأمون: ويقصد به إعادة طالبي اللجوء إلى بلدان من غير بلدان الاتحاد الأوروبي يُفترض أنها مأمونة، وهي التي يعبرونها أثناء قدومهم إلى أوروبا، وكان ذلك، وبصورة متزايدة، دون اكتراث يذكر لتمتعهم بالحماية الفعالة فيه أم لا. والذين يُعادون إلى البلدان المأمونة المزعومة كثيراً ما يتعرضون للمزيد من الترحيل إلى بلدان ذات قدرة أقل على الفصل بإنصاف في مطالبهم أو على تلبية حاجاتهم الأساسية. وقد طبق عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مفهوم البلد الثالث المأمون في بعض الأحيان، استناداً إلى شبكة من الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف لإعادة دخول الأشخاص، ومعظمها لا يتضمن ضمانات تذكر لطالبي اللجوء274.

2. "بناء القدرات": وهو وثيق الصلة بمفهوم البلد الثالث المأمون، ويعني الانتفاع بمعونة التنمية في إيجاد ظروف الحماية الكافية في بلد ثالث، بحيث يسمح للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بعقد اتفاقات مع حكومته حول إعادة دخول الأشخاص. وهكذا يُعاد طالبو اللجوء إلى بلدان تستطيع تلبية الحد الأدنى من حاجاتهم. وتتضمن هذه الصورة عنصراً إيجابياً هو البناء الوقائي للقدرات، وتعني تقليل عدد المهاجرين واللاجئين الذين يشعرون بضرورة سلوك طرق المهربين الخطرة، وتتاح لهم بدرجة أكبر فرصة التمتع بالحماية في المنطقة. ولكن معظم المساعدة المقدمة لبناء القدرات من بلدان الاتحاد الأوروبي إلى البلدان المضيفة للاجئين والبلدان التي يعبرونها كانت موجهة إلى تدعيم الرقابة على الحدود وفرض ضوابط الهجرة275.

3. "نقل العمليات للخارج": تقضي هذه الصورة بإرسال جميع أو معظم طالبي اللجوء الذين يصلون أو يقدمون طلباتهم في دول الاتحاد الأوروبي إلى بلد خارج الاتحاد الأوروبي حتى يقوم المسئولون الذين يُعَيِّنُهُم الاتحاد الأوروبي بالنظر في طلباتهم، بمعنى إرسال طالبي اللجوء إلى مراكز فحص "عبورية" في بلدان خارج الاتحاد الأوروبي بغض النظر عن كونهم مروا في هذه البلدان أم لا. وهكذا لا تتحمل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التزامات قانونية تجاه حماية اللاجئين، بل يكون من حقها اختيار اللاجئين الذين سوف تقبلهم وتحديد عددهم. ويكاد يكون من المؤكد في هذه الحالة أن تقل كثيراً حقوق طالبي اللجوء في إتباع إجراءات الاستئناف وحقوق توكيل المحامين. وإذا كان الذين يصادف التوفيق طلباتهم سوف يعاد توطينهم في دولة من دول الاتحاد الأوروبي، على أساس الحصص المخصصة لكل منهما، فالأمر يكتنفه بعض الغموض فيما يتعلق بالمدة التي قد يكون عليهم قضاؤها في انتظار تلقي أي عرض بإعادة التوطين، أو كيف يُعاملون إذا ثبت أنهم لاجئون ولم تقدم أي عروض بإعادة التوطين، أو ماذا يحدث لطالبي اللجوء الذين لم يوفقوا.

وفي مارس/آذار 2003 اقترحت المملكة المتحدة إنشاء "مراكز فحص عبورية" في شتى الدول المحيطة بالاتحاد الأوروبي بحيث يمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن تعيد إليها طالبي اللجوء للبت في طلباتهم خارج أراضي هذه الدول276، وهو منهج يرمي إلى "تدعيم الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي" ويعني نقل طالبي اللجوء إليها، مهما يكن طريق سفرهم، وكذلك السماح بإعادة دخول كل من يثبت أنه قد عَبَر الدولة "الحاجزة" المعنية. وأبدت الدانمرك وهولندا ترحيباً بالاقتراح، وإن كانت دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا والسويد أقل تأييداً له. وكان الاقتراح يقبل تقليل الضمانات الإجرائية (حقوق استئناف محدودة، وعدم الاتصال بالمحامين ... إلخ) وينص على ضرورة احتجاز من يُرَدُّون على أعقابهم. ولكن اقتراح المملكة المتحدة قد أقر بعدم جواز إعادة طالبي اللجوء إلى مراكز الفحص العبورية أو "مناطق الحماية الإقليمية" إذا كانوا سوف يتعرضون للمعاملة القاسية واللاإنسانية.

وفي صيف 2004 اقترح وزيرا داخلية ألمانيا وإيطاليا قيام الاتحاد الأوروبي بإنشاء مراكز لفحص حالات اللاجئين في شمال إفريقيا. وعند عرض الفكرة على وزراء العدل والداخلية بالاتحاد الأوروبي في اجتماعهم الذي عقد في هولندا في يومي 30 سبتمبر/أيلول وأول أكتوبر/تشرين الأول 2004، تباينـت ردود الفعل إزاءها، ورفضتها فرنسا والسويد وبلجيكا277. وفي اجتماع وزراء العدل والداخلية في المملكة المتحدة يوم 9 سبتمبر/أيلول 2005، عاد وزير الخارجية الألماني أوتو شيلي إلى تقديم فكرة فحص طالبي اللجوء في مراكز تُقام في شمال إفريقيا وأبدى الوزراء مساندتهم لخطة قدمتها اللجنة الأوروبية تتضمن أربع نقاط أساسية هي: الإسراع بطرد المهاجرين غير الشرعيين، وزيادة اندماج المهاجرين بصورة قانونية في المجتمع، وتدعيم قدرات الدول من غير أعضاء الاتحاد الأوروبي في مجال اللجوء، ومساعدة البلدان النامية على التحكم في تدفقات المهاجرين منها278.

ورفضت بلدان العبور، مثل ليبيا، فكرة استقبال طالبي اللجوء إلى أوروبا دون مقابل مادي كبير. وأدت هذه المقاومة، وما صاحبها من الاعتراضات القانونية والأخلاقية التي أبداها المدافعون عن اللاجئين، وأجهزة الإعلام، وحكومات الاتحاد الأوروبي الأخرى، إلى رفض الفكرة تماماً.

الدور المنوط بليبيا كشريك للاتحاد الأوروبي في التعامل "الخارجي" مع اللاجئين

يعتمد الاتحاد الأوروبي حالياً على الصورتين الأولى والثانية من صور نموذج "الإخراج"، أي التركيز على اعتراض طريق المهاجرين قبل وصولهم إلى دول الاتحاد الأوروبي وإعادتهم فوراً إذا وصلوا279، وكان الاتحاد الأوروبي ولا يزال ينمي مشاركته للحكومة الليبية في هذا الصدد.

ويجري هذا التعاون في أثناء الانفراج المطرد في العلاقات بين ليبيا والاتحاد الأوروبي في السنوات القليلة الماضية. ففي إبريل/نيسان 1999 قرر المؤتمر الثالث لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ودول البحر المتوسط أنه يمكن قبول ليبيا شريكاً فيما يسمى "عملية برشلونة"280 التابعة للاتحاد الأوروبي بشرط قبول ليبيا لاتفاق برشلونة برمته281. وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2004 رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن ليبيا، بما في ذلك حظر توريد الأسلحة، التي كانت مفروضة منذ 1992282.

وفي اليوم نفسه وافق مجلس الاتحاد الأوروبي على الشروع في سياسة الارتباط بليبيا في شؤون الهجرة، وقرر إرسال بعثة فنية إلى ليبيا "لفحص الترتيبات الخاصة بمكافحة الهجرة غير القانونية"283. وفي أعقاب ذلك أرسل الاتحاد الأوروبي بعثة إلى ليبيا في الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني إلى ديسمبر/كانون الأول 2004 "لفحص الترتيبات الخاصة بمكافحة الهجرة غير القانونية"، ويستشهد هذا التقرير في شتى أجزائه بالنتائج التي توصلت إليها تلك البعثة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004 أيضاً اعتمد المجلس الأوروبي برنامج لاهاي الذي يدعو إلى اتخاذ منهج شامل إزاء اللجوء والهجرة، بما في ذلك طلب تكليف المفوضية الأوروبية بدراسة "مزايا، وملاءمة، وجدوى الفحص المشترك لطلبات اللجوء خارج أراضي الاتحاد الأوروبي". كما اقترح وضع وثيقة "للجوار والشراكة الأوروبية" بهدف "تكثيف التعاون والحوار في شؤون اللجوء والهجرة مع البلدان المجاورة وغيرها من بلدان حوض البحر المتوسط"284.

ولكن ما يقوله الاتحاد الأوروبي عن أهمية مراعاة معايير حقوق الإنسان كشرط للتعاون في شؤون الهجرة لا يسانده التعاون الذي يجري في الواقع. ففي اجتماع عقده مجلس وزراء العدل والداخلية بالاتحاد الأوروبي يومي 2-3 يونيو/حزيران 2005، وافق المجتمعون على ما انتهى إليه المجلس الأوروبي من التعاون مع ليبيا في قضايا الهجرة، قائلين إن أي تعاون مع ليبيا في شؤون الهجرة سوف يظل "محدود النطاق، ويجري على أسس فنية، ومخصصاً لحالات بعينها" ما دامت ليبيا لم تنضم انضماماً كاملاً إلى عملية برشلونة. وأشاروا في نفس الوقت إلى استعدادهم للمضي قُدُماً في اتخاذ سلسلة من التدابير المخصصة، حتى ولو كانت ليبيا أبعد ما تكون عن تحقيق المعايير الواردة في اتفاق برشلونة285. وكان من بين هذه التدابير تدعيم "التعاون العملي المنهجي بين الهيئات الوطنية المسئولة عن الحدود البحرية في الدول المعنية"، ووضع عمليات مشتركة للبحر المتوسط تتضمن النشر المؤقت لسفن وطائرات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي286. كما كان من بين التدابير المخصصة أيضاً إرسال الاتحاد الأوروبي لضباط اتصال في شؤون الهجرة إلى الموانئ البحرية الليبية وإلى مطار طرابلس لأغراض "الاعتراض"287؛ وتدريب المسئولين الليبيين في مجال الرقابة على الهجرة، وقضايا اللجوء، و"أفضل الممارسات" لطرد المهاجرين غير الشرعيين. ورحب المسئولون الليبيون بالمساعدة الدولية في التحكم والرقابة على نقاط (الدخول) البرية إلى البلد288، ولكن الاتحاد الأوروبي كان يفضل تقديم المساعدة في مجال التحكم والرقابة على السواحل (حيث نقاط الخروج).

وتدعو النتائج التي انتهى إليها المجلس أيضاً إلى الشروع في مباحثات استكشافية بين الاتحاد الأوروبي وليبيا ترمي إلى تنمية "التعاون العملي" بهدف "معالجة الهجرة غير القانونية في بعض المجالات مثل التدريب، وتدعيم بناء المؤسسات، وقضايا اللجوء، وتوعية الجماهير بأخطار الهجرة غير القانونية"289. ومن البنود التي أدرجت في قائمة المقترحات الخاصة بهذه المناقشات في الأجل القصير كيفية المساعدة في إعادة طالبي اللجوء الذين أخفقوا إلى أوطانهم "بعد الانتهاء من الإجراءات المستقلة لفحص طلبات اللجوء وفق المواثيق الدولية"، وتكثيف التعاون وبناء القدرات بهدف "إدارة الهجرة وحماية اللاجئين" بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة290.

وأضافت أسبانيا وإيطاليا ومالطا مذكرة على قائمة مواضيع المباحثات المتوسطة الأجل، إذ أعربت عن رغبتها في إدراج "التعاون الرسمي في مجال إعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا" (مع احترام حقوق الإنسان "وضمان استمرار إعادة هؤلاء الأشخاص") وكذلك تقديم مساهمات فنية ومالية لتنفيذ مشاريع عملية مشتركة بين ليبيا والبلدان المجاورة لها مثل مصر والنيجر291.

والإضافة التي قدمتها هذه الدول الثلاث المطلة على البحر المتوسط تكشف عن رغبتها في الإسراع بالتعاون مع دول المغرب العربي وزيادة طابعه التنفيذي. ومن الدلائل على أن المجموعات دون الإقليمية قد تستطيع التحرك بسرعة تزيد على سرعة الاتحاد الأوروبي إنشاء ما يسمى بحوار "5 + 5" حول الهجرة – ويعني أن خمس دول أوروبية (أسبانيا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا ومالطا) وخمساً من دول المغرب في إفريقيا (تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا) قد دأبت على عقد اجتماعات منتظمة منذ عام 2001 لمناقشة تدعيم إدارة قضايا الهجرة لديها. وكانت هذه المؤتمرات، التي ساعدت منظمة الهجرة الدولية في تنظيمها، تركز بصفة أساسية على التحكم في الهجرة غير النظامية.

عدم وجود شروط مسبقة لحماية اللاجئين

على الرغم مما قيل عن جعل "مدى التعاون وتطويره" مع ليبيا في شؤون الهجرة مشروطاً بالتزام ليبيا بحقوق الإنسان الأساسية للاجئين، فإن الاتحاد الأوروبي يمضي قدماً في العمل مع ليبيا خصوصاً في المجالات التنفيذية الخاصة بالهجرة. أي إن الاتحاد الأوروبي لم يضع شرطاً مسبقاً للتعاون سواء كان قيام ليبيا بتوقيع وتنفيذ اتفاقية اللاجئين، أو كان تعاونها مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة، أو كان تنفيذها لاتفاقية العمال المهاجرين. وإزاء غياب أي دور متفق عليه بوضوح للمفوضية السامية، فإن اهتمام دول الاتحاد الأوروبي بتقديم التدريب في قضايا اللجوء و"أفضل الممارسات" في طرد المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا، اهتمام لا يبعث على الثقة. كما إن إيطاليا نفسها تواصل طرد الأشخاص وإرسالهم دون وجه حق إلى ليبيا، وإنكار حق بعض من وصلوا إلى معتقل جزيرة لامبيدوزا في التقدم بطلب اللجوء، على الرغم من إدانة المفوضية السامية لذلك، وكذلك البرلمان الأوروبي، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (انظر "البعد الإيطالي" أدناه).

إن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تستقبل معظم المهاجرين العابرين وطالبي اللجوء من ليبيا، وعلى رأسها إيطاليا، لا ترغب في الدعوة إلى وضع ضمانات فيما يتعلق بحماية اللاجئين أو باحتجاز وطرد المهاجرين من ليبيا. فإن من شأن هذه الضمانات إعاقة الطرد العاجل للأشخاص الذين أعادتهم بنفسها قسراً إلى ليبيا، أو الذين اعترضت ليبيا طريقهم بتشجيع من هذه الدول ومعاونتها.

ولكن هناك بعض بوادر الأمل؛ فإلى جانب سعي الاتحاد الأوروبي إلى تدعيم ضوابط الحدود الليبية ورقابتها، فإنه يتحدث عن زيادة حماية اللاجئين في ليبيا. فعلى سبيل المثال، كانت البعثة الفنية التي أرسلها الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني – ديسمبر/كانون الأول 2004، صريحة في الإقرار بالمشاكل القائمة، ومن بينها عدم قيام ليبيا بالبتِّ في حالة كل شخص على حدة قبل ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. وأشار تقرير البعثة إلى "ضرورة تطبيق منهج شامل طويل الأجل فيما يتعلق بالهجرة، وينبغي أن يتضمن أيضاً ... حماية اللاجئين". وانتهى إلى أن "الاعتراف الكامل من جانب ليبيا بمكانة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من شأنه أن يمثل خطوة أولى في هذا الصدد"292. وقد انعكس جانب من هذه النتيجة في النتيجة التي توصل إليها اجتماع مجلس وزراء العدل والداخلية في يونيو/حزيران 2005، وهي التي تدعو السلطات الليبية إلى "إبداء التزام صادق بما تتحمله من التزامات بموجب اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية التي تخضع لها الجوانب المحددة من مشاكل اللاجئين في إفريقيا، وهي التي تقر بأن اتفاقية جنيف للاجئين تمثل الوثيقة الأساسية والعالمية المتعلقة بوضع اللاجئين، وتقضي بالتعاون الفعال مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة وباحترام مبدأ ’عدم الطرد أو الرد‘"293.

ويعتبر تحويل ليبيا إلى بلد مأمونٍ للُّجوء الأول هدفاً محموداً من حيث تعزيز حماية اللاجئين، لا من حيث كونه هدفاً اسميًّا ترمي إليه دول الاتحاد الأوروبي من أجل مصلحتها الخاصة، أي جعل ليبيا مقصداً أكثر ملاءمة لإعادة دخول الأشخاص. والخطط التي وضعها الاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق "الحماية في المنطقة" لا تسعى فقط إلى تحسين الحماية في دول العبور، بل إنها تقوم أيضاً على الفكرة التي تقول بأن "التحركات فيما بين القارات يندر أن تكون ضرورية لأسباب تتعلق بالحماية وحدها" حتى قبل إتمام التحسينات المذكورة294.

وكما سبقت مناقشته في هذا التقرير، فإن عدداً من التزامات ليبيا بموجب المعاهدات يعني أن عليها التعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وفي 9 أغسطس/آب 2005 وقعت ليبيا مذكرة تفاهم مع المنظمة الدولية للهجرة تقضي بأن يكون لهذه المنظمة وجود في ليبيا، ومن ثم افتتحت المنظمة لها مكتباً في طرابلس في إبريل/نيسان 2006295. وقالت المنظمة إن الاتفاق يتضمن أحكاماً بشأن "حقوق المهاجرين، وقانون الهجرة الدولي، والمعونة الفنية وبناء القدرات من أجل إدارة الهجرة"296. ووافقت الحكومة الإيطالية على تمويل مشاريع رائدة للمنظمة في ليبيا297. وقالت المنظمة إن مشاريع المستقبل سوف يكون من بينها تقديم المساعدة في العودة الطوعية، وبرامج قادرة على الاستمرار لإعادة الاندماج في المجتمع للمهاجرين غير النظاميين في ليبيا، وحملات إعلامية موجهة إلى من يمكن أن يكونوا مهاجرين غير نظاميين، ومشاريع لتوليد الدخل لمن يمكن أن يصبحوا مهاجرين في البلدان المجاورة لليبيا.

وفي مايو/أيار 1997 وقعت المنظمة الدولية للهجرة مذكرة تفاهم مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة، وافقت فيها على عدم المشاركة في تدابير تتعارض مع الشواغل الإنسانية للمفوضية"298. ومن ثم فإن من واجب المنظمة المذكورة تحديد طالبي اللجوء وإحالتهم إلى المفوضية.

واقترحت المنظمة المذكورة مجموعة من الأنشطة في ليبيا، يشار إليها بالمختصر "TRIM" (الذي يعني "إدارة الهجرة العابرة وغير النظامية") وتقضي بتنفيذ مشاريع لتحسين الأحوال في مراكز استقبال المهاجرين غير النظاميين، وتقديم المنظمة للمساعدة في إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية من خلال برنامج لديها يسمى برنامج المساعدة على العودة الطوعية وإعادة دخول الوطن. وخصصت المنظمة الدولية للهجرة مبلغ 3.59 مليون دولار في طلب ميزانيتها لعام 2005 لمشاريع ’TRIM‘ في ليبيا299. وتشارك المنظمة حالياً في مجال التدريب بأكاديمية الشرطة على الرقابة على الحدود، والوثائق المزورة، كما "قدمت المساعدة في العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين الذين يعبرون ليبيا في طريقهم إلى جنوب أوروبا"300.

وعلى الرغم من التزام الاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية للهجرة، قولاً أو فعلاً، بتعزيز دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، فيبدو أن كلاهما قد بدأ في تنفيذ مشاريع تتناقض مع هذا الالتزام. ويرجع هذا، إلى حد ما، إلى أن العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الأشد تضرراً من وصول المهاجرين العابرين وطالبي اللجوء عن طريق ليبيا ليست حريصة على إعاقة طرد الأشخاص الذين أعادتهم إيطاليا دون وجه حق، أي إعاقة إرسالهم إلى بلدانهم الأصلية. ويتضمن هذا عدم الرغبة في قيام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بفحص حالات هؤلاء المستبعدين للبت فيما إذا كانت الحكومة الإيطالية قد حرمت أي فرد في لامبيدوزا من حقه في التقدم بطلب اللجوء.

تحفظات ليبيا على التعاون مع الاتحاد الأوروبي

ترى الحكومة الليبية أن الموارد التي يريد الاتحاد الأوروبي أن تخصصها ليبيا للرقابة على الهجرة كبيرة إلى درجة غير معقولة، فالمساهمات التي قدمتها إيطاليا حتى الآن لا تمثل إلا نسبة صغيرة من التكاليف الكلية. وقال مسئولو الهجرة الليبيون لهيومن رايتس ووتش في منتصف عام 2005 إن الاتحاد الأوروبي لم يقدم إلا تسعة ملايين يورو لوقف الهجرة غير القانونية، وإنهم يعتبرون هذا المبلغ ضئيلاً إلى حد مضحك، إذا قورن بالأبعاد الهائلة للمشكلة. وقد سخر من ذلك علي امدورد قائلاً "لا يكاد يكفي مليون أو مليونا يورو لحفر بئر واحدة أو بناء مأوى واحد"301.

وربما كانت الحكومة الليبية تحاول إقناع الاتحاد الأوروبي بدفع المزيد من المال، في تركيزها على معالجة الأسباب الجذرية للنزوح القسري والهجرة لأسباب اقتصادية. وقال هادي خميس، رئيس مخيمات الترحيل الليبية "إننا نريد التعاون مع الاتحاد الأوروبي للمساعدة في التنمية في البلدان الأصلية"302.

واتساقاً مع هذا الرأي طالب المؤتمر الشعبي العام في عام 2004 بعقد اجتماع قمة بين الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، تستضيفه ليبيا، لمناقشة سبل توفير "الحياة المستقرة الكريمة" للناس في أوطانهم (وإن لم يعقد مؤتمر القمة المقترح إلى الآن). وتزعم الحكومة الليبية أنها سوف تنفق مبلغاً يتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار أمريكي على التنمية في الدول الإفريقية التي تعتبر مصدر اللاجئين والمهاجرين303. كما تقدم الحكومة مساعدات إنسانية؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2004 أرسلت ثماني شاحنات تحمل المعونة إلى مخيمات اللاجئين في شرقي تشاد. وتوجد برامج أخرى لتقديم الأغذية في بوركينا فاسو، والنيجر، ومالي، والسودان304.

وفيما يتعلق بفحص حالات طالبي اللجوء "خارج أراضي" الاتحاد الأوروبي، أجاب شكري غانم إجابة صريحة عندما سألته هيومن رايتس ووتش إن كانت ليبيا تقبل يوماً ما إقامة أمثال مخيمات الفحص المذكورة في أراضيها قائلاً: "ولماذا نقبل؟ نحن لا نريد أن نكون سلة مهملات أوروبا"305.

البُعد الإيطالي

يُعتبر التعاون الثنائي بين ليبيا وإيطاليا في مجالي الهجرة واللجوء أكثر تقدماً من ترتيبات التعاون التي تمخضت عنها المفاوضات حتى الآن بين ليبيا والاتحاد الأوروبي. فلقد كانت إيطاليا ترغب منذ عام 1999 في تدعيم تدابير اعتراض الأشخاص داخل ليبيا، وقد تطورت تلك الرغبة في السنوات الثلاث الماضية حتى غدت سياسةً لاحتجاز الأجانب الذين لا يحملون وثائق واستطاعوا عن طريق ليبيا الوصول إلى السواحل الإيطالية، ومن ثم طردهم إلى ليبيا.

وتعاون إيطاليا مع ليبيا ينبع من النظرة العامة لدى الجمهور ولدى بعض رجال الحكومة، وهي التي تقول إن طالبي اللجوء "يقتحمون" سواحل إيطاليا، وذلك إلى حد كبير مثلما كان الناس يخشون "الغزو" من شرقي أوروبا بعد عام 1989، وتقول إن جهاز التعامل مع اللاجئين والمهاجرين يتحمل فوق طاقته. ولكن الإحصائيات تبين أن حجم التدفق الجماعي المزعوم أصغر مما شاعت الخشية منه. ففي عام 2005 كانت إيطاليا تحتل المرتبة الثامنة بين دول الاتحاد الأوروبي الخمس والعشرين من حيث عدد طلبات اللجوء التي تلقتها (9500) والمرتبة الثامنة عشرة من حيث نسبة هذا العدد إلى كل ألف من السكان (0.2)306. وقد ظل عدد طلبات اللجوء يهبط باطراد منذ عام 2002، وهو العام الذي بلغ فيه الذروة فكان 16020 طلباً.

وبالإضافة إلى ذلك فقد دخلت نسبة مئوية ضئيلة نسبياً من الأجانب الذين لا يحملون وثائق إلى إيطاليا بحراً بصورة غير قانونية. وطبقاً لما ورد في تقرير حكومي إيطالي، فإن معظم الأجانب الذين لا يحملون وثائق في إيطاليا كانوا قد دخلوا البلد بصورة قانونية من منفذ بري على الحدود، وأصبحوا بلا وثائق عندما انتهت فترة تأشيرات دخولهم أو عندما تجاوزوا مدة الإقامة المنصوص عليها في تصاريح إقامتهم. ولم يدخل البلد بصورة غير قانونية عن طريق البحر إلا 10 في المائة فقط من العمال الذين لا يحملون وثائق307.

ويتمثل أحد الأسباب الأساسية لموقف إيطاليا المتشدد في اتفاقية دبلن التي أدت منذ عام 1998 إلى قيام دول الاتحاد الأوروبي الأخرى بالإعادة إلى إيطاليا طالبي اللجوء الذين جاءوا إليها عن طريق إيطاليا308. إذ أحالت اتفاقية دبلن إيطاليا من بلد عبور إلى بلد يقصد لذاته، وإيطاليا تحاول منذ مدة تحويل البلد التالي لها بنفس الصيغة، وهو ليبيا.

ففي يوم 13 ديسمبر/كانون الأول 2000 توصلت ليبيا وإيطاليا إلى اتفاق عام على مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، وتجارة المخدرات، والهجرة غير القانونية309. وفي فبراير/شباط 2003 أنشأت إيطاليا مركز اتصال دائم مع ليبيا بشأن الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. وقال وزير الداخلية الإيطالي للبرلمان الإيطالي في يونيو/حزيران ما يلي: "بعد مفاوضات طويلة ومعقدة، توصلنا إلى اتفاق مع ليبيا حول المبادرات العملية اللازمة للسيطرة على الحدود البرية، من أجل أعمال التصدي في البحر، ومن أجل القيام بنشاط مشترك للتحقيق في المنظمات الإجرامية المشتغلة بالاتجار في المهاجرين غير الشرعيين"310.

وقد أنفقت الحكومة الإيطالية في عام 2003 وحده ما يربو على 5.5 مليون يورو على التعاون مع ليبيا في شؤون الهجرة311. وقامت إيطاليا بعد ذلك بتقديم التدريب والمعدات اللازمة لوقف الهجرة غير القانونية، وتمويل إنشاء مركز استقبال للمهاجرين دون وثائق في ليبيا312. وتقول المفوضية الأوروبية إن هذا المخيم، الذي يجري إنشاؤه منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2004، سوف "يتمشى مع المعايير الأوروبية" وإن كنا لا نعرف بوضوح أية معايير تقصدها. وتعتزم إيطاليا تمويل مخيمين آخرين في الجنوب، في الكفرة وف