![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Egypt مصر ![]() |
<<previous | index | next>> 2. معلومات أساسية
تعتبر إعاقة الحكومة المصرية لحق المرأة في الطلاق دليلاً على عدم رغبتها في منح المرأة المساواة القانونية. وتسهم قوانين الأسرة وقانون العقوبات والقوانين المدنية، التي تتسم بالتمييز الشديد، في ترسيخ اللامساواة بين المرأة والرجل في الأسرة والمجتمع المصري. كما إن القوانين التي تقبل وقوع العنف المنزلي والسياسات التي تستبعد المرأة من منصة القضاء تدعم وترسِّخ وضع المرأة كمواطنة من الدرجة الثانية.
مكانة المرأة في مصرتكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية". ـ المادة 11 من دستور جمهورية مصر العربية على الرغم من بعض مظاهر التحسن التي طرأت على مكانة المرأة في مصر في العقود القليلة الماضية، فإنها ما زالت أسوأ حالاً من الرجل بأي مقياس نشاء تطبيقه؛ ففي عام 2000، وهو آخر عام تتوافر عنه الإحصائيات، كانت نسبة الأمية بين البالغين في مصر تقدر بنحو 56 في المائة بين الإناث، في مقابل 33 في المائة بين الذكور1. ويستمر تعرض صحة وأرواح النساء للخطر في مصر بسبب الممارسات التقليدية الضارة، مثل ختان الأنثى، الذي تتعرض له نسبة تقدر بنحو 97 في المائة من المتزوجات أو من سبق لهن الزواج في مصر2. ولا تزيد نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة عن 21 في المائة3. وتتقاضى المرأة، في المتوسط، 76 في المائة فقط من الأجر الذي يتقاضاه الرجل في القطاع الخاص و86 في المائة في القطاع العام4. وتقدر نسبة البطالة بين النساء بنحو 19 في المائة، مقارنة بنسبة 5 في المائة بين الرجال5. ولا تزيد نسبة مشاركة المرأة في عضوية البرلمان المصري عن 3 في المائة في مجلس الشعب وعن 6 في المائة في مجلس الشورى6. والريفيات في مصر أسوأ حالاً من نظيراتهن في المدن. ففي الريف لا تملك الإناث إلا 6 في المائة من الأراضي، رغم أنهن يمثلْن 20 في المائة من العمالة الزراعية؛ كما أنهن كثيراً ما يُمْنَعْن من السيطرة الحقيقية على ما يملكْنه من أراضٍ محدودة بسبب إرغامهنَّ، بصورة معتادة، على التنازل عن إدارة الأراضي إلى أزواجهن وأقاربهن الذكور7. وتتجلى هـذه الدرجـة الثانية لمكانة المرأة في حرمانها من سلطة اتخاذ القرار في نطـاق الأسـرة، حتى فيما يتعلق بأشد جوانب حياتهن خصوصية، إذ كثيراً ما يرغمها أحـد أقربائها الذكـور (وهو والدها عادة) علـى الزواج، وكثيراً ما يكون ذلـك قبل سن للنضوج. فنحو 20 في المائة من المصريات اللاتـي تتراوح أعمارهن بيـن العشرين والرابعـة والعشرين قد تزوجن قبل سن الثامنـة عشرة8. وبين المراهقات نجد أن نسبة 9 في المائة ممن تتراوح أعمارهـن بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة، ونسبة 20 في المائة ممن بلغـن التاسعة عشرة قد وَضَعْنَ طفلاً واحـداً على الأقل9. والزواج المبـكـر وإنجاب الأطفال لا يعرضان تعليم الفتاة للخطر فحسـب، بل قد يمثلان خطـراً على حياتهـا؛ فالزواج المبكر يزيد من خطر وفاة الأم أو الطفل، ويجعل الفتاة أكثـر تعرضاً للإصابة بالأمراض المنقولة جنسـياً، ومن بينها مـرض الإصابـة بفيروس الإيـدز أو بمرض الإيدز نفسه (نقص المناعة المكتسب) 10. والزواج القسري الذي يشبه ممارسة الرق11 يمثل انتهاكاً لعدد من المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في حرية الزواج، والحق في الحرية الشخصية والأمن، والحق في السلامة الجسدية؛ وتكتسي ظاهرة الزواج القسري والمبكر حدةً خاصة في الريف. وبعض القوانين المصرية وأحكام الدستور تؤكد وترسخ مكانة المرأة غير المساوية للرجل. فالمادة 40 من الدستور تقول "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة"12. ومع ذلك، فإن المادة 11 من الدستور تضع بعض الحدود على تمتع المرأة بهذه الحقوق؛ فإذا كانت هذه المادة تشير بصراحة إلى مساواة المرأة بالرجل في "ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية"، فإنها تتيح مجالاً لإنكار هذه الحقوق أو إذا فسرها المفسرون بأنها تتعارض مع الشريعة الإسلامية13. وعلى الرغم من أن المرأة تتمتع بمساواة اسمية بموجب المادة 40 من الدستور المصري، فإن التفاوت بين الجنسين ما زال قائماً في المجتمع المصري، وهناك كثير من القوانين التي تنتهك هذه الضمانات الدستورية بصورة مباشرة. فوفقاً للمادة الرابعة من المرسوم الوزاري14 رقم 764 (1974) لا يجوز إصدار جواز سفر للمرأة دون موافقة زوجها كتابـةً أو موافقة ممثله القانوني. كما يسمح القانون للزوج بالعدول عن هذه الموافقة في أي وقت يريده15. وبموجـب هذا المرسوم، يستطيع الزوج أن يمنع زوجته من السفر حتى لو كان قد سبق له أن وافق على حصولها على جواز سفر أو بقيامها برحلات سابقة. ورغم الاقتـراح المطروح بتغيير هذا القانون في عام 2000، قررت الحكومة إسقاط ذلك البند من مشـروع القانون عشية إقراره، وورد أن ذلك جاء إرضاءً للمحافظين الدينيين، ورغم أن شيخ الأزهر فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي16، كان قد أعلن تأييده للقانون الجديد حتى مع وجود هذا البند فيه. ورغم إصلاح قانون الجنسية في عام 2003، فإن المصريات ما زلن لا يتمتعن بحق المساواة في منح جنسيتهن إلى أطفالهن إذا كن قد تزوجن أجانب17. كما تنطوي أحكام قانون العقوبات على التمييز ضد المرأة كذلك؛ فالقانون المصري يفرض عقوبات أقسى على المرأة الزانية، فالزوجة الزانية تعاقب بالحبس سنتين18، وأما الزوج فلا يحبس أكثر من ستة أشهر19. ومعايير الإثبات الخاصة بالزنا تتفاوت بين الرجال والنساء؛ إذ تُعاقب الزوجة إذا ارتكبت الزنا في أي مكان، ولكن الزنا لا يثبت على الزوج إلا إذا ارتكبه في منزل الزوجية20. ويعتبر قتل الزوجة (لا الزوج) في أثناء ارتكاب الزنا من الظروف التي تستدعي تخفيف العقوبة، ومن ثم تخفيف جريمة القتل وتحويلها من جناية إلى جنحة21. حركة حقوق المرأة في مصريرى الكثيرون أن حركة حقوق المرأة في مصر هي الرائدة في نطاق حركة حقوق المرأة في العالم العربي22، وقد عملت الحركة المصرية بنشاط وعلى مدى عقود في سبيل إلغاء القوانين التمييزية والارتقاء بمكانة المرأة في مصر. فمنذ وقت بعيد، وتحديداً اعتباراً من عام 1951، قامت الرائدة النسائية المصرية دُرِّية شفيق على رأس مظاهرة شاركت فيها 1500 امرأة باقتحام البرلمان للمطالبة بالحقوق السياسية الكاملة وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، والمساواة في الأجر إذا تساوى العمل، بين الرجل والمرأة23. ويقدر عدد المنظمات غير الحكومة التي تعمل حالياً بشأن شتى القضايا الرامية إلى تمكين المرأة في مصر بنحو 16000 منظمة24. ومع ذلك فقد منيت الحركة بالكثير من النكسات على امتداد السنوات العشرين الماضية بسبب اشتداد المناخ العام للاتجاه الديني المحافظ والمعادي لحقوق المرأة، وبسبب القيود التي فرضتها الحكومة على المجتمع المدني، ونجاح الحكومة في استقطاب برنامج عمل الحركة النسائية وضمه إلى برامجها. وكثيراً ما تصبح حقوق المرأة ميدان المعركة الرئيسي للمواجهة الجارية بين الحكومات المصريـة المتعاقبة من جانب وبين الذين يرغبون في زيادة الطابع الإسلامي للدولة المصرية من جانب آخر. وقد حدا ذلك ببعض المراقبين إلى اعتبار الثمانينيات والتسعينيات بداية "تعرض حقوق المرأة المصرية لخطر الانقراض"25. وقد دأبـت الحكومات المصرية المتعاقبة على التفريط في هذه الحقوق إرضاءً للأوساط الدينية المحافظة في المجتمع المصري. فعلـى سبيل المثال قررت حكومة الرئيـس الراحل أنور السادات تعديل الدستور في عام 1980 حتى ينصُّ على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" في مصر26. وفي هذا الجو المثقل بالقيود أصبح أي اختلاف عن التفسيرات المحافظة لأي نص ديني من جانب دعاة حقوق المرأة يؤدي إلى رد فعل عكسي. وأصبحت المصريات اللاتي يُعْرِبْنَ عن القلـق بشأن مكانة المرأة، خصوصاً في نطاق الأسرة بسبب قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الشريعة في مصر، يُتَّهمْنَ بأنهن "مناصرات للغرب (أي نسويات أو متحررات أو علمانيات) ومعاديات للإسلام، وخاضعات لتأثير الأيديولوجيات اليسارية"27. ولكن ارتفاع مد التيار الديني المحافظ ليس السبب الوحيد للنكسات على مدى السنوات العشرين الماضيـة، إذ تأثرت الحركة النسائية المصرية كذلـك بالقيود الصارمة التـي تفرضها الدولـة على المجتمع المدني. فالقانون رقم 84 لعام 2002 ("قانون الجمعيات الأهلية") الذي يفـرض على جميع المنظمات تسجيـل نفسها لـدى وزارة التأمينـات والشؤون الاجتماعية، يضع قيوداً شديدة على المساحة المتاحة لنشاط المنظمات غير الحكومية28. وترى كثير من هذه المنظمات أن هذا الشرط، أي شرط التسجيل، يُعتبر تقييداً لحقوق التعبير وتكوين الجمعيات، ومحاولة مكشوفة من جانب الحكومة للموافقة على البعض ورفض البعض الآخر باعتبارها غير قانونية. ورغم أن مجموعات حقوق المرأة لم تكن بالضرورة الأهـداف المقصودة بهذا القانون، فإنها قد تضررت بالقيود التي فرضها. فعلى سبيل المثال، حدث في 8 يونيو/حزيران 2003 أن تلقى مركز بحوث المرأة الجديدة، الذي أنشئ في أوائل التسعينيات لرفع وعي الجماهير بقضايا حقوق المرأة (بما في ذلك ختان الإناث والعنف المنزلي) خطابـاً من وزارة التأمينات والشؤون الاجتماعية يتضمن رفض طلب المركز للتسجيل، بموجب نصوص قانون جديد يحكم أنشطة المنظمات غير الحكومية29. وفي 15 يونيو/حزيران 1991 أغلقت الحكومة جمعية تضامن المرأة العربية، التي ترأسها الداعية النسائية والكاتبة نوال السعداوي، ونقلت ترخيصها وأرصدتها إلى منظمة نسائية إسلامية30. وقد ازداد تقليص المساحة المتاحة للنشاط المستقل في مجال حقوق المرأة نتيجة الجهود التي بذلتها الحكومة لاحتكار برنامج عمل حقوق المرأة من خلال المجلس القومي للمرأة. وقد أنشئ هذا المجلس بموجب قرار جمهوري في عام 2000 باعتباره "هيئة مستقلة مسؤولة عن تمكين المرأة المصرية"31 ولكن استقلال المجلس القومي للمرأة الذي ترأسه السيدة الأولى سوزان مبارك مشكوك فيه، إذ أعرب العديد من ممثلي هذا المجلس في مقابلاتهن مع هيومن رايتس ووتش، وإن كُنَّ لا يردن الإشارة إليهن بأسمائهن، عن القلق من أن تحويل موارد كبيرة من الجهات الدولية المانحة إلى المجلس القومي للمرأة سوف يزيد في آخر الأمر من سيطرة الحكومة على برنامج عمل حقوق المرأة ويضعف المجتمع المدني32. ومما يقوض من استقلال هذا المجلس واستعداده لتوجيه الانتقادات علناً للقوانين أو السياسات المناهضة لحقوق المرأة، وجود مقره في مبنى المقر الرئيسي للحزب الوطني الديموقراطي الحاكم في القاهرة. قوانين الأحوال الشخصية القائمة على التمييز في مصرتعتبر قوانين الأحوال الشخصية في مصر نموذجاً صارخاً للتمييز بين الرجل والمرأة. فقوانين الأحوال الشخصية التمييزيـة التي تحكم الزواج والطلاق والحضانة والميراث في مصر تنكر على المرأة كثيراً من الحقوق التي يحميها قانون حقوق الإنسان الدولي. ففي جميع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، رسخت هذه القوانين، مُؤَسسياً، مكانة المرأة الدنيا في الأسرة، فقوضت موقفها القانوني في المجالين الخاص والعام. فقوانين الأحوال الشخصية تعامل المرأة أساساً باعتبارها قاصراً في نظر القانون وخاضعة على الدوام لوصاية أفراد الأسرة الذكور، وهذه القوانين وهذه القوانين "تعامل المرأة باعتبارها جزءاً من تنظيم مؤسسة الأسرة، لا باعتبارها فرداً يتمتع بحقوقه المستقلة أو المساوية لحقوق الرجل"33. وعلى الرغـم من جوانب التقـدم الذي أحرزته المرأة في مصـر في مجالات أخرى، مثـل التعليم والعمل في الحياة العامة، فإن قانون الأسرة ما زال نسبياً دون تغييـر، وهو يواصل تقويض الشخصية الكاملـة للمرأة فـي المجتمع. ولقد ثبت أن قوانيـن الأحوال الشخصية أكثر استعصاء على التغيير من غيرها، لأنه في مصـر "تعتبر المرأة العنصر الـذي يحمل ويكتب الـدوام للقيـم الثقافيـة والأعـراف الاجتماعية"، الأمر الـذي "يزيـد من مقاومة أي تغيـير في مكانتـها أو القوانيـن التي تحكـم حياتها"34. فخلافـاً لسائر عناصر النظام القانوني المصري المستمد من القانون المدني الفرنسي35، تعتمد قوانين الأحوال الشخصية للمصريين المسلمين36 بصفة أساسية على الشريعة37. وقوانين الأحوال الشخصية المذكورة والقائمة على الدين لا تتمشى مع الأحكام التي تنص على المساواة في الدستور المصري لأنه، على نحو ما أشار إليه أحد الباحثين، "حيث ينص الأخير [الدستور] على ضمان التساوي في الحقوق بين جميع المواطنين، تنص الأولى [قوانين الأحوال الشخصية] على تقديم بعض المزايا للرجال في الأسرة (في مجالات الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال) وتنكرها على النساء"38. وكان رؤساء الجمهورية المصرية الثلاثة منذ الاستقلال، أي جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك، ورغم الاختلافات الواضحة في توجهاتهم السياسية، يدعون ويناصرون علناً حقوق المرأة، ولو بدرجات متفاوتة. ومع ذلك فقد تحاشوا جميعاً أي تَصَدٍّ مباشر لعدم المساواة والتمييز البارزان بين الجنسين، المنصوص عليهما في قوانين الأحوال الشخصية التي يرجع تاريخ وضعها إلى العشرينيات من القرن العشرين. وعلى الرغم من جهودهم المختلفة للارتقاء بمكانة المرأة المصرية في الحياة العامة، فقد تركوا قوانين الأحوال الشخصية ضمناً في أيدي المؤسسة الدينية التي كانت ترغب في تأكيد الطابع الديني للدولة بالحفاظ على سيادة الرجل في المنزل. وقد أدت هذه الاتجاهات المتناقضة إلى "الغرابة الشديدة التي يتسم بها حال المرأة [المصرية] إذ إنها رغم حصولها على المزيد من الحقوق العامة (في التعليم والعمل والمشاركة السياسية) لا تزال تواجه صوراً خطيرة من التمييز بين الجنسين في الأسرة"39. وفي حين أعلن الميثاق الوطني الذي أصدره الرئيس عبدالناصر عام 1962، باعتباره "منهجاً للتحول الاشتراكي في مصر"، تأييده لمساواة المرأة بالرجل في التصويت، وفي التعليم وفي العمل، ظلت جوانب التفاوت بين الجنسين قائمة لم يمسسها تغيير في قوانين الأحوال الشخصية40. ولم يبدأ التصدي للتمييز المنصوص عليه في قوانين الأحوال الشخصية إلا في ظل قيادة الرئيس السادات، إذ أصدر في عام 1979 عدة إصلاحات (عرفت باسم قوانين جيهان41، إشارة إلى السيدة الأولى جيهان السادات) في قانون الأحوال الشخصية، كان من بينها القانون رقم 44 الذي جعل الجمع بين أكثر من زوجة أساساً في ذاته للطلاق42. وإذا كان تعدد الزوجات دائماً من أسس الطلاق، فإن على المرأة أن تقدم الدليل على أنه قد لحقها "ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما" بسبب الزواج الثاني43. وكانت هذه الإصلاحات قد صدرت أثناء عطلة البرلمان ثم وافق عليها المجلس التشريعي فيما بعد، ولكن المحكمة الدستورية العليا حكمت بأنها مخالفة للدستور في ظل حكومة مبارك عام 1985. وقد نجح الضغط النسائي الشديد إبان انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة في نيروبي في حمل الحكومة على إعادة صياغة تلك القوانين؛ وهكذا، وبعد شهرين من قرار المحكمة الدستورية العليا، صدر قانون جديد يعيد العمل ببعض أحكام قانون 197944. وإذا كانت قد أدخلت بعض التعديلات الإجرائية في قوانين الأحوال الشخصية45 في ظل حكم مبارك، فلقد أظهرت الحكومة امتناعها عن التصدي المباشر لهذه القوانين. العنف المنزلي في مصرللرجل الحق بمقتضى الشرع أن يؤدب زوجته. هذه حقيقة. وليس بوسع أحد حرمانه منها، ولكن هذا الحق ليس إلزامياً في الشريعة، فالله يقول إن خيركم من لا يلجأ مطلقاً إلى استعمال هذه السلطة. ـ حسام أبو يوسف، نائب بمجلس الدولة، القاهرة 25 يونيو/حزيران 2004 يعتبر العنف المنزلي ظاهرة منتشرة ومقبولة على نطاق واسع في مصر. ويقول بعض المراقبين إن "العنف المرتكب ضد المرأة [في مصر] كثيراً ما يُفَسَّر على أنه مشكلة التأديب القائم على حسن النية والذي أفلت زمامه"46 ولا تحتفظ الحكومة بإحصائيات دقيقة وحديثة عن مستوى العنف المرتكب ضد المرأة، الأمر الذي يجعل من أصعب الأمور تقدير طبيعة ودرجة مثل هذا العنف، ومعدلات رفع الدعاوى القضائية وأحكام الإدانة، أو طبيعة العقوبات المحكوم بها في مثل هذه القضايا. والواقع أن آخر مسح قومي يتضمن إحصائيات عن العنف المنزلي وهو المسح الديموغرافي والصحي لمصر، وقام به المجلس القومي للسكان ("مسح عام 1995") قد أُجري منذ عقد كامل تقريباً47. وكانت نتائج مسح عام 1995 مذهلة؛ كانت العينة المستخدمة في المسح تتضمن سبعة آلاف امرأة متزوجة تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشرة والتاسعة والأربعين عاماً. وقد وجد المسح أن امرأة واحدة من بين كل ثلاث "من المصريات اللاتي سبق لهن الزواج قد تعرضت للضرب مرة واحدة على الأقل منذ زواجها". وكان 45 في المائة من هؤلاء قد ضُربن مرةً واحدةً على الأقل في العام السابق، و17 في المائة ضربن ثلاث مرات أو أربع في غضون الفترة نفسها. وقال أربعون في المائة من النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة، و20 في المائة من اللائي تتراوح أعمارهن بين الأربعين والتاسعة والأربعين إنهن ضُربن أثناء الحمل. ويزيد احتمال التعرض للإيذاء بنسبة ثلاث مرات أو أكثر بين النساء اللائي حصلن على التعليم الابتدائي أو لم يحصلن على أي تعليم عنه بين اللائي أَتْمَمْنَ التعليم الثانوي أو التعليم العالي48. كما تضمن مسح 1995 تقييماً للمواقف تجاه العنف، فأظهر أن المجتمع المصري يعتبر العنف أمراً طبيعياً إلى حد بعيد، لدرجة أن ما يقرب من 86 في المائة من النساء اللائي شملهن المسح قُلْنَ إن الأزواج لهم الحق في ضرب زوجاتـهم في ظروف معينة. وفي المتوسط قالت نسبة 70 في المائة من اللائي شملهن المسح، وتتراوح أعمارهن بين الخامسة عشر والتاسعة والأربعين إن من حقوق الزوج أن يضرب زوجته إذا رفضت الجماع. وقالت نسبة تقدر بنحو 70 في المائة من النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين العشرين والتاسعة والعشرين، ممن شملهم مسح المركز القومي للسكان، إن العنف له ما يبرره إذا "ردت" الزوجة على ما يقوله زوجها، وقالت نسبة 65 في المائة إن الضرب له ما يبرره إذا تحدثت الزوجة مع رجل آخر، و42 في المائة في حالة الإسراف في الإنفاق، و26 في المائة في حالة إحراق طعام الغداء، و50 في المائة في حالة إهمال الأطفال، و70 في المائة في حالة رفض الجماع49. وربما كان يتجلى في الحقيقة التالية أن العنف ضد المرأة مقبول اجتماعياً في المجتمع المصري، وهي أن كثيرات من النساء اللاتي أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات معهن، قُلْنَ إنهنّ يؤيدْن العنف المنزلي باعتباره صورة مشروعة للعقاب على العصيان. هذه أرقام مرتفعة لكنها قد لا تدعو إلى الدهشة؛ فكثير من المصريات اعْتَدْن تقبل العنف لأن القانون المصري يسمح "بتأديب" المرأة "الناشز". فالمادة 60 من قانون العقوبات تنص على ما يلي: "لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة"50. وقد استُخدم هذا القانون، الذي ينطبق على أي عمل من أعمال العنف يرتكب "بسلامة نية" في تبرير العنف المنزلي. وفي إطار هذا القانون، ذُكر أن "سلامة النية" تتوافر للفعل في الظروف التالية: 1- إذا لم يكن الضرب شديداً؛ 2- إذا لم يكن الضرب موجهاً للوجه؛ 3- إذا لم يكن الضرب موجهاً "لمناطق الضربات القاتلة"51. غياب المرأة عن وظائف وكلاء النيابة الجنائية والقضاةإنـه صراع بين المقتنعين بأن المـرأة لا تصلح للعمل قاضية وسوف تسمع مائة تبرير [لذلك] وبين الأقلية المتنورة، المقتنعة بإمكان ذلك، [لكنهم] لا حيلة لهم. ـ حسام أبو يوسف، نائب بمجلس الدولة، القاهرة، 25 يونيو/حزيران 2004 المعمول به حالياً في الحكومة المصرية هو عدم إتاحة الفرصة للمرأة للعمل قاضية؛ وحرمان المرأة من الجلوس على منصة القضاء غير منصوص عليه في أي قانون (ديني أو علماني) أو في الدستور، بل هو العُرف الجاري فحسب، القائم على النظرة النمطية المنحازة ضد المرأة. وحرمان المرأة من منصة القضاء معناه أن مصر لا تنتهك فحسب أحكام المساواة في المواثيق الدولية، بل إنها تنتهك انتهاكاً صارخاً، أيضاً، التزامها بأن "تكفل تكافؤ الفرص لجميع المواطنين" المنصوص عليه في الدستور المصري نفسه52. ولا يزال مجلس القضاء الأعلى يرفض أي طلب تتقدم به المرأة للالتحاق بالقسم الجنائي من النيابة العامة، وهو القسم الذي يُختار صغار القضاةِ من بين أعضائه. وأحياناً يكون الرفض دون تعليق، وأحياناً يُشار صراحة إلى السبب وهو أن المتقدم أنثى53. وأحياناً ترفع صاحبة الطلب المرفوض قضية أمام المحاكم الإدارية المصرية، طالبة إعادة النظر في الطلب، ولكن المحاكم الإدارية التي كثيراً ما تؤيد المؤهلات المهنية للمتقدمة، قد دأبت باستمرار على تأييد حق مجلس القضاء الأعلى في إصدار قراراته.54 وقد كُسرت هذه القاعدة مرةً واحدةً عندما صدر قرار جمهوري بتعيين النائبة تهاني الجبالي، في 2003، قاضية في المحكمة الدستورية العليا. وأعرب الرئيس مبارك والسيدة الأولى سوزان مبارك عن تأييدهما للتعيين، مما استحال معه على مجلس القضاء الأعلى أن يطعن في القرار. وبعد انقضاء عام كامل، لا تزال تهاني الجبالي القاضية الوحيدة في مصر؛ ولا يبدو أن تعيينها قد فتح الباب أمام تعيين جيل جديد من القضاة الإناث من المصريات55. وكان القضاة وغيرهم من ممثلي وزارة العدل صرحاء في معارضتهم لجلوس المرأة على منصة القضاء، وأبدوا أسباباً تقوم على التمييز الشديد، لمعارضة عمل المرأة بالنيابة الجنائية أو القضاء. وقال أحد القضاة الذي لم يرغب في ذكر اسمه لهيومن رايتس ووتش ما يلي: إن طبيعة العمل القضائي مرهقة جداً وتتطلب من القاضي نسيان بيته ... وكثيراً ما ينقل القضاة للعمل خارج القاهرة ... فهل سيسمح الأزواج لزوجاتهم بالإقامة خارج منزل الأسرة؟ وهل تستطيع الأسرة احتمال ذلك؟ 56. كما قيل أيضاً إن المرأة تخضع لعواطفها بسهولة، الأمر الذي يمنعها من اتخاذ القرارات السديدة. وعندما سألنا قاضياً آخر عن سبب اعتقاده بأن المرأة ينبغي ألا تعمل قاضية، قال لهيومن رايتس ووتش إنه "إذا كان القاضي متعباً، أو قلقاً، أو غاضباً أو ليس في حالة نفسية أو بدنية سليمة، فيجب عليه الامتناع عن نظر القضايا"57. وبغض النظر عن هذه الأسباب التمييزية، كان المسؤولون الحكوميون كثيراً ما يشيرون إلى الحساسيات الثقافية باعتبارها المبرر الرئيسي لاستمرار استبعاد المرأة من هيئة القضاء. وقال المستشار عبد الرحمن محمد، المفتش القضائي الأول، لهيومن رايتس ووتش: لا تفرقة بين الرجـل والمرأة في القانون المصري والدستور؛ فلدينا رؤساء جامعات وسفراء من النساء لا فرق هنا. ولكن هناك بعض الوظائف التي لم تمارسها المرأة حتى الآن، مثل وظائف وكلاء النيابة والقضاة، لأن المجتمـع لا يقبل ذلك. فالمرأة إذا دخلت تلك المهنة فسوف تضطر إلى العمل بالقضايا الجنائية. وطبيعة [العمل] لا تناسب المرأة، لأنه يقتضي التحقيق في جرائم القتل وإشعال الحرائق والاغتصاب. وما زلنا لا نستطيع أن نتخيل أن فتاة تستطيع النهوض بهذا الدور؛ وعندما تتغير ثقافة الناس فربما قبلوه. وربما تتغير الثقافة مع مرور الوقت58. إن غياب صوت المرأة من الهيئة القضائية يلقي ظلالاً من الشك على العملية القضائية برمتها؛ فإذا لم يسمح مثلاً لأفراد أقليات دينية أو عرقية أو عنصرية معينة بأن يعينوا في مناصب القضاة، فلن يملك أفراد الطائفة المستثناة إلا أن يحسوا بالاغتراب وفقدان السلطة في قاعة المحكمة. ويتجلى غياب القضاة من النساء بصورة صارخة إلى أقصى حد في المسائل المتعلقة بالأسرة؛ فعندما تغيب أصوات النساء وآراؤهم اللازمة لمواقف الهيئة القضائية ومعالجتها للشؤون القانونية، خصوصاً في المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق، فلا يمكن للسلطة القضائية بصفة عامة أن تزعم أنها تفصل في المنازعات الأسرية من خلال إطار متوازن ومحايد. أي أن قدرة القضاة الرجال على تقدير بواعث الزوجة التي تطلب الطلاق تقديراً صحيحاً تصبح مشكوكاً فيها بسبب عدم مشاركة المرأة في الهيئة القضائية. [1] البنك الدولي، مصر: صورة موجزة لأوضاع الجنسين [من ال& |