II . الإطار القانوني للجمعيات
القانون المغربي
يضمن الدستور المغربي في مادته التاسعة حرية تأسيس الجمعيات[9]. وفي العام 1979 قام المغرب بالتصديق دون تحفظ على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل، في مادته 22 لكل فرد "[الـ]حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه".
تأسيس وعمل الجمعيات في المغرب منظم بمرسوم صادر عام 1958، ظهير شريف 1-58-376 ، ويؤكد هذا القانون على حق كل شخص في تكوين الجمعيات "بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل 5".
يبدأ الفصل الخامس من قانون تأسيس الجمعيات بـ: "يجب أن تقدم كل جمعية تصريحاً إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية". من ثم، فإن الجمعيات مُطالبة بالتسجيل، على الرغم من أن القانون المغربي لا يعاقب الأفراد لمجرد أنهم ينتمون إلى، أو يعملون داخل، الجمعيات التي لم تصرح بنفسها لدى السلطات.
ومع ذلك، فالقانون يعاقب على الأنشطة التي يتم القيام بها باسم الجمعية التي لم تحترم الشكليات المنصوص عليها في الفصل 5، عندما تنطوي هذه الأنشطة على بعض المعاملات المالية، أو ممتلكات حقيقية (انظر الفصل الثالث من هذا التقرير للاطلاع على هذه العواقب وغيرها من عواقب اعتبار الجمعية "غير مصرح بها").
إجراءات التصريح بجمعية والحفاظ على وضعها القانوني
يحدد الفصل 5 من قانون تأسيس الجمعيات إجراء التصريح بجمعية والحفاظ على وضعها القانوني. ويتضمن نص الفصل قائمة بوثائق مُحددة أعدتها السلطات بشأن الجمعيات (بما في ذلك نظامها الأساسي وأهدافها، وعنوانها، ونسخ من بطاقات هوية أعضاء المكتب التنفيذي)، ثم الانتظار 60 يوماً.
الفصل 5 ينص على أنه لدى استلام الوثائق المطلوبة من ممثل الجمعية، تقوم السلطة الإدارية المحلية بتسليم وصل مؤقت مختوم ومؤرخ. وينص القانون على أن السلطة المحلية مُلزمة بتسليم الوصل المؤقت "على الفور" ولا يتيح للسلطة أية حق في رفض قبول الوثائق أو رفض إصدار وصل مؤقت. وصل الإيداع المؤقت هو الوثيقة المفتاح: في غضون 60 يوما يمكن للسلطات أن تأذن رسميا للجمعية بأن تبدأ العمل عبر إصدار وصل الإيداع النهائي. في نهاية فترة الـ 60 يوما كل جمعية تتوفر على وصل الإيداع المؤقت يمكنها أيضا أن تعمل بصورة قانونية، في غياب وصل الإيداع النهائي، ما لم تعارض سلطات الدولة التصريح بالجمعية (أنظر أدناه).
العرقلة الإدارية لعملية التصريح
النموذج الأكثر شيوعا من التعسفات يحدث عندما ترفض السلطات الإدارية المحلية، وقوامها موظفي وزارة الداخلية، تلقي وثائق تأسيس الجمعية، أو قبول هذه الوثائق، لكنها ترفض قضية تسليم وصل الإيداع المؤقت الذي يؤكد مكان وتاريخ تقديمها. دون وصل إيداع مؤرخ، لا يمكن لأية جمعية أن تثبت أنها قدمت وثائق تأسيسها وفقا للقانون، وبالتالي لا يمكنها الاعتماد على انقضاء 60 يوما بعد تقديمها، حيث، وفي غياب قرار ضد التصريح بها، ينبغي أن تصبح حرة في العمل. وتجادل بعض الجمعيات، وفقاً لقراءتها للقانون، بأنه طالما أنها بذلت جهداً بحسن نية لإيداع وثائق التأسيس المطلوبة ولم تعترض السلطات في غضون 60 يوماً؛ فهي إذن قانونية. ومع ذلك، فإن أعضاء في جمعيات عدة قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن المسؤولين يصرون على أن الجمعيات التي لا يمكن أن توفر إما وصل الإيداع المؤقت أو النهائي، فهي ليست مؤسسة قانونيا، ويتعاملون معها على هذا النحو.
ويمكن لأية جمعية أن تطعن أمام المحكمة الإدارية في رفض السلطة المحلية تلقي وثائق أو تسليم وصل الإيداع. ومع ذلك، لا تستطيع المحكمة الإدارية إجبار السلطات على أن تتصرف بشكل مختلف، كما أنه ليس لديها صلاحيات إنفاذ القوانين، وتستطيع فقط أن تقضي بأن السلطات الإدارية تجاوزت صلاحياتها، وأن تأمر بدفع تعويضات لصالح الطرف المتضرر. وبالتالي، فإن حُكم المحكمة الإدارية لصالح إحدى الجمعيات لا يتبعه بالضرورة قبول وثائقها أو تسليمها وصل الإيداع. وهذا هو الحال مع اثنتين من المنظمات وردتا في دراسات الحالة في الفصل الرابع: الجمعية الصحراوية ونقابة عمال ومستخدمي الإنعاش الوطني بالعيون.
عقبات أمام الجمعيات القائمة حينما تضع تصاريح تجديدة
إن مشكلة العراقيل الإدارية لا تظهر فقط لدى تأسيس المنظمة، بل أيضاً في أوقات أخرى، عندما يكون مطلوباً إخطار السلطات كتابةً بتطورات داخلية معينة. يقضي قانون تأسيس الجمعيات في الفصل 5 منه بأن تُخطِر الجمعية رسمياً السلطات كتابياً، في غضون 30 يوماً، بتغييرات من قبيل تغيير تركيبة الهيئة المسيرة أو الإدارية، أو إدخال تعديلات على نظامها الأساسي أو النظام الداخلي، أو إنشاء فروع. كما يجب على الجمعية إبلاغ السلطات إذا قررت أن تُبقي، بدلاً من أن تغير، أعضاء المكتب عند انتهاء ولايتهم على النحو المنصوص عليه في النظام الداخلي للجمعية. ويفترض من السلطة التي تتلقى إخطارات من هذا القبيل أن تصدر وصلاً مختوماً ومؤرخاً بذلك، ولكن شرط الإخطار أصبح مناسبة أخرى للسلطات لممارسة مزيد من الضغط على الجمعية برفض إما تسلم الإخطار الكتابي أو رفض إصدار وصل الإيداع.
الأسس القانونية لرفض أو سحب الاعتراف القانوني
ليس للسلطة المحلية بموجب القانون دور في تقييم وتحديد أهلية الجمعية التي تسعى إلى التصريح بنفسها. بدلاً من ذلك، عليها أن تكتفي بإرسال نسخة من وثائق ملف التأسيس إلى مكتب النيابة العامة بالمحكمة المختصة. ويمكن للوكيل العام "إذا اقتضى الأمر"، أن يصدر "رأياً" في الوثائق التأسيسية للجمعية. اعتراض وكيل الملك في غضون فترة الستين يوماً يعني أن الجمعية غير مُصرَّح بها قانوناً. ويمكن لأعضائها الطعن في ذلك الاعتراض أمام المحكمة الإدارية. والقيود الواردة في هذا الخيار هي نفسها القيود القائمة عند تقديم طعن أمام المحكمة في رفض الإدارة تسلم الوثائق أو إصدار وصل الإيداع المُشار إليها أعلاه.
ويحدد الفصل 3 من قانون تأسيس الجمعيات أنواع الجمعيات التي لا يحق لها الوجود من الناحية القانونية: "كل جمعية تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو قد يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز تكون باطلة".
تحديد الفصل 3 للأهداف الممنوعة يتناقض مع التزامات المغرب بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص في المادة 22 منه على أنه: "لا يجوز أن يُوضع من القيود على ممارسة (حق تأسيس الجمعيات) إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم". ويجب أن تُفسر هذه القيود في المادة 22 تفسيراً ضيقاً. على سبيل المثال، مصطلحات مثل "الأمن القومي" و "السلامة العامة" تشير إلى الحالات التي تنطوي على تهديد مباشر وعنيف للأمة، والتي لا ينبغي الخلط بينها وبين الحالات التي تهدد فقط استمرار الذين يحكمون البلاد حالياً في السلطة. القيود "الضرورية" يجب أن تكون متناسبة: هذا يعني أنه يجب ألا تكون واسعة النطاق أكثر مما هو ضروري للتصدي للسبب المحدد لفرضها. وعلاوة على ذلك، عند تقييد الحق في تكوين الجمعيات، فالعبء يقع على عاتق السلطات لإثبات أن هذا الإجراء مُبرَر ومُتناسِب في الوقت ذاته.[10]
إن القيود المسموح وضعها على الحق في تكوين الجمعيات بموجب المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هي في جميع الحالات في نطاق أضيق من المفاهيم الواسعة التي تشكل في القانون المغربي أساساً لحظر الجمعيات، والتي تقدم نفسها لخدمة جميع أنواع التفسيرات السياسية الذاتية من طرف السلطات. فعلى سبيل المثال، رفضت الحكومة السماح لمنظمة صحراوية لحقوق الإنسان، "تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان (كوديسا)"، التصريح بتأسيسها، على أساس أن تركيزها على حقوق الصحراويين يشكل دعوة غير قانونية للتمييز (انظر دراسة الحالة في الفصل الرابع). وكل جمعية تفضل مغرباً علمانياً يُنظر إليها على أنها تمس بالإسلام، وكل جمعية تفضل استقلال الصحراء الغربية، يمكن أن يُنظِر إليها على أنها تمس بوحدة التراب الوطني، وأي واحدة تدعو إلى فصل السلطة في المغرب، وذلك للحد من صلاحيات الملك، يمكن أن يُنظر إليها على أنها تمس بالنظام الملكي.
وحينما تحصل جمعية على وصل الإيداع النهائي، أو بعد مرور فترة الستين يوماً دون صدور حكم ضد الاعتراف بها؛ لا يمكن حل الجمعية إلا بموجب أمر صادر عن محكمة الإبتدائية، وفقا للفصل 7 من قانون تأسيس الجمعيات. الفصل 36 ينص على أن "كل جمعية تقوم بنشاط غير النشاط المقرر في قوانينها الأساسية يمكن حلها" ويعاقب مُسيرو الجمعية بغرامة. والتمست السلطات في عام 2003 بنجاح من المحكمة الابتدائية في مدينة العيون في الصحراء الغربية بحل منظمة حقوق الإنسان، منتدى الحقيقة والإنصاف - فرع الصحراء، على أساس، من بين أمور أخرى، أن أنشطتها كانت ضارة بـ"وحدة التراب الوطني" للمغرب[11].
غياب أسباب واضحة لعرقلة الاعتراف
هناك مشكلة في قانون تأسيس الجمعيات نفسه، وهي أنه لا يشترط أن تُبدي سلطات الدولة سبباً عندما ترفض الاعتراف القانوني بجمعية. ولدى المغرب قانون يطلب، بشكل عام، من سلطات الدولة أن تُصرِّح بالمبرر وراء أي قرار إداري فردي يحرم الطرف المعني[12]. ومع ذلك، وفي الممارسة العملية، ، فإنها لا تقدم دائما تفسيرا لذلك. كما هو موضح في واحدة من دراسات الحالة في الفصل الرابع أدناه، حيث اعترضت السلطات رسميا على إنشاء فرع أسا للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، دون إبداء الأسباب.
ومن الشروط الأساسية للتمتع بالحق في انتصاف فعال بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان أن يكون لأي شخص أو كيان، يتمتع بشخصية قانونية، قادرا على معرفة السبب وراء تدخل السلطات في أي حق من حقوقه (في هذه الحالة حرية تكوين الجمعيات). فقط إذا عرف الطرف المتضرر أساس الرفض يمكنه الطعن فعليا في ذلك الرفض أمام المحكمة. ولذلك ينبغي على السلطات أن تضمن أن أي رفض بالاعتراف بجمعية يَصدُر مصحوباً بمبرر موضوعي لذلك الرفض.
ومن الصعب معرفة عدد المرات الذي تستخدم فيه السلطات معيار الفصل 3 والفصل 36 للاعتراض على حق جمعية في الوجود. هذا لأنه أقل شيوعاً أن تعترض السلطات رسمياً على إنشاء جمعية، أو البحث عن حلها عبر المحكمة؛ فالأكثر حدوثاً هو قيام السلطات بدفع الجمعية لمأزق قانوني، من خلال رفض تسلم وثائق الجمعية أو إصدار وصل إيداع لها. في هذين السيناريوهين، نادرا ما تقدم السلطات دافعا وراء حرمان جمعية من حقها في التصريح بنفسها قانوناً.
[9] " يضمن الدستور لجميع المواطنين ... حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون." دستور المغرب على الانترنت باللغة العربية في http://www.maroc.ma/NR/exeres/59096D32-166D-4078-B90A-735F767BFBDB.htm (تمت الزيارة في 7 سبتمبر/أيلول 2009).
[10] انظر لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31، طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في هذا العهد [2004]. وفقا لمانفريد نوفاك، وهو أحد المعلقين البارزين في هذا العهد، المادة 22 (2) تسمح بالحظر الشامل للجمعيات فقط على المنظمات التي تشكل"تهديدا" سياسيا أو عسكريا "لكامل الأمة" أو التي تهدف أنشطتها إلى تدمير حقوق أخرى من العهد. مانفريد نوفاك، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التعليق 2 النسخة الثانية المنقحة (كيهل إيم راين: ن.ب إنجل، 2005)، ص. 506.
[11] انظر هيومن رايتس ووتش، حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيمات تندوف للاجئين، http://www.hrw.org/ar/reports/2008/12/16-0






